×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

نفسه بحسب هذا البيان، ومن العلوم المحرّمة ذاتاً، وهذا ما تريده سلطات بني أميّة وبني العباس وكثير من الحكومات، فـ (لا تفتّش عمّا جرى في السابق، حتى في الحرب العالميّة الأولى والثانية، لأنّك إذا فتّشت في الحروب العالمية أو فترات الاستعمار سوف تُحقِن نفسك بنظرة سلبيّة تجاه التمدّن الغربي أو من هذا القبيل، فاقفل البحث التاريخي؛ لأنّه سيؤثّر على موقفك ورؤيتك وما إلى ذلك، فعلم التاريخ علم خطير، ملغوم وموبوء، ويفجِّر كثيراً من الدمامل والقيح والجراحات، وقد خاطبك القرآن الكريم بأنّ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾، فإذن ماذا وراء تنقيبك وتفتيشك عن سرائر الآخرين؟ ولماذا تقتحم حرمة الآخرين وحريمهم فتفتّش عن كلّ صغيرة وكبيرة؟! فكأنّك تتسوّر من على جدران بيوت الآخرين وتقتحم تلك البيوت، هذه من مسؤوليّات ربّ العالمين، لا من مسؤوليّة الأفراد).

فهم يقولون: (إنّ أحد محاذير وخطورات علم التاريخ هو أنّه يوجب العدوان والتجرّئ والاقتحام وهتك حريم الأفراد، وهذا الحريم مصون، ولكلّ فرد مصونيّة خاصّة، فلماذا أنت ـ بواسطة علم التاريخ ـ تقتحم حرمة الآخرين؟!)

نوافذ على ما دعى لتحريف معنى الآية

ذكرت لكم أنّ هذه الآية الكريمة ـ وللأسف ـ تسرّبت إلى كتب كثيرة وكثيرة في التراث الإسلامي، وحتى أنّها تسرّبت إلى بعض كتب التفسير أو الكلام وغيرها لدينا، ومن الخطورة بمكان أن يتحوّل مسخ معاني القرآن إلى

٤٠١
بديهة، فهم يحرّفون الكلم عن مواضعه(١)، فإنّ معنى الآية الكريمة ـ وكما سنشاهد ـ يخالف المعنى الذي سُبِك لها مائة وثمانين درجة، لكنّ هذا المعنى الأصلي الذي نزلت به الآية حُرِّف وحُرِّف حتى صار مقابلاً لمعنى الآية تماماً، وبُدِّهَ هذا المعنى المحرَّف للآية ـ أو للآيتين ـ إلى أن أصبح تراثاً في الفكر والعقل والذهنية الإسلامية، بحيث أنّك لا تشاهد حالياً منتدى فكرياً إسلاميّاً تثار فيه بحوث تاريخية إلا ويعطوك فيه ضابطة وميزاناً في البحث عليك أن لا تتجاوزه، وهو خط أحمر، وهو: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾.

فيقولون: (إذن؛ لا تقتحم حريم الأجيال، لا سيّما الجيل والصدر الأوّل، فهو حريم مصون ويقول البارئ تعالى: دعها فقد مضت، دعها وما كسبت، وفكّر فيما تكسبه أنت، ما يعنيك ما قد مضى في الأجيال).

نعم هذا الطمس والتحريف لمعاني القرآن من أخطر سبل التحريف، فالقرآن الكريم ـ وبحمد الله ـ مصون عن التحريف بألفاظه المتواترة القطعيّة، إلاّ أن السلطات الأمويّة والعباسيّة عملوا في المعاني، فحُرِّفت كثير وكثير من الآيات عن معانيها ومواضعها، بحيث بُدِّهَ المعنى المحرَّف، وطُمِس وأقصي المعنى الأصيل الحقيقي للآية.

وهذا من الخطورة بمكان، ومن ثَمَّ حياة الدين بالعلم، وحياة العلم بالتحقيق والتنقيب والتدقيق لا بالتقليد، فإذا لم تنبرِ سواعد وتأخذ على عواتقها وكاهلها الجدّ والاجتهاد، وتُشمِّر عن أيديها بالكدِّ والجدِّ والجهد ليلاً

١- في إشارة للآية ٤٦ من سورة النساء.

٤٠٢
ونهاراً فلن نستطيع أن نزيل الغبار الذي تراكم على كثير من الحقائق النيّرة للدين، ومن ثَمَّ أنّ وظيفة الإمام(عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنّه يحيي دارس حكم النبيين(عليهم السلام) والقرآن الكريم؛ لأنّ المعاني إذا حرِّفت تنطوي.

بهذه الاستدلالات أصبح البحث التاريخي وكذلك أصبحت الكتب والمصادر التاريخية منبوذة وفيها تَقَحُّم على الموبقات؛ لأنّ القرآن ـ بزعمهم وادّعائهم ـ ينهى عن ذلك بأشدّ نهيٍ، بينما يؤدّي البحث التاريخي إلى ذلك، فصار علم التاريخ ـ إثر ذاك ـ من العلوم المنبوذة وعلماً خطيراً مُحرّماً، وكأننّا نعيش في قرون دكتاتوريّة الكنائس في العهد المسيحي من غلق العقول والأفكار والآراء.

وللإجابة عن هذه المقالة وهذا الزعم سيتبين لنا: أنّ الآية ليست بصدد النهي عن البحث التاريخي والتنقيب فحسب، بل هي بصدد الحثّ على الفحص والتنقيب والاجتهاد ونبذ التقليد، عكس ما ادّعي ورُسِم وسُبِك للآية من معنى.

ولصحوة الفكرة والتفكّر نذكر لكم عدّة منبهات قبل التعرّض لسياق الآية:

كيف ينهى القرآن عن التنقيب وهو يقوم بذلك؟

القرآن الكريم هو ـ بنفسه ـ كتاب يستعرض التاريخ، فكيف أنّ القرآن الكريم ينهى عن التفتيش والتنقيب عن التاريخ، والحال أنّه ينقل لنا وقائع ربما لم يعلمها إلاّ الله عزّ وجلّ.

فعلى سبيل المثال: من علم بما جرى بين زليخا ويوسف(عليه السلام) ؟ ومن

٤٠٣
أفشى ذلك؟ فكيف يتتبّع القرآن الكريم مثل هذه الموارد؟

كما يذكر القرآن الكريم لنا ما جرى بين قابيل وهابيل، فيقول: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَك﴾(١)، وهذا الحوار لم تسجّله لا ورقة تاريخية ولا راوٍ، بل القرآن الكريم هو الذي سجّله فحسب.

وكذلك أصحاب الأخدود وعاد وثمود وغيرهم كثير، فما يفتأ القرآن الكريم إلاّ ويستعرض لنا حقب وأدوار التاريخ، فكيف ينهى القرآن الكريم عن خُلُق وهو يأتي به؟!

أوليس القرآن الكريم يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾(٢)، فهو ـ بالعكس ـ يبيّن لنا أنّ التاريخ علم هادف، ويجب تحرّيه والتنقيب والتفتيش فيه؛ لأنّ فيه عِبرة، والعِبرة نور البصيرة.

فأعظم نعمة ورزق وجوهرة وفيض يستفيضه العبد من الله عزّ وجلّ هو البصيرة، والبصيرة نورها العِبرة، كما يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، فهي ليست قصصاً خيالية أو رومانسية من نسيج الخيال، بل العِبرة في التاريخ الذي هو رهين الحقيقة.

وأيضا يقول الباري تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾(٣)، ويعني ذلك أنّ أحد أبواب بيانات القرآن الكريم العظيمة

١- سورة المائدة:٢٨.

٢- سورة يوسف: ١١١.

٣- سورة يوسف:٣٠.

٤٠٤
هو سرد قصص تاريخ الغابرين السابقين، لتكون عِبرة للحاضرين والراهنين وكذلك للأجيال اللاحقة.

فيبيّن القرآن الكريم أنّ شرافة علم التاريخ والتنقيب والتفتيش في هذا العلم هو العِبرة، العبرة التي هي وطيدة الصلة بالعقيدة، فأعظم العِبر والحِكَم تكون في الخُلُق والسلوك و ..، وأعظمها في العقيدة ومنهاج العقيدة.

إذن؛ الصلة الوطيدة هي التي تكون بين التاريخ والعقيدة، وهي العِبرة، وسنتعرّض ـ إن شاء الله ـ في جلسة لاحقة إلى أنّه كيف أنّ المنهج التاريخي ليس منهج أسانيد وأخبار آحاد فحسب، بل هو فوق ذلك: >منهج عِبرة<، ومعنى ذلك أنّه: دليل وحجّة فوق الحجج الظنّية، فهو عبرة ونور بصيرةٍ للعقيدة.

الآية الأخرى التي تحثّ على التنقيب في علم التاريخ هي قوله تعالى: ﴿تلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾(١)، فما يفتأ القرآن الكريم يعدّد لنا قصصاً وتاريخاً لقومٍ فقومٍ.

القرويّة والتمدّن في القرآن الكريم

طبعاً المراد من >القرى< في اصطلاح القرآن الكريم هي المجتمعات والأمم والتمدّنات غير الموحِّدة، فالتمدّن في اصطلاح القرآن ليس بالعمران ولا التكنولوجيا ولا الصناعة، فهو يسمّي حضارة الفراعنة التي لا زالت من حيث الصناعة قائمة وشامخة >قرويّة<، ولا يعتبرها تمدّناً؛ لأنّ تمدّن القرآن

١- سورة الأعراف :١٠١.

٤٠٥
ليس بالعمران وإنّما بالمعرفة.

فهو يقيم التمدّن بحسب المعرفة والإنسانية والخُلُق والآداب والفضائل، لا بحسب آليات المعيشة والبطن والبصر والفرج وما شابه ذلك، فهذه آليات حيوانية غرائزية.

فآخر نظام تكنولوجي تكونوقراطي من حيث >الجنس< و>الفتك< و>الحروب< و>التجسّس< وغير ذلك يعتبره القرآن نظاماً قروياً همجيّاً حيوانياً غريزيّاً غابيّاً، وتخلّفاً لا إنسانية.

وأمّا الحاضرة التي تكون بدائية العمران في أسباب المعيشة لكن تعيش المُثُل والمكارم والإنسانية والتوادّ والرحمة والأمانة والوفاء والفضائل والمعرفة الإلهية؛ فيعتبرها القرآن تمدّناً، ولذلك ورد في سورة >يس<: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾(١)، تلك المدينة كانت قرية من حيث العمران، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾(٢)، فالقرية في الآية لم تكن قرية حقيقةً، بل كانت مدينة عامرة بالعمران إلاّ أنّ القرآن سمّاها >القرية<، وسمّى حاضرة حبيب النجار ـ التي تُعدُّ قرية بحسب منطق العمران ـ >مدينة<؛ لتوحيدهم وإيمانهم بالله عزّ وجلّ، واستجابتهم للمُثُل الإنسانية والفطرية، فهم تحضّروا وتمدّنوا من حيث الفطرة الإنسانية.

وعلى أيّة حال فعندما يقول تعالى: ﴿تلك الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، يعني: الأمم التي لم تزدهر من حيث الإنسانية والخُلُق والمكارم، بل ازدهرت من

١- سورة يس: ٢٠.

٢- سورة يس: ١٣.

٤٠٦
حيث الغرائز والتوحّش والخداع وسفك الدماء، فخطت خطوات شديدة في ذلك، فيسمّيها القرآن قرى.

رجوع لصلب البحث

وعلى كلٍ، فإنّ القرآن الكريم يبيّن في قوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١) غاية علم التاريخ، وهو التفكّر، والتفكّر هو الصلة الوطيدة بين علم التاريخ والعقيدة، >تفكّر ساعة خير من عبادة ستين سنة<(٢).

التاريخ عقائد ومناهج وشرائع وسُبُل مُجسَّمة، تنظر ـ من خلاله ـ إلى الصالح منها والطالح، كما تنظر إلى نتائجها فتتّعظ وتعتبر وتنتخب المسار الصائب والصحيح، هنا الصلة الوطيدة بين التاريخ والعقيدة، فالعبرة وليدة التفكّر والتدبّر في التاريخ، وهي المحور والركن الركين في العقيدة ومنهاجها.

إذن هذا هو حثّ القرآن الكريم على البحث التاريخي، وعلى ذلك فكيف يمكننا تفسير وتأويل الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ بتشابه ومتشابه، والحال أنّ القرآن الكريم لم يزل يتلو علينا في ليله ونهاره في سوره وآياته عن أحداث الأمم السابقة، فبالعكس: هو الذي يربّي المسلمين على علم التاريخ والعبرة منه والتفكّر فيه.

١- سورة الأعراف : ١٧٦.

٢- بحار الأنوار ٦٦: ٢٩٣.

٤٠٧

وضع الأحاديث لتحريف معنى الآية الكريمة

واللطيف أنّ مصادر المذاهب الإسلامية حافلة بالاستدلال وبهذه الآية الكريمة للنهي عن التفتيش والتنقيب في علم التاريخ ودراسته، حتى أنّ الدارقطني في سننه والطبراني وغيرهم رووا عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (لا تُكفِّروا أحداً من أهل قبلتي بذنب وإن عملوا الكبائر، وصلوا خلف كلّ إمام، وجاهدوا ـ أو قال: قاتلوا ـ مع كلّ أمير، والرابعة: لا تقولوا في أبي بكر الصديق ولا في عمر ولا في عثمان ولا في علي إلا خيراً، قولوا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾(١))، فهذا استشهاد بالآية الكريمة في حديث نبويّ مزعوم ينسب للنبي(صلى الله عليه وآله) في المصادر الحديثية عند كثير من المذاهب الإسلامية.

إذن هذا المعنى المسبوك للآية يناقض خُلُق القرآن وسنّته الأكيدة المتكررة المستمرة، فربما لا تجد سورة من السور ـ سوى القليل منها ـ إلاّ وفيها عبرة من حدث تاريخي.

لماذا يقتحم القرآن الكريم حريم البشر؟

وربما يتسائل سائل، فيقول: كيف يقتحم القرآن الكريم حريم الأفراد، في الحديث عن أحداث زليخا أو قابيل مثلاً، فقابيل ارتكب ذنباً ولكن لماذا يشهِّره القرآن الكريم من أوّل تاريخ البشرية إلى يومنا هذا؟! وكأنّ القرآن

١- سنن الدار قطني ٢: ٤٣، رقم الحديث ١٧٤٢، وكذلك راجع: الامعجم الأوسط للطبراني ٣: ١٧٥ ـ ١٧٦, ولسان الميزان لابن حجر ٦: ٢٢٦.

٤٠٨
الكريم لا يراعي حريم البشر ولا حريم الفرد وحرمته وشخصيته، فهل هذا التسقيط والتشهير من القرآن الكريم سياسة حسنة؟!

طبعاً هذه مغالطة، فلو كان الفرد البشري يُتتبّع ويُراقَب من زاوية حقّه الفردي وبُعده الشخصي لكان هذا التساؤل أو النكير على خُلق القرآن الكريم في محله، إلاّ أنّ الحقّ العام في حياة الأشخاص ليس حقّ يمتلكوه هم أنفسهم لأنفسهم، بل هو حقّ لعامّة البشر.

ولتقريب الفكرة يعني: أنت أيّها الفرد البشري! لا تظننّ أنّ السلوك الصادر منك يتقوقع ويتسوّر وينحصر بك نفسك فحسب، فإنّك تعيش في حوض كبير من الماء، وإذا أوجبت وباء الماء أو تلوّثه أو اتّساخه سيعود ذلك بالمرض والخطورة والتهديد لحياة كلّ البشرية.

واللطيف في القرآن الكريم أنّه يعتبر أدوار وأجيال البشريّة كلّها في مشهد واحد وصعيد ووادٍ واحد، وذلك كنفس تَمَثُّل الحشر في يوم القيامة، في الدلالة على أنّ الشخصية البشرية تعيش مشتركات تجمعها في مشهد واحد.

ولهذا الأمر براهين بحسب العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع، فلأيّ فعل من أيّ فرد إنسانيّ تَموُّجٌ وتداعيات وتسريبات، يؤثِّر من خلالها على جيله المعاصر، وجيله المعاصر يتأثّر ويؤثّر على الأجيال الأخرى، فكأنّ البشريّة تعيش في صعيد ومشهد واحد.

قواعد تؤكّد على ضرورة التنقيب

ومن ثَمَّ جاءت تعاليم الدين وقواعد عديدة ـ سأذكرها ـ كلّها تؤكّد

٤٠٩
على لزوم التفتيش والتنقيب في التاريخ وتحديد الموقف، عكس ما تدّعيه هذه المقالة، من: (أنّك لست بحَكَم كي تنصب نفسك بين النزاعات والمناوشات التي حدثت ـ مثلاً ـ في الصدر الأوّل بين الصحابة).

فهي قواعد عديدة أصيلة بين المسلمين تلقّوها من القرآن الكريم وسنّة النبي العظيم(صلى الله عليه وآله) ، وكلّها تحث على أنّك يجب أن تحدّد موقفك ورؤيتك عمّا جرى من أحداث في صدر الإسلام وقبل صدر الإسلام، وكذلك من الأمم السابقة إلى الأمم اللاحقة.

قاعدة: من أحبّ عمل قوم أشرِك معهم

ومن ذلك القاعدة الخطيرة والمهمّة، والحديث المستفيض والمتواتر معنى ـ ولا أقول لفظاً ـ الذي يقول: (من أحبّ عمل قوم أشرِك معهم)، طبعاً ألفاظ الحديث مختلفة كثيراً في مصادر الإمامية وكذلك عند أهل السنّة، ومنها: >أنت مع من أحببت<(١)، و>المرء يحشر مع من أحبّ حتى لو أحبّ أحدكم حجراً حشر معه<(٢)، وغيرها، فهي الفاظ وصياغات عديدة(٣)، لكن

١- مسند أحمد ٣: ٢٧٦.

٢- تفسير ابن عربي ١: ٤٢.

٣- منها ـ عند أهل السنّة ـ لا على سبيل الحصر: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود حيث قال: جاء رجل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحبّ قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): >المرء مع من أحب<.
راجع: صحيح البخاري ٧: ١١٣، وصحيح مسلم ٨ : ٤٣.
وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣: ١٨، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: >من أحبّ قوماً حشر معهم<.
وعن أبي قرصافة ـ كما في المعجم الكبير ٣: ١٩ ـ قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله): >من أحبّ قوماً حشره الله في زمرتهم<.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد ٥: ٤٠٥، الحديث ٢٩٧٨ عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: >من أحبّ قوماً على أعمالهم حشر يوم القيامة في زمرتهم، فحوسب بحسابهم وإن لم يعمل أعمالهم<.
وغيرها كثير.

٤١٠
المعنى واحد.

والمؤسف أنّي لم أجد ـ إلى يومنا هذا ـ في الكتب الفقهية تحريراً وافياً لهذا البحث، نعم ربما نجد في كتب التفسير عند الإمامية أو كتب الحديث العقائدية تفاسيرَ رائقة وناصعة إلى جملة من زوايا هذا الحديث الشريف.

ولكن ما هو معنى هذا الحديث؟ يعني هذا الحديث: أنّ الإنسان غير مسؤول عن أيّ عمل يصدر من أيّ فرد إنسانيّ، وذلك عكس ما أرادوا أن يصوغوا للآية من معنى.

والملاحَظ في الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ أنّه تعالى قال: ﴿لاَ تُسْأَلُونَ﴾ بالضم، ولم يقل: (لا تَسألون) بالفتح، ويعني ﴿لاَ تُسْأَلُونَ﴾: أنّكم غير مسؤولين، ومعنى (لا تَسألون): لا تُنقّبوا، فالآية لا تقول: (لا تَسألوا)، بل اسألوا، أمّا ﴿لاَ تُسْأَلُونَ﴾ فيعني أنّ ما صدر من عمل منهم لا يُكتَب في صحيفتك أنت، ففرق بين الكلمتين، فلا تقل: (لا تَسألون)، لأنّ الآية الأخرى

٤١١
تقول: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾(١).

والحديث الشريف المستفيض المتواتر ـ الذي ذكرناه ـ يقول: أنت أيّها الإنسان! مسؤول عن تحديد الموقف تجاه أيّ فعل من أيّ فرد إنساني، فإن كان الفعل سلبياً يجب أن يكون موقفك منه سلبياً، وإن كان إيجابياً فيجب أن يكون موقفك إيجابياً.

قد تقول: وما يعنيني ذلك؟!

والجواب: يعنيك أن تُشارَك أنت وتُشَرَّك في عمله، إما أجراً أو وزراً، ومن دون أن يُكتَب في صحيفة أحدٍ عملُ الآخر، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(٢)، صحيح أنّك لا تحمل عبئ نفس أخرى، ولكن يكتب لك من الأجر أو من الوزر كما كتب لذاك، من دون أن ينقص أو يستنقص من ذاك، وهذه هي المسؤولية التي يشيّدها هذا الحديث الشريف.

أنا سمعت ـ مثلاً ـ أنّ قابيل قتل هابيل، فهل أتبرّم من هذا الفعل، أو أتضامن معه، أو أميل وأهوى إليه؟

يقول الحديث النّبوي المستفيض والمتواتر معنى عند المذاهب الإسلامية عند الجواب: إن مال هواك قيد شعرة إلى التضامن مع ما فعله قابيل فأنت تُشرَّك في وزره، من دون أن ينقص من وزره شيء طبعاً، وهذه مسؤولية عظيمة.

كلّ من أصحاب الأخدود وفرعون وعاد وثمود و قارون وهامان ويزيد

١- سورة الأعراف: ١٧٦.

٢- سورة الإسراء: ١٥.

٤١٢
وعمر بن سعد وعبيد الله بن زياد والمتوكّل وغيرهم، ماذا فعلوا؟ إذا كنت تضامنت مع فعلهم فإنّك تُشرَّك في نتيجة أفعالهم، إن كان حسناً فحسن وإن كان سيئاً فسيئ، فهذه مسؤولية عجيبة وعظيمة.

وهذا عكس ما أرادوا أن يصيغوه للآية الكريمة: ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فأنت تُسائَل عن موقفك، إن كان متضامناً أو متبرماً، هل تدين أفعال أولئك أو تتضامن معهم؟ فالمرء مع من أحب، فكأنّ الإنسان لا يعيش عصر نفسه، بل كلّ دهور البشريّة وأعصارها في مشهد واحد.

والسبب في ذلك: أنّ الإنسان ـ بحسب مراتب وجوده ـ أرفع من بدنه الضيّق، وأرفع حتى من غرائز نفسه المحدودة، فهو يعيش بعقله في أفق تكون فيه البشرية في مشهد واحد، وبحسب قلبه يعيش آفاقاً ليست أدوار الدنيا السابقة واللاحقة فحسب، بل عوالمَ يستعرض فيها القرآن الكريم له حتى المُسائلة التي جرت بين الملائكة وبين الباري تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾(١).

فلماذا يُشهِّر الله بملائكته؟ لكي يعطي عبرة لك أنت ـ أيّها الانسان! ـ، خذ بعقلك وقلبك عبرة حتى من موقف بعض الملائكة ووقوعهم في ترك ما هو أولى، فخذ عبرة في أنّ الاعتراض على حكم رب العالمين أمر خاطئ، وهذا المشهد أعلى من مشهد دار الدنيا.

كما يحكي لنا القرآن ما يجري بين أهل النار: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ

١- سورة البقرة: ٣٠.

٤١٣
أَهْلِ النَّار﴾(١)، لِمَ؟ لأنّ المودّة كانت كاذبة بينهم وكان بينهم تغادر وتخادع، فهذا مصيرهم.

فالقرآن الكريم ـ ولأنّ درجة من درجات وجود الإنسان عظيمة جداً ـ فإنّه يُعيِّش الإنسانَ موقعاً ودرجة وأفقاً يشرف من خلاله على عوالم كثيرة، وهذه العوالم الكثيرة تجعل الإنسان لا مسؤولاً عن عصره الراهن والعصور السابقة واللاحقة فحسب، بل مسؤولاً عن أحداث عوالم.

قاعدة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب

لذلك فإنّ هناك قاعدة دينية رصينة أخرى لا بدّ أن نتعرّض لها، وهي قاعدة: >الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر<، فإنّ أحد درجاتها هي الدرجة القلبية، وهي نفس مضمون الحديث الشريف: >من أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم<، فالإنسان بقلبه يعيش في أفق عالٍ جداً.

قال الفقهاء ـ وياليتهم وسّعوا هذا البحث ـ : أدنى مراتب إنكار المنكر ما يكون في القلب.

جيد! وأيّ منكر يُقصَد بذلك؟

والجواب: أنّ إنكار المنكر بالقلب ليس بلحاظ المنكر الراهن أمام عين الإنسان فحسب، بل يشمل حتى المنكر الذي صدر من قِبَل قابيل أو يزيد بن معاوية أو شمر بن ذي الجوشن ومن قِبَل غيرهم من طواغيت التاريخ.

كما أنّ أدنى مراتب الأمر بالمعروف هو الأمر بالقلب، يعني: أنّك إذا

١- سورة ص : ٦٤.

٤١٤
شاهدت معروفاً فأحببه بقلبك، ولكن أيّ معروف؟ يشمل المعروف الذي صدر من سيد الأنبياء وسيد الأوصياء وسيدة النساء وسيد الشهداء(عليهم السلام) ، فأحببه بقلبك.

إذن قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كباب من أبواب الفقه في الفقه الإسلامي ـ لا ينحصر بالعصر الراهن أبداً، بل يعمّ كلّ التواريخ.

وللحديث صلة ـ إن شاء الله ـ بلحاظ الإجابة عن هذا التحريف لمعنى الآية.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

٤١٥

(١٤١) المنهج بين البحث التأريخي والعقائدي (القسم الثالث)

الشيخ محمّد السند

٤١٦

٤١٧

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم أيّها الحضور الكرام ورحمة الله وبركاته.

ملخص الحديث

كان الحديث يدور عن تحرّي المنهج بين التاريخ والعقيدة، وأنّ هناك من يصوّر انفصاماً بين المنهجين، أو المنهج العلمي في عموم بحوث المسائل الدينيّة من الفقه والعقيدة، وأنّ المنهج التاريخي منهج كشكولي يضمّ كل ما هبّ ودبّ، وليس قائماً على منهج علميّ، وأنّ في التاريخ ما يوجب طامات، وتُتداعى منه خطورات ومحاذير على الأمّة أو على البشريّة.

فالحديث ـ طبعاً ـ حول مفاد الآية الكريمة التي زُعم أنّها ناهية ورادعة عن البحث التاريخي، وأنّ هذا البحث من فضول الكلام أو من التعدِّي على حريم الآخرين، أو التقحّم في الشؤون الإلهية؛ لأنّه نوع من الحكمية والحكم والقضاء على الأمم السابقة، وهذا فعل الله وليس فعل البشر، فكأنّ المؤرخ يستعرض سجلات وصحائف البشر، ويورّق صحيفة صحيفة من تلك السجلاّت، فيفتح الملفات، وهذا ليس من شؤونه؛ إذ أنّه

٤١٨
ليس من الكرام الكاتبين، وليس الحَكَمَ العدل، بل الحكم هو الله عزّ وجلّ، فإذن علم التاريخ علم الفضول أو علم مُحرَّم، وما شابه ذلك.

واستمسكوا في هذه المقالة بالآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١)، فقالوا بأنّ مفادها: (أنّها أمّة قد خلت، أي: مضت، فلها صحيفة أعمالها، ولكم صحيفة أعمالكم، لا تُسألون عما كانوا يعملون، فلا يعنيكم ولا يخصّكم الغور والتفتيش والتنقيب في صحائف أعمالهم).

وقد استعرضنا عدّة أجوبة سابقاً، في أنّ القرآن الكريم يحثّ على التاريخ أيّما حثٍّ، في ليله ونهاره، وهناك بعض الآيات في هذا المجال لا بأس أن نقرأها أيضاً إضافة للآيات التي ذكرناها سابقاً.

آيات تحثّ على البحث التاريخي

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(٢).

وقال عزّ وجلّ: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(٣).

وهاتان الآيتان تبيّنان الصلة الوطيدة المنهجيّة بين علمي التاريخ والعقيدة في أنّ من قمم خلاصات علم التاريخ هو ما تُستخلَص منه رؤى

١- سورة البقرة : ١٣٤ و ٤١ .

٢- سورة الروم : ٩.

٣- سورة الأنعام : ١١.

٤١٩
وبصائر للعقيدة، فواضح عند اللبيب أنّ الأمّم التي تنتهج نهجاً خاطئاً كيف تتردّى وتنزلق، ثم يجعل الله عزّ وجلّ عاقبتها السوء، وهذه خلاصة واستخلاص وعبرة وبصيرة عظيمة جداً من التاريخ.

فالتاريخ الهادف الموجّه هو الذي تُستخلص منه رؤى ومناهج عقائدية، وكأنّ القرآن الكريم يقول لنا بأعلى صوته: إنّ مادّة التاريخ مصدر هامّ في إضاءة رؤى العقائد ونهجها.

انظر كيف يصوّر لنا القرآن الكريم الصلةَ في المنهج بين التاريخ والعقيدة، ثم يقولون بعد ذلك بأنّ علم التاريخ مذموم أو موصود بابه بتوسّط تأويل مزعوم للآيتين الكريمتين: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.

وسنبيّن الآن المعنى الصحيح للآيتين، وهو عكس ما راموه وزوّقوه وصوّروه وفصّلوه من معنى متشابه خاطئ لها، فقد زوّقت سلطات بني أمّية وبني العباس لهاتين الآيتين الكريمتين معنى خاصاً لإسبات العقل أو الذهنية الإسلامية عن التفتيش والتنقيب في التاريخ؛ وذلك لأنّ التاريخ يوجب صحوة الذهن البشري كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١)، فيوجب إيقاظ الشعوب والأمم عمّا يفعله الظالمون في الوقت الراهن، ولكن عندما يُنيمُون ويُسبِتون العقلَ البشري فإنّهم يكونون قادرين على فعل ما يرومونه.

فمعنى الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا

١- سورة الأعراف : ١٧٦ .

٤٢٠