×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

كَسَبْتُمْ﴾ هو عكس ما أرادوا لها من معنى، فمعناها أنّه: يجب عليكم التنقيب والتفتيش عن الأمم السابقة، وعدم التقليد والتبعيّة لهم، بل اتّبعوا الدليل، كما سنأتي على ذلك بشواهد في نفس سياق الآية.

شواهد على دلالة الآية الكريمة

سأقرأ عليكم عشر آيات قبل هذه الآية كي أبيِّن لكم جوَّ الآيات وسياقها؛ لأنّنا إذا أتينا بآية مقتطعة عن سياقها وبترناها فربما لا يلحظ لها معنى، وإن كان السياق شاهد وقرينة، وإذا أتت قرائن أخرى معاكسة له تُقدَّم تلك القرائن على قرينة السياق، ولكن السياق هنا ـ على أيّة حال ـ مؤثِّر، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُل ْإِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ*الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين*َواتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ*وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾(١)، إلى أن تشير الآيات إلى إقامة إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) القواعد للبيت الحرام، ودعائهم بأن تكون في ذرّيتهم الأمّة المسلمة، وأنّ النبي إبراهيم(عليه السلام) دعى بأن يبعث الله عزّ وجلّ رسولاً في ذريته من نسل إسماعيل(عليه السلام) .

١- سورة البقرة : ١٢٠ ـ ١٢٣.

٤٢١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٩ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٢١ - ص ٤٥٠)يستعرض القرآن الكريم هذه الآيات إلى أن يُبيِّن أنّ شريعة النبي إبراهيم(عليه السلام) وملّته ودينه هو الإسلام، لا اليهودية ولا النصرانية كما تزعم اليهود والنصارى، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ*وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ*أَمْ كُنتُمْ [أي: أنتم اليهود أو النصارى] شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١).

بعد ذلك يقول الباري تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(٢).

إلى أن يصل إلى أنّ صراطهم صراط الإسلام ودين الإسلام، فيقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً

١- سورة البقرة: ١٣٠ ـ ١٣٤.

٢- سورة البقرة: ١٣٥ ـ ١٣٦.

٤٢٢
وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ*قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾(١).

أنا أستعرض هنا سياق الآيات عن عمد، لكي ننظّم ـ بعد ذلك ـ بيان هذه الآيات، ونذكر كيف أنّ لها صلة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

يقول تعالى بعد الآية ٣٩ من سورة البقرة: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(٢)، ثم تتكرّر الآية مرة أخرى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٣).

طبعاً الآيات التي جاءت قبل ذلك جاء فيها: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى ٰكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾(٤)، وهذه الآيات وإن كانت سابقة كثيراً على سياق هذه الآيات، لكنّها أيضاً في نفس هذا السياق.

فمحصّل الاستدلال أنّ الباري تعالى بيّن عدّة أدلّة في حجاج اليهود

١- سورة البقرة: ١٣٧ ـ ١٣٩.

٢- سورة البقرة: ١٣٩ ـ ١٤٠.

٣- سورة البقرة: ١٤١.

٤- سورة البقرة: ١٠٦ ـ ١٠٧.

٤٢٣
والنصارى، ثم أتى بهذه القاعدة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

حجج في ردّ اليهود والنصارى

فمن الحُجج والأدلّة التي ذكرها الله عزّ وجلّ في ردّ اليهود والنصارى:

الحُجّة الأولى: إنّ لله عزّ وجلّ صلاحيّة وولاية فوق صلاحيات أنبيائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام) ، فهؤلاء أنبياء الله وعبيد طائعون له، ولنفترض جدلاً وحواراً أنّ النبي إبراهيم(عليه السلام) والأنبياء العظام ـ كما يزعم اليهود والنصارى ـ كانوا على نهج اليهوديّة أو النصرانيّة، ولكن أليس من صلاحيات الله أنّ ينسخ ويأتي بآية مثلها أو خير منها؟! قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

فأنتم ـ أيّها اليهود المعاصرين لخاتم الأنبياء! ـ إذا استبان لكم بالبراهين والمعجزات من الله عزّ وجلّ أنّه تعالى نسخ شريعة أنبيائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام) وأتى بشريعة سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله) ، فلِمَ لا تتّبعون هذا النسخ؟!

أليس الله هو صاحب الحجة الأعلى والولاية الرفيعة على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام) ؟!

وهذه أولى الحُجج التي يدمغ بها الله عزّ وجلّ حِجاج اليهود والنصارى، وهناك حُجج أخرى لها صلة وطيدة بمعنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ذكرها الله عزّ وجلّ أستعرضها بشكل فهرسي وأعود إلى هذه الحُجة الأولى.

٤٢٤
الحجّة الثانية: إنّ النصرانية لم تكن إلّا في زمن النبي عيسى(عليه السلام) ـ كما يزعم النصارى ـ ، واليهوديّة لم تكن إلّا في زمن النبي موسى(عليه السلام) ـ كما زعم اليهود ـ ، فما قبل أنبياء الله موسى وعيسى(عليهما السلام) ، وفي زمن النبي إبراهيم والنبي يعقوب(عليهم السلام) لم تكن نصرانية ولا يهودية، وهذه من الحجج الواضحة.

الحجّة الثالثة: إنّ النبي إبراهيم(عليه السلام) هو الذي بنى وأقام وشيّد ـ مع النبي إسماعيل(عليه السلام) ـ قواعد البيت الحرام في مكة المكرمة، وذكرنا بالشواهد أنّ نزوح اليهود من الشامات ـ من أراضي الجنان التي تغرّد بملاذّ الدنيا ـ إلى صحراء الحجاز وخيبر وفدك ـ حيث الهجير والتمر والماء ـ كان قبل عشرات أو مئات السنين(١)، وهذا دليل تاريخيّ قاطع ودامغ.

ليس هذا استلال بآية أو رواية يقبلها النصرانيّ أو اليهوديّ أو لا يقبلها، بل هو دليل تاريخي مفعم قطعيّ، فقلاعهم وبيوتهم موجودة لحد الآن، لذلك يقول القرآن الكريم: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾(٢)، وهذا دليل لا يمكن أن يختلف عليه أثنان من البشر.

إذن هناك أدلّة دامغة وكثيرة على أنّ دين النبي إبراهيم(عليه السلام) كان دين الإسلام، وأنّه(عليه السلام) نزح إلى مكة المكرمة، بل كلّ الأنبياء(عليهم السلام) حجّوا حول بيت الله الحرام، فإذن كانت ملّتهم واحدة ونهجهم واحداً.

الحديث حول صلاحيّة الله في التشريع والنسخ

نعم يذكر الله عزّ وجلّ عدّة حجج وأدلّة في هذه الآيات، من الآية ١٠٧

١- ذكر ذلك سماحته في الجزء الأول من بحثه: المنهج بين البحث التأريخي والعقائدي.

٢- ‌ سورة الروم: ٤٢.

٤٢٥
إلى الآية ١٣٤، ثم بعد ذلك من ١٣٤ إلى ١٤١، ولا أريد هنا أن آخذ الوقت باستعراض الآيات وتفصيلها، ويهمّني من ذلك الدليل الأوّل الذي ذكره القرآن في صدارة الأجوبة، وهو: أنّ صلاحيّة التشريع والنسخ لله عزّ وجلّ، فإذا كانت صلاحيّة النسخ والتشريع له تعالى فكيف تتمسّكون أنتم بسيرة النبي إبراهيم(عليه السلام) حسب زعمكم بأنّها يهودية أو نصرانية، ولا تتمسّكون بولاية الله والأدلّة القائمة لديكم على ولاية الله وصلاحيته التي هي فوق صلاحيّة الأنبياء، وقد استبان لكم بالأدلّة والمعاجز التي أبانها سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) أنّ إرادة الله عزّ وجلّ كانت على بعث سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله) بشريعة خاتمة، فكيف لا تتّبعونها وهي ترجع إلى صلاحيات الله عزّ وجلّ؟!

لنفترض أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام) كانوا على ما تزعمون، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، فلهم حُجَجُهم وأدلّتهم، ولكنّكم أنتم أيضاً مرهونون بأدلّة وحُجج حالياً، فيجب أن تفحصوا وتنبروا للتقيّد والالتزام والتأمّل والتدّبر والتمّسك بها، لا أن تتمسّكوا بأنّ الأوائل كيف كانوا فنحن نكون كما كانوا.

انظر إلى معنى الآية فكأنّها تقول: لا تتّبعوا الأوائل والأسلاف من دون تدبّر، بل نقّبوا وفتّشوا وحقّقوا واستمسكوا بالحجج الأكبر والأهم، ولو كانت تلك الحجج فوق حجج الأنبياء كحُجّيّة الله عزّ وجلّ التي هي فوق حُجّيّة الأنبياء، فليس من صلاحيّة نبيّ من الأنبياء أن ينفي صلاحيّة الله في النسخ؛ إذ أنّها صلاحيّة فوق صلاحيّة النبي، وكذا أن ينفي صلاحيّة الله في الألوهية أو التوحيد في العبودية، بل ما كان الله ليبعث نبيّاً يتمرّد هكذا على الساحة الإلهية.

٤٢٦
إذن صلاحيات الله وحجّيته فوق حجّيّة الأنبياء، فكيف تتمسّكون أنتم بالحجة الأدنى ـ حسب زعمكم ـ وتتركون الحجة الأعلى؟!

مراتب الحجّيّة

انظر إلى مراتب الحجية، وهذا معنى بديع لم أقف عليه في كتب العلوم الإسلامية ككتب الأصول أو الكلام، فإنّ أحد معاني التقليد المذموم أن تتّبع حجيّة دانية سفلى، وتترك حجيّة عليا، ولربما يسميه الإنسان اجتهاداً أو استناداً علميّاً، لكنّ القرآن الكريم يقول: حذار وحذار، فهذا تقليد أعمى خاطئ مذموم.

طبعاً ليس المقصود بذلك كلّ أنواع التقليد، بل التقليد المستند إلى هشاشة في الأدلّة، لذلك صدّر الله عزّ وجلّ الكلام بهذه الآية: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، ويعني ذلك صلاحيّة الله في التشريع والنسخ، كيف تُقِرُّون بأنّ هناك نسخاً بين الأنبياء لأنّه من فئة فعل الله وصلاحيته ولا تُقِرُّونه في سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) ؟

ولنفترض ـ كما تزعمون ـ أنّ أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب(عليهم السلام) كانوا يهوداً أو نصارى، ولكن حجيّة الله تنسخ حتى حجيّة أولئك، فكونهم على اليهودية ـ لمستند ولحجيّة كانت لديهم ـ لا يبرّر أن لا تنقّبوا أنتم في العصر الراهن المعاصر لسيد الرسل(صلى الله عليه وآله) عن دليل وحجيّة أخرى رافعة لتلك الحجّيّة أو مُخَطِّئة لما كان عليه الأسلاف، طبعاً نقصد بهم الأسلاف ـ لا الأنبياء ـ الذين أسّسوا اليهودية والنصرانية، والمحرِّفين لأتباع النبي موسى والنبي عيسى الذين نصّروا النصارى ـ كبولس ـ وهوَّدُوا اليهود،

٤٢٧
الذين استندوا إلى حجج ـ كما يدّعون ـ ، فعليكم أن تفتّشوا أنتم وتنقّبوا عن الحجج، بل حتى ولو كان أولئك أنبياء أيضاً فنقِّبوا عن حجج أعلى، وإذا وقفتم عليها فاستمسكوا بها ولا تتّكئوا على حجج أدنى، ولو كان شيخ الأنبياء كالنبي إبراهيم(عليه السلام) .

وهذا معنى عظيم وبديع يسطّره لنا القرآن الكريم في الفحص والتنقيب وعدم التقليد ونبذه في العقيدة، فإن كانت اليهودية والنصرانية لأتباع النبي موسى والنبي عيسى(عليهما السلام) واستندوا ـ حسب زعمهم ـ لحجج، لكن عليكم أن تفتّشوا وتنقّبوا أنتم أيضاً، فقد تكون حججهم مدخولة ومخدوشة، وتقوم لديكم الأدلّة والحجج، فـ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، فإن كانوا معذورين أو مقصّرين أو قاصرين أو محقّين ليس يعنيكم ذلك، وأنّهم كيف نهجوا لتنتهجوا ما نهجوا، فتّشوا وابحثوا ونقّبوا وافحصوا وتعمّقوا في حجج تُعذَرون أنتم ـ في ما بينكم وبين الله ـ فيها، لا أن تتّبعوا أولئك عمياوياً.

التنقيب ونبذ التقليد في الآية الكريمة

انظر المعنى البديع للآية الكريمة، ثم يقول تعالى: ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾، أي: أنتم مسؤولون عن الحجج التي أقيمت لديكم، لا تُسألون عمّا كانوا هم معذورين أو مقصّرين أو معاندين أو محقّين فيه، حججهم لا تنفع لديكم شيئاً.

لا تقل: قد نهج آباؤنا منهجاً ونحن متّبعون لآثارهم، فمنطق القرآن نفسه الذي ينبذ التقليد في العقائد دوماً ودوماً هنا في الآية الكريمة هكذا يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، سواء كان عن عذر أو تقصير أو قصور

٤٢٨
أو عناد، أو حتى عن حق، فالحق قابل لأن يُنسَخ، والشريعة قابلة لأن تُنسخ وتُبدَّل، فأنتم أمامكم أمُّ الحجج وأُسُّ الحجج، وهو الله عزّ وجلّ، فالأدلّة هكذا قائمة عندكم.

انظر كيف تحثّ هذه الآية على التنقيب ولو كان أمامكم الأنبياء من أولي العزم، فحتى مع كون النبي إبراهيم(عليه السلام) من أولي العزم ولكن يقول: فتِّش ونقِّب، فقد يكون الله قد نسخ شريعته وأتاك بحجج على يد سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله)، فكيف تتركها وتعزب عنها بذريعة شريعة النبي إبراهيم(عليه السلام) ، فـ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، أي: لها أدلّتها، ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾، فعندكم أنتم حججاً أخرى، وعليكم أن تنقّبوا ولا تركنوا ولا تسبتوا إلى ما كان عليه الأوائل.

فالآية تنبذ التقليد والتبعيّة العمياوية للأسلاف، وحتى أنّ من الخطأ أن تستند إلى حجج لو استندوا إليها، إلاّ أن تنقِّح ـ أنت ـ الحجج كيف هي، كما مضى بنا البيان حول النبي إبراهيم(عليه السلام) وهو من أنبياء أولي العزم وله مقام مرموق في الأنبياء، ومع ذلك يقول القرآن الكريم: كيف تستند إليه أنت؟ أوليس من صلاحيات الله أن ينسخ ويأتي بآية غير الآية مثلها أو خير منها، فكيف تستند إلى النبي إبراهيم(عليه السلام) ؟! عليك أن تستند إلى ولاية الله وحجّيّتة، فهي أعظم من حجّيّة النبي إبراهيم(عليه السلام) ، فكيف تحثّ الآية أكثر من ذلك على التنقيب؟

انظر إلى هذه الآية كما في روايات أهل البيت(عليهم السلام) ، فهي مُبيِّنَة لسنن القرآن ووصاياه المتّحدة المتّسقة في نبذ ما كان عليه الأسلاف، بل يجب أن

٤٢٩
تنقّبوا أنتم، ولستم معذورين بأن تقولوا: كيف كان الجيل والرعيل الأول من المسلمين والصحابة فنحن كيف نكون، كلا بل نقّب عن الدليل.

إذن هذه الآية خَلَسَت عن استدلال الطرف الآخر، حيث ادّعى بأنّها تنبذ التاريخ، بل بالعكس، هي تحثّ على التنقيب، ولذلك فإنّ في الآية متابعات تاريخية، وسياق الآيات ـ التي فيها الآيتان ـ كلّها تنقيب تاريخي، وتحثّ على التنقيب.

لكن للأسف! مضت قرون على الإسلام وقد مسخت هاتان الآيتان عن معناها الذي نزلتا من أجله في كتب كثير من المسلمين، وهذا التحريف لمعنى القرآن خطر جداً، وهو إبادة لمعانيه الوضّاءة النيرة.

من أين استقى القرآن الكريم حجّيّته؟

أمّا كون الصدر والجيل والرعيل الأوّل هم الحلقة بيننا وبين الوحي، فيجاب بإنّ حجية القرآن الكريم دامغة بوجوه من الحجج، وبيِّنة في ذات القرآن الكريم، وهي أرفع من أن تستند أو تتّكئ أو تتوقّف على المسلمين وأجيال المسلمين، ولا على الرعيل الأوّل أيضاً.

ومنها: الحُجَج العلمية، وكذلك الملاحم والنبوءات والأسرار والإخبار عن التاريخ الذي لم يكتشفه أحد والإعجاز البلاغي ووجوه كثيرة من الإعجاز التي ربما أحصاها المفسرون ١٢ حجّة.

وقد صدر في حوزة النجف ـ قبل ٤٤ سنة ـ كتاب قيّم حول علوم القرآن كتبه أحد المشايخ من بيت المظفّر في مجلّدين، أحصى فيهما عشرين نوعاً ـ لا عشرين دليلاً ـ من الإعجاز وكلّ نوع فيه أدلّة، ولو يطبع هذا الكتاب

٤٣٠
فهو أمر مرموق جداً ؛ لأنّ الظاهر أنّ مفسراً من المفسرين لم يُحصِ عشرين نوعاً من الإعجاز في القرآن الكريم.

إذن حجية القرآن ذاتية وغنيّة عند المسلمين، فكيف يكون الصدر الاوّل هو الصلة بيننا وبين الوحي؟! كلا فالقرآن الكريم معجز في نفسه، كان الصدر الأوّل أو لم يكونوا، أحدثوا أو بدّلوا أو لم يصفَ منهم إلاّ القليل، فالقرآن يتحدّى العلم البشري، ولا زالت العلوم والاكتشافات كلّما ازدادت تظهر إعجازيات القرآن أكثر وأكثر، فأكبر كتاب متوفّر عند البشرية هو القرآن الكريم وترجماته.

اتّفاق الأمّة لا يشكِّل أيّ معيار للحجيّة في منهاج أهل البيت(عليهم السلام) وعند مذهب الإمامية، بل وجود المعصوم بين الأمّة هو الذي يشكِّل حجيّة، فحجيّة القرآن لو كانت وفاق الأمّة فقط فالوفاق موجود عند النصارى واليهود والبوذية أيضاً، فما قيمتها؟ إذا كانت الوفاقيات على حقّ وبرهان وكان المعصوم موجوداً في البين فهذا له قيمته.

فما قيمة تواتر القرآن لو لم يكن معصوم في البين؟ سواء كان المعصوم نفس القرآن أو المعصوم المجسَّم، وهم سيد الأنبياء وعلي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسنان(عليهم السلام) ، الذين شهد القرآن في حقّهم بالعصمة.

فعصمة القرآن برهان، كما أنّ عصمة أهل البيت(عليهم السلام) التي شهد بها القرآن ـ بل شهد بها التاريخ وعلومهم التي هي دليل إعجازهم ـ برهان، فهذا التراث الروائي المروي عن سيد الأنبياء وسيد الأوصياء وسيدة النساء وسيدي شباب أهل الجنة وعن العترة النبوية(عليهم السلام) هو بنفسه إعجاز علمي وبلاغي، فما

٤٣١
نقوله في القرآن الكريم نقوله في التراث الحديثي الشريف من المعصومين(عليهم السلام) ، فهو بنفسه يتكفّل إثبات نفسه.

إذن الحلقة بيننا وبين الوحي أرفع من وفاق الأمّة، ولو كنّا نستمسك بوفاق الأمّة لكنّا نحذو حذو النصارى، وما قيمة وفاق النصارى واليهود والبوذية أو وفاق جماعة من البشر؟ المعيار وجود برهان ودليل وإعجاز.

إذن هناك فرق واضح بين رؤية أهل البيت(عليهم السلام) في المنهاج ورؤية المدارس الإسلامية الأخرى، فالصلة بيننا وبين الوحي لا يشكّلها الصدر الأوّل، ولو كنا نريد أن نصيغ حجيّة للقرآن بالنمط المرسوم في كتب الإخوة في المدارس الإسلامية الأخرى لوصل الأمر بنا إلى ٥ أو ١٠ أو ١٢ نفراً، وهذا ليس تواتراً، فانقطع الدليل في من جمع القرآن وأنّه كيف جُمع.

فإذن خلصنا إلى أنّ هذه المزاعم والمقولات التي تُذكَر ـ في أنّ الآيات القرآنية أو التفتيش أو التنقيب على التاريخ يوجب زعزعة الحلقة بيننا وبين إثبات الوحي ـ لا تنهض بدليل علمي أصلاً، ولا أنّ الآية الكريمة ناهية عن علم التاريخ، بل بالعكس، فعلم التاريخ علم يحثّ عليه القرآن الكريم، ويقول: إنّ خلاصة علم التاريخ هو رؤية عقائدية كما قرأنا: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، فخلاصة البحث التاريخي رؤية بصيريّة نافذة في العقائد، وهي من قمم نتائج البحث التاريخي.

شبهة في عدم كون التاريخ سنداً علمياً موثوقاً

والآن نتعرّض للمزعمة الأخيرة التي ربما تعنون قبال علم التاريخ، وهو: (أنّ علم التاريخ علم لا سندات ولا مستندات علميّة موثوقة فيه، وإنّما هو

٤٣٢
رُكام كشكولي، كتب فيه من هبّ ودبّ، فهل يصح للمسلم أو للفرد البشري المنصف أن يقيم رأياً أو حكماً أو منهجاً أو رؤية على أدلّة هشّة؟! فهذه جهالة، فالمنهج التاريخي لا انضباط له ولا ميزان ولا مصادر، فكيف يمكن أن نستند إليه؟!).

فإذا ناقشتهم في ما جرى في حادثة معيّنة كموقف الصديقة÷ أو موقف أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، قال: هذا النص لم يثبت أو غير صحيح أو أنّه من المقطوعات أو غير ذلك، فإذن لم يثبت شيء واضح كي نستخلص منه رؤية حول النهج العلوي أو الفاطمي أو الحسني والحسيني.

وعلى أيّ حال فإنّهم يقولون بأنّ: (البحث التاريخي بحث يقوم به القصّاصة، الذين يزوّقون الأساطير ويدغدغون مشاعر الخيال ويستثيرون حفيظة المخيّلة، فأين هذا من البحث العلمي والعقائدي، فالرؤية التي تُبنى على التاريخ ـ هي في الحقيقة ـ رؤية خرافية أسطورية، وإنّما يستمسك بالتاريخ الخرافيون الأسطوريون!).

ومن اللطيف أن أذكر هنا: أنّهم يقولون عن أتباع أهل البيت(عليهم السلام) أنّهم باطنيّون، والباطني هو الذي يُخفِي ويتخفَّى في سرب أو تحت سطح، فهل الذي يريد أن يُخفِي التاريخ وحقائق التاريخ ويطمسها باطني أو من عنده نزعة إفشاء وإعلان التاريخ؟

المفروض أنّ الذي عنده نزعة إفشاء التاريخ والحقائق التاريخية يكون جهارياً علنياً، فالذي يريد أن ينبش التاريخ ويبحثه ويفشيه يؤمن ببيئة الإعلام والذهنية المنفتحة، لا ببيئة العقلية المسدودة، ومع ذلك فإنّ من ينتهج النشر

٤٣٣
والإعلام والكلمة الحقّة يوصَم بالباطنيّة، والذي يطمس ويُخفي ويبطن يسمى معلِناً أو جهورياً!!

مقدّمة في الجواب عن الشبهة

وأيّاً ما كان ؛ نأتي إلى هذه المزعمة من أنّ التاريخ ليس له نهج، فنقول: قال أكابر علماء الحوزات العلمية جيلاً عن جيل سابق عمّن هو أسبق وأسبق: إنّ حصانة الدين بالعلم، والعلم هو الحصن الحصين للدين، فإذا ارتفع المستوى العلمي فهو ضمان للدفاع عن الدين وحمايته وانتشار الحقائق، وإذا انخفض المستوى العلمي فحينئذ تُنتهك ثغور الدين وبيضة الإسلام، ويُنتزع عليها بكلّ سهولة.

فكلّما ارتفع المستوى العلمي في الحوزات والأندية العلمية أو الثقافة الإسلامية أو العقلية والذهنية الإسلامية كان هذا ضمان له، لذلك تعشعش الجهالات والانحرافات في الجهل، أمّا العلم فإنّه ـ والحمد لله ـ واقٍ عن تلك الجهالات.

وقد مرّ بنا أنّ القرآن الكريم يقول: حتى لو افترضنا أنّ النبي إبراهيم(عليه السلام) كان على شريعة، وأتتكم أنتم ـ أيّها اليهود أو النصارى! ـ حجّة أعلى من حجيّة النبي إبراهيم(عليه السلام) ، فكيف تتمسّكون بالحجة الأدنى وتتركون الحجة الأعلى؟!

ومن جهة؛ تظهر بين الفينة والأخرى مزاعم في كون البعض يرتبط بالإمام الحجة(عجل الله تعالى فرجه الشريف) أو ما شابه ذلك، ويتمسّكون بحجج واهية في نفسها، ولو افترضنا إنّ لتك الحجج وزن ولكن كيف تُترك الحجج والثوابت الدينية

٤٣٤
الدامغة؟! فالحرام حرام وأصول المحرّمات وأصول الواجبات على حالها، وحقن الدماء على حاله، وغيرها من الأصول على حالها، فكلّ ثوابت الدين تُلغى مقابل حجج سفاسف في نفسها، هذا إن تنزّلنا وقلنا بأنّ لها صور حجج في نفسها؟!

فكيف تُترك البديهيات العقلية و الثوابت في الفرائض الإلهية التي هي فوق حجية الأنبياء، فيُتَلاعب بها في مزاعم فرق وجماعات ظلامية تظهر في الخفاء؟ وهذا نتيجة عدم ارتسام منظومة الحجج في عقليّة المسلم أو المؤمن.

تقول الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، فافترض أنّهم محقّون وعلى حجة، ولكن إذا أتتك حُجّة دامغة فوقانية أعلى تمسّك بها ولا تتذرّع ولا تبرّر انحرافك واتّباعك لهم بما استندوا إليه، بل استّند إلى الحجّة الأقوى، فالقبائح في حكم العقل قبائح، والباري تعالى يستدلّ على حجيته على العباد بالبديهة العقلية، فيقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾(١)، فيُثبِت ألوهيته بعدله، ليعرَّف لعقول البشر بالبديهة العقلية، فكيف ـ حينئذ ـ يُقفَز على البديهيات العقليّة وتُقصى ثوابت فرائض الله؟!

ربما يتخيّل البعض أنّ معنى أنّ الإمام(عليه السلام) يأتي بدين جديد أنّ ثوابت سنن النبي(صلى الله عليه وآله) تذهب! ـ والعياذ بالله ـ ، كيف يمكن أن يكون ذلك؟! هل أنّ شأن الإمام الحجة(عليه السلام) أعلى من شأن الرسول(صلى الله عليه وآله) ؟! لايمكن ذلك، أو أن تذهب ثوابت فرائض الله؟ حاشا ذلك، وإنّما يُبيّن الإمام(عليه السلام) حينئذ ما حُرِّف من ثوابت في الدين، لا أنّ ثوابت وضروريات الدين يمكن أن يُزايد عليها،

١- سورة فصلت: ٤٦.

٤٣٥
فهذه ليست من صلاحيّة أحد حتى الإمام المعصوم(عليه السلام) ، إنّما هي ثوابت فرائض الله، وقد بيّنت ـ هنا ـ الآية الكريمة بالنسبة حتى لحجية النبي إبراهيم(عليه السلام) .

فهل وجوب الصلاة يمكن أن يرفع؟! أو حرمة الزنا والفاحشة ممكن أن ترفع؟! أو توحيد الله أو نبوّة سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) أو إمامة الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) يمكن أن ترفع؟ كلا، بل هي ثوابت دينيّة لا يمكن أن ترفع.

وعلى أيّة حال فمعرفة مراتب منظومة الحجج أمر مهم في البصيرة، تشير إليه الآية الكريمة التي قرأناها في بداية الحديث: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.

بحث في مختلف مناهج التاريخ للإجابة عن الشبهة

وأعود هنا إلى المنهج التاريخي فأقول: هل هو منهج منضبط؟ التفتوا يا إخوان! هناك ـ باختصار وفَهرَسة مكدّسة لضيق الوقت ـ نهج تفكيكي في الحجج والاستدلال وهناك نهج منظومي.

النهج التفكيكي ما فتأ يُوَلِّد طامات في مسار المعرفة، روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه بيّن سبب انحراف الخوارج، فقال: >كلمة حق يراد بها باطل<(١)، فهم يتمسّكون بشيء ويتركون آلاف الأشياء، وهذا تفكيك

١- روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه لمّا سمع قول الخوارج: (لا حكم إلا لله)، قال: >كلمة حق يراد بها باطل<.

نهج البلاغة ٤: ٤٥، باب: المختار من حكم أمير المؤمنين(عليه السلام)، الحكمة رقم ١٩٨.

٤٣٦
وتجزئة، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾(١)؟

لا يمكن ذلك، فالدين منظومة واحدة، لذلك تقول الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾(٢)، لماذا زاغوا؟ لأنّهم يتّبعون المتشابه ويتركون المحكم، فهم فكّكوا وجزّئوا، حال أنّ الدين منظومة ومجموعة واحدة.

وأمّا المنهج التجميعي المنظومي فهو المنهج الأسدّ الصحيح القويم الذي لا بدّ منه.

قد تأتي وتقول: خبر صحيح أو غير صحيح؟ فأجيب: أفهل أتمسّك بالخبر الصحيح فحسب وأترك بقيّة الأدلّة؟! بل لا بدّ أن أعرض الخبر الواحد ـ مهما بلغ من الصحّة ـ على محكمات الكتاب والسنّة، وهذا أمر مسلَّم عند المسلمين أجمع.

وقد تقول لي: >القصاصة< ما الفائدة فيها؟! إذا نظرت إلى القصاصة بنظرة تجزيئية فإنّك تقول ذلك، أمّا إذا تنظر لقصاصة تاريخية ضمن مجموع ركام كبير ـ فطبعاً ـ يُنقَّح ويُمحَّص بشكل تجزيئي، ولكن لا تقف الدراسة والبحث على النظرة التجزيئية والأُحادية، فهذا خطر.

ثم أنّ التواتر والاستفاضة كيف يتشكّلان إذن؟ هل التواتر قيمته قيمة الخبر الواحد الصحيح؟! عجيب! يرفعون راية للخبر الصحيح حصرياً ويتركون

١- سورة البقرة: ٨٥ .

٢- سورة آل عمران: ٧.

٤٣٧
التواتر، حال أنّ التواتر أعلى قيمةً ويُولِّد القطع والاطمئنان والعلم، كما أنّ المستفيض أعلى شأناً من الخبر الصحيح الواحد، ولعل الخبر الصحيح مُزوَّق من رأسه إلى كعبه، بخلاف التواتر والاستفاضة.

انظر حتى إلى العلم الجنائي في النهج البشري حالياً فإنّهم لا يفرِّطون في أدنى قصاصة، فلنفترض ـ مثلاً ـ أنّ مظلوماً قُتل، يأتي الباحثون وذوو الفحص الجنائي فيتَتبَّعون ويتقصّون كلّ صغيرة وكبيرة، ولربما انفتح عليهم باب الحقيقة ورأس خيط الحقيقة من قصاصة لا يُعبأ بها، نعم هي في نفسها قصاصة، تنظر إليها فلا تراها إلاّ حجة احتمالية، لكن هذه القصاصة قد تكون رأس خيط، وتعطيك صورة الحقيقة، فتأتلف بسببها كلّ القصاصات المتراكمة بشكل عشوائي لديك.

النظرة المجموعية مهمّة، والتاريخ غني بذلك، إن نظرنا إلى التاريخ كمجموع قرائن وشواهد ودلالات تختلف درجتها، فهل تقول لي: هذا الخبر متوسط لا أعبأ بها؟! كيف وهذه نظرة تفكيكية تجزيئية وتشكّل خطراً على الإسلام، بل يجب أن تنظر بنظرة مجموعية.

نماذج للمنهج التاريخي القشري السطحي:

نحن مبتلون حالياً في الشارع الثقافي والعلمي بالمنهج السطحي القشري والحشوي، يقول: نعم؛ ثبت في الخبر الصحيح أنّ بيت فاطمة(عليها السلام) كُبِس، ويكون البحث عن أنّ هذه اللفظة موجودة أو غير موجودة؟!

جيد! والمهم هنا أنّه ما معنى كبس بيت فاطمة(عليها السلام)؟ أي: أنّ مرتزقة عسكريين هجموا على البيت، فماذا تتوقع أن يحصل عند هجومهم؟ هل هي

٤٣٨
ورود أو ترحاب؟ أو يداس من يداس، فيداس الطفل وتسقط ضحايا.

يقولون: نعم ؛ هو ندم من كبس بيت فاطمة! ولكن ماذا يعني كبس البيت والمجيئ بعسكر والتهديد بحرق البيت؟ يعني ذلك أنّ الوضع ملتهب، ولكنّه لا يُحلِّل ولا يتعمّق ولا يتدبّر، وهذا منهج حشوي قشري، وهنا لا بدّ من منهج تحليلي علمي.

أو يُقطِّع لي مقطوعات، فيقول: بايعني القوم الذين بايعوا فلاناً وفلاناً، جيد فما هي تتمّة المقطوعة؟ أنا ذكرت في >الإمامة الإلهية< في الفصل الثاني من المجلد الأول أنّ كثيراً من هذه المقطوعات التي حاولوا أن يلصقوها بأمير المؤمنين(عليه السلام) لها تتمّات اقتطعوها، ولربما ـ للأسف ـ جاءت حتى في كتبنا، مع أنّ المروي في ذيل هذا الكتاب الذي كتبه أمير المؤمنين(عليه السلام) لمعاوية هو: >إن كان الله جعل الخيار إلى الأمة .. وإن كان اختيار الله واختيار رسول الله(صلى الله عليه وآله) خيراً لهم وأرشد من اختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها، فقد اختارني الله ورسوله للأمّة<(١)، وهذا صريح في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) .

١- جاء في كتاب سليم: ٢٩٤ ، عن أبي الدرداء وأبي هريرة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: إن كان الله جعل الخيار إلى الأمة فكانوا هم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم ـ وكان اختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خيراً لهم وأرشد من اختيار الله واختيار رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ فقد اختاروني وبايعوني، فبيعتي بيعة هدى وأنا إمام واجب على الناس طاعتي ونصرتي؛ لأنّهم قد تشاوروا فيَّ واختاروني.
وإن كان اختيار الله واختيار رسول الله(صلى الله عليه وآله) خيراً لهم وأرشد من اختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها، فقد اختارني الله ورسوله للأمة واستخلفاني عليهم، وأمراهم بنصرتي وطاعتي في كتاب الله المنزل على لسان نبيه المرسل، وذلك أقوى لحجتي وأوجب لحقي.

٤٣٩
وللأسف هذه التقطيعات موجودة حتى في كتبنا الحديثة، وهذه طامة في هذا البحث، ولذلك أقول: >البحث التاريخي بحث مهم<، وأقصد بذلك: البحث التاريخي المجموعي التحليلي.

نكتة في كيفية دراسة التاريخ

وهنا أذكر لكم هذه الظريفة من البحث التحليلي، فقد أعجبني أحد الأخوة الذي كان يتردّد عليَّ ونتداول معه كيفية البحث والتنقيب في الأحاديث المرتبطة بالعقيدة وما شابه ذلك، انظر إلى رسم البحث الذي أنجزه فقد أعجبني جداً!

انظر إلى حديث الحوض مثلاً ، فهذا الأخ لم يدرس أنّ هذا الحديث خبر صحيح موجود أو غير موجود، بل أعطى شجرة كاملة عن موقعيّة الحديث في كتابه، وأنّ كم راوٍ روى هذا الحديث، فقال ـ مثلاً ـ : إنّ البخاري نقل حديث الحوض في ثلاثين موضعاً من كتابه، وبطرق مختلفة، عن ثلاثة وعشرين صحابياً، وإنّ مسلم نقل الحديث واحد وخمسين مرّة.

وهو الحديث الذي جاء فيه أنّ أكثر الصحابة لا ينجون يوم القيامة، فلا ينجو منهم إلاّ كهمل النعم(١).

١- فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: >بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت:
وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم<.

٤٤٠