×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

طبعاً المرحوم الأميني هكذا صنع أيضاً في الغدير ، وهذا المنهج الذي اتّبعه الأميني منهج مجموعي وتحليلي، وهو ضروري يا إخوان ، لا أن نتّبع المنهج التفكيكي السطحي القشري التجزيئي.

انظر إلى البحث التاريخي الشبكي المنظومي التحليلي كيف يرسم لك موقعيّة حديث الحوض في معارف المسلمين، فهو حديث ذو شجرة وشبكة واسعة وكبيرة ، أمّا أن تترك هكذا بحث مهم وتبحث لي عن خبر واحد ومصدر واحد إمّا نعم أو لا، فهذا ليس بحثاً علميّاً.

لماذا يتخوّفون من البحث التاريخي؟ لأنّ فيه بحثاً تحليلياً وتجميعياً وتراكمياً، فمثلاً إن قيل: (أخبِرنا عن تاريخ حديث الحوض)، فنقول: هذا تاريخه، فقد نقله ابن حنبل ـ مثلاً ـ مائة مرة في كتابه عن أربعين أو خمسين صحابياً، وهذا يرسم لك الصورة واضحةً عن المصادر والمنابع الإسلامية، لا أن تنظر نظرة تجزيئيّة تفكيكيّة، فإن قلت بأنّه: خبر واحد في مصدر واحد، تقبله أو لا ؟ فهذا لا يعطيك صورة عن الدين.

بيما أن نقول أنّ مسلم روى حديث الحوض عن خمسة وعشرين صحابياً وابن حنبل عن خمسين صحابياً، أو أنّ حديث: >خلفائي اثني عشر< أو حديث >الدواة< روي كم مرة ومن كم صاحبي، فهذا يكوِّن شبكة تاريخية لطيفة، وقد رسمها الأخ وبحثها بحيث توضح لك أصالة هذه الأحاديث المهمّة في عقيدة المسلمين، في أن أئمّتهم اثني عشر مثلاً.

بحث مع الإسماعيليّة في حديث: >خلفائي اثنا عشر<

ونحن نخاطب في ذلك حتى إخواننا الإسماعيلية، فأحاديث الاثني عشر

٤٤١
خليفة لم يروها الإمامية فقط ، بل روتها المدارس الإسلامية الأخرى أيضاً ، وكان هذا الحديث في التراث الإسلامي قبل أن يولد الإمام الكاظم والإمام الرضا(عليهما السلام) ، وقد كُتبت كتب في هذا المجال.

فهذا ليث بن سعد كتب كتاباً في حديث >خلفائي اثنا عشر< قبل ولادة الإمام الرضا(عليه السلام) ، وهو المتوفي سنة ١٧٩ هـ ، كما كَتب أبو داود الطيالسي أيضاً في ذلك، وهو معاصر للإمام الرضا(عليه السلام)، ويعني ذلك أنّ كُتُباً كُتِبت من قِبَل الفريقين ومن المذاهب الإسلامية في تواتر واستفاضة حديث >خلفائي اثنا عشر< قَبلَ أن يكتمل عدد أئمة أهل البيت الاثني عشر(عليهم السلام) ، وهذه معجزة علميّة.

نتاج البحث

إذن تبيّن لنا أنّ البحث التاريخي من أروع وأجدر وأكفأ المناهج في البحث العقائدي، ولو استُثني وأُبعِد عن البحث العقائدي لكنّا حشويّه وقشريّة وتجزيئيّون وتفكيكيّون، وهذه طامّة في معرفة الدين.

انظر إلى البحث التاريخي كيف يبصرك ويوقفك على بصيرةٍ في أنّ الخلفاء والأئمة اثنا عشر، يالها من عراقة تاريخية في العقيدة، وهذه هي ضرورة البحث التاريخي.

ولكن إذا فُكِّكَ البحث التاريخي عن البحث العقيدي فهذه طامة كبرى ؛ لأن البحث التاريخي نزعة علميّة تحليلية منظوميه تراكمية، وهناك بحث كثير كثير في هذا المجال.

وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين.

٤٤٢

الأسئلة والأجوبة

السـؤال الأوّل: ما هو أهم كتاب تفسيري للقرآن الكريم برأيكم؟

الجواب: هذا السؤال سُئِل من قِبَل بعض الزملاء من العلامة الطباطبائي ـ وطبعاً أنا لم أكن موجوداً في الجلسة، بل هو نقلها لي ـ فقال العلّامة: تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني وتفسير نور الثقلين، ويعني بذلك روايات أهل البيت(عليهم السلام) .

فاستفسر ثانية، فقال: سيدنا! تفسير الميزان وتفاسير أخرى؟!

فقال: ها ... لا بأس!

طبعا هذا لا يعني عدم الاكتراث بجهود علماء الدين، ولكنّ المنبع الأصلي والثقل الآخر هو المصدر، ثم بعد ذلك تأتي جهود العلماء، وهذا هو جواب العلّامة الطباطبائي، وأنا أتبنّاه أيضاً.

طبعاً لا أقصد بدراسة التفسيرِ المأثورِ الدراسةَ الحشوية القشرية الجوفاء، وإنّما دراسة تحليلية تعمّقيّة واستبيانية للأدلة التي بيّنوها ببراهين.

فقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: >رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه<(١)، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ في الدِّينِ﴾(٢)، ومعنى يتفقّهوا أي: يفهموا، لا أن يرووا فحسب، فـ >حديث تدريه

١- الأمالي للشيخ الصدوق : ٤٣٢ ، رقم الحديث : ٥٦٩ .

٢- سورة التوبة :١٢٢.

٤٤٣
ـ أي: تفهمه وتحلِّله وتتعمّق فيه وتستنتج منه القواعد والأدلّة والبراهين ـ خير من ألف حديث ترويه<(١)، و>بالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان<(٢).

السؤال الثاني: ذكرتم أهميّة البحث ونبذ التقليد الأعمى للأسلاف، فهل التقليد الأعمى إذا طابق الحق مبرئ للذمة أم لا؟

الجواب: أجيب بما أجاب به الشيخ الطوسي&، حيث نقل عنه الشيخ الأنصاري في الرسائل، في مبحث الانسداد: أنّه ينجو ولكنّه مقصّر ومجترّئ؛ لأنّه اتّبع الحق عن غير بصيرة، والمفروض أن يتّبع الحق وأن يكون اتّباعه عن بصيرة؛ لأنّ البصيرة ضمان ومُؤَمِّن لأن لا ينحرف ولا ينزلق، فليس الواجب أن تتّبع الحق فحسب، بل اللازم أن تُحصِّن نفسك عن الانزلاق عن الحق، ولا يمكن أن يُحصِّن الإنسان نفسه إلاّ بالبراهين والأدلّة.

نعم اتّباع الحقّ لا بدّ منه وينجو الإنسان بذلك، ولكنّ اتّباع الحقّ مع الأدلّة والبراهين توجب التحصين، والتحصين واجب.

السؤال الثالث: بعد مجيء النبي محمّد(صلى الله عليه وآله) هل نسخ الله عقيدة من عقائد الأمم السابقة، إذا كانت الإجابة إيجابية، يرجى بيان مثال لذلك؟

١- روى الشيخ الصدوق بسنده، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: >حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج<.
معاني الأخبار : ٢ ، الحديث رقم ٣ .

٢- معاني الأخبار للشيخ الصدوق : ١ ، الحديث رقم ٢ ، نقلا عن الإمام الباقر(عليه السلام).

٤٤٤
الجواب: ذكرت ذلك بشكل مبسوط في الجزء الثاني من كتاب الإمامة الإلهية، فهناك ـ للأسف ـ خلط بين الدين والشريعة في كتب إسلامية كثيرة حتى من الكبار، فالذي يُنسَخ هو الشريعة ـ كما في بيانات أهل البيت(عليهم السلام) العلمية والبرهانية ـ ، وقد ورد ذلك عن الإمام الصادق(عليه السلام) ببيانات لطيفة مفعمة، أمّا الدين فلا يُنسَخ، وهو واحد وحدانيّ منذ خلق الله السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وهو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾(١)؛ ولذلك يصف القرآن الكريم إبراهيم ويعقوب وإسحاق وموسى وعيسى(عليهم السلام) بالإسلام في آيات عديدة ذكرتها في ذلك الموقف.

والسبب في ذلك أنّ دائرة الدين هي العقائد وأركان الفروع (أصول الواجبات وأصول المحرمات)، فهذا من الدين ولا ينسخ، فالفاحشة والظلم حرامان منذ آدم إلى الوصي الخاتم(عليهما السلام) ، وكذلك فإنّ توحيد الله مُقام، ولذلك فإنّ نبوّة سيد الرسل ـ ثاني ركن في العقيدة ـ ليست في بعثة سيد الأنبياء فحسب، فمنذ آدم(عليه السلام) وقبل أن يُعلِم آدم(عليه السلام) نبوّته لأبنائه قابيل وهابيل وشيت أُلزِم بأن يُعلِم أولاده بنبوّة سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) وولاية سيد الأوصياء(عليه السلام) .

لذلك ـ بيّنت أنا أيضاً ـ أنّ ولاية أهل البيت(عليهم السلام) ليست جزءاً من الشريعة، بل هي ركن في الدين، لاحظوا الدقّة في تعبير آية الغدير، فلم يقل تعالى: اليوم أكملت لكم شريعتكم، بل دينكم، والدين غير الشريعة، فإذا كانت ولاية علي(عليه السلام) في الدين فقد بُعِث بها جميع الأنبياء(عليهم السلام) .

١- سورة آل عمران:٨٣ .

٤٤٥
فالدين لا يُنسَخ، والعقيدة عبارة عن رؤية الحقيقة عن عوالم ثابتة، فكيف يمكن أن تُنسَخ؟! نعم؛ الشرائع ـ وهي تفاصيل الأحكام، كتفاصيل أجزاء الصلاة والصوم والعبادات والمعاملات ـ تُنسَخ، أمّا الدين فلا.

السؤال الرابع: القرآن والسنّة من أبرز مصاديق العقيدة؛ لأنّ العقيدة عبارة عن حقائق غيبية يرشد الله العباد إليها، فيرجى تبيين كيف يكون التاريخ مصدراً للعقيدة كما أكّدتم عليه؟ وهل تعتبرون علوم القرآن وعلم الحديث جزءاً من التاريخ؟

الجواب: ذكرتُ أنّ العقيدة في الدين والشرائع ليست نظرية في عوالم تجريديّة فحسب ـ وإن كانت متّصلة بالآخرة وبأوّل خلقة وبالساحة الإلهية وبعوالم خلقة كثيرة و.. ـ لكن أنزل ترجمان هذه العقيدة في بيئة تاريخية، وهي بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله) ، كما ألصقت بمواقع جغرافيّة كمكّة المكرمة وبيت المقدس وكربلاء والغري وكذا مراقد أهل البيت(عليهم السلام) ، وهذه كلّها ـ كما يقولون ـ رباطات لخيمة الدين.

فصحيح أنّ في العقيدة جانب تجريدي غيبي وهذا ما لا ينكر، فنحن لسنا ماديّين ولكنّنا لسنا تجريديين أيضاً، إنّما هو أمر وسطي أو ذو أبعاد؛ بُعدٌ منه غيبي تجريدي ملكوتي، وبُعدٌ له صلة وطيدة بالتاريخ، نعم لا نقول: إنّ الوحي تجربة تاريخية أو ما شابه ذلك، ولكن له تعلّق وعلاقه بالتاريخ، فمثلاً: إذا قلنا بأنّ النبي آدم أبا البشر أو النبي إبراهيم والنبي موسى(عليهم السلام) متى بعثوا؟! فهذه سلسلة تاريخية من بُعد وجهة، وسلسلة عقائديّة من بُعد آخر.

كما أنّ العقيدة أيضاً فيها بُعدٌ جغرافي، فمكّة المكرمة والمدينة المنوّرة

٤٤٦
وبيت المقدس ومسجد الكوفة والكوفة نفسها والغري وكربلاء، كلّها أراضٍ مقدّسة.

السؤال الخامس: تكلّمتم عن المنهج التفكيكي، فهل مرادكم به هو المنهج الفلسفي المعروف، أم هو اصطلاح خاص بكم؟ نوجوا التوضيح.

الجواب: ما ذكرته بعيداً عن المدرسة الكلامية الجديدة وهي التفكيك في العقيدة، وإنّما هذا البحث هو التفكيك في البحث الرجالي والتاريخي والدرائي والأصولي، وهذه الاصطلاحات >التجزيئي أو التفكيكي أو البعثري أو الشتاتي< أعبِّر عنها لأوصل المعنى، وهي توصل معنى واحداً، أي: البحث بشكل مبعثر مجزّء.

يأتي فيقول: (انظر هذا المصدر موجود أو غير موجود؟ صحيح أو غير صحيح؟ ثم اتركه إلى غير رجعة)! كيف أتركه إلى غير رجعة؟! بل عليك أن تنظر بشكل تاريخي منظومي مجموعي تراكمي رياضي.

فالشهيد الصدر(رحمه الله) وقبله كثير من علمائنا ذكروا قضية تراكم الاحتمالات من جهة الكيف والكم، وهي معادلة وميزان وبرهان رياضي، فكيف تتركها وهي أقوى من الظن، مع الجانب التحليلي والتعميقي وما شابه ذلك.

فالمقصود من التفكيك ليس تلك المدرسة العقائدية، وذاك شيء آخر.

السؤال السادس:كيف يمكن لنا أن نتحاور مع العلمانيين وغيرهم سواء في التاريخ أو غيره؛ مع أنّهم لا يؤمنون بالتقنين والتشريع الإلهي، خصوصا أنّ سماحتكم تعرّضتم لمسألة الفرقة الناجية وأنّهم يخافون من نبش

٤٤٧
التاريخ نتيجة لذلك؟

الجواب: طبعاً يجب أن يكون الحوار مع العلمانيين عن التوحيد ولوازمه في مرحلة سابقة، لذلك فإنّ المروي أنّ الصديقة فاطمة÷ استهلّت خطبتها ببراهين وبيانات في التوحيد، ثم عقّبت÷ من لوازم براهين التوحيد ودلائله: >الطاعة، والإقرار بالتوحيد، والعبادة، والتشهد بشهادة بعثة الرسل ومنهم سيد الرسل(صلى الله عليه وآله) وغير ذلك<.

فإذن، الترتيب والمنهجية المنطقية أن يُبحَث البُعد التوحيدي أوّلاً، ثم يُتَدرج معهم في جوانب أخرى، لكن لا يخفى علينا أنّ الجانب التاريخي مفعم ومفيد جداً حتى في الحواريات مع العلمانيين؛ لأنّ العلمانية على درجات لا درجة واحدة، وكثير منهم يهتمّون بوقائع التاريخ وأحداثه، حتى أنّهم يلاحظون ـ حالياً ـ في منهج علماني غربي أنّ للأنبياء في الشرق الأوسط طابعاً خاصاً كمصلحين، ولا زالت تلقى دعواتهم استجابة وأتباعاً، بخلاف الغرب الأقصى أو الشرق الأقصى.

وقد أثارت هذه الظاهرة حفيظة كثير من الباحثين العلمانيين في علم الاجتماع الغربي، وكيف أنّ الأمم المتحدة تستقي من تعاليم الأديان في الشرق الأوسط كأسس للتشريع الدولي ولا زالت رائدة؟! وهذه براهين لطيفة سواء أخذناها من جانب علم الاجتماع أو علم القانون أو علم الحقوق.

فالتاريخ عبارة عن حضارةِ أمم فيها علوم جمّة، لذلك إذا أراد الشخص أن يُحلِّل الجانب الأمني أو العسكري في نهضة الحسين(عليه السلام) مثلا كيف يكون ذلك؟! هل يأتي المؤرِّخ أو المحدِّث أو الفقيه فحسب ويُحلّل؟ كلا بل يجب

٤٤٨
أن يأتي شخص له عقليّة عسكرية أو أمنيّة ويحلّل نهضة عاشوراء، من خروج الإمام الحسين(عليه السلام) من المدينة المنورة إلى مكّة، ثم إلى كربلاءكيف حدث؟! سيكون في البحث عمق حينئذ، أو يأتي شخص آخر فيستقرئ الجانب الأمني ويحلّل ذلك.

حالياً يحلّل كثير من الاستراتيجيين الغربيين نهضة الرسول(صلى الله عليه وآله) بقراءة عجيبة، وأنّه كيف كان الجانب الإعلامي عند الرسول(صلى الله عليه وآله) ؟! تستفاد من هذه الأمور دروس مفعمة، والمفروض أن يخوض الأخوة ـ حتى الأكاديميين في أبحاثهم وأطروحات الدكتوراه أو الماجستير ـ في هذا الجانب، فالتاريخ لا يرتبط بالمؤرِّخ فقط، والمؤرِّخ ليس إلاّ جامعاً، أمّا الذي يستفيد وينتهل وينتهج من التاريخ فهم أصحاب التخصّصات المختلفة المتنوعة، أمّا أن نقرأ التاريخ بقراءة ركامية فهذا ـ حينئذ ـ نوع من أجهاض لنتائج وعملية البحث في التاريخ، ففي التاريخ جواهر ولآلئ، وكل متخصّص يستطيع أن يستغني به.

أعجبني هذا المستبصر الحقوقي و القانوني المصري، عندما يقرأ النظام الحقوقي في مكّة في الجاهلية وعند بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله) ، فذاك النظام أكثر عدالةً من النظام الحقوقي الموجود الآن في الدول العربية الإسلامية، وفيه مراعاة للمرأة وأنّه لا يهتك ستر بيت حتى لو أريد الهجوم عليه وما شابه ذلك، فيختلف الحال إذا قرأ التاريخ شخص قانوني حقوقي.

فالتاريخ في الحقيقة منبعٌ ثَرٌّ لكلّ باحث ومحقِّق في أيّ تخصص، وهو عبارة عن حضارة وسندات ومستندات وأدلّة في علوم كثيرة وشتى؛ لذلك فإنَّ تغيير التاريخ يُعدُّ إبادة للهوية البشرية وإبادة لجهود وتراكمات القافلة

٤٤٩
البشرية، كيف يمكن الغاء التاريخ؟!

قلت لكم: إنّ الذين يستخِفُّون بالتاريخ أولئك هم الباطنيون الذين ينتهجون نهج الخفافيش، أمّا الذي يريد أن ينشر التاريخ فهذا لا يعتمد السرّيّة والباطنيّة مسلكاً له، بل بالعكس يعتمد العقل والمعرفة والبينة شعاراً ودليلاً له.

السؤال السابع: بالنسبة إلى قراءة التاريخ هل هو خاص بالأنبياء والأئمة(عليهم السلام) أم يشمل غيرهم في الاستفادة منه أيضاً، لا فقط من أجل معرفة الآخر والابتعاد عن المنحرف؟ يعني: هل نقرأ تاريخ غير أهل البيت وغير الأنبياء(عليهم السلام) ونستفيد منه؟

الجواب: كما قرأنا الآيات الكريمة التي تدعو إلى الاتّعاض بالتاريخ فإنّها لا تحصر ذلك بتاريخ الأنبياء والأوصياء والأصفياء والمصلحين، بل تشمل حتى تاريخ المفسدين والأقوام الأخرى، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(١).

فالقرآن في الواقع يستعرض معظم ملفّات التاريخ ؛ لأنّ كلّ ملف تاريخي حافل بثمار ونتاج وبصائر، فالقانوني يستفيد كما يستفيد الحقوقي والإداري.

تستفيد حالياً كثير من العلوم الإدارية والنظريات الإدارية في نظام الدولة ونظام المؤسسات من حُقب تاريخية لأمم معينة استفادات رشيقة جمّة لطيفة، وذلك ككيفيّة العمل الاجتماعي والوقاية الاجتماعية والجانب التربوي الاجتماعي والجانب التعليمي والإعلامي والأمني والعسكري وغير ذلك،

١- سورة الأنعام: ١١.

٤٥٠
فالتاريخ حضارة ذات ملفّات وصفحات ضخمة جداً، والكلّ يستفاد منه.

نعم، قمم التاريخ هم الأنبياء وأهل البيت(عليهم السلام) ؛ ولذلك يركِّز القرآن الكريم أكثر شيء على الأنبياء والأوصياء والمطهَّرين، ولكن لا يغفل أيضا في تربيته لنا في الاتّعاظ بالتاريخ؛ كلّ ملفاته وصفحاته.

٤٥١