×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

لإنكار الرسالة؛ سيخرج من الإسلام حسب الضوابط المذكورة في كتب الفتاوى، لكن بالنسبة إلى الإنسان الذي يسكن في بلاد بعيدة، والذي أسلمَ هناك وتعلّمَ أموراً أخرى، ولم يعرف أنّ الحجاب من صميم الدين.. فإنّه إذا أنكر ذلك لا يكون مرتدّاً.. لماذا؟ لأنّه ليس عنده ملازمة بين إنكار الحجاب وإنكار الرسالة.

أمّا (ضروري المذهب)، فهو: ما يُخرج منكره من المذهب، ومنه: (الإمامة) في مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

سؤال: سماحة الشيخ.. تفضلتم أنّه في العقيدة يجب التعقّّل أوّلاً ثم الإيمان، ولكن من وُلد على الفطرة مسلماًً، لا يحق له في الإسلام أن يغيّر عقيدته، وإذا غيّرها فيحكم بقتله، ولا يقبل عذرهُ؛ بأنّه لم يفكّر في عقيدته، فما هو ردّكم على هذه الشبهة؟

الجواب: كلّ مولود يولد على الفطرة، هذا أمرٌ مسلّم، والإنسان إذا ولد على الفطرة الإسلامية التوحيدية، وبعد البلوغ أنكر الأمور الضرورية في الدين، أو أنكر حكماً يكون إنكاره ملازماً لإنكار الرسالة، فهذا المنكر تارةً تدخل على ذهنه الشبهة ويكون التشكيك الحاصل في ذهنه بسبب الشبهات، فحينئذ عليه أن يقوم برفع الشبهة وإزالتها؛ بالرجوع إلى أهل العلم، كي تزول شبهتهُ ويقف على الحقيقة..

ونفترض أنّ الشبهة بقيت ولم ترتفع حتى بعد الرجوع إلى العلماء، فهنا لا يجوز له أن يذيع الشبهات في أواسط المؤمنين، فإن سكت وابتعد عن إفساد عقيدة أفراد المجتمع الإسلامي، فحينذاك لا يعترضه أحد، ولا يحكم

٤١
عليه بحكم. هذا رأي جمهور علماء المسلمين.

سؤال: هل القرآن الكريم أفضل أم أهل البيت(عليهم السلام) ؟

الجواب: هذه مسألة لا يمكن إظهار النظر فيها؛ لأنّ (الكتاب) هو: عِدل (الإمام)، والأئمّة عدل القرآن الكريم، وأمّا بشأن التفاضل بينهما ففيه كلام على أنّ القرآن صامت، و الإمام ناطق، وعلى كلّ تقدير إنّما الكتاب والعترة ثقلان متلازمان؛ لا يفترق أحدهما عن الآخر، وليس هناك شيء يرجّح القرآن على أهل البيت(عليهم السلام) ، ولا أهل البيت(عليهم السلام) على القرآن الكريم.

سؤال: لو حدثت حرب يوماًً من الأيام، وجاء شخص وأجبرنا على أن نخوض هذه الحرب، وقال: إذا انتصرتم أكرمَكم، وإذا خسرتم أعاقبَكم.. نحن سنقول له: لا نريد خوض هذه الحرب، فإذا أجبرنا يكون ظالماً قطعاً.

طيّب.. إنّ الله سبحانه وتعالى أوجدَنا في هذه الدنيا، وفيها حربٌ بين الرذيلةِ والفضيلة، وقال ما مضمونه: إذا انتصرتم أكرمَكم، وإذا خسرتم أعاقبَكم وأعذّبكم، ألا يُعدّ هذا ظلماً والعياذ بالله؟

الجواب: هذا قياسٌ مع الفارق، كيف يقيس هذا بهذا في المشبّه به؟ ليس هناك خيار واختيار، أمّا في الإنسان فيوجد خيار واختيار، والله تبارك وتعالى عرّفَ لنا الرذائل وعرّف لنا الفضائل، وجعلنا مختارين؛ يمكن أن نختار هذا ونختار هذا، فلو اخترنا الرذائل فتكون النتيجة هي العذاب، ولو اخترنا الفضائل تكون النتيجة هي الجنة.

وهذا غير ما مثّلتم به من المثال، فالإنسان بين الرذائل والفضائل مختار، وله أن يختار أحد الطريقين، وليس هناك أيّ ظلم، بل هناك إكرام وتكريم،

٤٢
والتكليف ليس تكليفاً بمعنى الظلم على الإنسان، خصوصاً بالنسبة للأعمال، فإنّها تتجسّم بغاياتها، فالذي يعمل بالرذائل يتجسّم له نفس العمل بالآخرة، والذي عمل بالفضائل تتجسم الفضائل له بالآخرة بصور حسنة.

هذه كلّها من نتائج أعمالنا ونحن مختارون، مثل التلميذ في الصف؛ الذي يقول المعلم له: لو درست ونجحتَ تكون النتيجة هذه، ولو غفلتَ وشغلت ولعبت تكون النتيجة تلك.. فهل يعد ذلك ظلماً من المعلّم بالنسبة إلى الطالب؟ .

سؤال: ما معنى الولاية التكوينية، وهل الولاية التكوينية من ضروريّات الدين؟

الجواب: الولاية التكوينية لها مراتب ودرجات، ومنها: المعاجز والكرامات؛ التي تصدر من الأنبياء والأولياء؛ لأنّ إرادة النبي و الإمام لها تأثير في تحقّق المعجزة.. هذه مرحلة من مراحل الإرادة التكوينية، وهناك طرق ودرجات أخرى للولاية التكوينية.

سؤال: ما هو الفرق بين النبوّة والرسالة والإمامة؟

الجواب: النبي، هو: الذي يوحى إليه، والرسول، هو: الذي يطبّق وظيفة النبوّة في الخارج وعلى الصعيد العملي، ويحقّق ما أخذهُ من الله تبارك وتعالى، فالنبي نبيٌ قبل أن يكون رسولاً؛ باعتبار أخذ الوحي من الله تعالى، ويكون رسولاً لأنّه مأمور بالإبلاغ.

أمّا الإمام فليس نبيّاً ولا رسولاً؛ لأنّه لا يوحى إليه، ولكنّه يستمر بتحقيق وظائف النبوّة، فوظائف النبي تكون على عاتقهِ بعد النبي، فإنّه هو الذي يبيّن

٤٣
الأحكام وله الولاية التشريعية، وله السلطة العامة؛ لأنّه يملك مخزون علم النبي.

نعم هناك مقام آخر للإمام وهو: مقام (المحدَّث)، أي: الذي يسمع صوت الملك ولا يرى ولا يعاينه.

سؤال: هل المعراج للنبي(صلى الله عليه وآله) كان جسمانياً أو روحانياً؟

الجواب: لا بدّ أن نشير في معرض الإجابة على هذا السؤال، إلى أنّ هناك قسماً ثالثاً يتصوّر بين الجسمانية والروحانية؛ وهو الأمر بين الأمرين، ؛ لأنّ آية الإسراء(١) قد عبّرت عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بلفظ: (العبد)، وهذا اللفظ لا يطلق على الجسم وحده، وأيضاً لا يطلق على الروح وحدها، بل (العبد) عبارة عن: الجسم مع الروح معاً، فالنبي أسري به في ليلة المعراج بجسمه وروحه، والذين يفصلون بين الجسم والروح في مقام الإجابة على هذا التساؤل، كان عليهم أن يأتوا بدليل واضح على رأيهم، والمشهور عندنا الشيعة الإمامية أيضاً أنّه(صلى الله عليه وآله) أسري بجسمهِ وروحه.

سؤال: هل يوجد تناقض بين قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾(٢)، وبين المقطع الوارد في أدعية شهر رمضان وهو: (اللهم إني أسألك فيما تقضي وتقدّر من الأمر المحتوم في الأمر الحكيم في ليلة القدر في القضاء الذي لا يرد ولا يبدل أن تطيل عمري، وأن توسع عليّ في

١- قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) سورة الإسراء: ١ .

٢- الرعد: ٣٩.

٤٤
رزقي، وأن تجعلني ممّن تنتصر به ولا تستبدل بي غيري)(١)؟

الجواب: إنّ لله تبارك وتعالى قضاء لا يُرد ولا يُبدّل ولا يُغيّر، ولا يحصل فيه البداء أبداً، ومنه مثلاً: ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) ؛ الذي يأتي في آخر الزمان، بعدما ملئت الأرض جوراً وظلماً.. وهناك أمورٌ يكون القضاء فيها قابلٌ للتبديل والتغيّر، ككون الإنسان من السعداء.. هذا أمر يتسبّب إليه البداء حسب أعمال الإنسان، فلو عمل عملاً خيراً سيكتب له أنّه من السعداء، ولو عمل عملاً شراً فيكون من الأشقياء.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾(٢)، هذه الآية شاهدة على أنّ هناك تقديرين، فالإنسان يدعو في ليلة القدر أن تكتب له السعادة، ولكن سعادةً لا تتبدّل ولا تتغيّر.

سؤال: ما هو التعريف الجامع والمانع لأصول الدين؟

الجواب: إنّ أصول الدين هي عبارة عن: الأمور الثلاثة التي أتفق عليها المسلمون؛ أي: التوحيد والرسالة والمعاد، وقد عُبّر عنها بالأصول نظراً إلى أنّ من يظهرها يكون مُسلماً؛ يحترم ماله ودمه وعرضه، ويجوز الزواج معه، وغير ذلك من الأمور.

هذه أصول الإسلام، لكن هل مجرّد الاعتقاد بها يكفي للنجاة يوم الحشر؟ نحن نعتقد أنّ من أظهر هذه الأمور الثلاثة يحكم بإسلامه، ولكنّه إن كان غير معتقد بالعدل الإلهي، والولاية والإمامة، و كان يأخذ دينه عن غير

١- تهذيب الأحكام ٣: ١٠٢.

٢- الأعراف: ٩٦ .

٤٥
رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، لم يكن فيه ملاك النجاة يوم القيامة، وفي المسألة تفصيل بين القاصر والمقصّر.

سؤال: معروف أنّ أسماء الله تعالى توقيفيه، وأنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، فبناء على ذلك هل يصح أن يوصف الله سبحانه بصفة (واجب الوجود)؟

الجواب: إنّ الأوصاف غير الأسماء، نعم.. الأسماء توقيفية قطعاً، والإسلام لم يتيح الفرصة، ولم يجيز للأشخاص أن يسمّوا الله تبارك وتعالى بما يحلو لهم، أما الصفات، فإنّها ليست توقيفية، و تعبير: (واجب الوجود)، يدرج ضمن صفاتهِ تبارك وتعالى، وهو بمعنى: ضروري الوجود.

سؤال: ما هو الفرق بين علمي الفلسفة والكلام؟

الجواب: أمّا الفلسفة فإنّها تبحث في دائرة أوسع من دائرة علم الكلام، فالفيلسوف يطرح دراسة مفهوم الوجود بما هو وجود، دون أن يكون موصوفاً بالوجوب أو الإمكان، أو أنّه مجرد أم مادي، وجوهر أم عرض، وغير ذلك..

لكن علم الكلام يأخذ الموضوع من الفلسفة ثم يَبحث عن عوارضه، فمثلاً يأخذ مفهوم واجب الوجود ويبحث بشأن صفاته، وهذا حال سائر العلوم حسب رأينا، فالعلوم التجريبية مثل: الفيزياء والكيمياء وغيرها، تأخذ موضوع العلم من الفلسفة ثمّ تبحث عن عوارضه الذاتية، والعوارض الذاتية تبحث في نفس العلم.

سؤال: من الأفضل، الإمام أم النبي؟

٤٦
الجواب: الإمامة والنبوّة مرتبتان، وربّما يجتمعان في شخص واحد، كرسول الله(صلى الله عليه وآله) والنبي إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، فالخليل كان نبيّاً ثم صار رسولاً ومن بعده وصل إلى مقام الإمامة.

وكما قلنا سابقاً أنّ النبي هو الذي يوحى إليه، والرسول هو الذي يبلّغ ما أوحي إليه، أمّا الإمام فهو الذي تكون له الولاية التكوينية والتشريعية، و بها يتولّى الرئاسة في الدين والدنيا.

فهذا المقام إذا اجتمع مع النبوّة في شخص ستكون له أفضل المراتب، وذلك محقّق بالنسبة إلى النبي الأكرم الخاتم(صلى الله عليه وآله) قطعاً، والكلّ يرى ويصرّح بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أفضل من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .

سؤال: ما هو رأيكم بشأن أصول الدين، هل هي أمور حقيقية أم مسائل اعتبارية بين العلماء؟

الجواب: إنّ أصول الدين هي: أمور واقعية، قد أتفق عليها علماء الإسلام، بالبراهين العقلية والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة والمعتبرة والمتواترة، وغيرها من الأدلّة.

سؤال: هل الولاية التكوينية مختصّة بالمعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) ، أم أنّها تشمل أبناءهم الأجلاء النجباء، كالسيّدة زينب(عليها السلام)؟

الجواب: الولاية التكوينية لا تختص بالمعصومين، بل هناك أناس أتقياء بلغوا من الكمال مقاماً عالياً، فحصلت لهم الولاية تكوينية في دائرة محدودة؛ نتيجة للتقوى والعمل بالواجبات والانتهاء عن المحرمات.. فالولاية التكوينيّة لها درجات ومراتب، وأهل البيت(عليهم السلام) هم في قمّة هذه المقامات

٤٧
وهم أصحاب هذه الولاية الكلّية حقيقة، وكلّما يملكه الآخرون هو يقع في طول ولايتهم(عليهم السلام) .

سؤال: المُسلّم في آية الولاية(١) أنّ المراد من﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ هو: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، والملاحظ من ظاهر الآية هو أنّ كلمتي (يقيمون) و (يؤتون) فعلان مضارعان يفيدان الاستمرار، فكيف نفهم معنى أقامة الصلاة و إيتاء الزكاة بصورة مستمرّة؟

الجواب: نحن نستدل بهذه الآية على ولاية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بالقيود الواردة في آخر الآية، ولم يدلّ دليل على أنّه يجب على كلّ إنسان أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حال الركوع، ولو لمرّة واحدة طول عمره، فالقضية حصلت في واقعة خاصّة بشأن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وانطبقت عليها الروايات.

الخاتمة

اللهم صلِ على محمّد وآل محمد، وارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة، وأملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهّر بطوننا عن الحرام والشبهة، اللّهم أيّد الإسلام والمسلمين، وأخذل الكفر والكافرين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

١- قوله تعالى: (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). سورة المائدة: ٥٥ .

٤٨

٤٩

(١٢٦) التوحيد والشرك من منظور أهل البيت(عليهم السلام)

الشيخ جعفر الهادي

٥٠

٥١

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء وخاتم المرسلين؛ المصطفى أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، الهداة المهديين.

السلام عليكم أخوة الإيمان جميعاً ورحمة الله وبركاته.

هذه الليلة الشريفة من ليالي شهر رمضان المبارك؛ هي ليلة ميلاد الإمام الحسن الزكي المجتبى، السبط الأكبر لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، هذا الإنسان الطاهر المقدّس العظيم؛ الذي يحترمه المسلمون على الإطلاق، ونحن في هذه الليلة نتضرّع إلى الله سبحانهُ وتعالى؛ بأن يمُنّ على المسلمين جميعاً، وعلينا وعليكم، ببركة هذا المولود العظيم؛ ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) والسيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)؛ بالنصر والنجاح والفلاح، إن شاء الله تعالى.

اخترنا لهذه الندوة عنوان: (التوحيد والشرك من منظور أهل البيت(عليهم السلام) )؛ نظراً لأهمية هذا الموضوع، وكونه أمّ القضايا في الحقيقة إن صحّ التعبير، وأيضاً لأنّ عالمنا اليوم بحاجة إلى البحث في مجال التوحيد الإلهي، وأنّ هناك ظلماً، قد يقع على طائفة إسلامية عظيمة بحجّة أنّهم

٥٢
لا يتّخذون موقفاً واضحاً وصريحاً وشفافاً من مسألة التوحيد والشرك.

هذه الأمور الثلاثة تطلّبت أن نخصّص لهذا الموضوع حلقةً.. طبعاً الوقت ليس بكبير، والمجال ليس واسعاً، فلهذا نحن نكتفي بإيراد إشارات إجمالية، وأرجو أن يعذرنا المستمعون لكلامنا؛ لأنّ هناك أيضاً وقتاً مخصّصاً للسؤال والجواب.

تركيز أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على مسألة التوحيد

لقد ركّز أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على العقائد، وبالخصوص على مسألة التوحيد تركيزاً لم يركزوا مثله على شيءٍ آخر، أو جانب آخر من جوانب العقيدة، كما أنّهم سبقوا غيرهم في هذا المجال؛ إذ أعطوا هذه المسألة الكثير من التوضيح والإيضاح والبيان.

وكان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مقدّمة أئمة الهدى(عليهم السلام) ؛ إذ أعطى هذه المسألة مساحة كبيرة من الاهتمام، وهذا الاهتمام كان في عصر كانت الجاهلية قد أزيلت من الساحة العربية والمجتمع العربي، ولكن يبدو أنّ بعض البوادر والطلائع أخذت تعود من جديد آنذاك إلى الساحة الإسلامية، فاقتضى الأمر أعطاء هذا الأمر اهتماما وتركيزاً.

خصوصاً بعد الفتوحات التي جاءت بأقوام مختلفة، وشعوب وثقافات متنوعة؛ كان في بعضها الشرك وفي بعضها الانحراف في مسألة العقيدة، ولذلك نلاحظ أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أن استلم الحكم، توّج خطبه بمقدمات وتمهيدات رائعة توحيدية، وأخذ يبدأ خُطبه بالحديث عن الله

٥٣
تعالى، هذا غير أنّه(عليه السلام) خصّص بعض خطبةِ في التوحيد.

فلا يستغرب أحد ويسأل: لماذا يتحدّث الإمام(عليه السلام) مع المجتمع الذي مضى عليه خمس وعشرون سنة من التربية الإلهية والإسلامية، وكأنّه يتحدّث إلى مجتمع جديد، لم يتذوّق التوحيد؟

لأنّ السبب هو: أنّ فلول الجاهلية؛ التي ولّت بسيفه(عليه السلام) ، مضافاً إلى دعوة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وجهود سائر المسلمين، فإنّها وللأسف بسبب بعض العلل والأسباب الاجتماعية، قد أخذت تعود، والناس عادت إليهم جاهليّتهم، كأنّ من شرّع الإسلام قد أفك؛ كما يقول الشاعر.

هذا الشيء وهذه الحالة اشتدت في زمان الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) والإمام الحسين الشهيد(عليه السلام) ، حتى قال الشاعر هذا الكلام الذي ذُكر. واشتدت أكثر في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، ودخل شيء من الكفر والزندقة والشرك وما شاكل ذلك في عقائد الناس.

ومن هنا نجد أنّ أهل البيت(عليهم السلام) وقفوا وقفة رجل واحد في مقابل هذه الانتكاسة، ورجوع فلول الشرك والزندقة والإلحاد، وركّزوا اهتمامهم على تجذير جذور الإيمان بالله سبحانه، والتوحيد، ومكافحة الشرك، وذلك قبل أن يعرف غيرهم الخطر الذي يهدّد المجتمع الإسلامي.

وأقولها كحقيقة وأرجو من أخواني الحاضرين والذين يسمعون هذه المحاضرة، أن يتحقّقوا من هذه القضية، فلو لم تكن جهود أهل البيت(عليهم السلام) في مجال تعميق الإيمان الديني، وتقوية أسس التوحيد، ومكافحة الشرك والزندقة، لعانى المسلمون اليوم في قرننا وعصرنا هذا، من مشاكل عظيمة،

٥٤
بل من ردةٍ عقائديةٍ لا يُعرف مداها.

إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أعطوا توضيحات كثيرة وعميقة وجميلة في هذا المجال، ونبّهوا العقول ونوّروا الأفكار وأحيوا النفوس بالعلم الإلهي؛ الذي رُزقوا منه، خصوصاً في مجال العقائد، وبصورة أخص في مجال الإيمان بالله تعالى، وقد أعطوا هذه التوضيحات بأشكال مختلفة، وفي مجالات مختلفة.

إنّ الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في كلّ خطبة تقريباً، أو في أكثر خطبه، نجد أنّه(عليه السلام) يفتتح كلامه بشرحٍ أو مقدّمة رائعة جدّاً بشأن الله تعالى، وصفاته عزّ وجلّ، وما يليق وما لا يليق به، إذاً نحن نعتبر التوحيد أوسع دائرة من هذا الذي أصُطلح عليه الآن، وهو: مسألة التوحيد الأفعالي والتوحيد الخالقي؛ حسب تعبير بعض الفرق، أو حسب تعبير بعض القدماء: التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي.

وإذا افترضنا التوحيد في دائرة أكبر، فيمكن أن يقال: إنّ كلّ المسائل المرتبطة بالحق تعالى هي من مسائل التوحيد، وسنعرف بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) أعطوا مساحة كبيرة لقضية التوحيد، فهناك كتاب اُلّف بواسطة الشيخ الصدوق(رحمه الله) المتوفى سنة ثلاث مائة وواحد وثمانون ـ وإن كان البعض ينسبهُ إلى أحد الأئمة(عليهم السلام) وهو: الإمام الرضا(عليه السلام) ـ في مجال التوحيد، وهذا الكتاب يجب أن يُطبع إلى جانب كتاب (التوحيد وصفات الرب لابن خزيمة) حتى نعرف موقف أهل البيت(عليهم السلام) من التوحيد بالمعنى الواسع، وموقف الآخرين ممن يدّعون الدفاع عن حوزة التوحيد، والذب عنه

٥٥
ومكافحة الشرك.

تعريف مصطلح التوحيد عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)

يتميّز منهج أهل البيت(عليهم السلام) في قضية التوحيد والشرك بأنّهم لا يحصرون البحث على جانب أو جانبين، بل هناك أشياء أخرى أيضاً مهمة، وأهمّ شيء في مجال التوحيد، هو: أن لا يسلك الباحث عن التوحيد، طريق التوهّم.

فقد سئل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عن التوحيد والعدل، فقال عليه السلام : (التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه) (١).

في هذه العبارة لخّص الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) التوحيد، بل بيّن روح التوحيد، وهو: أن لا يدخل الباري سبحانه وتعالى في وهمك، ولا تصفه بصفات المخلوقين، فمن وصف الله سبحانه وتعالى بصفات تدل على الأبعاض والأجزاء، أو أنّه مكوّن من جزئي الذات والصفات، فقد أدخله في وهمه، والله سبحانه وتعالى لا يدخل في وهم أحد؛ لأنّه فوق الأوهام، وليس لهُ زمان ولا مكان ولا كيفية ولا حدود.

إنّ مشكلة الوهابية والسلفية الذين اليوم يدّعون الدفاع عن التوحيد والشرك، هي: أنّهم يؤمنون بالكيفية، ومن عقائدهم أنّ الله سبحانه وتعالى عنده يد ورجل وساق، إلى آخره.. على نحو الكيفية الحقيقية،حتى

لا يؤوّلون النصوص؛ لأنّهم لا يعطون مجالاً للعقل بأن ينفي التفسير الخاطئ

١- نهج البلاغة ٤: ١٠٨.

٥٦
بالنسبة لله سبحانه وتعالى، بينما أهل البيت(عليهم السلام) ينفون الكيفية بدليل معقول، كما ورد ذلك في توحيد الشيخ الصدوق(رحمه الله)، وكتاب الاحتجاج؛ الذي هو مجموعة مناظرات ومجادلات بين الأئمة(عليهم السلام) وعلماء مختلف الديانات.

٥٧

الأسئلة والأجوبة:

سؤال: هل الحكم بالارتداد في المذاهب الإسلامية يرجع إلى تشخيص المكلّف، كما يفعل الوهابية، أم إلى الحاكم الشرعي؟

الجواب: الارتداد والحكم بالارتداد ليس شيئاً بسيطاً وعادياً حتى يُبادر كل إنسان باتخاذ الموقف، وصدور الحكم بالنسبة للأشخاص وفق قناعته، ولهذا فينبغي أن يثبت هذا عند الحاكم الشرعي، وخصوصاً في هذا العصر؛ الذي أعتاد الناس أن يساعدوا على تسقيط الأشخاص، ونزع الحصانة الدينية منهم بسرعة.

سؤال: ما هو الفرق بين الشرك في خصوص توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال؟

الجواب: الشرك في توحيد الذات يعني: القول بوجود إلهين مطلقين؛ لأنّ الإله صاحب الوجود المطلق.

أمّا الشرك في الصفات فهو: القول بأنّ الله تعالى ذاته غير صفاته، أي: تكون الذات مضافة إلى الحياة والعلم والقدرة والإدراك والإرادة والسمع والبصر والصدق...، وهذا يلزم منه القول بالتركيب في الذات الإلهية، والتركيب يلازم الاحتياج إلى الأجزاء والنقص، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.

وأما التوحيد في الأفعال، فإنّه يرادف التوحيد في العبادة.

سؤال: ما هو المقصود من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ إذ قال: (كمال

٥٨
الإخلاص نفي الصفات عنه)(١)؟

الجواب: نحن لا ننفي الصفات نهائياً، بل ننفي الصفة التي تكون زائدة على الذات، أمّا الصفات التي هي عين الذات فلا ننفيها عن الله تعالى.

سؤال: افتتح محمد بن عبد الوهاب كتابه: (كشف الشبهات)، بتكفير المسلمين المتوسلين بالنبي(صلى الله عليه وآله) والأولياء، وشبّههم بمشركي قريش، فكيف نفرق بين المتوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله) والأولياء، وبين من كان يعبد الأصنام؟

الجواب: مشكلة القوم أنّهم يعمّمون الأحكام من دون تحقيق.. فما كان يفعله المشركون في زمن النبي(صلى الله عليه وآله) ، وقبل النبي(صلى الله عليه وآله) ، لم يكن إلاّ مجرد طلب شفاعة، ولم يكن عبادة.

ومضافاً إلى ذلك، لا يوجد على وجه الأرض من الشيعة مَن يعبد الأئمّة(عليهم السلام) ، بل نحن نجعل الإمام واسطة بيننا وبين الله تعالى ووسيلة، ألم يقل الباري سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾(٢)؟

سؤال: نجد مضافاً إلى المنظومة الكاملة التي بيّنها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في خصوص التوحيد، أنّ الفلسفة قدّمت مفردات ومفاهيم أخرى، فما هو تقييمكم لما جاءت به الفلسفة في هذا الخصوص؟

الجواب: للفلسفة طريقة خاصّة في إثبات الباري سبحانه وتعالى، ولا تضاد بينهما، لهذا طريقة ولهذا طريقة، لكن علم الكلام كان موضع تأييد

١- نهج البلاغة ١: ١٥.

٢- سورة المائدة: ٣٥.

٥٩
من أهل البيت(عليهم السلام) ؛ لأنّه خليط بين العقل والنقل، ولذلك نحن نعتقد أنّ علم الكلام أقرب إلى الإسلام، وعلينا نحن كمسلمين أن نقرأ علم الكلام أولاً، ولا نخوض في الفلسفة، إلا بعد أن ترسخت أقدامنا في علم الكلام؛ لأن طريقة الفلسفة على كل حال طريقة ملتوية، ونحن في هذا العصر نحتاج إلى العلم الذي يكون موضع تأييد الأئمة(عليهم السلام) .

سؤال: ما هي حدود قدرة الخالق من منظور الشيعة؟

الجواب: لا حدود لقدرة الله تعالى، نعم.. إنّ قدرة الله تعالى لا تتعلق بالمحالات، وهذا ليس معناه محدودية في القدرة الآلهة، وعلى كل حال القدرة تتعلق بالممكن، ولا تتعلق بالمحال، والقدرة إذا أرادت أن تؤثّر فتحتاج إلى شرطين:

الأول: فاعليه الفاعل. والثاني: قابلية المفعول.

وإذا كانت المشكلة في قابلية المفعول، فلا يصح أن تحسب على الفاعل، وبهذا المعنى نقول: إنّ الله سبحانه وتعالى لا تتعلق أرادتهُ بالمحال.

الخاتمة

وبالإجابة على هذا السؤال نختم جلسة هذه الليلة، وأتقدم بالشكر الجزيل للإخوة العاملين في مركز الأبحاث العقائدية من كادر فني وعلمي، وعلى رأسهم سماحة حجّة الإسلام والمسلمين المحقق الشيخ محمّد الحسون على ما يبذلوهُ من جهود في إعداد هذه الندوات وإنجاحها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقهم لمزيد من الإنتاج.

اللهم صلِ على محمّد وآل محمّد وعجل فرجهم.. اللهم انصر الإسلام

٦٠