×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

٤٦١

(١٦٢) شبهات معاصرة على مذهب أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم (٢)

الشيخ علي الكوراني

٤٦٢

٤٦٣

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصَّلاة وأتمّ السّلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين.

تمهيد ومقدّمة:

نسأل الله أن يقبل منا القليل ويجزينا بالكثير، وأملنا برحمته عزّ وجلّ أكثر من أملنا بعملنا، ومن أوسع وأعظم رحمته شفاعة نبيّنا وأهل بيته الطّاهرين عليهم السلام، هم الذين منحهم الله الشفاعة يوم القيامة، رئاسة وشفاعة المحشر كلّها لرسول الله صلى الله عليه وآله، والذين يشفعون من الأنبياء يأخذون قسماً وأسهماً من شفيع المحشر، النَّبي وأهل بيته الطّاهرين عليهم السلام هم حكام المحشر، والذي يحمل مع رسول الله صلى الله عليه وآله لواء المحشر هو الإمام عليّ عليه السلام، ولكلّ واحد من الأئمّة عليهم السلام مسؤوليّة، وأنتم أتباعهم الأبرار ثقوا بأنّكم تشفعون، والذي يتوفّى مقبولاً ولائه لربّه ونبيّه وأهل البيت عليهم السلام لا يحتاج إلى شفاعة، بل إنَّما هو يشفع.

يقول الشيخ الصدوق في كتابه <صفات الشيعة>: <لكل مؤمن خمس ساعات القيامة يشفع فيها>(١)، المحشر خمسون مرحلة، في خمس مواضع منها يشفع المؤمن العادي.

١- صفات الشيعة : ٣٦ ، والرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام).

٤٦٤
من مات على حبّهم توفّق؛ لأنَّه ختم حياته بالموت على ولايتهم عليهم السلام وتكون ولايتهم في محضر أعمالنا، من أرسل صحيفة أعماله وفيها ولاية أهل البيت عليهم السلام فاز وعبر، بل إن كان بمستوى مناسب يمكنه أن يشفع لغيره، وهنيئاً لمن عرف نعمة الولاية وعاش نعيمها ونورها واستقامتها وأمّل فيها.

والمؤسف أنّ الدنيا لم تعرف قيمة الإمام علي عليه السلام ربّاني هذه الأمّة والذي أسّسها مع رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي لولاه لما قامت للإسلام قائمة، حيث أسّسها وبناها وأنشأها وهو محطّ ومحلّ علوم رسول الله صلى الله عليه وآله.

ظُلِمُوا ولكن بعد قرونٍ إذا بالدنيا تلتفت وتقول: عندنا أهل بيت النبي عليهم السلام، ما هي قضيتهم؟

ما هي قضيّة رأي هؤلاء الأئمّة الرّبّانيّين عليهم السلام الذين تقدِّسهم الأمّة ثمّ تقتلهم وتبعِّدهم عن الحكم ولا تأخذ منهم معالم دينها؟

وما هي قضيّة أتباعهم حيث كانت معارضة الأغيار المخالفين قبالهم أطول معارضة في التاريخ؟

وما هي قضيّة هذا المنطق الذي يتبنّونه؟

الآن بدأت الدنيا تعطف وتريد أن تعرف من هم

أهل البيت عليهم السلام وما هو مذهبهم؟ من هم أتباعهم؟

وعندما بدأت الدنيا بهكذا عطف استشرّ النواصب واستضرّوا حيث عرفوا أنَّ المدّ قادم، وأكثر ما يتخوّف منه

٤٦٥
هؤلاء النَّواصب والوهابيّة من العراق وشيعته خاصّة؛ لأنَّهم الأكثريّة، وإذا أخذوا موقعهم وجاء موج منطقهم وفاعليتهم وولائهم فسيكنسون الظلمات.

كنّا في الحجّ حيث قال أحد الفضلاء: لديّ اليوم مناقشة مع شيخهم وهؤلاء أشرار ولايقبلون بالمنطق، فماذا أصنع؟

قلت له: لديّ حلّ بسيط، خذ أربعةً من إخواننا العراقيّين معك، فإذا فهموا أنَّه يوجد عراقي في المجلس تغيّر حالهم؛ لأنَّه هناك عمقٌ تاريخيٌّ في الولاية للعراقيين، فهناك تجربة لهم حاولوا من خلالها أن يأخذوا العراق لكن ﴿رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾(١)، لأنَّهم يقولون للإيرانيين عجم وفرس ولايعرفون اللغة وأنَّهم من قوميّة أخرى، ولكن ماذا يمكنهم أن يقولوا للعراقيّين وهم الأصول ومن لبّة قبائل العرب؟ لا يستطيعون أن يقولوا شيئاً.

منشأ الشبهات المعاصرة وسببها:

موضوعنا <الشبهات المعاصرة على مذهب أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم>، ويجب أن تعرفوا أنَّ أصل هذه الموجة نشأت عندما بدأ الشيعة في العراق بأخذ شيء من حقّهم، انظر كيف اجتمع البعثيّون والوهابيّون والموساد لأجل تأخير الانتخابات في

١- سورة الأحزاب: ٢٥.

٤٦٦
العراق، وبدأوا بالقتل والتهجير الطائفي، ومن ثمّ أعلن الزرقاوي بالتكفير وساعده علماء الوهابيّة حيث أمدّوهم بالملايين وكانوا يقتلون لمدّة سنتين ولا تجد صوتاً يستنكر أبداً، كانوا يقتلون من لا يسبّ علي بن أبي طالب عليه السلام؛ لأنَّه عندهم حلال، ويكفي أن تخالفهم في الرأي حتى يكفّروك ويقتلوك.

إذن التكفير عندهم حاجة سياسيّة ولا تستمر دعوتهم إلاّ بالتكفير، واستراتيجيتهم أنَّك إذا لم تكفّر المسلمين فلا يمكنك أن تقتلهم، وعلى هذا قامت حركتهم.

كيف قام محمّد بن عبد الوهاب؟ ولماذا قاتل أهل الأحساء والقطيف ونجد؟ كان يقول: لأنَّ عندهم قبور، فهم مشركون ويجب أن ندعوهم إلى الإسلام ونقاتلهم.

إذن حركتهم بحاجة إلى تكفير الآخرين، وأمّا نحن فلسنا بحاجة لذلك.

وأصل القضيّة أيّها الإخوة أنَّ عند هؤلاء عقدة من هذه المسيرة في العراق؛ لأنَّها مُتنفَّس لشيعة أهل البيت عليهم السلام، هم يعرفون أنَّ طاقات هذا البلد وشعبه إذا وردت إلى الميدان لا يشقّ لها غبار ولا يبقى مجال لأهل اللّحى الطّويلة والدشاديش القصيرة، فإذا جاء منطق الإمام علي عليه السلام من النَّجف ومنطق الإمام الحسين عليه السلام من كربلاء تسكت كلّ المناطق، وإذا جاء منطق الإسلام الإنساني وخاطب العالم فلا مجال لمنطق

٤٦٧
الخشونة والتكفير وقطع الرؤوس، ونقول لكم: كلّما حاولتم في قنواتكم من الافتراءات والأطروحات والشبهات فالمدُّ قادم لا محالة، وهذه هي الدنيا أفاقت على أهل البيت عليهم السلام وبدأت تعطف عليهم بعد شماسها.

سألت أحد الأشخاص من غزّة وقلت له: هل قبر هاشم عليه السلام عندكم؟ قال: نعم، فقلت: هل يزار؟

قال: نعم يزار قبر هاشم جدّ النَّبي صلى الله عليه وآله في غزّة وله مقام عظيم وعمامة خضراء ويعتقد به النّاس.

قلت له: إنَّ السلفية والوهابيّة يقولون: هذا شرك؛ لأنَّه مسجد وداخله قبر وأيضاً جدّ النَّبي صلى الله عليه وآله مشرك عندهم، فهذا شرك مضاعف.

فأجابني قائلاً: إنَّ الوهابيّة لا يتدخّلون في مقدّساتنا، والذين يستجيبون لهم فقراء من قرى باكستان وأفغانستان وغيرهم، ففي المنطقة التي فيها وعي لا يمكن للمنطق الوهابي أن يتقدّم بل هو يفضح نفسه.

فشلوا فكريّاً وإعلامياً في العالم، فشلوا بما ظهر منهم وانفضحت الوهابية، والمهمّ أنَّ حكوماتهم تجنِّب نفسها عن شرِّ سقوط الوهابية، الوهابية سقطت وهي مستمرّة بالسقوط وأنا أنصح حكوماتهم بفصل نفسها عنهم حتى لا يسقطوا معهم، والغد قادم، غد الإسلام المنفتح وإسلام أهل البيت عليهم السلام.

٤٦٨
إخواني الأعزّاء! عليكم أن تعرفوا مبعث هذه الموجة وسببها، سببها أنَّهم كُسِروا في العراق، ولمّا انفضحوا عرف كلّ العالم أنَّهم مكفِّرون قتّالون ذبّاحون.

رأيت أنَّه لابدَّ من هذه المقدَّمة حتى نعرف أنَّ الحملة الإعلامية الآن فاعلة لطرح الشبهات على الشيعة، وهذه القنوات التي تلقلق بألسنتها تنتهي مع سقوط الوهابية وتضعف وتنتهي بالفشل.

ثِقُوا بأنَّ موجة أهل البيت عليهم السلام تستوعب حالياً بينما نرى أنَّهم لا يجدون إلا الحيوانات التي يستأجرونها ويفخّخونها في العراق أو في أفغانستان أو باكستان، نجد أنَّ شخصيّات الأمة تأتي إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام، اقرأوا فقط فهرس المستبصرين ومؤلَّفاتهم في <مركز الأبحاث العقائدية> أو غيرها من المراكز لتجدوا أنّهم الدكاترة، المستشارون، الحقوقيّون، الأطباء والمثقَّفون من بلاد العالم المختلفة، هذه ثمار الأفئدة التي دعا لها إبراهيم عليه السلام لمّا أسّس البيت، حيث قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾(١) ، فهم كانوا أهل ذلك البيت المقدَّس وأولياءه ولذا لم يقل: (فاجعل أفئدة من الناس إليه)، يعني: إلى البيت.

١- سورة إبراهيم : ٣٧ .

٤٦٩
إخواني الأعزّاء! استعرضنا في الليلة الماضية ثلاث فقرات بشكل مختصر حسب ما كان يسع الوقت:

- فقرة السياق التاريخي والسياسي، وهذا الجانب هو موضوع حديث طويل.

- فقرة أخرى في الموقف الشرعي من هذه الحملات والشبهات، وهذا أيضاً فيه بحوث فقهية طويلة كثيرة.

- منهج هؤلاء الذين يثيرون الشبهات.

ونقول هنا أنّ مفردات الشبهات مكرّرة، والله عزّ وجلّ أخبرنا أنَّه قال لرسوله صلى الله عليه وآله: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾(١)، يعني: كلّ شبهاتهم عليك مكرّرة عند الأنبياء السابقين، هؤلاء المعاصرون أيضاً يطرحون شبهاتهم ويكرّرونها مرة أخرى، أنا مواكب لحركة هؤلاء الخوارج الجدد، شبهاتهم مكرَّرة، قبل أن يطرحها أمثال فلان وفلان كانت هذه الشبهات مطروحة في الإنترنيت ومجاباً عنها، فتكون مكررّة وما عندهم من جديد.

ويمكن في هذه الليلة كذلك أن أطرح مفردتين:

مدى شرعية بيعة المهاجرين والأنصار:

الأولى: يستشهدون بقول أمير المؤمنين عليه السلام: <وإنّما البيعة للمهاجرين والأنصار>(٢)، ويريدون بذلك أنّ المسلمين إذا اجتمعوا

١- سورة فصلت : ٤٣ .

٢- راجع: بحار الأنوار ٣٣: ٧٦.

٤٧٠
على إنسان و منهم رضىً بخلافته يكون إماماً ويكون لله رضىً، فالخلافة باختيار أهل الحل والعقد، وتؤخذ الشرعية بهذه الطريقة، ولا توجد إمامة ربانيّ، هذه خلاصة شبهتهم.

وهذه الشبهة ليست جديدة، منذ سنين أعطوا هذه الشبهة لهذا المسكين أحمد الكاتب وهو نشرها وأنا ناقشت فيها وأثبتنا له كذبها وهو بتر الحديث من كتاب سليم بن قيس.

الرسالة في <كتاب سليم بن قيس> وكذا في غيره، بعثها أمير المؤمنين عليه السلام جواباً على رسالة لمعاوية، يقول عليه السلام فيها: <والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدم أو حرام الدم، أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ولا يقدموا يداً ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنة، يجمع أمرهم، ويحكم بينهم، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقّه، ويحفظ أطرافهم، ويجبي فيئهم، ويقيم حجّتهم وجمعتهم، ويجبي صدقاتهم، ثم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ويحاكمون قتلته إليه ليحكم بينهم بالحق... إنَّما البيعة للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على أحد كانت إمامته لله رضىً>(١).

طيب ماذا يقولون بعد نقلهم غير التامّ للحديث الشريف؟ يقولون: يعني الحديث أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يعترف بأنَّ الأصل

١- كتاب سلم بن قيس: ٢٩١.

٤٧١
في الخلافة هو الشورى، وأنَّ الشورى للمهاجرين والأنصار وأنَّها هي التي تعطي الشرعية لمن يعيَّن خليفةً للنبي صلى الله عليه وآله وإماماً للمسلمين وحاكماً عليهم، هذه شبهتهم.

وأمّا الجواب فـ :

أوّلاً: إنَّ الإمام عليه السلام يتكلَّم بهذا الكلام بعد التنزّل عن النصّ، يعني يقول: إن لم تعتقدوا بالنصّ وأنَّ رسول ا صلى الله عليه وآله أوصى لي ونصّ عليّ وبايعني الناس في الغدير، إن لم تعترفوا بذلك فلا بأس، فلنتكلّم بالشورى التي هي محدودة بالمهاجرين والأنصار، ولا حقّ لغيرهم فيها.

ثانياً: إنّه عليه السلام يقول: يجب على معاوية ـ المطالب بدم عثمان حسب الظاهر ـ أن يدخل في بيعتي وطاعتي، وليقدم وليّ الدم ـ وهو ابن عثمان ـ ويشتكي حتى أحكم بينهم، فهذا هو الحكم الشرعي.

ثم يأتي الكلام هنا في أنّه إذا لم يُقبل بالنصّ، فهل يمكن أن تكون البيعة بالشورى أو بالانتخابات؟ من هم هؤلاء الأفراد في الشورى؟

نقول: أطراف الشورى هم المهاجرون والأنصار، وقد اعتبرهم النبي صلى الله عليه وآله أصل أمّته وحدّدهم، ويدخل التابعون لهم بإحسان حيث لهم حق في الانتخاب أيضاً إذا كان المعصوم في ضمنهم.

٤٧٢
المهاجرون والانصار إذا اتفقوا وأجمعوا على شخص، نعم كان المنتخب لله فيه رضىً حيث دخل المعصومُ عليه السلام في ذلك الاتّفاق، ومن هنا قال فقهاؤنا: بأنَّ حجّيّة الإجماع باعتبار دخول رأي المعصوم فيه.

فنحن ملاكنا وجود العصمة فيهم وإجماعهم كاشف عن رأي المعصوم لأنّه جزء من إجماعهم.

لكن الأمّة ما أجمعت على خلافة أبي بكر وهذا من الواضح عند كلِّهم أيضاً، فقضية أبو بكر أنَّ عمر ذهب إلى بيت سعد بن عبادة وكان مريضاً، فصفق اثنان من المهاجرين وإثنان من الأنصار على يد عمر، فهؤلاء أربعة أشخاص، إذن لا شورى ولا إجماع.

هم بأنفسهم يقولون: الذين اعتصموا في بيت علي عليه السلام لم يبايعوا أبا بكر واعترضوا عليه ويعدّدونهم حوالي سبعين نفراً من المهاجرين والأنصار، إذن كيف حصل الإجماع؟! لا يوجد إجماع، لا مَشْوَرة ولا إجماع، بل أبو ذر وعمّار وسلمان وأبيّ بن كعب وحذيفة بن اليمان وغيرهم من الكثيرين وقفوا واعترضوا، إذن لا إجماع قطعاً.

ثم بمن يحصل الإجماع؟ أليس بالمهاجرين والأنصار؟ والمهاجرون والأنصار جيل ينتهي فهل تورث الهجرة والنصرة لأبنائهم؟!

٤٧٣

كيف يحقّ لأبناء المهاجرين والأنصار أن ينتخبوا إماماً؟! هنا نستند إلى النص، وغاية ما يمكن أن يوصلنا إليه النص: اختيارٌ لذلك الجيل الموجود من المهاجرين والأنصار، لا الجيل الآتي من أبنائهم.

كذا الطلقاء حيث لا يعطيهم النصّ حقاً أبداً، من المعروف أنَّهم أرادوا من عمر أن يُدخِل العباس في الشورى، قالوا: هذا من الطلقاء، أسير أطلقه النبي صلى الله عليه وآله، بل عندهم نصوص صحيحة تُخرِج الطلقاء ـ أي: طلقاء قريش وعتقاء ثقيف مع ذريّاتهم إلى يوم القيامة ـ من الأمّة، فكلّ الحقوق المدنية مسلوبة عنهم.

يروي كلٌ من أحمد بن حنبل، ابن حبّان، والطبراني ـ في عدّة موارد ـ وغيرهم(١)، كما يروي من مصادرنا الطوسي رحمه الله في أماليه(٢) عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما نصّه: <المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة>.

وهذا تحديد من النبي صلى الله عليه وآله لأمّته، يحدِّد بأنَّ أمّتي تتكوَّن من هؤلاء المهاجرين والأنصار، وأمّا ثقيف وقريش وأولادهم إلى يوم القيامة فيكونون خارجين عن هذه الأمّة.

١- راجع: مسند أحمد ٤ : ٣٦٣ ، صحيح ابن حبان ١٦ : ٢٥٠ ، المعجم الكبير ٢ : ٣٠٩ و ١٣١، وكذلك راجع: تفسير الثعلبي ٥ : ٦٧ ، فتح القدير ٢ : ٣٣٠ وغيرها.

٢- أمالي الشيخ الطوسي : ٢٦٨، الحديث رقم ٣٤.

٤٧٤
ولابدَّ أن ألفت نظركم إلى الفرق بين الطليق والعتيق، فلمّا جاء النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة وفتحها، سلّم البعض أنفسهم من دون قيد أو شرط، ورفعوا سلاحهم، فصاروا كلُّهم أسارى له صلى الله عليه وآله، قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

كلّ قريش من الطلقاء وليسوا عتقاء، لم يعتقهم النبيّ صلى الله عليه وآله بينما في ثقيف أعتقهم فهم عتقاء، وهذا يعني أنَّ قريشاً ما زالت على ملك رسول الله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام إلى الآن وإلى يوم القيامة، هم وأولادهم داخلون في ملكهم لأنَّ ولد الغلام غلام، لم يُعتقوا بل اعتبرهم الشارع طلقاءَ للنبي وأهل بيته عليهم السلام ولهم أحكام شرعية.

هذا في حديث صحيح على شرط الشيخين(١)، ومفاده أنّ الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة، يعني أنّ هذه الجماعة ليست جزءً من الأمّة الإسلامية ولا يمكنك أن تجعلها جزء منها، فأيّ حق تعطيه للأمة الإسلامية فهذه خارجة عنه، فالحقوق الأساسية للأمّة لا يمكن لطليق أو عتيق أن يأخذها أبداً.

قال عمر: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء(٢).

١- قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين ٤ : ٨١.

٢- الطبقات الكبرى ٣ : ٣٤٢.

٤٧٥
يعني فهم من النبي صلى الله عليه وآله أنَّ ذلك للأنصار والمهاجرين في ذلك الجيل خاصّة.

إذن هذا أيضاً بفتوى إمامهم عمر بن الخطاب، فهم يروون هذا منه، ومعناه أنَّ الخلافة لا تصحّ لطليق، وبنو أمية طلقاء فكيف صحّت لهم الخلافة؟ هذه ضربة لأساسهم، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى هؤلاء الذين يقول عنهم أمير المؤمنين عليه السلام: إذا اجتمعت كلمة هؤلاء المجموعة من المهاجرين والأنصار، ذلك لأنَّ فيهم أهل البيت فيكون الإجماع مع المعصوم، بل في الواقع هناك نوع من مراعاة الرأي العام للناس، وليس معناه أمر مشروع في الخلافة،.

لاحظ الأمر الإلهي عندما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾(١) بلّغ النبي صلى الله عليه وآله ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ورفع بيده وبشّر الناس بالأئمة الإثني عشر، ثمَّ أمر أن تنصب له خيمة ليهنّئوه ويبايعوه، هذه تهنئة وبيعة فيها رضى الناس وقبلوها بشكل عام؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال بهذا التنصيب.

لكن أوصى علياً عليه السلام، وقال له: ستغدر بك الأمّة بعدي(٢)، كما روي أنّه صلى الله عليه وآله قال له عليه السلام: إذا وجدت يريدونك فاقبل منهم

١- سورة المائدة : ٦٧.

٢- الشافي في الإمامة ٣ : ٢٢٦ .

٤٧٦
واقبل بيعتهم إذا صار هناك رأي عام لك، اقبلها وانهض، وستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فهناك مراعاة طبيعيّة منطقيّة للرأي العام، ولذلك بعضهم يشترط ـ حتى في ولاية الفقيه ـ أن تكون هناك مقبولية عامة.

إذن أمير المؤمنين عليه السلام هكذا يدرك القضيّة بأنّ الأمّة ما دامت قد عصت النصَّ وعصت وصيّةَ رسول الله صلى الله عليه وآله فينا فمن اللازم أن يجتمعوا ويختاروا واحداً فيكون هو من يرضاه الله.

إذن هناك ـ وفي حالات معينة ـ أثر لاختيار أهل الحلّ والعقد من ذلك الجيل إذا أجمعوا واتّفق رأيهم، لكن الذين يريدون أن يتمسّكوا بهذه القضيّة لشرعيّة زيد أو عمر فلا تتمّ لهم هذه الدعوى؛ لأنّه لم يكن هناك شورى ولا رأي، وإنّما هو مجرد فرض يبيّنه أمير المؤمنين عليه السلام برسالته لمعاوية، ويقول له: أنت تطالب بدم عثمان، فاعلم أنّ أول ما يجب عليك هو أن تدخل في بيعتي ثمَّ ترفعَ إليّ وتشتكي على قتلة عثمان لأحكم بينكم.

التكفير عند الشيعة:

عندنا مفردة أخرى من المفردات التي طرحوها كثيراً وهي مسألة قول الشيخ المفيد رحمه الله في أوائل المقالات، حيث قال: اتّفقت الإمامية على أنّ من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضالٌ مستحق للخلود في النار(١).

١- أوائل المقالات : ٤٤ .

٤٧٧
أقول باختصار أنّه هو في تلك الصفحة والصفحات التي بعدها يبيّن أنَّ الذين أنا سمّيتهم كفاراً ليس قصدي كفر ملّة فيهم، وإنّما قصدي الكفر بمعنى آخر.

والشيخ المفيد حتى لو أراد تكفير الذين تقدَّموا على علي عليه السلام ومن تبع مخالفي علي عليه السلام، فنقول: نعم افرضوا أنّ عالماً من علمائنا يكفِّر مخالفي أهل البيت عليهم السلام، إلاّ أنّ عندنا علماء آخرون أيضاً، لكن انظر لهؤلاء من أتباع الوهابية الذين هم أصبحوا معروفين بالتكفير وهو عندهم مثل شربة ماء، يكفِّرون كلّ من خالفهم، يكفِّرون الأشاعرة وكلّ المسلمين غيرهم.

يكفي أن تسأل الآن هيئة كبار العلماء ـ حيث يسمّون هؤلاء المساكين بالكبار! ـ بأنَّ المسلمين في أرجاء الأرض يقولون: يا رسول الله اشفع لنا عند الله، فما حكم ذلك؟

يقولون: هذا شرك أعظم، نداء الميت عبادة وهؤلاء عبدوا رسول الله.

بالأمس قال أحد هيئة العلماء: القنوات الفضائية التي تدعو إلى الفساد مفسدون في الأرض ويجب قتلهم، الآن الذين قتلوا جماعة من إحدى القنوات في الموصل كانوا يطبّقون هذه الفتوى، وبها قتلوهم.

أمرهم من الأساس قائم على هذا حتى لو كان الشيخ المفيد رحمه الله يقصد التكفير بهذا المعنى، فهو من علمائنا الماضين

٤٧٨
ولا يوجد من مراجعنا وعلمائنا المعاصرين أحد يكفِّر من خالف أهل البيت عليهم السلام، هذه فتاواهم بل فتاوى القدماء كالمحقق الحلي رحمه الله في الشرائع وفي الرسائل التسع(١).

والعلامة الحلي في قواعد الأحكام يصرّح بخلاف التكفير المطلق، وفي القواعد أنَّ الناصب من يظهر العداء(٢).

الشهيد يقول في الدروس: يجب الصلاة على كلّ مسلم ومن بحكمه فمن بلغ ست سنين، ولو اشتبه المسلم بالكافر صُلِّي على الجميع بإفراد المسلم بالنية، ولا يصلَّى على الكافر والغالي والناصب والباغي(٣).

والجواهري في جواهر الكلام يقول: ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك الحال في الفرق المخالفة من الشيعة والزيدية والواقفية وغيرهم؛ إذ الطهارة فيهم أولى من المخالفين قطعاً(٤).

والسيد الخميني رحمه الله في تحرير الوسيلة اشترط في الذابح أن يكون مسلماً أو بحكمه كالمتولد منه فلا تحلّ ذبيحة الكافر مشركاً كان أم غيره، ولا يشترط فيه الإيمان فتحلّ ذبيحة جميع فرق الإسلام عدا النواصب(٥).

١- يُفهم ذلك من: شرائع الإسلام ٢ : ٥٢٥ ، والرسائل التسع : ٢٧٧ .

٢- راجع: قواعد الأحكام ٣ : ٣١٨ .

٣- راجع: الدروس ١: ١١١.

٤- جواهر الكلام ٦: ٦٧.

٥- تحرير الوسيلة ٢: ١٤٦.

٤٧٩
وسُئِل في منية السائل للسيد الخوئي رحمه الله: هل يجري على الناصبي المحرز نصبه العداء في أحكام الزواج ما يجري على الكافر من بطلان العقد ابتداءً؟

يقول: نعم؛ يجري حكم الكافر كاملاً(١).

هذا هو المعلوم عداؤه، فالناصب هو الذي يُظهر العداء لأهل البيت عليهم السلام، ولو لم يظهر العداوة الباطنية لا تترتّب عليه الأحكام.

يقول الشيخ محمد أمين زين الدين رحمه الله: الخارجي والناصبي نجسان، وكذلك الغالي إذا رجع غلوه إلى الشرك بالله أو إلى إنكار ذاته تعالى ، أو رجع إلى إنكار أحد ضروريات الإسلام مع الالتفات إلى كونه ضرورياً ، ولا يحكم بنجاسة المجسِّمة ، ولا المجبرة ، ولا القائلين بوحدة الوجود إذا هم التزموا بأحكام الإسلام ، ولا بنجاسة سائر فرق المسلمين ، ولا سائر فرق الشيعة إلاّ إذا ثبت نصبهم وعداؤهم لبعض أئمة أهل البيت عليهم السلام(٢).

علمائنا المعاصرين بأجمعهم لا يكفِّرون ولا ينجِّسون المسلم الذي يتشهّد الشهادتين، إلاّ الناصبي المعلن عدائه والغالي.

١- منية السائل ١١٨.

٢- كلمة التقوى ١: ٣٨.

٤٨٠