×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

وتعالى يصرِّح بأنّ الأبصار الظاهرية المادية لا تدركه، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(١).

والعجب أنّ الشيخ محمد عبده في (تفسير المنار) المعتبر عندهم يعترف بأنّ الآيات التي تدلّ على نفي الرؤية وامتناعها في القرآن الكريم أكثر وأقوى دلالةً من الآيات التي يمكن أن يُستشعر منها إمكان الرؤية، ولكن في النتيجة يعتقد بإمكان الرؤية؛ لوجود الأحاديث الصحيحة المكرَّرة والمتعدِّدة عن النبي صلى الله عليه وآله في هذا المجال(٢).

وسؤالنا هنا أنّه: هل أنتم الذين أخذتم القرآن ونحن تركناه؟! ما هو مقتضى الإنصاف والعدل في هذا المجال؟

نحن نعتقد بأنّ الإمامية أخذوا بالقرآن الكريم والسنّة الصحيحة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في جميع المسائل.

مناقشة الفخر الرازي:

يذكر الفخر الرازي في تفسيره في سورة الأنعام حول هذه الآية الشريفة: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وجوهاً أربعة لإمكان رؤيته تبارك وتعالى يوم القيامة، ثمَّ وجوب الرؤية للمؤمنين.

وسنذكر هنا دليلاً واحداً، وهو الدليل الأوّل، وذلك لأنّه صرَّح بأنّه أحسن الوجوه وألطفها.

١- الأنعام : ١٠٣

٢- راجع تفسير المنار ٧ : ٥٤٤ في تفسير قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ).

٥٢١

قال: (لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدّح بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، ألا ترى أنّ المعدوم لا تصحّ رؤيته والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصحّ رؤيتها)(١).

فالفخر الرازي يرى أنّ العلم مثلاً ليس بصحيح أن نقول فيه: (هذا الإنسان لا يرى علم ذلك الإنسان)، والحال أنّ العلم ليس مورداً لرؤية الإنسان من أساسه، فالله تبارك وتعالى ـ في مقام مدح نفسه وعظمته ـ عندما يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾, هذا المدح في قوله تعالى يلازم إمكان الرؤية، ولذلك اعتقد بأنَّ إمكان الرؤية موجود, لكنّنا محجوبون عن رؤيته.

فأصل الرؤية إذا كان ممكناً يتحقّق المدح من جهة أنّه تعالى منع الأبصار عن إدراكه, فهذه الآية تدلّ على إمكان الرؤية ـ على زعم الفخر الرازي ـ لأنّه تعالى في مقام مدح نفسه, لكنّه يجعل حجاباً بين الأبصار وبين نفسه.

وهذا الاستدلال موهن جداً, ولا ينبغي صدوره من أمثال الفخر الرازي ـ وإن وُجِد الكثير من هذه الاستدلالات الضعيفة في تفسيره ـ ولكن طبعاً هو فرد له بعض القابليّات علماً وتفسيراً وفقهاً وأصولاً وفلسفة.

ولكن هذا الاستدلال فيه مغالطة واضحة جداً, نحن نقول للرازي: لازم الاستدلال أن تعتقدوا بأنّ كلّ من يكون جائز الرؤية فهو ممدوح حيث كلامه يدلّ على أنّ من كان غير جائز الرؤية فلا يصحّ أن يمدح بعكس النقيض, ومن يكون جائز الرؤية فهو ممدوح.

١- تفسير الفخر الرازي ١٢٥:١٣.

٥٢٢
هل تلتزمون بهذا الأمر؟ هل يصح أن يقال: كلّ ما هو جائز الرؤية فإمكان الرؤية موجب لصحة مدحه؟! لا يلتزم بذلك أحد.

بل المقصود من الآية الشريفة أنّ الله تبارك وتعالى فوق إدراك البشر, ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أي: لا يوجد إمكان الرؤية بالنسبة إليه تعالى, فهي في مقام بيان عظمته تعالى وأنّ أبصارنا قاصرة عن إدراكه، بل يمكن أن يقال: حيث إنّ الأبصار جمع محلى باللام فإنّ القرآن الكريم أراد أن يقول: الأبصار جميعها ـ وإن اجتمعت ـ لا تستطيع إدراكه أبداً.

ونستنتج من هذا المقدار من الكلام أنّ أحاديث الرؤية وإن صرَّحوا بأنّها بلغت حد التواتر, لكن يرد عليها:

أوّلاً: أنّها موجبة للخلل، والعاقل لا يأخذ بها, فهي مخالفة للعقل السليم؛ لأنَّ العقل يمنع رؤية الله تبارك وتعالى في الدنيا وفي الآخرة.

ثانياً: أنّها مخالفة للقرآن الكريم، وفي الحقيقة تركوا القرآن وأخذوا بالأحاديث اليهودية والإسرائيلية، وهذا أمر عجيب منهم.

لا بُدَّ أن يصحِّحوا اعتقاداتهم، نحن نخاطبهم ونتكلَّم معهم من أجل هذه الأحاديث الموجودة في كتبهم.

افتراء على الإمامية:

بعض من علماء أهل السنة يصرّون على أنّ بعض الإمامية في زمان من الأزمنة كانوا من المشبِّهين والمجسِّمين، وهذا افتراء على الإمامية المتمسّكة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام, ويتّضح ذلك بمراجعة كتاب نهج البلاغة وخطبه.

٥٢٣

فقد جاء في خطبة: أنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: صف لنا ربَّنا مثلما نراه عياناً, فغضب فنادى الصلاة جامعة, فاجتمع إليه الناس حتى غص المسجد بأهله, فقال: <كذب الْعادلون بك إذ شبَّهُوك بأصنامهم، ونَحَلُوك حِلْيَةَ الْمَخْلُوقين بأوهامهم، وجَزَّءُوك تجزِئَةَ الْمُجسَّماتِ بخَواطرهم، وقدَّروك على الخلقَة المُختَلِفة القُوى بقرائح عقولهم، وأشهد أنّ مَن ساواك بشيءٍ مِن خلقك فقد عدَلَ بك، والعادلُ بك كافرٌ بما تنزَّلتْ به مُحكَمات آياتك، ونطَقَتْ عنه شواهدُ حُجَجِ بيِّنَاتك، وأنَك أنت الله الذي لم تَتنَاهَ في العقول فتكونَ في مهَبِّ فكرها مُكَيَّفاً ولا في رويَّاتِ خواطِرِها فتَكونَ محدوداً مُصَرَّفاً>(١).

هذا هو اعتقاد الإمامية وفي رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام بالنسبة إلى الربِّ تعالى.

نرجو من الإخوان من أهل السنّة أن يصحّحوا اعتقاداتهم, فصحّة الاعتقاد تتفرّع عليها بقية الأمور كالإمامة والمسائل الفقهية وغيرها.

ونذكر هنا بعض العبارات والأحاديث في هذا المجال:

فقد جاء في مصباح المتهجد : (لا تراه العيون, لا تراه النواظر, لا تدركه الأبصار, لا تدركه أبصار الناظرين, الحمد لله الذي بَعُدَ فلا يُرى, لا تراه عين)، وهكذا التعابير الكثيرة الأخرى(٢).

نحن نعرف أنّ حقيقة الأئمة الأطهار عليهم السلام مرتبطة بالقرآن الكريم ولم يصدر كلام واحد منهم يخالف القرآن, وهذا أمر لا يحتاج إلى استدلال، ومن تلك الكلمات كلمات أمير المؤمنين عليه السلام.

١- نهج البلاغة ١ : ١٦٥ ، الخطبة المعروفة بخطبة الأشباح.

٢- راجع على سبيل المثال: مصباح المتهجد : ٥٧٩.

٥٢٤

نعتذر من الإخوة ونسأل الله تبارك وتعالى أن يوفِّقنا لفهم الدين, وأن يعرَّفنا نفسه: اللَّهمَّ عرّفنا نفسك, وعرّفنا رسولك, وعرّفنا حجتك, وبارك لنا في أيّامنا وليالينا في هذا الشهر العظيم ونستغفر الله تبارك وتعالى ونسأله أن يوفِّقنا بصيامنا وقيامنا إن شاء الله.

٥٢٥

الأسئلة والأجوبة

السؤال الأول: جاء في كتاب (بحار الأنوار) خبر عن جابر الجعفي، قال فيه: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنّ الله تبارك وتعالى ينزل في الثلث الباقي من الليل إلى السماء الدنيا وينادي هل من تائب يتوب فأتوب عليه؟ وهل من مستغفر يستغفر فأغفر له؟ وهل من داعٍ يدعوني فأفكّ عنه؟ وهل من مقتور يدعوني فأبسط له؟ وهل من مظلوم ينصرني فأنصره؟)(١) ، وكثير من الوهابية يحتجّون بهذا الحديث على أنّ حديث النزول موجود في كتب الشيعة أيضاً، فما هو رأيكم في ذلك؟

الجواب: إنّ اعتقادنا واعتقاد الإمامية على نفي الرؤية، ففي أحاديثنا الكثير من الروايات التي تصرِّح بعدم إمكان الرؤية, والدالّة بأنّ الله تبارك وتعالى ليس بجسم، فيمكن ـ إذا كان سند هذا الحديث الذي ذُكِرت فيه الرؤية صحيحاً ـ أن نأوّله.

السؤال الثاني: من يعتقد برؤية الله في الآخرة ولكن بأن يراه الإنسان بلا جهة ولا مكان, لأنّ الجهة والمكان بالنسبة مختصان في الدنيا فتنتفي وتتلاشى هذه الأمور في الآخرة فهل هو مجسّم؟

١- بحار الأنوار٨٤: ١٦٨ .

٥٢٦

الجواب: الرؤية في القيامة ـ بحسب بعض الآيات الشريفة بالمعنى العلمي الضروري بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى ـ ممكنة, يعني: في الدنيا الحُجُب بيننا وبين الله تبارك وتعالى كثيرة, أمّا بعد الموت فترتفع الحجب, ويمكن بالنسبة إلى الكُمَّلين من الأولياء والصالحين رؤية الله تعالى, لكن لا بمعنى الرؤية العادية المتعارفة من شخص لشخص آخر، بل بمعنى أن يرى في وجودِه نورَه تبارك وتعالى من دون أيّ حجاب, لكن الرؤية بمعنى رؤية شخص لشخص آخر ولو من دون أن يكون المرئيّ جسماً غير ممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة.

السؤال الثالث: كما تقولون أنتم الشيعة بأنّ ذاته لا كالذوات فلماذا لا يكون له جسم لا كالأجسام؟

الجواب: هذا بحث مفصَّل في الكتب العقائدية، بعض أئمّتهم يقول: يصح أن يقال: له يدٌ لا كأيدينا، وله سمعٌ لا كأسماعنا وجسمٌ لا كالأجسام, لكنّنا نقول: إنّ الجسم إذا لم يكن كهذه الأجسام مع هذه الخصوصيات فليس بجسم، ففي هذه العبارة تناقض واضح, فمعنى (جسم لا كالأجسام) أنّه جسم لكن ليست فيه خصوصية الجسم من الأبعاد الثلاثة فهو ليس بجسم.

أما إذا قالوا بأنّه: (جسم لا كسائر الأجسام) كما ورد في بعض رواياتهم بأنّ الله تبارك وتعالى لكِبَرِه يثقل على العرش، فنقول: الاعتقاد بأنّه جسم ولكن في كِبَرِه لا يقايس بالأجسام ليس بصحيح, بل محال على الله تبارك وتعالى.

٥٢٧

(١٦٥) التوحيد والشرك في القرآن الكريم

الشيخ جعفر السبحاني

٥٢٨

٥٢٩

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، الذي بَعُد فلا يُرى، وقَرُب فشهد النجوى، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، العبد المؤيَّد والرسول المسدّد، المصطفى الأمجد، المحمود الأحمد، أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين الهداة المهديين، لاسيّما الحجّة بن الحسن العسكري عجّل الله تعالى له الفرج.

قال الحكيم في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾(١).

مقدّمة في معنى التوحيد في العبادة:

موضوع البحث هو: التوحيد والشرك في القرآن الكريم.

للتوحيد مراتب: فتوحيد الذات عبارة عن أنَّ الله سبحانه وتعالى واحد لا مثل له، كما أنّه بمعنى كونه تعالى بسيطاً غير مركّب، فقد جاء هذا المعنى متمثّلاً بحسب تعبير القرآن الكريم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾(٢).

أمّا توحيد الصفات فهو بمعنى أنّه تبارك وتعالى عالم متّحد علمه مع ذاته، لا بأن يكون عالماً بعلم زائد على ذاته، فهنا تختلف الإماميّة عن

١- سورة النحل: ٣٦.

٢- سورة الإخلاص: ١.

٥٣٠
الأشاعرة، حيث يقول أولئك: قدرته تعالى زائدة على ذاته.

لكن نحن نقول: قدرته عين الذات، وعلمه عين الذات، لا أن يكون هناك شيء زائد على الذات ، وتوحيد أفعاله سبحانه وتعالى بمعنى أنَّ كلّ فعل وأثر في العالم يرجع إلى الله تبارك وتعالى، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

ثمَّ المراد من التوحيد في الحاكميّة أنَّه سبحانه وتعالى هو الحاكم على العباد، وحكومة الآخرين مستفادة من حكومته سبحانه وتعالى.

لكن هذه المراتب ليست مطروحة في بحثنا هذا، إنَّما نركّز على قسم واحد من التوحيد، أعني: (التوحيد في العبادة)، والذي هو المهمّ في أيّامنا هذه، حيث إنَّ العبادة لله تعالى، ولا يجوز عبادة الغير، وشعار المسلمين كلّهم: (لا إله إلاّ الله، ولا نعبد إلاّ إيّاه).

يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهذه الآية تدلّ على أنَّ التوحيد في العبادة ـ كما في قوله تعالى:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾(١) ـ ليس من خصائص الشريعة الإسلاميّة فحسب، بل الشرائع السماويّة عامة كانت مأمورة بالتوحيد في العبادة، بلا فرق بين أمّة الإسلام وغيرها.

فالقضيّة بمعنى البحث الكبروي لا نقاش فيها، بل اتّفق الكلّ على أنَّ العبادة مختصّة بالله تبارك وتعالى، ولا تجوز عبادة الغير، وإلاّ فيكون الفرد مشركاً، فالكبرى قضيّة مسلّمة بين جميع الفرق الإسلاميّة.

إنَّما النزاع في الصغريات وتشخيص المصاديق، وأنّه هل هذا العمل

١- سورة الفاتحة: ٥.

٥٣١
عبادة أو تكريم وتبجيل؟

هنا تختلف الكلمات، فربّما توجد طائفة ترى أنَّ التكريم والتبجيل ودعوة الغير عبادة، والحال أنَّ الآخرين يقولون: ليس ذاك بعبادة وإنَّما هو تكريم وتبجيل، فاختلافنا ليس في القضيّة الكليّة، بل في تشخيص الصغريات والمصاديق.

فعلينا أن نحدّد العبادة بتعريف منطقي جامع للأفراد ومانع للأغيار حتى يتّضح مورد النزاع، فما لم تتحدّد العبادة بتحليل منطقيٍّ قطعيٍّ واقعيٍّ لم يكن من الممكن حسم النزاع.

فنحن ندعوا هؤلاء الذين يرون التكريم عبادة، أن يعقدوا مؤتمراً لهذا الموضوع لا للبحث الكبروي، لأنّ الكبرى ليس فيها أيّ اختلاف، بل الاختلاف في تحديد العبادة تحديداً منطقيّاً مبنيّاً على الكتاب والسنّة، فإذا عقد مؤتمر لهذا الموضوع فلربّما تنحلّ المشاكل إذا كنّا منصفين.

إنَّ الله تبارك وتعالى حدّد الموحِّد وميّزه عن المشرك في آيتين واضحتين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾(١).

كما أنَّه سبحانه وتعالى يحكي في آية أخرى هذا المعنى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهاً وَاحِداً﴾(٢).

فالمشرك إذا سمع تلك الكلمة يستكبر، لكن الموحِّد لا يستكبر بل يستقبل، نحن نسأل هؤلاء الذين ينسبون الشرك إلى طوائف من المسلمين، هل

١- سورة الصافات : ٣٥.

٢- سورة ص: ٥.

٥٣٢
هؤلاء الطوائف إذا سمعوا <لا إله إلاّ الله> يستكبرون أو يستقبلون تلك الكلمة ويرونها كلمة الإخلاص؟

كذلك في آية أخرى يميّز الله تعالى المشرِك عن الموحِّد، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾(١).

نحن نسأل: إذا فُسِّرت هذه الآية تنطبق على أيّ طائفة من المسلمين؟

تشمل الآية عامّة المسلمين وطوائفهم إلاّ الخارجين عن الإسلام: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾، فهذه القلّة لا يؤمنون ويكفرون.

فهاتان الآيتان تميّزان المؤمن عن المشرك، فحريٌّ أن ندرسهما دراسة حقيقيّة وواقعيّة، وهذه المطالب هي مقدمة البحث.

فلنرجع إلى ما وعدناه في رأس المقال:

ما هو حدّ العبادة؟

لا بُدَّ أن نعرف حدَّ العبادة حتّى نميّز الخضوع عن الشرك.

نقول: عُرّفت العبادة بتعاريف مختلفة، تارةً يقولون: العبادة هي الخضوع، عبد، أي: خضع أو ذلَّ.

نحن نقول: هذا التعريف على فرض صدقه ناقص، ولا يمكن أن نعتمد عليه؛ لأنّه لو قلنا بأنَّ العبادة هي مطلق الخضوع، فلا يوجد على وجه الأرض أيّ مسلم ولا موحّد؛ لأنَّ الإنسان يخضع أمام أستاذه، والجنديّ يخضع أمام رئيسه، والمتعلّم يخضع أمام المعلّم، والولد يخضع أمام والده ووالدته:

١- سورة غافر: ١٢.

٥٣٣

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(١).

فكلّ من أراد أن يفسّر العبادة بالخضوع المطلق فقد انحرف عن الحقّ، وإلاّ فيكون كلّ النَّاس ـ حتّى الأنبياء ـ مشركين، فلمّا رأوا أنَّ هذا التعريف غير حقيقيّ لجأوا إلى تعريف آخر، ذكره صاحب (المنار) والآخرون، وهو: العبادة عبارة عن الخضوع الذي لا نهاية له(٢).

وهذا التعريف كـالتعريف السابق غير تامّ، فلو كان الخضوع بلا نهاية عبادة، فالملائكة كلّهم مشركون؛ لأنَّهم سجدوا لآدم، والسجود هو الخضوع بلا نهاية، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾(٣).

لو اعتبرنا الخضوع بلا نهاية حدّاً للعبادة فيجب أن يكون يعقوب وزوجته وأولاده كلّهم مشركين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾(٤)؛ حيث إنّ السجود عبارة عن الخضوع الذي لا نهاية له.

التعريف الصحيح للعبادة من القرآن الكريم:

يجب علينا أن نلجأ إلى التعريف الثالث، فلم يكن التعريف الأوّل ولا الثاني بصحيح، وإلاّ فيجب أن يكون كلّ النَّاس أو الملائكة أو الأنبياء ـ نستجير بالله ـ مشركين، فلنرجع إلى القرآن الكريم حتّى نقف على تعريف

١- سورة الإسراء: ٢٤.

٢- راجع: تفسير المنار ٥: ٣٤٥.

٣- سورة الحجر: ٣٠.

٤- سورة يوسف:١٠٠.

٥٣٤
العبادة تعريفاً منطقياً جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار.

نحن نقول: العبادة هي الخضوع الناشئ عن الاعتقاد بالربوبيّة، فإذا خضعنا أمام إنسان بما أنَّه خالق، وأنَّ مصيري بيده، فبهذا العنوان يكون الخضوع عبادة للمخضوع له، وهذا التعريف مستفاد من القرآن الكريم.

فالعبادة هي الخضوع الناشئ من الاعتقاد إمَّا بالخالقيّة، أو الربوبيّة أو بأنّ مصيري بيد المخضوع له، فلو خضعنا بهذا الاعتقاد فيكون العمل عبادة والإنسان عابدا ًوالمخضوع له معبوداً.

وقد يُتسائل: ما الدليل على هذا التعريف؟

نقول: هناك قاعدة كليّة في المنطق والفلسفة وغيرهما، وهي أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعليّة، فمثلاً إذا قال أحدٌ: (أكرم العالم) فيكون الحكم بالإكرام لعلمه، كما لو قال: أكرم الوالد فهذا أيضاً لكونه والداً، كذلك القرآن الكريم عندما يأمر العباد بالعبادة يعلّقها على الربّوبيّة، يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾(١).

هذا دليل على أنَّ علّة العبادة عبارة عن ربوبيّة المخضوع له.

والربّ تارة يطلق على الصاحب، ولكن المراد من الربّ هنا هو الذي يربّي الإنسان ومصير الإنسان بيده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، فلو خضعنا أمام موجود باعتقاد أنَّه ربّ، وأنَّه خالق، فهذا الخضوع عبادة.

فالتعريف المنطقي الذي يمكن أن يميّز كلّ شيء عن العبادة هو هذا التعريف.

١- سورة البقرة: ٢١.

٥٣٥

والآيات الأخرى أيضاً تشهد على ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وهكذا آية أخرى حيث قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَٰهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾(١).

يأمر الله تعالى العباد بعدما يقول: ﴿رَبُّكُمْ﴾، وإنَّه سبحانه: ﴿خَلَقَكُمْ﴾،

بـ ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾.

فإذا كان الخضوع ناشئاً عن اعتقاد قلبيّ بأنَّ المخضوع له إمَّا ربّ، أو خالق، أو أنّ مصير الإنسان بيده كما أنّ الغفران والمطر والرزق بيده, فيكون عمل الإنسان هذا عبادة، والإنسان عابداً للمتبوع له، فأين هذا من قولنا:

يا حسين، حيث ندعوه بما أنَّه إنسان محبوب عند الله تبارك وتعالى، فهل أنت تدعو غير الله تبارك وتعالى؟

مقوِّمات العبادة:

فالعبادة قوامها بأمرين: أمر يرجع إلى قلب الإنسان وجنانه واعتقاده, والجزء الآخر هو العمل.

فليس مطلق الخضوع عبادة، ولا الخضوع اللامتناهي عبادة، فكلّ خضوع يجب أن يرجع إلى اعتقاد في حقّ المخضوع له، بأنَّه الربّ وأنَّ مصير الإنسان بيده حتى يكون عبادة.

هذه الآيات وأمثالها كثيرة، ونحن ذكرنا الآيات في كتابنا: (التوحيد والشرك في القرآن الكريم) حيث بحثنا هناك بحثاً هادئاً منصفاً من دون أن

١- سورة الأنعام: ١٠٢.

٥٣٦
نتعرّض لطائفة دون طائفة، فالله عزّ وجلّ يعرّفنا العبادة، وهذا هو الميزان.

ونرجع هنا إلى هؤلاء المشركين في العالم، حيث الوثنيّون كلّهم يعتقدون في معبودهم تلك العقيدة، حتّى العرب في أيّام الرسول صلى الله عليه وآله كانوا يعبدون الوثن ويخضعون له، لماذا؟ لأنَّهم كانوا يعتقدون بأنَّ المطر بيده.

فهذا ابن هشام يعرّف لنا مبدأ طلوع الوثنيّة في مكّة المكرّمة، بأنَّ الوثنيّة وردت إلى مكّة المكرّمة بهذه العقيدة، يقول أحد أهل قريش سائلاً عن أهل الوثنيّة: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟

قالوا: هذه أصنام نستمطر بها فنُمطَر، ونستنصر بها فنُنصَر.

فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنماً يقال له: (هبل)، فقدم به مكّة فنصبه، وأخذ النَّاس بعبادته وتعظيمه(١).

والذي نفهم من الآيات الكثيرة والتي تلوتُ قليلاً منها، أنَّ العبادة قائمة بأمرين: أمر في الجنان والقلب، وأمر عملي في الخارج، فلو اجتمع هذان الأمران يوصف العمل بالعبادة ويكون الإنسان عابداً، ثمّ لو كان المخضوع له مستحقّاً لذلك فتكون العبادة حقّاً، وإلاّ فتكون عبادة باطلة، فلو جرّد الخضوع عن أيّ عقيدة في حقّ المخضوع له إلاّ أنَّه إنسان كامل معصوم مستجاب الدعوة ومحبوب عند الله تبارك وتعالى لكان خضوعه أمراً عقلائيّاً عليه العقلاء والعلماء والأنبياء في حياتهم عامّة.

وبناء على ذلك، فيجب على هؤلاء الذين لا توجد في قاموسهم إلاّ كلمة الشرك أن يرجعوا إلى هذه الآيات التي تحدّد، فيفهموا أنّه ليس الشرك

١- تفسير القرطبي٦: ٣٣٨.

٥٣٧
بيدي ولا بيدك، وليس لنا أن نصف إنساناً بالشرك، إلاّ أن تكون القاعدة منطبقة على عمله وإلاّ فلا يوصف به.

فهؤلاء يجب أن يعقدوا مؤتمراً في تفسير العبادة حتّى نجتمع على أمر واحد ربّما يقلَّل به الاختلاف، ولا أقول يقلع الاختلاف من جذوره وأساسه.

فكلّ إنسان يمرّ ويقول: (يا محمّد) يكون مشركاً؟! إنّه لايخاطب الرسول بما أنَّه ربّ وإله، بل بما أنَّه نبيّ، ولذلك نقول: (السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته)، عامّة المسلمين يسلّمون على النبيّ، ويخاطبون النبي الغائب الميت ـ حسب قولكم ـ وليسوا بمشركين، فعلينا تحديد العبادة بهذا الشكل.

عقائد أخرى لبعض المسلمين:

هؤلاء يجب أن يتنزّلوا عن عقائدهم الأخرى أيضاً، فهؤلاء يعتقدون بأنَّ ابن تيميّة هو الإمام الوحيد الذي دمَّر الوثنيّة وأحيى التوحيد، فلنرجع إلى كتابه: (مجموعة الرسائل الكبرى) لنرى كيف يصف الله سبحانه تعالى وبأيّ شكل، فإنَّ تعريفه وتوصيفه لنا حجّة واضحة، وأنا جمعتُ بعض كلماته هنا.

يقول في رسالة العقيدة الواسطيّة ـ نصّ العبارة، لا أزيد كلمة ولا أنقص، والله على ما أقوله شهيد، وهذا كتابه أمامي ـ : (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه)(١).

ثمَّ يقول: (أجمع عليه سلف الأمَّة، من أنَّه سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه)(٢).

١- مجموعة الفتاوى ٥: ١٣.

٢- راجع: الفتاوى الكبرى ٤: ٤٥٠.

٥٣٨
فالله تبارك وتعالى عند ابن تيميّة الذي دمَّر الوثنيّة ـ حسب قولهم ـ على عرشه، على سريره، عليّ على خلقه، ينظر إلى الخلائق من ذلك المكان.

وبناء عليه فالله سبحانه وتعالى له مكان وجهة، فهذا الإله يكون واجباً أو ممكناً؟!

فأين كان سبحانه وتعالى قبل أن يخلق العرش، وقبل أن يخلق السماء وتلك الجهة؟!

إذا كان الله سبحانه محدوداً بالجهة والمحلّ والمكان، فطبعاً يكون جسماً، فهل هذا الرجل دمّر الوثنيّة أم قوّى الوثنيّة؟ هذا ليس توحيداً خالصاً، والله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾(١).

يُظهر المعيّة ولا يدّعي أنَّه فوق العرش، لأنَّ هذه المعيّة ليست معيّة حلوليّة، وإنَّما هي معيّة بشكل آخر، وهو عبارة عن قيامنا بالله تبارك وتعالى بالمعيّة القيوميّة، فنحن فقراء قائمون بالله تبارك وتعالى قياماً قيوميّاً لا حلوليّاً.

﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾(٢)، فالله سبحانه وتعالى يصف نفسه في كلّ مكان، ولكن لا في كلّ مكان بمعنى الحلول، بل بمعنى القيوميّة.

هذا الرجل الذي يصفونه بأنَّه دمّر الوثنيّة وأحيى التوحيد، له كتاب (غوث العباد)، طبع في مصر، مطبعة الحلبي عام ١٣٥١، يقول هناك: (لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش

١- سورة الحديد: ٤.

٢- سورة المجادلة : ٧ .

٥٣٩
عظيم)(١)(، أليس هذا عين التجسيم؟ أليس هذا عين القول بالجهة؟ أليس هذا هو القول بكونه تعالى ذا مكان؟

فلو أردنا أن نفسّر عقائدهم الباطلة أكثر من ذلك فلنا مجال فسيح، لكن الذي يجب على المسلمين في هذه الأيّام عقد مؤتمر في بلد هادئ، يجتمع فيه العلماء والفضلاء من عامّة الفرق والطبقات، بحيث يكون المؤتمر مؤتمراً علميّاً هادئاً، ولا يكون سياسيّاً ولا معتمداً على دولة، بل مؤتمراً خاصّاً لفهم العبادة، وجعل الحدّ للشرك والتوحيد، وحسم هذه الشركيّات المسلسلة التي لا حدّ لها عندهم.

فلو قام المسلمون العقلاء الواعون بدراسة أصل العبادة كبرويّاً وتطبيقها على الصغريات ربّما تنحلّ المشاكل ويكون المسلمون كتلة واحدة، وهو سبحانه وتعالى كلّما يشير في آياته إلى الوحدة يمدحها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(٢)، كما أنّه تعالى كلّما يمرّ على التفرقة يذمّها: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾(٣).

وكان في بالي أن أطرح مسألة التوسّل بالنبي الأكرم والأئمَّة المعصومين عليهم السلام، حتّى نطبّق تعريف العبادة على التوسّل، وأنّه بأيّ شكل يكون التوسل عبادة، وبأيّ شكل يكون عين التوحيد ولكن لم يسعني الوقت.

وكلمتي الأخيرة في التبرّك، حيث ينكر هؤلاء العلماء التبرّكَ في هذه

١- نقض الإمام ١: ٤٥٨.

٢- سورة الحجرات: ١٠.

٣- سورة البيّة:٤.

٥٤٠