×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

والشريعة.

قال: لا أريد من العقل، بل من النقل، أي: من الثقلين.

قلت له: العقل أوّلاً أم النقل؟

قال: النقل.

قلت: بماذا عرفت النقل؟ إنّما عرفته بالعقل، فهو مقدَّم رتبةً، إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأمّا الباطنة فالعقول(١)، هذا الحديث روي عن الإمام الكاظم عليه السلام من حديثه لهشام، وأخذت أشرح له، فقلت: يعني الآن أخذ الشيعة أحكامهم الشرعية من مراجعهم باطل؟ وأعمالهم غير صحيحة؟ وصلاتهم باطلة؟ وزواجهم باطل؟

قال: نعم باطل.

قلت: يا مساكين ماذا فعلتم بأنفسكم؟ آباؤكم وأمهاتكم تزوّجوا بفتاواهم فأثبتُّم أنّكم أولاد شبهة، فدُهش, وأخذ يتكلّم، ثم أخذ يتّصل بي, ويقول: اشرح لي عن العقل، فبيّنت له بأنّ العقل مقدَّم رتبةً, وشرحت له الأحاديث أيضاً، فنحن عندنا أدلّة على التقليد من النقل, لكن أردت أن أفهمه, لأنهم يرفضون العقل؛ إذ لا عقل لهم.

رابعاً: هناك قرص (CD) حصلت عليه أخيراً يحتوي على خمس خطب لأحمد الحسن، قلت: لأسمع هذه الخطب، فسمعت عشر دقائق أو سبعاً فقط, وقلت: يكفي! فقد سمعت أخطاء كثيرة.

١- راجع: الكافي ١: ١٦، باب العقل والجهل، الحديث ١٢ .

٤١
قال: (حِجّة) بكسر الحاء, ويريد بذلك الـ (حُجّة) بضم الحاء، فإذا لم يكن يعرف اللغة العربية كيف يكون ابن الإمام؟

كما قرأ الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(١) بضم اللام في (سبلنا)، والحال أنّها مفتوحة(٢)، لا يعرف أن يقرأ الآية، لماذا رفعتَ (سبلنا) يابن گاطع؟!

وأيضاً يوجد حديث صحيح السند عن ابن الحضرمي (رضوان الله تعالى عليه)، في أنّه دخل وأبان بن تغلب على الإمام الصادق عليه السلام لمّا خرجت المُسوّدة من خراسان، واتّجهوا إلى الكوفة، وصنعوا ثورة ضد بني أمية، وكان شعارهم (الرضا من آل محمد)، فقرّبوا الخراسانيين مثل أبي مسلم وأبي سلمة الخلال وبكير بن ماهان، وتقرّبوا من الإمام الصادق عليه السلام، فطلب ابن الحضرمي وأبان من الإمام عليه السلام الأمر، بماذا يأمرهم؟

فقال عليه السلام: <اجلسوا في بيوتكم فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدُوا إلينا بالسلاح>(٣)، لكنّ دجّال البصرة قرأها: (فانهدّوا إلينا) بتشديد الدال(٤) !

فإذا كان لا يعرف اللغة العربية, ولا يعرف النحو, ولا يعرف القرآن

١- العنكبوت:٦٩

٢- يقال أنّ أحداً قرأ الآية الكريمة: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) بضم التاء وتنوينها، فقيل له: لماذا ترفع التاء؟ قال: أذن الله أن ترفع!!

٣- الغيبة للنعماني:٢٠٣

٤- يأتي (نَهَد ينهَدُ) بمعنى نهض، وإذا قُرِئت بتشديد الدال تكون بمعنى: انكسر.

راجع: الصحاح للجوهري ٢: ٥٢٥ ، وتاج العروس ٥: ٣٣٣ .

٤٢
فمن أين علمه إذن؟

كما يخاطب أهل العراق وهو يشتمهم قائلاً: <يا قتلة الحسين! يا قتلة أجدادي، لماذا لم تؤمنوا بي ؟! الله يشهد لي، رسول الله يشهد لي، وفاطمةَ الزهراء> قالها بالفتح.

ومن أخطائه: قوله: (وهو القرآن كلّه) بفتح اللام, وقراءة الآية: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾(١) بفتح الضاد، ولم يقرأ بها أحد!

وقوله: (يتبوأ الطريق الذي يؤهّله ـ بفتح اللام ـ الى النار)!

كما يتكلّم عن نفسه، فيقول: (وجدتَه) بفتح التاء، لا (وجدتُه)..

كم يفتح الفعل المضارع! فإذا كان هذا مستواه العلمي هل يكون إماماً؟!

خامساً: سألت ذلك المخوّل عنه، فقلت له: إذا كان أحمد ابن الإمام ووصيّه فهو يحكم بعده؟

قال: نعم.

قلت له: لماذا لا يصبر؟ لماذا تخطّى أباه؟ فليحكم بعده.

قال: توجد رواية (الوصيّة) تأمر الإمام بأن يوصي له.

قلت: حسناً فليصبر, ثم يوصي له الإمام.

ثم قلت: أهو يحكم الأرض ويملأها قسطاً وعدلاً؟

قال: نعم!

فقلت له: إذن انتفت الحاجة لأبيه، وتبيّن أنّه هو المهدي.

١- النجم:٢٢ .

٤٣
سادساً: في بعض النصوص من كلامه ما يدّل على أنّه يدّعي المهدوية، فهو يتكلّم وكأنّه المهدي عليه السلام.

سابعاً: يقول في هذا الشريط الذي يحتوي على خمس خطب: (لي كم من لقاء مع الإمام وتوفّقت لأن أراه في منامي)!

أقول: إذا كنت ابنه وقد بعثك فالمفروض أن تراه كل يوم, أو عندك معه ـ على الأقل ـ جلسة أسبوعية، فكيف تريد أن تثبت بأنّك رأيته مرة أو مرتين؟! في المنام أو في اليقظة؟! وهذا يدلّ على كذبه وافترائه.

ثامناً: قال أحمد الحسن: (اشهدوا أيّها الطلبة ؛ يا طلبة النجف وقم! ألا يكفيكم ثلاثمائة رؤيا، والرؤى حجة).

نقول له: إذا كانت الرؤيا حجّة لمصلحتك فهي ضدّك حجّة أيضاً، فإذا رأى شخص في المنام أنّك شيطان فهذه حجة أيضاً, ويجب على جماعتك أن يساعدوه على قتلك.

وإذا كانت الاستخارة حجّة عندما تظهر لصالحك فعندما تظهر ضدّك تكون حجّة أيضاً.

نقاشات مع أتباع أحمد الحسن:

قال لي مبعوث أحمد الحسن ذات مرّة: (ألا تؤمن بالقرآن؟) وكأنّني فاجر!

فقلت له: أنا أؤمن بالقرآن.

قال: ألا تؤمن بالاستخارة؟

قلت: لماذا؟! بل أؤمن بالاستخارة أيضاً.

٤٤
قال: طيب استخِر في أن تتّبع أحمد الحسن، يقول الإمام أحمد: (إذا جاء معنا الكوراني سوف نغلب الدجالين).

قلت: ومن هم الدجالون؟

قال: يعني المراجع !

والحال أنّه هو الدجال، فالمراجع أولياء الله والحافظون لعلوم أهل البيت عليهم السلام.

فقلت: الاستخارة على المباحات، أمّا ما أوجبه الله وما حرّمه فقد قضى الله فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾(١).

أمّا في المباح فعندك طريقان، فإذا كنت متحيّراً هل تذهب وتسلك هذا الطريق أو ذاك، فبدل أن تُرجِّح من قِبَل ذهنك ترجِّح بالاستخارة.

كما كان أحد الإخوان جالساً في مجلسنا ذات مرّة، فأخذ القرآن وسأل أحد أتباع أحمد الحسن قائلاً: هل أنت متزوّج؟

قال: نعم.

قال: وصاحبك؟

قال: أعزب.

قال: لماذا لا تُطلِّق زوجتك وتؤثر أخاك بها؟ حسناً هذا القرآن، فاستخر الآن.

أخذ أخونا القرآن ووقف عند رأسه فاضطرب، فقال له: ألا تؤمن

١- سورة الأحزاب: ٣٦ .

٤٥
بالقرآن؟! أنت لا تستخير في أمر طلاق زوجتك، وتريد من الشيخ أن يستخير في ترك دينه، ويتبع صاحبك؟!

هؤلاء جماعة لا منطق لهم.

وكان هناك جماعة منهم يناقشون أخانا الفاضل العلامة السيد محمد شرف الدين حفظه الله، فقال ذاك الشخص للسيد شرف الدين خلال نقاشه: طيب! نعطيك دعاء أو ورداً وسترى مناماً الليلة.

فقال له السيد: كلا، أنا أقول لك: قل خمسمائة مرة قبل أن تنام: بطيخ بطيخ بطيخ.. وسترى في المنام كومة من البطيخ.

هم يستعملون أساليب الإيحاء، وقد انفضحوا في العراق بحمد الله، ولكن مع ذلك عندهم صحيفة ومكاتب وحسينيات في العراق, ولهم عطايا للطلبة، كما لديهم مكاتب في المهجر، ومكتب في مصر، وفي غيرها، فهناك نفقات كثيرة جداً.

من أين لك أموال السحت هذه؟ إنّها من أموال السحت من (بندر) الناصبي لأجل أن يحقّق ثلمة في عقيدة الشيعة بالإمام المهدي عليه السلام، ولن يستطيع ذلك، وقد فُضحت جماعته والحمد لله، وإخواننا في البالتوك ـ وخاصّة في غرفه الغدير ـ قاموا بأدوار رائعة، وفضحوهم فكانت حجتهم داحضة.

أكتفي بهذا، وصلى الله على محمد وآل محمد.

٤٦

الأسئلة والأجوبة:

السؤال الأوّل: هل يصح أن نلغي إمكان رؤية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف واللقاء به تجنّباً لظهور من يدّعي السفارة كأحمد الحسن؟

الجواب: كلا لا يصحّ ذلك، وقد وقع في هذا الإشكال بعضُ المعاصرين، ويكفي في ردّه الأحاديث الصحيحة كالحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: <لا بُدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة, ولا بُدَّ له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة, وما بثلاثين من وحشة>(١)، إذن هو عليه السلام يلتقي بثلاثين.

والحديث الآخر الذي يقول: <للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة مواليه>(٢).

والمراد بالمشاهدة والرؤيا المنفيّة في توقيع علي بن محمد السمري هي <السفارة>, لا مجرّد المشاهدة التي لا تقترن بادعاء شيء، وهناك كبار وأولياء ثقاة شاهدوه عليه السلام ولم يدّعوا شيئاً، فنقبل منهم.

١- الكافي ١: ٣٤٠، الحديث ١٦ .

٢- الكافي ١: ٣٤٠، الحديث ١٩ .

٤٧

لاحظوا نص التوقيع: <يا علي بن محمد السمري! أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره.. وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر>(١).

وهنا معنى <يأتي شيعتي> أي: من يدّعي موقعك وهو السفارة، فالمشاهدة المنفيّة في التوقيع بظهور سياقها هي السفارة، وهذا صحيح، فأيّ إنسان يدّعي سفارة ـ وكلّ مقام خاصّ من الإمام عليه السلام فيه سفارة حتى لو قال مثلاً: (الإمام كلّفني بأخذ هاتين الكلمتين وتبليغهما للناس) ـ نحن نردّه قبل السفياني والصيحة، أمّا أنّه رآه وسأله وتشرّف به وما عرفه إلى أن ودّعه فهذا لا مانع منه، وهو ثابت من ثقاة وأولياء أنا أعرف بعضهم، تشرّفوا برؤيته عليه السلام، فلا مانع من ذلك.

السؤال الثاني: لماذا نعاتب التابعين لأحمد الحسن فقط مع أنّهم كبقيّة الناس في إيران والبلدان الأخرى حيث أنّ عوام الناس يأخذون كلام مراجعهم وعلمائهم بدون تدبّر ولا دليل, بل بالاعتماد والحبّ فقط، فلماذا

لا نعمّم العتاب للكلّ؟

الجواب: هناك فرق، فهذا يأخذ الفتوى من مرجع تقليده بإرجاع أهل البيت عليه السلام إليه، <وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا>(٢)، كما

١- الغيبة للشيخ الطوسي: ٣٩٥، الحديث رقم ٣٦٥.

٢- الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٨٣.

٤٨
أنّه يأخذها بحكم العقل، فإنّ الجاهل يرجع إلى العالم، فيأخذ منه فتواه التي فهمها من الشريعة.

وأمّا أحمد الحسن فيقلّده أتباعه في العقائد ويرون له منصباً، أمّا المرجع فلا يدعي أنّ له منصباً، وأنّه ابن الإمام، وأنّ الإمام بعثه, وأنّه سوف يبقى حياً حتى يأتي الإمام، ويحكم ويوصي به من بعده، وغير ذلك من الادعاءات الكاذبة، ففرق بين هذا وذاك.

السؤال الثالث: ما قولكم في عمدة دليل دعوة أحمد بن كاطع، وهي الوصية التي ذكرها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة؟

الجواب: نعم، جاء في حديث الوصيّة: <.. فليعهد بها إلى علي بن الحسين>, ثم ورد ذكر الأئمة إماماً إماماً, ثم قال: <فليعهد ـ أي المهدي عليه السلام ـ بها إلى ولده>، فهنا نقول:

أوّلاً: في سند هذه الرواية كلام, وفي رواتها عاميان كما يقول الحر العاملي (رضوان الله عليه).

ثانياً: لو تمّت الرواية وصحّت فهي تتعلّق بالإمام وبما بعد ظهوره, وإقامته لدولته، وهنا نقول: كم يحكم الإمام؟ في روايةٍ أنّه يحكم بعدد سني أهل الكهف ٣٠٩ سنين(١).

إذن؛ بعد ظهوره وعندما تقرب وفاته يعهد كما أمره الله، فالأمر الإلهي أو أمر جدّه له يتعلّق بذلك الوقت، فلماذا جرّها أحمد الحسن إلى هذا الوقت؟ لماذا قفز؟ نقول له: اصبر إلى أن يقيم الإمام دولته، فإذا صرت ابنه وعهد لك

١- راجع: دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ٤٥٦، رقم الحديث: ٤٣٦ .

٤٩
فأهلا وسهلاً! هؤلاء يتشبثون بالطحالب.

ثالثاً: ما الدليل على أنّك ابن الإمام؟ هل نصدق كلّ أحد يدّعي أنّه ابن الإمام المهدي الذي سوف يعهد له بعد دولته وحكمه؟ هذا أوّل الكلام.

السؤال الرابع: ما قولكم في أنّ الأئمة بعد الإمام المهدي عليه السلام أحد عشر، وقد ذكرت في بعض الروايات أنّ المهديين بعد المهدي أحد عشر(١)؟

الجواب: الرواية موجودة، ولم يُروَ أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: (أئمة)، فالمعصومون الأربعة عشر (صلوات الله عليهم أجمعين) لا يصل إلى رتبتهم أحد حتى الذين يأتون بعدهم ويحكمون، فهم مهديون من ذريّاتهم، ولكنّهم ليسوا أئمة، بل يُقتدى بهم، وأئمتنا هؤلاء الأئمة الإثنى عشر عليهم السلام، ولا يوجد أئمة غيرهم إلى يوم القيامة حتى لو استمرت دولة العدل الإلهي مائة ألف سنة، فكلّها تعتقد بإمامة هؤلاء عليهم السلام.

نعم يمكن القول عمّن ذكروا في السؤال أنّهم أهل هدى ويمكن أن يُلهَموا، لكنّهم ليسوا أئمة.

١- راجع: الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٧٨، الحديث ٥٠٤ .

٥٠

٥١

(١٤٤) التقيّة، تأريخها، حكمها و أدلّتها

الشيخ مسلم الداوري

٥٢

٥٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا حبيب إله العالمين أبي القاسم المصطفى محمّد صلى الله عليه وآله.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾(١).

تمهيد:

بحثنا اليوم في التقيّة من جهة معناها وتاريخها وأدلّتها، وهذا الموضوع من المواضيع المهمّة التي طال الاختلاف فيها بين المسلمين، وانقسموا إلى عدّة فِرَق، فجماعة ـ وهم الإمامية ـ أثبتوها وجعلوها من سمات أحكام الدين، وجماعة أخرى ـ وهم أكثر من أهل السنّة ـ أنكروها وقالوا بأنَّها بدعة، وعبّروا عنها بأنَّها شعبة من النفاق، فالمقام يتطلّب البحث في هذا الموضوع بحثاً دقيقاً علمياً تحليلياً حتى نرى الصواب في هذا الأمر، ولا تبقى ـ إن شاء الله ـ شبهة ولا إشكال، وتُبرهَن هذه المسألة وتُوضَّح كمال الوضوح.

١- سورة طه: ٢٥ـ ٢٨.

٥٤
وكما أشرنا فإنّ البحث يقع في نقاط ثلاثة:

أوّلاً: في معنى التقيّة وتفسيرها.

ثانياً: في تاريخها.

ثالثاً: في أدلّتها وحكمتها.

النقطة الأولى: معنى التقيّة وتفسيرها:

التقيّة اتُّخِدت من التقوى، وهي مصدر أو أسم مصدر من (اتّقى يتّقي اتّقاءً وتقيّةً)، وهي بمعنى التحفّظ والحذر وعدم الإقدام على الشيء الذي يضرّ بالإنسان، إمَّا ضررا دنيوياً أو أخروياً، فالتقوى بمعنى: التحفّظ وحفظ النفس من ارتكاب وإتيان أعمال تكون مضرّة بالدين والدنيا.

أقسام التقيّة:

تقسّم التقيّة إلى أقسام ـ كما قسّمها العلماء والفقهاء العظام ـ فالتقيّة إمّا خوفية أو مداراتية أو كتمانية، والخوفية والمداراتية أيضاً تنقسمان إلى قسمين؛ لأنّ الخوفية تارة يكون المنشأ من الخوف فيها الانثلامَ والتفرّق بين المجتمع الإسلامي، أي: يكون موجباً للتفرّق والتشتّت بين المسلمين وتنثلم بذلك وحدتهم، وبذلك تكون الغلبة للكفار على المسلمين، وهو خوف من هذه الجهة، فحينئذ لا بدّ من التقيّة وعدم إظهار الحق في مقابل المخالفين حتى لا يكون هناك اختلاف، وهذا القسم من أوجب أقسام التقيّة.

وقد مارس هذا القسم الإمامُ أمير المؤمنين عليه السلام بأن صَرف نفسه عن حقّه فلم يأخذه لهذا الغرض، وهو عدم الانثلام بين المسلمين؛ لأنّ المسلمين كانوا في أوّل الإسلام، وكان الكفار مراقبين ويريدون اضمحلال الإسلام،

٥٥
فالإمام عليه السلام انصرف عن حقّه واتّقى لهذا الغرض، ولذلك ورد في كلماته خطاباً للزهراء عليها السلام بأنَّه إذا أرادت عليها السلام فهو قادر على أخذ حقّه في فدك، لكنّها لا تسمع الأذان بعد ذلك(١).

والقسم الثاني من الخوفيّة: الخوف على النفس والعِرض والأموال الخطيرة الموجب للتقيّة، وهو محلّ ابتلاء بين المسلمين.

والمُداراتيّة أيضاً على قسمين، فتارة تكون المداراة بالمؤاخاة والاعتماد واكتساب المودّة بين المسلمين، وهذا أيضاً مستحسن وممدوح، كما ورد في رواياتنا أنّ ثواب الصلاة في جماعة المخالفين يعدل ثواب الصلاة في الصفّ الأوّل خلف رسول الله صلى الله عليه وآله(٢)، وكذلك أُمِرنا بالحضور في مجالسهم ومساجدهم وتشييع جنائزهم وأمثال هذه الأمور المتعارفة(٣).

وتارة تكون المداراتية لتهيئة النفوس وإعدادها لقبول الحقّ، وذلك نظير التصابيّ مع الصبي، فالإنسان ـ في كثير من الأحيان ـ يتصابى مع الصبي فيأخذ بقوله ويعمل بأوامره ويعتني بكلامه وإن كان على خلاف الحقّ، وذلك لأن

١- جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ١١٣، ما نصّه: وقد روى عنه عليه السلام أنّ فاطمة عليها السلام حرّضته يوماً على النهوض والوثوب، فسمع صوت المؤذّن: <أشهد أنّ محمداً رسول الله>، فقال لها: أيسرّكِ زوال هذا النداء من الأرض؟! قالت: لا، قال: فإنّه ما أقول لك.

٢- فقد جاء في الكافي ٣: ٣٨٠، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: <من صلّى معهم في الصفّ الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله>.

٣- وقد ورد في ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: <عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلّوا معهم في مساجدهم>.. الحديث.

محاسن البرقي ١: ١٨.

٥٦
يكمل عقله وينضج ويقبل قوله في ما بعد.

وهذا قد يكون من هذه الجهة مداراة لإعداد الأذهان والنفوس لقبول الحقّ، وهو القسم الثاني من التقيّة المداراتيّة.

والكتمانية أيضاً تكون فيما إذا كانت هناك أمور ثقيلة على العقول، فبعض العقول لا تتحمّل كلّ أمر صعب، وقد ورد أنّ <حديثنا صعب مستصعب>(١)، فهذه الأحاديث الصعبة المستصعبة لا بدَّ من كتمانها عن النفوس والعقول الساذجة، فلا تقال لمن لايتحمّلها، وإلاّ لأمكن أن يرتدّ عن الإسلام، وهذأ أيضاً قسم من التقيّة.

فالتقيّة ـ كما ذكرنا ـ تكون على هذه الأقسام الخمسة.

موارد الاستثناء في التقيّة:

كما أنّ هناك موارد لا تجوز التقيّة فيها وهي موارد الاستثناء، فمثلاً: إذا كان هناك خطر وضرر على المؤمنين من جهة أنفسهم وأعراضهم فلا تجوز التقيّة حينئذ.

وقد ذكرنا اثني عشر مورداً من موارد الإستثناء في كتابنا: <التقيّة في مذهب أهل البيت عليهم السلام>، ومنها: ما إذا كانت التقيّة موجبة لاضمحلال الدين أو لإيجاد بدعة في الدين فلا تجوز حينئذ.

وعلى أي حال فهذا معني التقيّة وهذه أقسامها، وهذه هي النقطة الأولى على نحو الاختصار.

١- روى الكليني في الكافي ١: ٤٠١، بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: <إنّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمّله إلا صدور منيرة أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة>..

٥٧

النقطة الثانية: التقيّة وتاريخها

يتبيّن من خلال هذه النقطة أنّ التقيّة ليست وليدة اليوم، وكونها أُحدِثت وابتُدِعت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من الشيعة الإمامية، بل لها جذور وأمد طويل حيث مارسها الأنبياء السابقون عليهم السلام.

وقد يستفاد من التاريخ وكذلك من الآيات والروايات عند العامّة والخاصّة أنّها كانت من زمن النبي آدم عليه السلام، فبعد قتل قابيل لأخيه هابيل

ـ الذي كان وصيّاً لآدم، حيث جاء في الآية الشريفة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(١) ـ أُمِر آدم بأن يوصي إلى ابنه شيث هبة الله، وأن يودع علم النبوة عنده، فعمل آدم عليه السلام بذلك، لكنّه أمره بأن يكتم هذا الأمر، ولذلك ورد أنّ شيث كان يمارس التقيّة ويُخفي أمره عن أخيه قابيل.

وهناك روايات كثيرة في هذا الباب، ونحن نكتفي برواية واحدة منا ورواية من أهل السنّة:

روى الراوندي رحمه الله في قصص الأنبياء، بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: <إنّ قابيل أتى هبة الله عليه السلام، فقال له: إنّ أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك وأحقّ به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب عليّ، فآثرك بذلك العلم عليَّ، وإنّك والله إن ذكرت شيئاً ممّا عندك من العلم الذي ورّثك أبوك لتتكبّر به عليَّ، ولتفتخر عليَّ لأقتلنّك كما قتلتُ أخاك، فاستخفى

١- سورة المائدة:٣٠.

٥٨
هبة الله بما كان عنده من العلم لتنقضي دولة قابيل، ولذلك ـ والقول للإمام عليه السلام كما في الرواية ـ يسعنا في قومنا التقيّة؛ لأنّ لنا في ابن آدم أسوة>.

ثم قال: <فحدّث هبة الله ولده بالميثاق سرّاً، فجرت ـ والله ـ السنّة بالوصيّة من هبة الله في ولده، ومن يتّخذه يتوارثونها عالم بعد عالم، وكانوا يفتحون الوصيّة كلّ سنة يوماً>، الحديث(١).

وهذه الأحاديث من طرقنا كثيرة.

وأمّا من طرق العامّة فقد روى الطبري في تاريخه بسنده، قال: (إنّ آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيث عليه السلام، وكتب وصيّته، ثم دفع كتاب وصيّته إلى شيث وأمره أن يخفيه من قابيل وولده؛ لأنّ قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به)(٢).

ونقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم(٣)، وكذلك ابن الأثير في الكامل(٤).

فالتقيّة كانت ثابتة منذ زمن ابن آدم عليه السلام ووصيّه.

وبعد ذلك نصل إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ*قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ

١- قصص الأنبياء للراوندي: ٧٠.

٢- تاريخ الطبري ١:١٠٧.

٣- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١: ٢٢٧.

٤- الكامل في التاريخ ١: ٤٩.

٥٩
الظَّالِمِينَ*قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ*قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ*قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ*قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾(١)، فإبراهيم عليه السلام أيضاً مارس التقيّة، وقد روى ذلك كلّ من العامّة والخاصّة.

وقد روى البخاري بعدّة طرق، قال: (لم يكذب إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ، قوله ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾(٢)، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذا﴾(٣)، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إنَّ ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي! فأتى سارة، قال: يا سارة! ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإنّ هذا سألني عنك فأخبرته أنّك أختي، فلا تكذّبيني)(٤).

فثلاثة أمور صدرت من النبي إبراهيم عليه السلام تقيّةً.

رواها كذلك الثعلبي وابن كثير في قصص الأنبياء والطبري في تاريخه(٥)، وأضاف الطبري إلى ذلك أنّ هذا الجائر أراد أن يصل إلى ساره فيبست يده إلى صدره(٦).

١- سورة الأنبياء: ٥٨ ـ ٦٣.

٢- سورة الصافات: ٨٨.

٣- سورة الأنبياء: ٦٣.

٤- صحيح البخاري ٤: ١١٢.

٥- راجع: تفسير الثعلبي ٨: ١٤٨، قصص الأنبياء لابن كثير ١: ٩٤، تاريخ الطبري ١: ١٧٢.

٦- راجع: تاريخ الطبري ١: ١٧١.

٦٠