×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وعلى كلٍّ فالقضية محقّقة وثابتة.

وفي روايات الخاصّة أيضا وردت هذه القضية في صحيحة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: <التقيّة من دين الله>، قلت: من دين الله؟! قال: <إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾(١)، والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والله ما كان سقيما>(٢).

وكذلك روى الصدوق عن الصادق عليه السلام، قال: <عليك بالتقيّة فإنّها سنّة إبراهيم الخليل عليه السلام>(٣).

وغيرها من الروايات، وهي كثيرة في هذا المقام أيضاً.

وبعد ذلك النبي يوسف عليه السلام، فقد مارس التقيّة أيضاً، وقد ورد في النصوص عندنا وكذلك يستفاد من نصوص العامّة أنّ يوسف عليه السلام أظهر دين الملك حتى اطمأنّ الملك به، وأعطاه الخزائن، فمَلِك جميعَ الخزائن ومُلكَ المَلِكِ أيضاً، وبعد ذلك أظهر الإيمان، فآمن به الملك وكذلك قومه.

وهناك رواية صحيحة عن الإمام الرضا عليه السلام رواها الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، جاء فيها: <أقبل يوسف على جمع الطعام، فجمع في السبع السنين المخصبة، فكبسه في الخزائن، فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطعام، فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلاّ صار في مملكة

١- سورة يوسف: ٧٠.

٢- الكافي للكليني ٢: ٢١٧.

٣- معاني الأخبار: ٣٨٦.

٦١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية (ج١٠) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠) يوسف، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جوهر إلاّ صار في مملكته، وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابةٌ ولا ماشية إلاّ صارت في مملكته، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بمصر عبد ولا أمة إلا صار في مملكته..

.. ثم قال يوسف للملك: أيّها الملك! ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر وأهلها، أشِر علينا برأيك، فإنّي لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم، ولكنّ الله تعالى أنجاهم على يدي.

قال له الملك: الرأي رأيك.

قال يوسف: إنّي أشهد الله وأشهدك أيّها الملك أنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك، على أن لا تسير إلاّ بسيرتي، ولا تحكم إلا بحكمي.

قال له الملك: إنّ ذلك لزيني وفخري أن لا أسير إلاّ بسيرتك، ولا أحكم إلاّ بحكمك، ولولاك ما قويت عليه، ولا اهتديت له، ولقد جعلت سلطاناً عزيزاً لا يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّك رسوله، فأقم على ما وليتك، فإنّك لدينا مكين أمين>(١).

نعم؛ تمكّن يوسف عليه السلام وبممارسته للتقيّة أن يدخل الأمير دينَه وكذلك جميع رعيّته.

١- تفسير مجمع البيان ٥: ٤٢٠.

٦٢
وكذلك كليم الله موسى عليه السلام، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولا لَهُ قَوْلاً ليِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾(١)، وورد في الروايات: <أمّا قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً ليِّناً﴾، أي: كنّياه وقولا له يا أبا مصعب>(٢)، يعني: مارسا معه التقيّة باللسان الليّن مع أنَّه كان يدّعي الألوهية، وهذه تقيّة مداراتيّة طبعاً.

وبالنسبة لموسى عليه السلام لم نظفر بممارسته للتقيّة في غير هذا المورد، نعم مارس أصحابه التقيّة؛ لأنَّهم كانوا في شدّة وضيق من جهة فرعون.

ومن جملتهم: مؤمن آل فرعون، فقد كان يمارس التقيّة لسنوات عديدة، وقد قال الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾(٣)، وذكر ابن كثير في قصصه أنّ هذا الشخص كان ابن عمّ لفرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه(٤).

وقال الدارقطني: اسمه شمعان، وكذلك حكاه السهيلي، وفي تاريخ الطبري أنّ اسمه حيزور(٥)، وقال الثعلبي: هو حزقيل وكان نجاراً، وقيل: إنَّه

١- سورة طه: ٤٤.

٢- علل الشرائع ١: ٦٧.

٣- سورة غافر: ٢٨.

٤- قصص الأنبياء ٢: ٥٦ .

٥- قال ابن حجر: قال الدارقطني في <المؤتلف>: لا يُعرَف شمعان ـ بالشين المعجمة ـ إلاّ هذا، وصحّحه السهيلي، وعن الطبري: اسمه حيزور، وقيل: حزقيل بن برحايا، وقيل: حربيال.

راجع: فتح الباري: ٦: ٣٠٦.

٦٣
كان خازناً لفرعون مئة سنة، وكان مؤمناً مخلصاً يكتم إيمانه إلى أن ظهر موسى على السحرة فأظهر حزقيل أمره(١)، وقد نجّى موسى عليه السلام مرةً من القتل، فلما شاور فرعونُ قومَه في أمر موسى، قال حزقيل له بلسان ليّن: أرى أن لا تقتله! فنجّى موسى من القتل.

ومن أصحاب موسى عليه السلام أيضاً: آسية امرأة فرعون، فقد قال الله تعالى عنها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(٢).

إنّها كانت مؤمنة مخلصة وكانت تكتم إيمانها، ومارست التقيّة لزمن طويل، وجاء في بعض الروايات أنّها تكون من زوجات النبي صلى الله عليه وآله في الجنة(٣).

وقيل: إنّ امرأة فرعون كانت من بني إسرائيل(٤)، وكانت مؤمنة مخلصة وكانت تعبد الله سرّاً وحتى كانت لتعلّل في قضاء حاجتها، فتبرز فتصلّي يومها في مبرزها خوفاً من فرعون، وكانت على تلك الحالة حتى قتل فرعون امرأة

١- راجع: بحار الأنوار ١٣: ١٦٣.

٢- سورة التحريم: ١١.

٣- جاء في البداية والنهاية عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على خديجة وهي في مرض الموت، فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئهن منّي السلام، قالت: يا رسول الله! وهل تزوّجت قبلي؟ قال: لا، ولكن الله زوّجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى.

البداية والنهاية ٢: ٧٤ .

٤- قصص الأنبياء لأبن كثير ٢: ٨ .

٦٤
حزبيل(١).

وأيضاً من جملة مَن كان يكتم إيمانه:الخضر عليه السلام، وغيره كثيرون من أصحاب موسى عليه السلام.

وكذلك ممَّن مارس التقيّة أصحاب الكهف، قال الله سبحانه تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾(٢)، وكشفت روايات الخاصّة والعامّة عن أنَّ هؤلاء الفتية كانوا يكتمون إيمانهم ويتّقون.

وقد ورد في موثقة درست الواسطي عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: <ما بلغت تقيّة أحد تقيّة أصحاب الكهف، أن كانوا يشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأتاهم الله أجرهم مرتين>(٣)، كما هناك روايات كثيرة في هذا الباب من طرقنا(٤).

ومن طريق العامّة روى الثعلبي، فقال: (فخرجوا في عيد عظيم، في زيّ وموكب، وأخرجوا معهم آلهتم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كلّ واحد منهم الإيمان عن صاحبه)(٥).

١- راجع: بحار الانوار ١٣: ١٦٤.

٢- سورة الكهف: ١٣.

٣- الكافي للكليني ٢: ٢١٨.

٤- منها: ماروي عن أبي عبد الله عليه السلام من أنَّه ذكر أصحاب الكهف، فقال: <فكيف لو كلّفوكم ما كلّف أصحاب الكهف قومهم؟! كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا لهم الشرك، وأسرّوا الإيمان حتى جائهم الفرج>.. إلى آخر الحديث.

راجع: الأصول السنة عشر: ١١٤، كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلي.

٥- قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٤١٩ الطبعة الرابعة.

٦٥

وأيضاً ممّن كان يمارس التقيّة مؤمن آل ياسين، وكان في زمن النبي عيسى عليه السلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ*إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾(١).

أُرسِل شخصان إلى قومٍ كفار، فأخِذُوا وحُبِسوا، فأرسل عيسى عليه السلام ثالثاً، وهذا الثالث مارس التقيّة، وأظهر عبادة آلهتهم حتى اطمأنوا به، وبذلك نجّى الإثنين، وصار سبباً لإيمان الباقي.

رواه من العامّة الثعلبي، فقال: كان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويُصلّي كثيراً ويتضرّع، حتى ظنّوا أنّه على ملّتهم(٢)، وبعد ذلك أظهر الإيمان.

وعلى كلّ فقبل زمان النبي صلى الله عليه وآله ومن زمن آدم إلى عيسى عليها السلام كانت التقيّة جارية وثابتة وتمّت ممارستها، فأين نحن ممّا يقال بأنّ التقيّة من النفاق؟! فهل الأنبياء عليهم السلام منافقون؟! وهل كانت تقيّتهم نفاقاً كما يقوله بعض الجهلاء الذين لا يتعقّلون شيئاً؟!

وعلى أيِّ حال فهذا هوتاريخ التقيّة.

وفي زمان النبي صلى الله عليه وآله أيضاً كانت التقيّة ثابتة، ومورست من قِبَل عمار، فعمل بالتقيّة ونزلت فيه الآية الشريفة(٣) كما تعلمون.

١- سورة يس:١٣-١٦.

٢- الكشف والبيان عن تفسير القرآن ٨:١٢٥ .

٣- وهي قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). سورة النحل:١٠٦.

٦٦
وكذلك بالنسبة إلى أبي طالب عليه السلام، فقد مارس التقيّة كما يظهر من الروايات ومن أبياته التي ذكرها في النبي صلى الله عليه وآله(١).

وكذلك الحال بعد النبي صلى الله عليه وآله، فالتقيّة ثابتة تاريخياً ولها جذور على مرّ الزمن والدهور، وليست وليدة اليوم وبدعاً من الإمامية.

النقطة الثالثة: في أدلّة التقيّة وحكمتها:

هذا من جهة التاريخ، وأمّا من جهة الأدلّة فيمكن الاستدلال على مشروعيّة التقيّة وأنّها حكم من أحكام الله سبحانه وتعالى بالأدلّة الأربعة، بالكتاب والسنّة الشريفة، وكذلك الاجماع والعقل، العقل المستقل وغير المستقل.

أمّا الكتاب فكما ذكرنا بعض الآيات، وأمّا السنّة الشريفة فقد ورد ما يقارب سبعين رواية في مشروعيّة التقيّة على ما أحصينا، حيث ورد أن <لا دين لمن لا تقيّة له>(٢)، وأنّ <التقيّة في كلّ ضرورة>(٣) أو <في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم>(٤).

هذه مجموعة روايات وفيها صحاح مع أنّها لا تحتاج إلى الملاحظة في السند؛ لأنّها متواترة.

١- رجع نهج البلاغة ١٤:٦١.

٢- من لا يحضره الفقيه للصدوق ٢:١٢٨.

٣- الكافي ٢: ٢١٩.

٤- الكافي ٢: ٢٢٠.

٦٧
كما ذكرنا إجماع الإمامية على ذلك، وأنّها ثابتة سيرةً وتاريخياً أيضاً.

وكذلك عقلاً، فالإنسان إذا رجع إلى عقله هل يحكم عقله السليم بأنَّه

ـ وفي مقابل حكم من الأحكام أو عمل من الأعمال ـ يترك نفسه ويهدر دمه ليُقتل؟! هذا خلاف العقل.

هذا إضافة إلى ما ورد وثبت في الإسلام من أنَّه إذا كان هناك ضرر على الإنسان في بعض أعماله ـ كوضوئه أو صومه او القيام في الصلاة ـ فإنَّه يسقط عنه، بل يكون حراماً إذا أتى به حال كونه عالماً بأنّه مضرٌ، فكيف يمكن القول بجواز أن يهدر الإنسان دمه ويُقتل لأجل عمل جزئي من الأعمال، ولا تجب عليه التقيّة، بل تكون التقيّة غير مشروعة بالنسبة إليه؟!

لا معنى لذلك وليس ذلك أمراً معقولاً.

والأمثلة في ذلك كثيرة، ومن باب المثال نذكر فتوى ابن باز من علماء أهل السنة السلفيين، فإنّه أفتى بأنَّ الإنسان إذا اعتقد أنّ الأرض تتحرّك وتدور حول الشمس ـ بما يوجب الليل والنهار ـ فإنّه يكون كافراً، فإن تاب فهو، وإلاّ فيجب قتله، وهذه الفتوى مكتوبة في مجموعة فتاواه(١).

وله فتوى أخرى أيضاً بأنّ الإنسان إذا اعتقد أنّ الجرثوم (الميكروب) هو الموجب للمرض فإنّه يكون مبدِعاً مشركاً بالله سبحانه، فإن تاب فهو وإلاّ فيجب قتله.

فهل يُعقل أن لا يتّقي الإنسان ويهدر دمه أمام هذه الفتاوى السخيفة التي ليس لها دليلٌ أو تكون أدلّتها مزيفة؟! إذا كان كذلك فأكثر المسلمين بل

١- راجع: مجموع فتاوى ابن باز ٩: ٢٢٨.

٦٨
جلّهم لا يقول بذلك، بل يقولون بأن الأرض تتحرّك، وأنّ الميكروب هو الذي يوجب المرض وانتشاره وإن كان سببه هو الله سبحانه وتعالى، فيأبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فهو سبب للأمراض، وعلى ذلك فلا بدّ أن يكون أكثر المسلمين ـ بل كلّهم ـ مهدوري الدم، فهل يعقل أن يقول الإنسان بذلك؟

وعلى كلّ حال ففي الكلام حول التقيّة ـ كما ذكرنا ـ تفصيل، وهو أمر واضح لا شبهة ولا نقاش في كونه مشروعاً في صميم الدين ومن سمات أحكام الدين الإسلامي.

نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيد الجميع، وأن يهدينا ويهدي جميع المؤمنين إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٦٩

الأسئلة والأجوبة:

السؤال الأوّل: هل يعمل الإمام المهدي عليه السلام والمؤمنون بالتقيّة بعد ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟

الجواب: المستفاد من الروايات أنّ التقيّة تكون إلى زمان الإمام المهدي عليه السلام، وبعد ذلك لا تكون هناك تقيّة.

السؤال الثاني: هل تجب التقيّة الخوفيّة بمجرد احتمال وجود الضرر؟ وما هو مقدار الضرر الذي تجب بسببه التقيّة؟

الجواب: المقصود هو احتمال الضرر ـ على العرض والنفس والمال ـ الذي يكون عقلائياً ويكون مقداره معتدّاً به ومعتبراً عند الشارع.

السؤال الثالث: إذا كان الضرر الحاصل من التقيّة فردياً فهل يجوز للفرد فيما لو كان مستعداً لقبول الضرر عدم التمسّك بالتقيّة أو يلزمه الشرع المقدس بالعمل بها؟

الجواب: تختلف الموارد، ففي بعضها لا يجوز له عدم التمسّك بالتقيّة ويكون مخيّراً في بعض، والتقيّة قد تكون واجبة كما قد تكون مستحبة ومباحة ومكروهة ومحرّمة، واستعداد المكلف لقبول الضرر من عدمه غير معتبر، بل لا بدّ من العمل بأمر الشرع.

السؤال الرابع: ما هو مصدر تشخيص مصداق ضرورة وجوب التمسّك

٧٠
بالتقيّة؟ هل هي مسالة شخصيّة أو عرفيّة أو غير ذلك؟

الجواب: الضرر ضرر عرفي طبعاً، وإذا كان اختلاف فالملجأ هو العرف.

السؤال الخامس: كيف تنسجم التقيّة مع مبدأ إبلاغ الأنبياء عليهم السلام لدين الله عزّ وجلّ؟ هل كان الأنبياء دائماً متمسّكين بالتقيّة؟ ونحن نرى بأن أكثر الأنبياء سفكت دمائهم واستشهدوا في سبيل نشر العقيدة الإلهية؟

الجواب: وردت رواية في هذا المجال بأنّ الأنبياء عليهم السلام على قسمين: بعضهم مستخفون وبعضهم مستعلون(١)، والمستعلون هم الذين لا تجب عليهم التقيّة، والمستخفون هم من تجب التقيّة عليهم، وأمّا سفك دماء الأنبياء عليهم السلام فكان في موارد استثناء التقيّة، فكما ذكرنا هناك اثنا عشر مورداً استثنيت، لابدّ فيها من عدم التقيّة.

السؤال السادس: هل تجوز التقيّة للشيعة في قبال من لا يُخاف منه ظلماً؟

الجواب: نعم وهي التقيّة المداراتيّة، وهو أمر مستحسن ومستحب مداراةً وليس بواجب، والمداراة على قسمين، فتجوز التقيّة أيضاً فيمن

لا يخاف منه ظلماً مداراةً.

السؤال السابع: نرى في التاريخ الشيعي أنّ الكثير من علماء الشيعة استشهدوا في سبيل عقيدتهم حيث لم يراعوا التقيّة في حياتهم، فكيف يكون

١- راجع: الكافي ٨ : ١١٥.

٧١
ذلك؟

الجواب: يمكن أن يكون ذلك من جهة أنّهم يرون أنّ هناك بدّعة في الدين، فيكون من موارد الاستثناء، كما قد يكون من موارد التخيير في التقيّة، كما ورد في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنّهم اختاروا الشهادة على الحياة، وكانوا مخيرين بين التقيّة والشهادة.

فمن جملة أقسام التقيّة: <التخيير>، فهو مستحبٌ بالنسبة إليهم، كما ورد في سبب عدم ممارسة التقيّة من ميثم التمار وغيره من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذيم لم يتّقون، ولم يفعلوا كما فعل عمّار، ولكن في الواقع إمّا أنّهم مستهدفون وسيستشهدون سواء اتّقوا أو لم يتّقوا، وإمّا أنّهم مخيّرون في العمل بالتقيّة أو الاستشهاد، ورأوا أنّ الاستشهاد لهم فيه درجات فاختاروا الشهادة على التقيّة لهذا الغرض.

٧٢

٧٣

(١٤٥) حكم زيارة الأولياء في الشريعة الإسلاميّة

الشيخ مسلم الداوري

٧٤

٧٥

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا حبيب إله العالمين أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين.

تمهيد:

موضوع بحثنا هو زيارة القبور وهل أنّها جائزة وشرعيّة أو ليست كذلك؟ ويقع الكلام في موضعين:

الموضع الأول: في زيارة قبور مطلق المؤمنين.

الموضع الثاني: في زيارة النبي الأعظم والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين, وكذلك زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام.

حكم زيارة مطلق القبور:

أمّا الموضع الأول ـ وهو أنّ زيارة القبور هل كانت جائزة ومشروعة أو لم تكن كذلك؟ ـ فهذا الحكم لم يكن مورداً للخلاف ولا شبهة في الجواز منذ زمن الصحابة وبعد ذلك في زمن التابعين ومَن بعدهم, وكانت سيرة الأصحاب وعملهم على ذلك, بل سيرة سائر الأديان وجميع العقلاء على ذلك, ولم يكن أمراً منكراً في أيٍّ من هذه الأزمنة إلى أن جاء رجل باسم

ابن تيميه ومِن بعده شقيقه في رأيه ـ لا في النسب ـ محمّد بن عبد الوهاب،

٧٦
فأنكرا ذلك وقالا بحرمة زيارة القبور, فخالفهم كثير ممّن عاصرهم, حتى أنّ عبد الوهاب والد محمد أنكر ذلك, كما كتب الشيخ سليمان أخو محمد بن عبد الوهاب كتاباً في ردّه، لكنّه لم يرجع عن فتواه، وذلك لشذوذ فهمه لبعض الروايات.

وعلى كلٍ فنحن لا نريد إطالة الكلام في تاريخ هذا الحكم حتى

لا يكون بحثنا جدلياً لفظياً، بل نريد أن يكون البحث علميّاً حتى المقدور، فنلاحظ ـ أوّلاً ـ أدلّتهم فنرى هل أنّها كافية لإثبات دعواهم وفتواهم ؟ وهل تكون ناهضة بذلك أو لا؟

أدلّة الوهابية على حرمة زيارة القبور:

أهمّ أدلّة الوهابية على حرمة زيارة القبور ثلاثة:

الدليل الأوّل: التمسّك بأصالة الحرمة, وهي قاعدة أصولية مفادها أنّه إذا لم يكن هناك دليل شرعي على جواز أمر أو عدم جوازه أو لم يُحرَز الجواز فمقتضى الأصل هو الحرمة، فقالوا اثر ذلك: إنّ زيارة القبور من العبادات, والعبادات توقيفية تحتاج إلى إذن الشارع وترخيصه لها, فإذا

لم نحرز إمضاء الشارع وإذنه فمقتضى الأصل هو الحرمة.

بل ذُكِر في كتاب <اقتضاء الصراط المستقيم> أنّه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحدٌ في ذلك شيئاً، لا أهل الصحاح ولا غيرهم, وإنّما روى ذلك من جَمَعَ الموضوع وغيره(١)، فادّعى أنّه لم يكن هناك أيّ حديث أو دليل على رخصة الشارع

١- راجع: الصارم المنكي في الرد على السبكي: ٢٧٣.

٧٧
لزيارة القبور.

الدليل الثاني: روايات وأحاديث في الحكم بحرمة زيارة القبور, وهي عدّة روايات:

منها: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: <لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله هذا ومسجد الأقصى>.

وقد ذكرت هذه الرواية في صحيح البخاري وصحيح مسلم(١).

ومنها: رواية عن النبي صلى الله عليه وآله جاء فيها: <اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد>(٢), وبهذا المضمون وردت روايتان أيضاً.

ومنها: عن النبي صلى الله عليه وآله: <لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا قبري صنماً>(٣).

ومنها: ما ورد عن عبد الله بن عمر من أنّه كان إذا قدم من سفر لم يدخل على أهله حتى يدخل المسجد فيصلّي فيه ركعتين، ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله فيسلّم عليه وعلى أبي بكر وعمر(٤).

فتمسّكوا بفعل عبد الله بن عمر، والوجه في الاستدلال أنّه: لو كانت

١- صحيح البخاري ٥٦:٢، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وكذلك راجع: صحيح مسلم ٤ : ١٠٢.

٢- مسند أحمد ٢٤٦:٢، وفي رواية أخرى: <لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد>. راجع: مسند أحمد ١ : ٢١٨.

٣- سنن أبي داود ٤٥٣:١.

٤- الرياض النضرة ٢١١:١.

٧٨
زيارة النبي صلى الله عليه وآله جائزة ومشروعة لجاء ـ أوّلاً ـ لزيارة النبي، ثم ذهب إلى المسجد وصلّى فيه.

فهذه هي الروايات التي استدلّوا بها على المنع من زيارة القبور.

الدليل الثالث: الاستدلال بعدم الفرق بين السلام على النبي صلى الله عليه وآله والصلاة عليه من قريب أو بعيد، فإنّ الصلاة تبلغ النبي بلا فرق بين أن يكون قريباً أو بعيداً، فمجرد مشاهدة الأحجار ـ إذا كان قريباً ـ ليس فيه فضيلة، بل

لا فضيلة أيضاً بمشاهدة النبي صلى الله عليه وآله في زمن حياته، وإنّما الفضيلة للإيمان بالنبي, والاعتقاد به، والعمل بأوامره، فليس هناك فرق بين القريب والبعيد.

ردّ أدلّة حرمة زيارة قبور الأولياء:

لا بدّ لنا أن نتأمّل في هذه الأدلة ونرى هل أنّها ناهضة ومثبِتَة لمدّعاهم، وهل يمكن التمسّك بها على حرمة زيارة القبور أو لا؟

لا وجه للتمسّك بأصالة الحرمة والمنع:

أمّا الدليل الأوّل ـ وهو أصالة الحرمة وأصالة المنع ـ فنسأل أوّلاً: هل أنّ الموت عندنا وعند المسلمين جميعاً هو نحو من الفناء والعدم, أو أنّه نحو تكاملٍ وترقٍّ من عالم أدنى إلى عالم أرقى؟ وهل أنّ صلة الأخوّة والبنوّة والرحميّة والصداقة تنقطع بمجرد الموت وخروج الروح من البدن أو تكون هذه الصلة باقية حتى بعد الموت؟

لا بُدَّ من القول ـ بلا إشكال ولا شبهة ـ بأنّ خروج الروح ليس موجباً للزوال, بأن يكون الإنسان المؤمن الميّت كالأحجار والأخشاب أو كالتراب

٧٩
مثلاً, فلا يكون فانياً، بل الموت ترقّ وتكامل, وتكون الصلة بين الميت وبين الروح باقية.

كما أنّ صلة الأبوّة والأخوّة والصداقة تكون باقية, وبذلك كيف يُتَعامل مع الميّت المؤمن معاملة الأحجار أو التراب، ويقال بعدم وجود فائدة وأثر له؟!

ألم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وآله بأنّ: <حرمة المؤمن الميّت كحرمته حيّاً>(١)؟ وهذا الحديث مورد للاتّفاق، فكيف يُعامل المؤمن الميّت معاملة الزائل الفاني فلا يساوي شيئاً, ولا تقام له أيّة قيمة؟

وأهمّ من ذلك فعل بعض الوهابييّن مع أمواتهم, فإنّه إذا وضع الميت في القبر يصبّ عليه مادّة فيمحي ذلك الميت بتمامه, فلا يبقى منه أثراً بعد أيام, أليست هذه جناية على الميّت وهتكاً له؟

إذا فعل ذلك الفعل والميت خارج القبر فهل تجوز هذه الجناية عليه؟! وقد ثبت في الأحكام الإسلامية أنّ الميت المؤمن كالجنين لا تجوز الجناية في حقّه, فإذا جنى أحد عليه تكون عليه الدية أو الغرم باصطلاحهم، فإهانة الميّت المؤمن محرّمة, وبذلك كيف يقومون بهذا الفعل في حقّ الميت؟!

وعلى كلٍ فمن الثابت أنّ الميت المؤمن محترم, ولا تنقطع صلة الأخوّة والأبوّة بينه وبين الآخرين, وأنّ العمومات الواردة ـ في الآيات والروايات ـ في احترام الأب والأخ والرحم وضرورة صلتهم تشمل المؤمن الميّت أيضاً.

وبناء على ذلك فلا مجال لأصالة الحرمة في هذا الموضوع، هذا أوّلاً .

١- راجع: الوهابيون والبيوت المرفوعة للسنقري : ٥٦ .

٨٠