×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 1 / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

إلا إذا كانت مؤيدة من الله تعالى، فظهر لدى الشيعة مبدأ وجوب الإمامة، وهكذا أنكر الخوارج الإمامة، فأوجبها الشيعة، واستبعد الخوارج تحكيم الرجال، فأقر الشيعة ولاية الإمام، وكفر الخوارج الإمام (والعياذ بالله) فقدسه الشيعة.

وعلى أية حال، فإذا كانت حركة الخوارج لها أهميتها في صياغة العقيدة الشيعية، فإن ردوا بداية التشيع إلى هذا الزمن، أو إلى زمن خلافة الإمام علي، إنما قصدوا الحكم على أنصار الإمام في حرب الجمل، ثم في صفين، فالذين يرجعون الحركة الشيعية إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يقصدون عماراً وسلمان وأبا ذر وغيرهم، والذين يرجعونها إلى زمن خلافة الإمام علي إنما يعتبرون المسلمين قد تفرقوا شيعاً، ولم يجمعوا على خلافة الإمام علي، فكان شيعة الإمام علي هم أنصاره ومؤيدوه في حرب الجمل ثم صفين(١).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن كلمة الوصي إنما تتردد أيضاً في معركة صفين - كما ترددت في معركة الجمل - يقول النضر بن عجلان الأنصاري:

كيف التفرق والوصي إمامنا * لا كيف إلا حيرة وتخاذلا
لا تعتبن عقولكم لا خير في * من لم يكن عنده البلابل عاقلا
وذروا معاوية الغوي وتابعوا * دين الوصي تصادفوه عاجلا

ويقول عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي:

ألا أبلغ معاوية بن حرب * أما لك لا تنيب إلى الصواب
يقودهم الوصي إليك حتى * يردك عن عوائك وارتياب

ويقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:

(١) أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٤٢ - ٤٣.

٤٠١

فيكم وصي رسول الله قائدكم * وأهله وكتاب الله قد نشرا

ويقول الفضل بن عباس بن عبد المطلب:

وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه إن قيل هل من منازل

ويقول المنذر بن أبي خميصة الوادعي - فارس همدان -:

ليس منا من لم يكن لك في الله * يا ذا الولا والوصية

وقال جرير بن عبد الله:

وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه الأولى به يضرب المثل(١)

بل إن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما يصف الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - بأنه حب النبي ونفسه، وذلك في رده على عمرو بن العاص، حين فخر بخديعته لأبي موسى الأشعري في قصة خديعة التحكيم المشهورة - يقول ابن عباس(٢):

وتزعم أن الأمر منك خديعة * إليه وكل القول في شأنكم فضلا
فأنتم ورب البيت قد صار دينكم * خلافاً لدين المصطفى الطيب العدلا
أعاديتم حب النبي ونفسه * فما لكم من سابقات ولا فضلا(٣)

وعلى أية حال، فهناك ما يثبت أن الشيعة كانت معروفة على أيام خلافة

(١) المنقري: وقعة صفين ص ٤٩، ٣٦٥، ٣٨٢، ٣٨٥، ٤١٦، ٤٣٦.

(٢) نفس المرجع السابق ص ٥٥٠.

(٣) كان الإمام علي أحب الرجال إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنظر: المستدرك للحاكم ٣ / ١٣٠ - ١٣١، ١٥٥، ١٥٤، ١٥٧، خصائص النسائي ص ٢٩، الإستيعاب لابن عبد البر ٢ / ٧٥١، كنز العمال ٦ / ٨٤، ٤٠٠، صحيح الترمذي ٢ / ٢٩٩، ٣١٩، ذخائر العقبى ص ٣٥، مسند الإمام أحمد ٤ / ٢٥٧، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٦، أسد الغابة ٤ / ٣٠، ٥ / ٥٤٧، حلية الأولياء ٦ / ٣٣٩) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر الإمام علي كنفسه (أنظر المستدرك للحاكم ٣ / ١٢٢).

٤٠٢

علي، روى ابن الأثير بسنده عن سويد بن غفلة قال: مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر، وينتقصونهما، فأتيت علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين، إني مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا أنهم يعلمون أنك تضمر لهما على ذلك لما اجترؤوا عليه، فقال علي:

معاذ الله أن أضمر لهما إلا على الجميل، ألا لعنة الله على من يضمر لهما إلا الحسن(١).

سابعاً: في أعقاب مأساة كربلاء:

لا ريب في أن استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته الطاهرين المطهرين في كربلاء (في العاشر من المحرم عام ٦١ هـ‍= العاشر من أكتوبر عام ٦٨٠ م) إنما هو يوم من أخطر الأيام في تاريخ البشرية جمعاء - وليس في تاريخ العرب والإسلام فحسب - ففي هذا اليوم الكئيب كانت مذبحة كربلاء التي لم ير المسلمون لها مثيلاً - بل لم ير لها تاريخ البشرية كله مثيلاً - فما حدثنا التاريخ أبداً، أن أمة من الأمم آمنت بنبيها وأحبته، وعملت بكتاب الله وسنة نبيها، كما عمل المسلمون على أيام الراشدين، ثم شاءت إرادة الله أن تجعل منهم - بفضل الله وببركة نبيه - سادة العالم المعروف وقت ذاك، ذلك العالم الذي لم يكن - قبل الإسلام - يعترف بوجودهم، أو يقيم لهم وزناً إلا يكونوا خدماً له، وحرساً على قومهم، حتى كان العربي يقتل أخاه العربي، ابتغاء مرضاة الفرس أو الروم، حين اتخذ الفرس قبائل من العرب - عرفوا باللخميين أو المناذرة - واتخذ الروم قبائل من بني غسان، أعواناً لكل منهم ضد الآخرين(٢).

ومع ذلك، ففي هذا اليوم المنكود، قام جيش اللئام - على أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان - بمذبحة مروعة، قتل فيها سيدنا الإمام الحسين، وقتل

(١) أسد الغابة ٤ / ١٦٤، وانظر ٤ / ١٦٦ - ١٦٧.

(٢) أنظر عن المناذرة والغساسنة (محمد بيومي مهران: تاريخ العرب القديم - ط ثامنة - الإسكندرية ١٩٩٠ ص ٥٦١ - ٦٢٥).

٤٠٣

معظم الهاشميين، ثم فعل اللئام - بأجسادهم الطاهرة، من قطع للرؤوس، ووطء للأجساد الطاهرة بسنابك الخيل - ما يخجل الشيطان من اقترافه، إن كان الشيطان يخجل، وقد بكى المسلمون جميعاً، حتى أعداء بيت النبي صلى الله عليه وسلم - مولانا الإمام الحسين، وما زالوا يبكونه حتى يوم الناس هذا.

ومن البديهي أن خطيئة كبرى - كمجزرة كربلاء - لن تذهب بغير جريرة، وأن تكون لها من النتائج الخطيرة - القريبة منها والبعيدة - حتى دخل في روع بعض المؤرخين، نتيجة لإصابة الحركة في نتائجها الواسعة، أنها من تدبير الإمام الحسين عليه السلام، وأنه توخاه منذ اللحظة الأولى، وعلم موعد النصر فيه، فلم يخامره شك في مقتله ذلك العام، ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق، لا محالة، بقاتليه بعد أعوام.

وقد قال ماريين الألماني في كتابه السياسية: إن حركة الحسين في خروجه على يزيد إنما كانت عزمة قلب كبير، عز عليه الإذعان، وعز عليه النصر العاجل، فخرج بأهله وذويه، الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته، ويحيي به قضية مخذولة، ليس لها بغير ذلك حياة.

وفي الواقع، إن لم يكن رأي الكاتب حقاً كله - كما يقول الأستاذ العقاد - فبعضه على الأقل حق لا شك فيه، ويصدق ذلك على حركة الإمام الحسين، بعد أن حيل بينه وبين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه، فآثر الموت كيفما كان، ولم يجهل ما يحيق ببني أمية من جراء قتله، فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه، ما لم يكن ليبلغه بالنجاة من كربلاء(١).

(١) أنظر عن مذبحة كربلاء (تاريخ الطبري ٥ / ٣٤٧ - ٤٧٠، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ٤٦ - ٩٤، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٤٧ - ٥٣، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ١٦٢ - ٢٣٠، المسعودي:

مروج الذهب ٢ / ٤٩ - ٥٩، ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ١٢٥ - ١٣٦، ابن دقماق: المرجع السابق ص ٥٩ - ٦٠، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ١ / ٣٣٢ - ٣٣٥، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب ١ / ٣٧٨ - ٣٨٤، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص ٧٣ - ١٣١ (بيروت ١٩٩٠)، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤٣ - ٢٥٠.

٤٠٤

هذا ولم تنقض سنتان على مذبحة كربلاء، حتى كانت المدينة المنورة - أي في أخريات عام ٦٣ هـ‍(٦٨٢ م) - في ثورة حنق جارف، يقتل السدود، ويخترق الحدود، لأن اللئام من بني أمية حملوا إليها خبر مقتل الإمام الحسين، محمل التشهير والشماتة، وضحك واليهم عمرو بن سعيد، حين سمع أصوات البكاء والصراخ من بيوت آل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بنت عقيل بن أبي طالب، تخرج في نسائها، حاسرة وتنشد:

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى ومنهم درجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم

فكان الأمويون يجيبون بمثل تلك الشماتة، ويقولون ناعية كناعية عثمان، وبدهي أنه لا موضع للشماتة بالإمام الحسين، ذلك لأنه إنما قد أصيب - وكذا أخوه الإمام الحسن - وهما يذودان عنه ويجتهدان في سقيه، وسقي آل بيته، ولكنها شماتة هوجاء، لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول، وكان أبوهما الإمام علي أمرهما أن اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحد يصل إليه، وحين قتل الخليفة المظلوم، ثار عليهما، ولطم الحسن، وضرب الحسين، بينما كان هذا الوالي السفيه حيث يعلم الله(١).

وسرعان ما حدثت وقعة الحرة في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (٢٨ سبتمبر ٦٨٢ م) فقتل فيها خلق كثير، واستبيحت مدينة الرسول ثلاثة أيام، وأوقع مسلم بن عقبة المري وجيشه من جنود الشام - والمكون من عشرة آلاف فارس، وقيل اثنا عشر ألفاً، أو خمسة عشر ألف

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٤٦٦ - ٤٦٧، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ٨٨ - ٨٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ٢١٤.

٤٠٥

رجل - كثيراً من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية، ما لا يحد ولا يوصف، حتى ذهبت بعض المصادر إلى أن عدد القتلى بلغ ألفاً وسبعمائة من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان، وقتل من حملة القرآن سبعمائة، ومن قريش ٩٧ قتلوا ظلماً في الحرب صبراً، وافتضت ألف عذراء، روى المدائني بسنده عن أبي قرة قال هشام بن حسان: ولدت بعد الحرة ألف عذراء من غير زواج، وروى المدائني أيضاً بسنده عن أم الهيثم ابنة يزيد قالت: رأيت امرأة من قريش تطوف فعرض لها أسود فعانقته فقبلته، فقلت: يا أمة الله أتفعلين هذا بهذا الأسود، فقالت:

هو ابني، وقع علي أبوه يوم الحرة.

ويقول ابن حزم: وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالت وراثت بين القبر والمنبر (الروضة الشريفة) أدام الله تشريفها، وأكره الناس على البيعة على أنهم عبيد ليزيد، إن شاء أعتق(١).

وسرعان ما ينتقل موكب الشر إلى البلد الحرام - إلى مكة المكرمة - فيحاصرها، ويضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق حتى يحرقها، وكان سعيد بن المسيب يسمي سني يزيد بالشؤم، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي، وأهل بيت رسول الله، والثانية استبيح حرم رسول الله، وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله، وحرقت الكعبة(٢).

(١) أنظر عن وقعة الحرة (تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٠ - ٢٥١، ابن دقماق: المرجع السابق ص ٦٠، ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ١٣٦ - ١٣٩، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ١١١ - ١٢١، تاريخ الطبري ٥ / ٤٨٢ - ٤٩٥، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ٢٣٥ - ٢٤٣، المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٦٣ - ٦٥، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص ١٨٣ - ١٨٩.

(٢) أنظر عن شرب الكعبة بالمنجنيق أيام الأمويين (ابن فهد الهاشمي: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ١ / ١٤١ - ١٤٤، ١٨٢ - ١٨٨، الفاسي: العقد الثمين ٥ / ٤٥ - ٥٩، ١٤٣ - ١٤٤، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ١٢٣ - ١٢٤، الأزرقي: أخبار مكة ١ / ١٩٦ - ٢٢١، النجم عمر بن فهد: إتحاف الورى بأخبار أم القرى ١ / ٥٨ - ٧٧، ٨٨ - ٩٩، ١٠٣ - ١٠٤، تاريخ

=>

٤٠٦

ولعل كل هذه المآسي هي التي دفعت بالبعض إلى القول إلى أنه من بين الأحداث التي رأى الباحثون أنها بداية التشيع إنما هو فاجعة كربلاء، ذلك أن السيف اللئيم الذي جز رأس مولانا الإمام الحسين - سبط النبي صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة - إنما قد جز معه وحدة المسلمين إلى اليوم، ومن ثم فإن استشهاد سيدنا الإمام الحسين إنما يعتبر نقطة تحول هامة في التاريخ الفكري والعقدي للتشيع، إذ لم يقتصر أثر تلك الكارثة الأليمة إلى إذكاء نار التشيع في نفوس الشيعة، وتوحيد صفوفهم - وكانوا من قبل متفرقي الكلمة، مشتتي الأهواء - بل ترجع أهمية تلك الكارثة إلى أن التشيع كان قبل استشهاد الإمام الحسين، مجرد رأي سياسي لم يصل إلى قلوب الشيعة، فلما قتل الإمام الحسين امتزج التشيع بدمائهم وتغلغل في أعماق قلوبهم، وبالتالي فقد أصبح عقيدة راسخة في نفوسهم.

وهكذا بينما كان الشيعة بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتعدى طائفة قليلة من الناس، يرون أن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم وجهه في الجنة - لصفات فيه - أحق الناس بالإمامة وبينما ناصر كثير من المسلمين الإمام علي بن أبي طالب، حينما آل إليه الأمر بعد مقتل عثمان، رضي الله عنه لأنه إمام المسلمين، وأمير المؤمنين - أو لأسباب أخرى - فإن هذه الدماء التي أريقت في كربلاء - وهي دماء آل بيت النبي، وعلى رأسهم الإمام الحسين - إنما قد ركزت الانتباه إلى مدى ما لاقاه بيت النبوة، من اضطهاد وقتل، ومن ثم فقد أصبح التشيع مقروناً بأحقية آل البيت في الخلافة.

<=

الطبري ٥ / ٤٩٦ - ٤٩٩، ٦ / ١٨٧ - ١٩٥، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ٢٤٣ - ٢٤٥، ٢٧٠ - ٢٧١، ابن دقماق: المرجع السابق ص ٦٠ - ٦١، ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ١٣٩ - ١٤٢، ١٦٢ - ١٦٨، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥١ - ٢٥٣، ٢٦٦ - ٢٦٧، ٢٧٢، مروج الذهب ٢ / ٦٥، ٧٥، ١٠٠ - ١٠٣، ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ٢ / ١٤ - ١٥، ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ص ٩٥).

٤٠٧

وهكذا فإن دماء الإمام الحسين الطاهرة - فضلاً عن دماء أهل بيته - إنما هي التي أنبتت العقيدة الشيعية في صورتها النهائية، فلقد أدرك الشيعة - بعد كارثة كربلاء - أن لا قبل لهم بمقاومة جيوش بني أمية بالقوة والسيف - خاصة وقد رأوا ما فعلت جيوش اللئام بالمدينة المنورة ومكة المكرمة - ومن ثم فقد استعانوا على أمرهم بمبدأ التقية، ثم تحول الشيعة أيضاً، بعد كارثة كربلاء، إلى مقاومة الأمويين بقوة أخرى - غير قوة السلاح - قوة معنوية، لا تصمد لها أيديولوجية الدولة الأموية في الحكم، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين، فأصبح في الناس عقيدة(١).

وهكذا قامت حركة التوابين بقيادة الصحابي الجليل - سليمان بن صرد(٢)- الذي سمي أمير التوابين، حيث جمع أنصاره في النخيلة في ربيع الآخر عام ٦٥ هـ‍، وسار بهم إلى قبر الإمام الحسين، وطبقاً لرواية ابن الأثير فما أن وصلوا إلى القبر الشريف، حتى صاحوا صيحة واحدة، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحموا عليه، وتابوا عنده من خذلانه، وترك القتال معه، ثم نادوا - فيما يروي الطبري - يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه، الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تعفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ثم أقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه.

واتجه سليمان بجيشه نحو الشام، حتى إذا ما وصلوا إلى عين الوردة دارت رحى الحرب بينهم وبين جند الشام، وأبلى التوابون بلاءً حسناً، فكان لهم النصر أول الأمر، غير أن ابن زياد سرعان ما أمد جيش الشام باثني عشر ألفاً،

(١) أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٤٧ - ٤٨، وانظر ٣٣٥. p , iii , encyclopedia of islam.

(٢) أنظر عن سليمان بن صرد (أسد الغابة ٢ / ٤٤٩ - ٤٥٠، الإصابة في تمييز الصحابة ٢ / ٧٥ - ٧٦، الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٢ / ٦٣ - ٦٥).

٤٠٨

بقيادة الحصين بن نمير، ثم بثمانية آلاف، بقيادة ابن ذي الكلاع، فأحاطوا بالتوابين من كل جانب، ورأى سليمان ما يلقى أصحابه من شدة، فترجل عن فرسه، وهو يومئذ في الثالثة والتسعين من عمره، وكسر جفن سيفه، وصاح بأصحابه: يا عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فليأت إلي.

واستجاب له الكثيرون، وحذوا حذوه، وكسروا جفون سيوفهم، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى أصيب أميرهم سليمان بسهم، فوثب ووقع، ثم وثب ووقع، وهو يقول فزت ورب الكعبة، وحمل الراية بعده المسيب بن نجية فقاتل بها حتى استشهد، رحمه الله، وانتهت المعركة إلى جانب أهل الشام، بعد أن ترك التوابون أمثلة رائعة للبطولة والفداء، التي استمدت روحها من مواقف الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، والتي لها صداها في النفوس، وأثرها القوي في التاريخ الإنساني كله(١).

وهكذا يرى كثير من المؤرخين أن التشيع - كعقيدة - إنما يبدأ بعد مأساة كربلاء، يقول ستروثمان في دائرة معارف الإسلام: إن دم الإمام الحسين الذي أراقته سيوف الحكومة القائمة، إنما يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة(٢)، والأمر كذلك بالنسبة إلى ول ديورانت الذي يرى أن نشأة طائفة الشيعة، إنما كان على أثر مقتل الحسين وأسرته(٣).

ويقول الدكتور الخربوطلي: كانت هناك نتائج دينية هامة تخلفت عن

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٥٥١ - ٥٦٣، ٥ / ٥٨٣ - ٦٠٩، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ١٧٥ - ١٨٩، المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٨٣ - ٨٦، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٧، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ٢٧١ - ٢٧٧، أسد الغابة ٢ / ١٨ - ٢٣، البلاذري: أنساب الأشراف ٥ / ٢٠٤ - ٢١٤، علي النشار: المرجع السابق ص ٢١، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص ١٩١ - ١٩٣.

(٢) دائرة معارف الإسلام ٣ / ٣٥٠.

(٣) ول ديورانت: قصة الحضارة ٤ / ٣٢.

٤٠٩
٤١٠

التخصيص لأتباع أمير المؤمنين(١)(علي بن أبي طالب).

وعلى أية حال، فيتضح لنا من الروايات التاريخية أن الشيعة أصبحت - بعد خروج التوابين - حزباً سياسياً واضح المفهوم، فكان يقال الشيعة وشيخ الشيعة فيعرف مدلولها(٢).

وهكذا لم يكن أثر مقتل الإمام الحسين يقف عند انشقاق فريق من المسلمين باسم الشيعة، أو يشكل مجرد عقائد الشيعة حتى تميزت بها عن سائر فرق المسلمين، وإنما كانت دماؤه بحق هي التي ظلت طوال القرون، تروي عقائد الشيعة، فصمدت هذه الفرق، على العالم الرغم مما أصابها من اضطهاد فكري وسياسي، وعلى الرغم ما جد على العالم من أحداث وتطورات، ولم يكن الأمر وقفاً على تلك العاطفة الحزينة التي صبغت عقيدة الشيعة، أو على تلك المرثيات التي يرددونها دائماً، والتي تزدخر بها كتبهم، لتظل النفوس عالقة بتلك العقائد، منفعلة بتلك الكوارث، تتخذ من مصرع مولانا الإمام الحسين مثلاً أعلى في الصبر على البلاء والاستشهاد، وإنما أمدتهم تلك الدماء الطاهرة بما جعلهم على رأيهم ثابتين، بالرغم من تحالف قوى الفكر عليهم - من سنة ومعتزلة ومرجئة وخوارج(٣)- وبالرغم من الاضطهاد السياسي العنيف الذي حاق بهم في العصرين: الأموي (٤١ - ١٣٢ هـ‍/ ٦٦١ - ٧٥٠ م) والعباسي (١٣٢ - ٦٥٦ هـ‍/ ٧٥٠ - ١٢٥٨ م)(٤).

وهكذا جعلت كارثة كربلاء من التشيع مذهباً وعقيدة، فلقد روى دم الإمام الحسين، عليه السلام، موات الأحداث ليصبح الانشقاق أمراً مقضياً،

(١) الشيخ المفيد: أوائل المقالات في المذاهب و المختارات ص ٣ (تبرير ١٣٧١ هـ‍).

(٢) نبيلة عبد المنعم داوود: المرجع السابق ص ٧٨، وانظر: تاريخ الطبري ٥ / ٥٥٨ - ٥٥٩.

(٣) أنظر عن هذه الفرق (البغداد: الفرق بين الفرق - دار المعرفة - بيروت، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل - القاهرة ١٩٦٤ (٥ أجزاء)، الشهرستاني: الملل والنحل - القاهرة ١٩٦٨ (٣ أجزاء)، الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية - القاهرة ١٩٥٩).

(٤) أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٤٩ - ٥٠.

٤١١

ذلك أن الشيعة قد أدركت بعد هذه الفاجعة الأليمة، أن اقتلاع سلطان الغاصبين من بني أمية وغيرهم، لا تكفي فيه قوة السلاح، إنه إن عز النصر بسلاح الحرب، فلا بد من قوة معنوية تشد أزر القوة المادية، وليس ذلك إلا سلاح الفكر، إذ أن الكلمة أحياناً أبقى أثراً، وأشد تنكيلاً بالعدو من السيف، ومن ثم فقد بات لزاماً أن يكون للشيعة مذهب خاص، وإيديولوجية مثمرة في الإمامة، ولن يتسنى ذلك ما دامت تربطهم بأهل السنة وحدة الفكر، وهكذا جعلت فاجعة كربلاء انشقاق الشيعة عن جمهور المسلمين أمراً مقضياً(١).

على أن الصورة النهائية لعقائد الشيعة لم تظهر إلى حيز الوجود في أعقاب استشهاد الإمام الحسين مباشرة، وربما احتاج ذلك إلى عشرات من السنين حتى تتبلور هذه العقائد، عير أن الفرق التي تندرج تحت اسم الشيعة - المعتدلين فيهم - إنما قد بدأ ظهورها بعقائدها عقب مأساة كربلاء، منذ بدأت فرقة الكيسانية(٢)التي تعتبر أولى الفرق التي ظهرت في التيار العام للحركة الشيعية، على اعتبار أن حركة ابن سبأ لا تدخل في هذا التيار العام، إذ صدرت عن باعث الفتنة، لا عن ينبوع العقيدة، من ناحية، ولأن حركة ابن سبأ إنما تعتبر بوجه عام - أولى حركات الغلاة، لا المعتدلين(٣)، من ناحية أخرى، ولأن الشيعة أنفسهم لا يعترفون بها - هذا إن كان هناك من يدعى ابن سبأ حقاً -.

وهكذا يمكن القول إن التشيع كفكرة إنما لاحت في عصر النبوة مع العباس بن عبد المطلب في إلحاحه على الإمام علي بالاستفسار من النبي صلى الله عليه وسلم، عن البيعة والوصية الكتابية فرفض الإمام علي(٤)، ولكنها ولدت ولادة صحيحة

(١) أحمد صبحي: الزيدية ص ٦ - ١٧.

(٢) أنظر عن الكيسانية (البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٣٨ - ٥٣، الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية ص ٢٨٨ - ٢٨٩، الشهرستاني: الملل والنحل ص ١٤٧).

(٣) أحمد صبحي: نظرية الإمامة ص ٥٠.

(٤) محمد حسين هيكل: حياة محمد ص ٤٨٤ - ٤٨٥.

٤١٢

يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشبت بعد قتل عثمان وحرب معاوية بن أبي سفيان للإمام علي، ومن قبل ذلك خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير، ثم موقعة الجمل، ثم نضجت يوم استشهاد الأئمة - علي والحسين وزيد ويحيى وغيرهم من كرام الأئمة - حتى اتخذت ثوب التقية وتدرعت به لتحفظ رسالة الإمام الصادق، كإمام قاعد، يعيش للعلم، يدرسه عن ربه ونبيه وأجداده، ويعلمه ويعمل، ويدرس ما اختلف فيه، فيكون أعلم الناس، لعلمه باختلاف الناس(١)، كما قال عنه الإمام أبو حنيفة.

ومن هنا أكد مؤرخو الشيعة أن التراث الشيعي إنما قد عاش، لأن أربعة عشر قرناً تعيش في تياراته، وتغني المضمون الروحي للفكر الإسلامي من خلال صراع آرائه(٢).

(٢) أصل التشيع

اختلف المستشرقون - من أمثال دوزي، وميور، وجولد تسيهر، وفلهاوزن - في أصل التشيع في جذوره الأولى إلى الفرس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام لم ينجب ولداً، فولده علي، شرعاً وقانوناً إلهياً، وهذا من المذاهب الفارسية التي تعتقد في الحق الإلهي للملك(٣).

ويقول الدكتور عبد القادر محمود(٤): إنه حقاً قد دخلت أفكار فارسية على التفكير الإسلامي - فضلاً عن أفكار يونانية ويهودية ونصرانية كذلك - غير أن ذلك لم يفقد التفكير الإسلامي شخصيته في عقيدته، فكل شئ دخل على الإسلام، صادف في الإسلام شيئاً قائماً في ذاته وموضوعه، لم يخلقه من

(١) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة ص ٦ - ٧.

(٢) عبد الرحمن بدوي: دراسات إسلامية ص ٣٥.

(٣)

r dozy, essai sur l'histoire de l'islamisme, paris, ١٨٧٩, p.٢٢٠

(٤) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة ص ٧.

٤١٣

عدم، وقد هضم الإسلام كل شئ، وأخذ ما يناسبه، وطبعه بطابعه، وخلق فيه الآيات(١).

هذا وقد دخل التشيع بخاصة لون من هذه الأفكار، كما دخلت مبادئ تقلدها بعض الشيعة، ولا سيما بعد عصر الإمام جعفر الصادق (٨٠ أو ٨٣ - ١٤٨ هـ‍) (٦٦٩ أو ٧٠٣ - ٧٦٥ م) عن طريق القداح غير أن هذا لا يعني أبداً أن نحكم على مبدأ التشيع في ذاته بأنه فارسي من جذوره - كما ذهب دوزي، ومن شايعه -.

هذا ويذهب آدم متز إلى أن التشيع إنما يرجع إلى أصل عربي صميم، وليس رد فعل من جانب العقل الفارسي.

وأما فلهاوزن فالرأي عنده أن عقائد الشيعة مأخوذة من اليهودية الأصلية، أكثر مما هي مقتبسة من المنابع الفارسية - كما قال دوزي - وقد اعتمد فلهاوزن في رأيه هذا على قول ابن سبأ: علي بالنسبة لمحمد كهارون لموسى، وعلى قول ابن سبأ في رجعة محمد في شخص علي(٢).

وأما عن الأولى: وهي أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان بالنسبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كهارون لموسى، عليهما السلام.

(١) مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام - القاهرة ١٩٤٤ ص ١٣٩ - ١٤١، ٢٩٤ - ٢٩٥.

(٢) فلهاوزن: أحزاب المعارضة الدينية في صدر الإسلام، وانظر الأصل:

wellhausen, die- religioes- opposition sparteien in alten islam, p.٨٩

غير أن فلهاوزن يقول في كتابه الخوارج والشيعة ص ٢٥ - ٢٦ إن الخوارج لم يكونوا بذرة فاسدة بذرها اليهودي ابن سبأ سراً، وإنما كانوا نبتة إسلامية حقيقية، ولم يكونوا فرقة تعيش في الظلام، بل كانوا ظاهرين علناً.

٤١٤

فلست أدري من الذي قال: إن ابن سبأ - المزعوم هذا - هو الذي قال ذلك، وكيف لم ينتبه الباحثون إلى من قال ذلك، إنما هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح المشهور، روى البخاري في صحيحه بسنده عن سعد قال:

سمعت إبراهيم بن سعد عن أبيه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى(١)، وروى البخاري بسنده عن مصعب بن سعد عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي(٢).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول له: خلفه في بعض مغازيه، فقال علي: يا رسول الله، خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر، لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) *، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال:

اللهم هؤلاء أهلي(٣).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال، قال الله صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون

(١) صحيح البخاري ٥ / ٢٤.

(٢) صحيح البخاري ٦ / ٣ (دار الحديث - القاهرة).

(٣) صحيح مسلم ١٥ / ١٧٥ - ١٧٦.

٤١٥

من موسى، إلا إنه لا نبي بعدي، قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني به عامر فقال: أنا سمعته، فقلت أنت سمعته، فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستكتا.

وفي رواية ثالثة عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله، علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي(١).

هذا وقد روى هذا الحديث الشريف الإمام أحمد بن حنبل في المسند والفضائل(٢)، وأبو داود الطيالسي في مسنده(٣)، وأبو نعيم في الحلية(٤)، والنسائي في الخصائص(٥)، والطحاوي في مشكل الآثار(٦)، والخطيب البغدادي(٧)في تاريخه، وابن الأثير في أسد الغابة(٨)، والترمذي في صحيحه(٩)وابن ماجة في صحيحه(١٠)، والحاكم في المستدرك(١١)، وابن عبد

(١) صحيح مسلم ١٥ / ١٧٤ - ١٧٦ (بيروت ١٩٨١).

(٢) مسند أحمد ١ / ١٧٠، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧، ١٧٩، ١٨٢، ١٨٤، ٣٣٠، ٣ / ٣٣٨، ٦ / ٣٦٩، ٤٣٨، فضائل الصحابة ٢ / ٥٦٦ - ٥٦٨، ٥٩٢ (أرقام ٩٥٤، ٩٥٦، ٩٥٧، ١٠٠٥، ١٠٠٦).

(٣) مسند أبي داود الطيالسي ١ / ٢٨، ٢٩.

(٤) حلية الأولياء ٧ / ١٩٤، ١٩٥، ١٩٦، ٤٥٢، ٨ / ٣٠٨.

(٥) النسائي تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص ٣٨ - ٤٤ (أرقام ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٧٥١ ٥٢، ٥٣).

(٦) مشكل الآثار ٢ / ٣٠٩.

(٧) تاريخ بغداد ١ / ٣٢٤، ٣ / ٢٨٨، ٤ / ٢٠٤، ٨ / ٥٢، ٩ / ٣٩٤، ١٠ / ٤٣، ١١ / ٤٣٢، ١٢ / ٣٢٣.

(٨) أسد الغابة ٤ / ٢٦، ٥ / ٨.

(٩) صحيح الترمذي ٢ / ٣٠٠، ٣٠١، ٥ / ٦٤١.

(١٠) صحيح ابن ماجة ١ / ٤٢.

(١١) المستدرك للحاكم ٢ / ٣٣٧، ٣ / ١١٦.

٤١٦

البر في الإستيعاب(١)، والهيتمي في مجمع الزوائد(٢)، والمتقي الهندي في كنز العمال(٣)، والمحب الطبري في الرياض النضرة، وفي ذخائر العقبى،(٤)، وعبد الرازق في مصنفه(٥)، وابن سعد في طبقاته(٦)، وابن عساكر في تاريخه(٧)، وابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة(٨)، والمقدسي في البدء والتأريخ(٩)، والطبري في تاريخه(١٠)، وابن حجر الهيثمي في صواعقه(١١)، والألباني في إرواء الغليل(١٢)وغيرهم(١٣).

وأما الثانية: وهي نسبة فكرة الرجعة إلى اليهود والنصارى، اعتماداً على أن إيليا رفع للسماء، وأنه لا بد أن يعود في آخر الزمان لإقامة العدل، وهي نفس فكرة الغلاة من الشيعة(١٤).

(١) الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ٣٤.

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ١٠٩، ١١٠، ١١١.

(٣) كنز العمال ٣ / ١٥٤، ٥ / ٤٠، ٦ / ١٥٤، ١٨٨، ٣٩٥، ٤٠٥، ٨ / ٢١٥.

(٤) الرياض النضرة ٢ / ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، ١٩٥، ذخائر العقبى ص ١٢٠.

(٥) مصنف عبد الرازق ١١ / ٢٢٦.

(٦) الطبقات الكبرى ٣ / ٢٤.

(٧) تاريخ ابن عساكر ١ / ١٠٧.

(٨) الإصابة ٢ / ٥٩.

(٩) البدء والتأريخ ٤ / ٢٣٩.

(١٠) تاريخ الطبري ٣ / ١٠٣ - ١٠٤.

(١١) الصواعق المحرقة ص ٧٣، ٧٤، ١٨٧.

(١٢) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ٥ / ١١ - ١٢. ٨ / ١٢٣ - ١٢٤.

(١٣) المطالب العالية ٤ / ٢٦٤، ابن كثير: البداية والنهاية ٧ / ٣٦٦، ٣٧١، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٤، ويقول ابن كثير: قال الحافظ ابن عساكر: وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن جعفر ومعاوية وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو سعيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط وحبشي بن جنادة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبو الفضل وأم سلمة وأسماء بنت عميس وفاطمة بنت حمزة.

يقول ابن كثير: وقد تقصى الجاحظ ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة الإمام علي في تاريخه، فأجاد وأفاد، وبرز على النظراء والأشباه (البداية والنهاية ٧ / ٣٧٣).

(١٤) أنظر: فلهاوزن: الخوارج والشيعة - ترجمة عبد الحميد بدوي ص ٩٥ - ١٠٢، مجلة الآشوريات ٣ / ٢٩٦.

٤١٧

ولعل من الأهمية بمكان أن نتعرف - بادئ ذي بدء - على إيليا حيث جاءت قصته في سفر الملوك الأول، الذي يروي أن أخاب بن عمري ملك إسرائيل (٨٦٩ - ٨٥٠ ق. م) قد اقترف كل أنواع الشرور، ربما بسبب زواجه من إيزابيل بنت إيثبعل ملك صور، التي نجحت في السيطرة على زوجها تماماً، حتى تمكنت من نقل أفكار الحكم المطلق إلى إسرائيل، والتي كانت بعيدة عن التصور العبري للملكية، فضلاً عن إحلال آلهة الفينيقيين الوثنية، محل عبادة يهوه رب إسرائيل، ثم جهدت في إلغاء عبادة الله، وإحلال عبادة البعل مكانها، ومن ثم فقد اندفع إيليا في طول البلاد وعرضها كالإعصار، مهدداً متوعداً، بأنه لا ظل ولا مطر في هذه السنين، وتشتد المجاعة، وخاصة في العاصمة السامرة، وعقدت مباراة بين سدنة البعل - وعددهم ٤٥٠ سادناً - وبين إيليا، أيهم يستجيب له الرب وينزل المطر، ونجح إيليا فاستجاب الله له وأنزل المطر - بعد جفاف استمر سنوات ثلاث - وأمسك إيليا بأنبياء البعل، وذبحهم جميعاً، وتسمع إيزابيل بما حدث، وفي غضب مرير، تنذر بقتل إيليا، الذي يتمكن من الهرب إلى جبل حوريب، بعد أن يعهد إلى حواريه اليسع الذي يتولى أمر الدعوة من بعده، وتنتهي الأمور، بأن تأتي مركبة وفرسان نارية وتحمل إيليا إلى السماء، تاركاً رداءه لإليسع(١).

وهناك إشارة في العهد القديم في ملاخي (٤ / ٥ - ٦) فحواها أن الرب سيرسل إيليا قبل يوم الرب العظيم، ويترك بعض اليهود مقعداً خالياً على مائدة عيد الفصح(٢)لإيليا، وأما إشارة ملاخي فتقول ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن.

(١) أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل ٢ / ٩١٠ - ٩١٦ (الإسكندرية ١٩٧٨)، دراسات تاريخية من القرآن الكريم ٣ / ٢٣١ - ٢٤١ (بيروت ١٩٨٨)، قاموس الكتاب المقدس ١ / ١٤٤ - ١٤٥ (بيروت ١٩٦٤)، ملوك أول ١٧ / ١ - ١٩ / ٢١، إنجيل لوقا ٤ / ٢٥ - ٢٦، رسالة يعقوب ٥ / ١٧.

(٢) أنظر عن عيد الفصح (محمد بيومي مهران: إسرائيل ٤ / ١٥٦ - ١٦٣ - الإسكندرية ١٩٧٩).

٤١٨

وفي الواقع أنني لست أدري: لم يتجاهل هؤلاء وأولئك أن ما جاء عن إيليا(١)في العهد القديم، إنما جاء عند المسيح عيسى بن مريم في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: * (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) *(٢)، وقال تعالى: * (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا) *(٣).

ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير المنار: فإن للعلماء هنا طريقتين، إحداهما - وهي المشهورة - أنه رفع بجسمه حياً، وأنه سينزل في آخر الزمان، فيحكم بين الناس بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يتوفاه الله تعالى(٤)، ويقول الإمام الفخر الرازي: معنى قوله إني متوفيك، أي متمم عمرك، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك، بل أنا رافعك إلى سمائي، ومقربك بملائكتي، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك، وهذا تأويل حسن، وهناك وجه آخر في تأويل الآية هو أن الواو في قوله تعالى: متوفيك ورافعك تفيد الترتيب، فالآية تدل على أن الله تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل؟

ومتى يفعل؟ فالأمر موقوف فيه على الدليل، وقد ثبت الدليل أنه حي، وورد

(١) أنظر عن توحيد إيليا بنبي القرآن - إلياس عليه السلام (محمد بيومي مهران: إسرائيل ٢ / ٩١٣ - ٩١٥، دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث - في بلاد الشام ص ٢٣٢ - ٢٣٥).

(٢) سورة النساء: آية ١٥٧ - ١٥٨، وانظر: تفسير الطبري ٦ / ١٢ - ١٨، تفسير روح المعاني ٦ / ١٠ - ١٣، تفسير النسفي ١ / ٢٦١ - ٢٦٣، في ظلال القرآن ٢ / ٨٠١ - ٨٠٣، تفسير البيضاوي ١ / ١٤١ - ١٤٢، صفوة التفاسير ١ / ٣١٦، تفسير ابن كثير ١ / ٨٧٢ - ٨٨٩، التسهيل لعلوم التنزيل ١ / ١٦٣.

(٣) سورة آل عمران: آية ٥٥، وانظر: تفسير النسفي ١ / ١٦٠، تفسير الفخر الرازي ٨ / ٦٧ - ٧٠، في ظلال القرآن ١ / ٤٠٣ - ٤٠٤، تفسير ابن كثير ١ / ٥٤٨، تفسير الطبري ٣ / ٢٨٩ - ٢٩٣، تفسير روح المعاني ٣ / ١٧٩ - ١٨٤.

(٤) تفسير المنار ٣ / ٢٦٠.

٤١٩

الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال ثم إن الله تعالى يتوفاه بعد ذلك(١).

وأما الطريقة الثانية - فيما يرى الأستاذ الإمام - فهي أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر، المتبادر منه، وهو رفع الروح(٢)، يقول الفخر الرازي: إني متوفيك أي مميتك، وهو مروي عن ابن عباس، وابن إسحاق قالوا: والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله، ثم أنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء، ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه: أحدها: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع، وأخرج الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وأن مريم حملت به، ولها ثلاث عشرة سنة، وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين.

وثانيها: قال ابن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه، وثالثها: قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء، قال تعالى:

* (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) *(٣)، وروى عن الربيع أيضاً، وعن الحسن: أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء - وهو نائم - رفقاً به(٤).

وهكذا وجد عندنا رأيان، الأول - وهو رأي الجمهور - ويذهب إلى أن المسيح عليه السلام، رفع إلى السماء حياً - بجسده وروحه - وأنه ما يزال حياً يرزق، وأن الله سوف يهبطه عند ظهور الدجال، على صخرة بيت المقدس، روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم

(١) تفسير الفخر الرازي ٨ / ٦٧.

(٢) تفسير المنار ٣ / ٢٦٠.

(٣) تفسير الفخر الرازي ٨ / ٦٧، تفسير روح المعاني ٣ / ١٧٩.

(٤) تفسير روح المعاني ٣ / ١٧٩.

٤٢٠