×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 1 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١

وقد احتج لذلك بأنه لا بد للأمة من إمام يقيم الدين، وينصر السنة، وينصف المظلومين من الظالمين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها، يقول الماوردي: وهي فرض كفاية، كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها على كافة الناس، لأن فرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان، أحدهما: أهل الاختيار، حتى يختاروا للناس إماماً، والثاني: أهل الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة جرح ولا مأثم(١).

وقال النووي في روضته فإن لم يكن من يصلح، إلا واحد، تعينت عليه، ولزمه طلبها، إن لم يبتدوه(٢).

ومن هنا تنكشف الضرورة الملحة في نصب الإمام بما ذكر من حكم العقل، ومن ثم فقد بادر الأصحاب إلى نصب الخليفة، فقالت الأنصار: منا الخليفة، واحتج المهاجرون عليهم بالقرابة، كما بادر قسم آخر من الأنصار، وقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، وقال بنو هاشم - ويؤيدهم جمع كبير من المسلمين -: ليس لها إلا أبو حسن، الإمام علي، صاحب الوصية، وكل هذه الأقوال، إنما تكشف جميعاً عن الباعث العقلي لهم على نصب الخليفة.

هذا فضلاً عن اختلافهم كان ممن يختار الخليفة: من بني هاشم؟ أم من الأنصار؟ أم من المهاجرين؟ ولم يناقش أحد منهم ضرورة نصب الإمام، وذلك لوجود الحاجة الماسة إلى ذلك، فضلاً عن أنها ضرورة يدرك العقل مدى الحاجة الشديدة إليها.

على أن هناك من يرى أن الإمامة - أو الخلافة - ليست واجبة، وإلا ما

(١) الماوردي: الأحكام السلطانية ص ٥ - ٦.

(٢) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الجزء الأول - الكويت ١٩٦٤ ص ٢٩ - ٣١.

٤٢

تركت لاختيار الناس، يقول الشيخ الأصم - ومن تابعه على رأيه - إن نصب الإمام غير واجب في الدين، وإن كان سائغاً، فمتى استطاعت الأمة أن تقيم حجها وجهادها، وأن تتناصف فيما بينها، وأن تبذل الحق من أنفسها، وأن تقسم الغنائم والفئ والزكوات على أهلها، وأن تقيم الحدود يمكن من وجبت عليه الحدود، فإن ذلك يجزئهم، ولا يجب عليهم نصب إمام يتولى ذلك منهم(١).

وقد اعتمد بعض من رأوا أن الخلافة ليست واجبة، على أنه ليس في القرآن، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يشير إلى نظام معين في اختيار الخليفة، مما يشير إلى أن للأمة مطلق الحرية في اختيار الخليفة، ومن النظام الذي يتبع في اختياره، ما دام ذلك في إطار الدين، وفي حدود كتاب الله، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم يذهب الدكتور صبحي الصالح إلى أن كل من ظن المسلمون به خيراً، لا ضير أن يتولى أمرهم، ويوجه حياتهم الدنيوية، وإن كان سرعان ما يعقب على كلامه بهذا الاستثناء، فيقول: غير أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نستنطق فلسفة الأحداث فيه، لا حظنا أن الطريقة التي انتخب بها بعض الخلفاء، كان دون ما قصد، سبباً من أسباب استمرار الخلاف لأسباب شخصية، وأخرى قبلية، لا تزال فيها نعرة جاهلية(٢).

ولعل أشهر الدراسات التي ظهرت في العصر الحديث - والتي تعارض وجوب نصب الإمام - إنما هي كتاب الإسلام وأصول الحكم - بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام(٣)- عام ١٩٢٥ م، وقد أصدره الشيخ علي

(١) أحمد حسن الباقوري: مع القرآن - القاهرة ١٩٧٠ ص ٤.

(٢) صبحي الصالح: النظم الإسلامية: نشأتها وتطورها ص ٨٥.

(٣) ربما لم يثر كتاب في العصر الحديث ضجة كالتي أحدثها كتاب الإسلام وأصول الحكم ذلك

=>

٤٣

عبد الرازق - القاضي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية -.

وكانت الفكرة الجوهرية في الكتاب - بل الخطيرة - هي دعوى الشيخ علي عبد الرازق أن الإسلام دين، لا دولة، ورسالة روحية، لا علاقة لها بالحكومة والسياسة الدنيوية، وعمارة الكون، وتنظيم المجتمعات، وأن نبي الإسلام - محمداً - صلى الله عليه وسلم، لم يؤسس دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يسس مجتمعاً، ولم يدع إلى شئ من ذلك، بل كان رسولاً فقط، ما عليه إلا البلاغ.

ولما كان الأمر كذلك، فليس للإسلام رأي - يجب علينا أن نلتمسه من مصادر الدين وأصوله - في نوع الحكومة، فلا رأي للإسلام في هذا الموضوع، وعلى المسلمين - كأمة أو أمم - أن يلتمسوا لسياستهم الحكومة الصالحة، بمعايير العقل والمصلحة والتجريب، دون أن يقيموا وزناً لدعوة القائلين

<=

أن تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (١٢٩٨ - ١٣٥١ هـ‍/ ١٨٨٠ - ١٩٣٨ م) ألغت الخلافة في ٢٢ رجب عام ١٣٤٢ هـ‍(٣ مارس ١٩٢٤ م)، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي - ولأول مرة في تاريخه - يخلو ممن يحمل لقب الخليفة أو حتى سلطان المسلمين، ومن ثم فقد تحركت قوى إسلامية لاحتلال المنصب، ومنها ملك مصر أحمد فؤاد (١٢٨٤ - ١٣٥٥ هـ‍/ ١٨٦٩ - ١٩٣٦ م) بغية أن يصبح الخليفة، وقامت لجان في المدن والقرى المصرية تدعو لذلك.

وفي هذا الوقت صدر هذا الكتاب، والذي لم يكن بحثاً أكاديمياً من أبحاث السياسة أو علم الكلام، وإنما كان بالدرجة الأولى جهداً سياسياً في معركة سياسية ضارية، وتحدياً لملك، ومناوئة لقطاعات عريضة وخطيرة في العالم الإسلامي كما أفسد على الاستعمار البريطاني فرصة الإفادة من لعبة الخلافة هذه.

وهكذا تحركت قوى كبرى - الملك والأزهر والاستعمار البريطاني - لمحاربة الشيخ على عبد الرازق، وفي نفس الوقت وقف معه حزب الوفد بزعامة سعد زغلول باشا (١٢٧٣ - ١٣٤٦ هـ‍/ ١٨٥٧ - ١٩٢٧ م)، والكتاب الأحرار - وعلى رأسهم عباس محمود العقاد (١٣٠٦ - ١٣٨٤ هـ‍/ ١٨٨٩ - ١٩٦٤ م) ومحمد حسين هيكل باشا (١٣٠٥ - ١٣٧٥ هـ‍ (١٨٨٨ - ١٩٥٦ م) وأحمد حافظ عوض بك (١٢٩٤ - ١٣٧٠ هـ‍/ ١٨٧٧ - ١٩٥٠ م)، وانتهت الأمور بصدور حكم هيئة كبار العلماء بالأزهر في ٢٢ محرم ١٣٤٤ هـ‍/ (١٢ / أغسطس ١٩٢٥ م) بإخراج الشيخ عبد الرازق من زمرة العلماء، كما فصل من وظيفته، فضلاً عن عزل وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار عبد العزيز فهمي باشا (١٢٨٧ - ١٣٧٠ هـ‍/ ١٨٧٠ - ١٩٥١ م) والكتاب صدر في عام ١٩٢٥ م، ثم صدرت له طبعة في بيروت عام ١٩٦٦ م، وفي نوفمبر ١٩٧١ م نشرت مجلة الطليعة المصرية نصه الكامل.

٤٤

بحكومة إسلامية، ومن يتصورون أن هذه الحكومة الإسلامية، هي نظام الخلافة بالذات ويقول: علي عبد الرازق(١).

إن الناس لا يصلحون فوضى لا سراة لهم، ويمكن أن يقال: إن المسلمين - إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم - كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم، وترعى شؤونهم، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع - مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية - ومعاذ الله أن يجعل عز هذا الدين وذله، منوطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء، ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة، ولا تحت رحمة الخلفاء(١).

ثم يذهب صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم إلى أنه لم ينعقد بين المسلمين - صحابة أو غيرهم - إجماع على وجوب نصب الإمام، بالمعنى الذي اصطلح الفقهاء على تسميته بالخليفة، وأنه في ذلك إنما يقف في صف جماعة

(١) ولد علي عبد الرازق (١٣٠٥ - ١٣٨٦ هـ‍/ ١٨٨٧ - ١٩٦٦ م) في أبو جرج بمحافظة المنيا، من أسرة ذات مكانة في الغنى والعلم والنفوذ، كما كان بيت الأسرة في القاهرة ندوة لصفوة المفكرين كالشيخ محمد عبده (١٢٦٦ - ١٣٢٤ هـ‍/ ١٨٤٩ - ١٩٠٥ م) وأحمد لطفي السيد باشا (١٢٨٩ - ١٣٨٣ هـ‍/ ١٨٧٢ - ١٩٦٣ م) وغيرهم. و كان قد التحق بالأزهر، بعد حفظه للقرآن الكريم - وعندما أنشئت الجامعة المصرية عام ١٩٠٨ م، التحق بها وجمع بين الدراسة في الجامعة والأزهر، وفي عام ١٩١٢ م حصل على العالمية من الأزهر، ثم سافر إلى إنجلترا على نفقته للدراسة، ولكنه عاد إلى مصر عام ١٩١٥ م بسبب الحرب العالمية الأولى، وفي عام ١٩١٥ عين قاضياً شرعياً، واستمر في القضاء حتى أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم ففصل من عمله، حيث كان قاضياً بمحكمة المنصورة، تنفيذاً لقرار هيئة كبار العلماء، الصادر في ٢٢ محرم عام ١٣٤٤ هـ‍(١٢ أغسطس ١٩٢٥) وعندما أصبح أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا (١٣٠٢ - ١٣٦٦ هـ‍/ ١٨٨٥ - ١٩٤٦ م) شيخاً للأزهر عام ١٩٤٥ م، أعاد الأزهر للشيخ علي عبد الرازق اعتباره، فدخل ثانية في زمرة العلماء وفي ٢٨ دسمبر ١٩٤٨ م أصبح وزيراً للأوقاف، كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضواً بمجمع اللغة العربية، ثم توفي في ٧ جمادى الثاني ١٣٨٦ هـ‍- (٢٣ سبتمبر ١٩٦٦ م) (أنظر: محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة ١٩٨٩ م).

٤٥

غير قليلة من أهل القبلة، ومن سلف هذه الأمة وعلمائها الصالحين، الذين لا يمكن الطعن في دينهم، ولا في علمهم.

ثم يقول بعد ذلك: وليس صحيحاً أننا ننكر إجماع الصحابة على أنه لا بد لأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا، بل إنه لا بد لأمة منظمة - مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها - من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وأن الناس لا يصلحون فوضى، لا سراة لهم ولعل أبا بكر رضي الله عنه إنما كان يشير إلى ذلك الرأي - حين قال في خطبته لا بد لهذا الدين ممن يقوم به، ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المنحى أحياناً(١).

هذا ويمكن حينئذ أن يقال بحق: إن المسلمين، إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم، كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم، إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة - أو الخلافة - ذلك المعنى الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون: من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، أما إذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفونه، فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة(٢).

ثم ينكر الشيخ علي عبد الرازق وجود أدلة على الخلافة في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف فيقول: إنه لعجب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شئ من أمر هذا الدين * (ما فرطنا في الكتاب من

(١) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة ١٩٨٩ ص ٢٥، علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم - القاهرة ١٩٢٥ م ص ٣٤ - ٣٥، ٣٨.

(٢) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص ٣٣.

٤٦

شئ) *، ثم لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة أو الخلافة، إن في ذلك لمجالا للمقال(٢).

وفي الواقع، فإن اتجاه المؤلف غير صحيح، وقد قدمنا من قبل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة التي اعتمد عليها العلماء في وجوب نصب الإمام(٣).

هذا إلى أنه حقيقة: أن في القرآن بيان كل شئ من أمور الدين وأحكام الواقع، ولكن ليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية، ولم نجد لها حكماً مفصلاً، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنة، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم، أو شهدت به القواعد المسلمة.

وإنما معنى تبيان لكل شئ: أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصل بعض أحكام، وأحال كثيراً من آياته على بيان السنة النبوية، ثم إن الكتاب والسنة أرشدا إلى أصول أخرى، كالإجماع والقياس وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة، كقاعدة المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع، قال أبو إسحاق الشاطبي في كتابة الموافقات: تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي، لا جزئي.

وإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكمل كل واحد منها، وهذا كله ظاهر أيضاً، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة

(١) سورة الأنعام: آية ٣٨.

(٢) علي عبد الرازق المرجع السابق ص ٣٥، محمد عمارة: المرجع السابق ص ٩٩.

(٣) أنظر: (سورة البقرة: آية ٣٠، سورة النور: آية ٥٥ سورة ص: آية ٢٦)، وانظر (صحيح مسلم ١٢ / ٢٣٠، ١٢ / ٢٤٠، نيل الأوطار للشوكاني ٨ / ٢٥٥ - ٢٥٦، سنن أبي داود ٢ / ٣٤.

٤٧

والإجماع والقياس، وجميع ذلك، إنما نشأ عن القرآن(١).

وأما قول المؤلف أننا لا نجد في الأحاديث - بعد كل ذلك - ما ينهض دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين(٢).

فالواقع أن العلماء ما قالوا إن الخلافة من قبيل العقائد، وأنما هي فرع من فروع الشريعة - كسائر أحكامها العملية، قال سعد الدين التفتازاني (٧١٢ - ٧٨٩ هـ‍/ ١٣١٢ - ١٣٨٩ م) في شرح المقاصد: إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة، من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية - دون الاعتقادية - وقد ذكر في كتبنا الفقهية: أنه لا بد للأمة من إمام، يحيي الدين، ويقيم السنة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها.

ثم قال: ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة، اعتقادات فاسدة واختلافات باردة... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين... ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام(٣).

وقال السيد في شرح خطبة المواقف: إن الإمامة - وإن كانت من فروع الدين - فقد ألحقت بأصوله، دفعاً لخرافات أهل البدع والأهواء، وصوناً للأئمة المهديين عن مطاعنهم، لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم - وهكذا

(١) محمد عمارة: المرجع السابق ص ٢٤١ - ٢٤٢، أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات ٣ / ١٩٤ - ١٩٥ (المطبعة التونسية).

(٢) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص ١٨.

(٣) سعد الدين التفتازاني: شرح المقاصد ١ / ١٩٩ (طبع الآستانة)، محمد عمارة، المرجع السابق ص ٢٤٤.

٤٨

يبدو واضحاً أن الخلافة ليست من نوع العقائد، وإنما حشروها في علم الكلام، للعذر الذي أبداه شارح المقاصد وشارح المواقف(١).

ومن ثم فقد استقر الرأي في علم الكلام الإسلامي، على أن مباحث الخلافة - الإمامة - الدولة، إنما هي من الفروع، وليست من عقائد الدين، ولا من أصوله، ومن ثم فإن الخلاف والاختلاف فيها أليق به أوصاف الخطأ والصواب، والضرر والنفع - وليس الكفر والإيمان أو الإلحاد(٢)- إلخ إلخ.

يقول ابن جميع في عقيدة التوحيد: إن الإمامة مستخرجة من الرأي، وليست مستخرجة من الكتاب أو السنة(٣)، ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: إن الكلام في الإمامة، ليس من أصول الاعتقاد(٤)، ويقول الإمام أبو حامد الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ‍/ ١٠٥٨ - ١١١١ م): إن نظرية الإمام ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها، بل من الفقهيات(٥). ويقول الإمام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ‍/ ١٢٦٣ - ١٣٢٨ م): إن الإمامة ليست من الأركان الخمسة، ولا من أركان الإيمان الستة، ولا هي من أركان الإحسان(٦)، وفوق ذلك، وتبعاً له، يقول الغزالي: والعلم أن الخطأ في أصل الإمامة تعيينها وشروطها وما يتعلق بها، لا يوجب شئ منه الكفر(٧).

ويقول شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ‍/ ١٨٧٦ -

(١) نفس المرجع السابق ص ٢٤٤.

(٢) نفس المرجع السابق ص ٢٠٤.

(٣) أبو حفص عمر بن جميع: عقيدة التوحيد - القاهرة ١٣٥٣ هـ‍- ص ٥٠٦.

(٤) الجويني: الإرشاد - القاهرة ١٩٥٠ ص ٤١٠.

(٥) الإمام الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٣٤ (ط صبيح - القاهرة).

(٦) ابن تيمية: منهاج السنة ١ / ٧٠ - ٧٢ (القاهرة ١٩٦٢).

(٧) الغزالي: فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ١٥ (القاهرة ١٩٠٧).

٤٩

١٩٥٨ م) في كتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم: إن الخلافة ليست من نوع العقائد، والبحث فيها يرجع إلى النظر في حكم عملي، لا في عقيدة من عقائد الدين، ومن ثم فيكتفي من مسندها بالأدلة المفيدة ظناً راجحاً(١).

بقيت الإشارة إلى أن كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) إنما كان سبباً في صدور عدة دراسات جادة وهامة، حول القضية التي عالجها - علاقة الدين بالدولة - وكان من أهمها:

١ - كتاب الشيخ محمد رشيد رضا (١٢٨٢ - ١٣٥٤ هـ‍ / ١٨٦٥ - ١٩٣٥ م) الخلافة أو الإمامة العظمى، حول إلغاء الخلافة العثمانية - وقد صدر هذا الكتاب قبيل صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم ١٩٢٥ م.

٢ - كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين (١٢٩٢ - ١٣٧٧ هـ‍/ ١٨٧٥ - ١٩٥٨ م)، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرزاق، وعنوانه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وقد صدر عام ١٣٤٤ هـ‍/ ١٩٢٦ م.

٣ - كتاب الشيخ محمد بخيت المطيعي (١٢٧١ - ١٣٥٤ هـ‍/ ١٨٥٤ - ١٩٣٥ م) - مفتي الديار المصرية، وعنوانه حقيقة الإسلام وأصول الحكم، وقد صدر عام ١٣٤٤ هـ‍/ ١٩٢٦ م، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرازق. هذا فضلاً عن مجموعة من المقالات العلمية الجادة شارك أصحابها في هذه المعركة الفكرية مؤيدين أو معارضين - للشيخ علي عبد الرازق.

(١) محمد الخضر حسين: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم - القاهرة ١٩٢٦ ص ٣٣، وانظر ص ٧٤ - ٧٥.

٥٠

ثالثاً: اختيار الإمام

اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن يشغل منصب الخلافة، فذهب فريق من العلماء إلى أن الأمة إنما تختار من تشاء، متى رأوا فيه القدرة على حراسة الدين، وسياسة الدنيا، لا فرق بين قريشي وغيره، وهذا كان رأي غالبية الأنصار، حين رأوا في اجتماع السقيفة أن يبايعوا سعد بن عبادة، قبل بيعة أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وقد أخذ بهذا الرأي - فيما بعد - المعتزلة، وأكثر الخوارج، وجماعة من الزيدية.

وقد احتج هذا الفريق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير، فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني(١).

وروى مسلم أيضاً في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف(٢).

ومن ثم فقد أجاز الخوارج أن يكون الإمام من غير قريش(٣)، وأن من

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢٢٣ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣ هـ‍/ ١٩٨٣).

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٢٥.

(٣) قال السيوطي: وأخرج عبد الرحمن بن أبزى عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا الأمر (أي الخلافة) في أهل بدر، ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد، ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا،

=>

٥١

يستحقها هو من قام بالكتاب والسنة - سواء أكان عربياً أم أعجمياً - وبالغ ضرار بن عمرو فقال: إن تولية غير القرشي أولى، لأنه يكون أقل عشيرة، فإذا عصى أمكن خلعه(٢)، قال الشهرستاني:

وبدعتهم (أي الخوارج) في الإمامة: إذا جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل، واجتناب الجور، كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة، وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولاً بالقياس، كما جوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً(٢).

وقال ضرار بن عمرو(٤): إذا اجتمع حبشي وقرشي، كلاهما قائم بالكتاب والسنة، فالواجب أن يقدم الحبشي، لأنه أسهل لخلعه، إذا حاد عن الطريقة(٤).

ويقول البغدادي: وقالوا: من شرط الإمامة النسب إلى قريش - وهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - على خلاف قول من زعم من الضرارية أن الإمامة تصلح في جميع أصناف العرب، وفي الموالي والعجم، وخلاف قول الخوارج بإمامة زعمائهم الذين كانوا من ربيعة وغيرهم - كنافع بن الأزرق الحنفي، ونجدة بن عامر الحنفي، وعبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير البجلي، وشبيب بن يزيد

<=

وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح شئ (تاريخ الخلفاء ص ١٤٤).

(١) ذهب النظام والخوارج و نشوان الحميري وبعض الحشوية، أنها تصح في جميع الناس مطلقاً فرق في ذلك بين عربي وعجمي وزنجي (المذهب الزيدي ص ٤٣).

(٢) الشهرستاني: الملل والنحل ١ / ١١٦ (ط الحلبي - القاهرة ١٣٨٧ هـ‍/ ١٩٦٨).

(٣) ضرار بن عمرو: من رجال منتصف القرآن الثاني الهجري، اختلف في نسبة إلى المعتزلة، فابن الرواندي يثبت أنه من المعتزلة، والخياط ينفي ذلك وأنه كان تلميذاً لواصل بن عطاء، ثم انصرف عنه وأسس الضرارية، وأنه كان حياً حوالي عام ١٨٠ هـ‍.

(٤) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤ / ١٠٨ (ط محمد علي صبيح - القاهرة ١٣٨٤ هـ‍/ ١٩٦٤ م).

٥٢

الشيباني وأمثالهم - عناداً منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش(١).

ورواية الأئمة من قريش(٢)هذه، إنما جاءت - كما يقول ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل - عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجئ التواتر، رواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وروى جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت، معناها(٣).

ويقول ابن حزم: ومما يدل على صحة ذلك، إذعان الأنصار، رضي الله عنهم يوم السقيفة، وهم أهل الدار والمنعة والعدة والعدد والسابقة في الإسلام، ومن المحال أن يتركوا اجتهادهم لاجتهاد غيرهم، لولا قيام الحجة عليهم، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن الحق لغيرهم في ذلك(٤).

ومن ثم فقد ذهب فريق ثان إلى أن الخلفاء من قريش خاصة، وهذا رأي غالبية المهاجرين، وقد احتجوا بحديث الأئمة من قريش.

وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام - باب الأمراء من قريش) بسنده عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد، إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين(٥).

وتابعه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد: سمعت أبي يقول، قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان(٦).

(١) ابن حزم الأندلسي: الفصل الملل والأهواء والنحل ٤ / ٨٧ - ٨٨.

(٢) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٣٤٩ (دار المعرفة - بيروت).

(٣) أخرجه الطيالسي عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام الحديث: الأئمة من قريش، ما حكموا، فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا، - وأخرجه الإمام أحمد.

(٤) ابن حزم: الملل والأهواء والنحل ٤ / ١٠٨.

(٥) صحيح البخاري ٩ / ٧٧ - ٧٨.

(٦) صحيح البخاري ٩ / ٧٨.

٥٣

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عدة أحاديث، منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم(١).

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه قال: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان(٢).

ويقول الإمام النووي(٣)في الشرح: قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم، وفي رواية: الناس تبع لقريش في الخير والشر، وفي رواية: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان، وفي رواية البخاري: ما بقي منهم اثنان، هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم.

وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، وكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، بالأحاديث الصحيحة.

وقال القاضي: اشتراط كونه (أي الخليفة) قرشياً هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، على الأنصار يوم السقيفة، فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. وقال: ولا اعتداد بقول النظام، ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع: أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٠.

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠١.

(٣) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي - ١٢ / ١٩٩ - ٢٠١ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣ هـ‍/ ١٩٨٣ م).

٥٤

عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم، يقدم على القرشي، لهوان خلعه، إن عرض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش من الخير والشر، فمعناه في الإسلام والجاهلية، كما هو مصرح به في الرواية الأولى، لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة، تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم، فمن زمنه صلى الله عليه وسلم، إلى الآن (زمن المؤلف)، الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان، كما قاله صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي عياض: استدل أصحاب الشافعي بهذا الحديث على فضيلة الإمام الشافعي، قال: ولا دلالة فيه لهم لأن المراد، تقديم قريش في الخلافة فقط. قال النووي: هو حجة في مزية قريش، والشافعي قرشي(١).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفي علي قال: فقلت لأبي ما قال:

قال: كلهم من قريش(٢).

وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم،

(١) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ١٩٩ - ٢٠١ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣ هـ‍/ ١٩٨٣ م).

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠١.

٥٥

يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً، ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، بكلمة خفيت علي، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كلهم من قريش(١).

وعن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً، إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال: فقال: كلهم من قريش(٢).

والحديث صحيح - وقد رواه الشيخان، كما رواه - كما أشرنا من قبل - الترمذي(٣)وأبو نعيم(٤)والحاكم(٥)وأحمد(٦)والهيتمي(٧)والهيثمي(٨)والسيوطي(٩)، والمتقي الهندي(٦).

وروى أو داود الطيالسي بسنده عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الأئمة من قريش، ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا(١٠).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده روايات كثيرة، صحيحة الإسناد تؤدي هذا، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر، ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم، كما يلحى هذا القضيب - القضيب في يده، ثم لحا قضيبه، فإذا هو أبيض يصلد(١١).

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢.

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢، وانظر روايات أخرى ١٢ / ٢٠٢ - ٢٠٤.

(٣) صحيح الترمذي ٢ / ٣٥.

(٤) أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ط ٤٨ - ٤٨٢ (ط الباز - مكة المكرمة ١٩٧٧ م).

(٥) المستدرك للحاكم ٤ / ٥٠١.

(٦) مسند الإمام أحمد بن حنبل ١ / ٣٨٩، ٤٠٦، ٥ / ٨٦، ٩٢، ٩٩، ١٠٦، ١٠٨.

(٧) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة.

(٨) الهيثمي: مجمع الزوائد ٥ / ١٩٠ - ١٩١.

(٩) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٩ - ١١.

(١٠) كنز العمال ٣ / ٢٠٥، ٦ / ١٦٠، ٢٠١

(١١) مسند الإمام أحمد - الجزء السادس (رقم ٤٣٨٠)، الجزء السابع (رقم ٤٨٣٢)، الجزء الثالث عشر (رقم ٧٠٣٤، ٧٥٤٧).

٥٦

هذا ومن المعروف أن المهاجرين قد احتجوا على الأنصار، بأن الإمامة في قريش، لأنهم أولياء النبي وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، وكما قال لهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبيها من غيركم، وأن العرب لا تولي هذا الأمر، إلا من كانت النبوة فيهم، لا ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة، ولقد أخذ بهذا الرأي فيما بعد عامة أهل السنة.

هذا وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (كتاب العلم) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم، من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده في النار، على أن حديث الأئمة من قريش متواتر، - كأحاديث المسح على الخفين ورفع اليدين في الصلاة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، ومن بنى لله مسجداً وغيرها - ثم أفرد حديث الأئمة من قريش بجزء جمع فيه طرقه عن نحو أربعين صحابياً، وقال في كتاب الأحكام من الفتح الباري (الجزء ١٣) ما نصه: وإلى اشتراط كون الإمام قرشياً، ذهب جمهور أهل العلم. ثم قال: وقال عياض: اشترط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك من بعدهم في جميع الأمطار، ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة(١)، لما فيه من مخالفة المسلمين(٢).

(١) كان القاضي أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ‍) ممن نفى اشتراط النسب القرشي، لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم من الخلفاء، فأسقط شرط القرشية، وإن كان موافقاً لرأي الخوارج، لما رأى حال الخلفاء لعهده، وبقي الجمهور على القول باشتراطها، وصحة الإمامة للقرشي، ولو كان عاجزاً عن القيام بأمور المسلمين، ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوم بها على أمره، لأنه إذ ذهبت الشوكة بذهاب العصبية، فقد ذهبت الكفاية، وإذا وقع الإخلال بشرط الكفاية، تطرق ذلك أيضاً إلى العلم والدين، وسقط اعتبار شروط هذا المنصب، وهو خلاف الاجتماع (مقدمة ابن خلدون ص ١٩٤ - ١٩٥).

(٢) محمد العربي التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري ١ / ١٨٦ - ١٨٧ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٤ هـ‍/ ١٩٨٤).

٥٧
٥٨

مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعي أبي، فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال، قال: كلهم من قريش(١).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، مع غلامي نافع، أن أخبرني بشئ سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليك اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش(٢).

ومن ثم فإن فكرة الاثني عشر، فكرة إسلامية عامة - للسنة وللشيعة سواء بسواء - لا تختص بفريق دون الآخر، هذا ويذهب العلامة الحلي إلى أن المراد باك ١٢ أميراً هؤلاء، إنما هم أئمة الشيعة الاثني عشر، حيث ثبت بالتواتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لسبطه الإمام الحسين: ابني هذا إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم(٣).

وروى المحب الطبري في ذخائر العقبى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوماً واحداً، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي، فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين(٤).

وأما حصر الإمامة في الإمام علي وولده، فلقد أشرنا من قبل أن السنة حصرت الإمامة في قريش، دون غيرهم، وقالت الشيعة: أنه ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي صلى الله عليه وسلم، هو أفضل بيوت قريش قاطبة، ولولاه لم يكن لها هذا

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٣.

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٣.

(٣) الحلي: شرح التجريد ص ٢٥٠ (طبعة العرفان).

(٤) المحب الطبري: ذخائر العقبى ص ١٣٦ (ط ١٣٥٦ هـ‍).

٥٩

الشأن، بل لولا محمد وآله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يكن للعرب تاريخ أو ذكر(١).

روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل): حدثنا محمد بن مهران الرازي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، جميعاً عن الوليد قال ابن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم(٢).

وأما حصر الأئمة في ١٢، فقد كانت تلك رواية الشيخين (البخاري ومسلم)(٣).

ويذهب السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي - إلى أن المقصود بالخلفاء أو الأمراء الاثني عشر، إنما هم الأئمة الاثني عشر (من الإمام علي وحتى الإمام المهدي الحجة)(٤)والسبب في ذلك أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - أو حتى الخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، إليهم - لكونهم أقل عدداً، أو خلافة من سواهم من بني أمية أو بني العباس، لكونهم أكثر عدداً، فضلاً عن أكثرهم من أهل الفسق والفجور، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية والفطحية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل.

ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء

(١) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص ٣٧ - ٣٨.

(٢) صحيح مسلم ١٥ / ٣٦.

(٣) صحيح البخاري ٩ / ١٠١، صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢ - ٢٠٣.

(٤) الأئمة الاثني عشر هم: الإمام علي بن أبي طالب - الإمام الحسن بن علي - الإمام الحسين بن علي - الإمام علي زيد العابدين - الإمام محمد الباقر - الإمام جعفر الصادق - الإمام موسى الكاظم - الإمام علي الرضا - الإمام محمد الجواد - الإمام علي الهادي - الإمام الحسن العسكري - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري.

٦٠