×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 1 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الاثني عشر أميراً أو خليفة، عترة النبي صلى الله عليه وسلم، أو لهم سيدنا الإمام علي، وآخرهم المهدي الحجة بن الحسن العسكري، عليهم السلام(١).

هذا ويلخص ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٢)آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله: اختلف الناس في اشتراط النسب القرشي في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا (أي المعتزلة): إن النسب ليس شرطاً فيها أصلاً، وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه، وهو قول الخوارج.

وقال أكثر أصحابنا (المعتزلة) وأكثر الناس: أن النسب القرشي شرط في الإمامة، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة، ومن العرب في قريش خاصة، وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، إن القرشية شرط، إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح، فليست القرشية شرطاً فيها.

وقال بعض أصحابنا (المعتزلة): معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبداً ممن يصلح للإمامة، فأوحوا بهذا الخبر: أن هناك من يصلح للإمامة من قريش في كل عصر وزمان.

وقال معظم الزيدية: إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين، لا تصلح في غير البطنين (أبناء الحسن والحسين)، ولا تصلح إلا بشرط أن يقوم بها، ويدعو بها، ويدعو إليها، فاضل، زاهد، عالم، شجاع، سائس، هذا ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين، من ولد علي عليه السلام، وهو من أقوالهم الشاذة.

وأما الرواندية فقد خصصوها للعباس بن عبد المطلب، رحمه الله، من بين

(١) السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة ٢ / ٢٥ - ٢٦ (مؤسسة الأعلى - بيروت ١٣٩٣ هـ‍/ ١٩٧٣ م).

(٢) نهج البلاغة ٩ / ٧٧ - ٨٨ (دار الفكر بيروت ١٩٦٧).

٦١

بطون قريش كلها، وهذا القول ظهر في أيام الخليفة العباسي المنصور (١٣٦ - ١٥٨ هـ‍/ ٧٥٤ - ٧٧٥ م) ثم المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ‍/ ٧٧٥ - ٧٨٥ م).

وأما الشيعة الإمامية، فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، في أشخاص مخصوصين، لا تصلح عندهم لغيرهم.

على أن الكيسانية إنما قصروها على محمد بن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالب، من السيدة خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ثم في ولده، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره(١).

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة(٢)بشأن الاثني عشر خليفة أو أميراً، وقال: وفي آخره، كلهم من بني هاشم(٣).

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية(٤)بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.

وعن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الحسين على فخذه، وهو يقبل عينه، ويقبل فاه، ويقول: أنت سيد بن سيد، وأنت إمام، وابن إمام، وأنت حجة وابن حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم(٥).

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٩ / ٨٦ (بيروت ١٩٦٧).

(٢) أنظر: صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢ - ٢٠٤.

(٣) سليمان الحنفي القندوزي: ينابيع المودة ص ١٠٧.

(٤) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - الجز الثالث ص ٨٦ (دار الفكر - بيروت).

(٥) الشيخ مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة ١٩٧٧ م.

٦٢

رابعاً: شروط الإمام

اشترطت السنة في الإمام شروطاً أربعة: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء فأما العلم، فلأنه منفذ أحكام الله، ومتى كان جاهلاً، لا يمكنه تنفيذها.

وأما العدالة، فلأن منصب الإمام منصب ديني، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة، فأولى بشروطها فيه.

وأما الكفاءة، فأن يكون جريئاً على إقامة الحدود، واقتحام الحروب، بصيراً بها، كفيلاً بحمل الناس عليها، عالماً بأحوال الدهاء، قوياً على معاندة السياسة، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين، وجهاد العدو، وإقامة الأحكام، وتدبير المصالح.

وأخيراً أن يكون سليم الحواس والأعضاء، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل، ويلحق بذلك العجز عن التصرف، لصغر أو شر أو غيرهما.

وهناك شرط خامس، اختلف فيه - وهو النسب القرشي(١)- وقد ناقشناه من قبل.

على أن الماوردي إنما يرى أنها سبعة، فيقول: وأما أهل الإمامة، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة، أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني:

العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

(١) أنظر: مقدمة ابن خلدون ص ١٩٠ - ١٩٦ (دار القلم - بيروت ١٩٨١).

٦٣

والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح.

والسادس: النسب: وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار ب‍ً ضرارً حين شذ، فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة، لما بايعوا سعد بن عبادة عليها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، فأقلعوا عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها، حين قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، تسليماً لروايته، وتصديقاً لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، قدموا قريشاً، ولا تقدموها(١).

وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا أيها الناس:

قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها، ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم، يا أيها الناس، أوصيكم بحب ذي أقربها، أخي وابن عمي، علي بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل(٢).

(١) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص ٦ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٢ هـ‍١٩٨٢).

(٢) الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة الجزء الثاني - حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - ص ٦٢٢ - ٦٢٣ (نشر مركز البحث العلمي وإحياء والتراث الإسلامي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة ١٤٠٣ هـ‍/ ١٩٨٣ م). والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، ذكره ابن حجر في المطالب العالية (٤ / ١٣٩) وأخرجه الإمام الشافعي في مسنده ص ٢٧٨) عن الزهري، وعبد الرازق في مصنفه (١١ / ٥٥)، وأخرجه البيهقي في مناقب

=>

٦٤

ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة: إلى أن أصحابه الشافعية إنما يرون في شروط عقد الإمامة، أربعة عشر شرطاً في الإمام: أولها:

الذكورة لحديث أبي بكرة، الذي رواه البخاري في صحيحه عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة(١).

وزاد الترمذي والنسائي: فلما قدمت عائشة البصرة، ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى به(٢).

يقول القلقشندي: والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال، والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها.

والثاني: البلوغ فلا تنعقد إمامة الصبي، لأنه مولى عليه، والنظر في أموره إلى غيره، فكيف يجوز أن يكون ناظراً في أمور الأمة؟ على أنه ربما أخل بالأمور، قصداً لعلمه بعدم التكليف.

والثالث: العقل: فلا تنعقد إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره، لأن العقل آية التدبير، فإذا فات العقل فات التدبير، وقد قسم الماوردي زوال العقل إلى ما لا يرجى زواله، وما يرجى زواله، فأما ما لا يرجى زواله - كالجنون والخبل - فيمنع من عقد الإمامة - سواء أكان مطبقاً لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة وسواء

<=

الشافعي (١ / ٢٠ - ٢١) وفي مجمع الزوائد (١٠ / ٢٥)، وأشار إليه البخاري في المقاصد الحسنة (ص ٣٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩ / ٦٤)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (٢ / ٤٣١).

(١) صحيح البخاري ٦ / ١٠.

(٢) صحيح الترمذي ٩ / ١١٩، سنن النسائي ٨ / ٢٢٧.

٦٥

كان زمن الجنون أكثر من زمن الإفاقة، أو زمن الإفاقة أكثر من زمن الجنون -.

وأما ما يرجى زواله - كالأعضاء فلا يمنع من انعقاد الإمامة، لأنه مرض قليل اللبث، سريع الزوال.

والرابع: البصر، فلا تنعقد إمامة الأعمى، لأنه منع ولاية القضاء، وجواز الشهادة، فمنعه صحة الإمامة أولى.

والخامس: السمع، فلا تنعقد إمامة الأصم، الذي لا يسمع البتة، واختلف في ثقل السمع.

والسادس: سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، فلا تنعقد من ذهبت يداه أو رجلاه، لعجزه عما يلحقه من حقوق الأمة.

والسابع: النطق، فلا تنعقد إمامة الأخرس، واختلف في تمتمة اللسان فقيل يمنع، وقيل لا يمنع.

والثامن: الحرية، فلا تنعقد إمامة من فيه رق كالقن الكامل العبودية، والمبعض، من فيه جزء حر، وجزء رقيق، والمكاتب، المفروض عليه مال، إن أداه أعتق، والمدبر من شرط عتقه بعد موت سيده، والمعلق عتقه بصفة، لأن الرقيق محجوز للسيد، فأموره تصدر عن رأي غيره، فكيف يصلح لولاية الأمة؟

والتاسع: الإسلام: فلا تنعقد أبداً إمامة الكافر، لأنه لا يراعي مصلحة الإسلام والمسلمين.

والعاشر: العدالة: فلا تنعقد إمامة الفاسق.

الحادي عشر: الشجاعة والنجدة، فلا تنعقد إمامة الجبان.

الثاني عشر: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك.

٦٦

الثالث عشر: صحة الرأي والتدين، فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي، لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه، ولا يتبين له طريق المصلحة، إلا إذا كان ذا رأي صحيح، وتدبير سائغ.

الرابع عشر: النسب: فلا تنعقد الإمامة بدونه، والمراد أن يكون من قريش، لحديث الأئمة من قريش، وقال الماوردي بالإجماع عليه، وقال الرافعي - من أئمة الشافعي - فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني، فإن لم يوجد كناني، فرجل من ولد إسماعيل عليه السلام، فإن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشروط، ففي تهذيب البغوي: أنه يولى رجل من العجم، وفي التتمة للمتولي أنه يولي جرهمي، ولا يشترط أن يكون الإمام هاشمياً، لأن أبا بكر وعمر وعثمان، لم يكونوا من بني هاشم(١).

ويقول البغدادي: وقالوا: (أي أهل السنة والجماعة): ومن شروط الإمام: العلم، والعدالة والسياسة، وأوجبوا في العلم ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته، وذلك بأن يكون عدلاً في دينه، مصلحاً لما له وحاله، غير مرتكب لكبيرة، ولا مصر على صغيرة، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه، وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها، خلاف قول الإمامية: أن الإمام يكون معصوماً من الذنوب كلها(٢).

وأما الزيدية، فشروط الإمامة عندهم أربعة عشر شرطاً. الأول: البلوغ والعقل إجماعاً، فلا وصية لصبي ولا لمجنون، إذ لا ولاية لهما على نفسيهما، فالأولى ألا يكون على غيرهما.

(١) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الكويت ١٩٦٤ ص ٣١ - ٣٩.

(٢) البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٣٤٩ - ٣٥٠ (دار المعرفة - بيروت).

٦٧

والثاني: الذكورة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، - فيما يروي البخاري عن أبي بكرة - قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة(١)، وذلك لأن المرأة لا تتولى بعض أمور نفسها، فكيف تتولى أمور غيرها، ولأنها ممنوعة من مخالطة الرجال.

الثالث: الحرية، إذ العبد مملوك الرقبة والتصرف.

الرابع: المنصب، إذ لا تصح الإمامة، في منصب مخصوص، أي أن يكون الإمام على صفة مخصوصة، وبإذن من الشارع، واختيار منه، وإلا لوقع الفساد.

قالت العترة وشيعتهم: الوصي والحسنان (أي الإمام علي والحسن والحسين) وذريتهما، ويجب على جميع المكلفين العلم بذلك، والعمل به، أي موالاتهم ونصرتهم.

الخامس: الاجتهاد لقوله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق * أحق أن يتبع * أمن لا يهدي إلا أن يهدى * فما لكم كيف تحكمون) *(٢)، والذي يهدي إلى الحق، لا يكون إلا مجتهداً، ولا يخلو الزمان من مجتهد، متمكن من استنباط الأحكام، يشترط فيه أن يجمع علوماً خمسة: علم العربية، وآيات الأحكام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسائل الإجماع، وعلم أصول الفقه، أما علم أصول الدين فمن تمام الدين.

السادس: الورع، وحجتنا قوله تعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) *(٣)، فلا

(١) صحيح البخاري ٦ / ١٠.

(٢) سورة يونس: آية ٣٥.

(٣) سورة البقرة: آية ١٢٤.

٦٨

تصح إمامة الفاسق، وإنما يشترط في الإمام إتيان الواجبات، واجتناب المحرمات، ولا يشترط الإمام يحيى بن حمزة: بلوغ أعلى درجات الورع، وإنما مقدار ما يحصل به اجتناب الكبائر.

السابع: اجتناب الحرف الدنيئة، لأنها تخل بالعدالة، على أن هناك من يرى في العدالة أمراً خلقياً، لا صلة له بالحرفة، ما دامت حلالاً.

الثامن: الأفضلية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ولى رجلاً، وهو يعلم أن غيره أفضل منه، فقد خان الله في أرضه.

وهذا قول الزيدية وبعض المعتزلة والإمامية، وقد ذهب بعض المعتزلة والزيدية أن الإمامة يستحقها الأفضل، إلا أنه قد يحدث أمر، يكون نصب المفضول فيه أصلح، فيجب نصبه في الحال - على أن رأينا أن إمامة المفضول غير جائزة.

التاسع: الشجاعة، أي أن يكون من رباطة الجأش، ما يتمكن معها من تدبير الحروب عند فشل الجموع، لئلا تتحطم جيوش المسلمين.

العاشر: التدبير، فتكون آراؤه صالحة، وأنظاره ثاقبة، وسياسته حسنة، ولا يشترط أن لا يخطئ في ذلك، بل يكون أغلب أحواله السلامة.

الحادي عشر: القدرة على القيام بمهام الإمامة وأمور المسلمين، وهذا يقتضي أن لا يكون عاجزاً، ضعيفاً، ضيقاً قلبه.

الثاني عشر: السخاء، يوضع الحقوق في مواضيعها، فلا يمنع أهل الحقوق حقوقهم، وعليه التحري في ذلك، لأن منع المستحق حيف وميل عن الحق، تسقط به العدالة.

الثالث عشر: السلامة من المنفرات كالجذام والبرص، وغير ذلك مما ينفر، ليتمكن من مخالطة المسلمين.

٦٩

الرابع عشر: سلامة الحواس والأطراف، فلا يكون أعمى، ولا أصم، ولا أشل، ولا أعرج، ولا على صفة تعجزه عن أمر تدبير أمور المسلمين، إلا الأمر اليسير، الذي لا يمنع القيام بأمور الأمانة(١).

وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني(٢)(٤١٩ - ٤٧٨ هـ‍/ ١٠٢٨ - ١٠٨٥ م)، فيقول: فمنها النسب، فالشرط أن الإمام قرشي، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو، وليس ممن يعتبر خلافه ووفاته، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض، المقطوع بثبوته، من حيث أن الأمة تقبلته بالقبول.

ثم يقول الجويني: وهذا مسلك لا أؤثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك، أننا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور، واليقين المبتوت، بصدر هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة.

والوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك: أن الماضين ما زالوا بايحين باختصاص هذا المنصب بقريش، ولم يتشوق قط أحد من غير قريش إلى الإمامة على تمادي الآماد، وتطاول الأزمان، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكناً لطلبه ذوو النجدة والبأس(٣).

(١) أحمد صبحي: المذهب الزيدي - الإسكندرية ١٩٨١ ص ٤٣ - ٤٥.

(٢) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة - قطر - ١٤٠٠ هـ‍ص ٧٦ - ٨٢.

(٣) كان شرط النسب القرشي مرعياً كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف، واستبداد الأمراء فيهم، حتى جردوهم من كل قوة دنيوية، وأنشأوا الدول دونهم، ولقبوا أنفسهم بالسلاطين، رغم ذلك كله، لم يخطر ببال أحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه خليفة.

=>

٧٠

على أن الإمام الجويني إنما يتردد كثيراً في إثبات شرط النسب القرشي، فيقول: ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ثم يعود فيقول:

ولكن خصص الله هذا المنصب العلي، والمرقب السني بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهكذا يقف إمام الحرمين - كما يقول الدكتور عبد العظيم الديب محقق الكتاب - تجاه اشتراط النسب في الإمام، فلا يرى له مستنداً من النقل، ولا من العقل، بل إنه قد أعلن تردده صراحة في كتابه الإرشاد حيث قال: ومن شرائط الإمام عند أصحابنا (يعني الشافعية) أن يكون الإمام قرشياً، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، وقال: قدموا قريشاً ولا تقدموها وهذا ما يختلف فيه الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب.

فهو يحكي هذا الشرط، والاستدلال عليه عن أصحابنا - أي عن الشافعية - ثم يقول صراحة: وللاحتمال فيه عندي مجال، ونحن إذ نسجل لإمام الحرمين عدم ارتياحه لهذا الشرط، نذكر أن من القائلين به، شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ‍/ ١٢٦٣ - ١٣٢٨ م)(١).

<=

وهكذا نرى دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم قد استقلوا في دولهم، بل منهم من غلب على الخلفاء، ولكنهم لم يتطاولوا إلى أكثر من لقب السلطان، بل كانوا يتزلفون إلى الخلفاء ليثبتوهم في الحكم، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في مصر، فقد استولى على الحكم بعد آخر خليفة فاطمي، وعندما أراد أن يستقل بمصر، دعا على المنابر للخليفة العباسي، ولم يسم نفسه خليفة، وإنما لقب بالسلطان.

وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان سليم الفاتح العثماني عام ٩٢٢ هـ‍ (١٥١٧ م) بعد أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة، وبذلك جعل سليم الأول (١٤٦٧ - ١٥٢١ م)، سلطان تركيا (١٥١٢ - ٢١٥٢١ م) نفسه خليفة للمسلمين، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب.

هذا ويحتج الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان (٩٢٢ - ٢١٣٤٢ هـ‍/ ١٥١٧ - ١٩٢٤ م) أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق (حق السيف - حق الانتخاب - حق الوصاية - حماية الحرمين - الاحتفاظ بالأمانات - وهي المخلفات النبوية الشريفة، المحفوظة في الأستانة (أنظر:

جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي ١ / ١٢١ - ١٢٢ - مكتبة الحياة - بيروت).

(١) الجويني: الغياثي ص ٨٢.

٧١

وعلى أية حال، فإن من الشروط اللازمة المعتبرة - عند الجويني - في الإمام، الذكورة والحرية ونحيزة العقل والبلوغ، ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات.

وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة: فالعلم والورع.

فأما العلم: فالشرط أن يكون الإمام مجتهداً، بالغاً مبلغ المجتهدين، مستجمعاً صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف، والدليل عليه أن أمور معظم أصول الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر، فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع، فقد يتعلق به من جهة انتدابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج لمراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال.

وأما التقوى والورع، فلا بد منهما، إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق - مع حدبه وإشفاقه على ولده - لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق، لا يتقي الله، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه، فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام(١).

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر(٢).

وروى الإمام مسلم في صحيحه في حديث زهير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا

(١) نفس المرجع السابق ص ٨٢ - ٨٨.

(٢) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص ٢٥ (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٣٧٩ هـ‍/ ١٩٦٠ م).

٧٢

يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا(١).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه(٢).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عياض بن حماد، رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة ثلاثة، سلطان مقسط، ورجل رحيم، رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق(٣).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء، ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، قال: إني أخاف، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله، ما صنعت يمينه(٤).

وأما الصفة الثالثة اللازمة للإمام، فهي توقد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل، ويهذبها التدرب في طريق التجارب.

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢١١.

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ - ١٢٢ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣ هـ‍/ ١٩٨٣).

(٣) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص ٢٥.

(٤) صحيح البخاري ٨ / ٢٠٣.

٧٣

وهناك النجدة والكفاية، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة، إنما هو جمع شتات الرأي، واستتباع رجل... فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد، لم ينتظم تدبير، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير....

وإذا تبين الغرض من نصب الإمام، لاح أن المقصود لا يحصل، إلا بذي كفاية ودراية، وهداية إلى الأمور، واستقلال بالمهمات، وجر الجيوش، على ترك الرقة والإشفاق، ثم لا يكفي أن يسمى كافياً، فرب مستقل بأمر قريب، لا يستقل بأمر فوقه، فلتعتبر مقاصد الإمامة، وليشترط استقلال الإمام بها، فهذا معنى النجدة والكفاية(١).

وسئل الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤٠ هـ‍/ ٧٨٠ - ٨٠٥ م) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي: بأقوام لا خلاق لهم، فإذا لم يكن فاجراً، كان أولى بإمارة الحرب، ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: إن خالداً سيف سله الله على المشركين، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم(٢).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا:

(١) الجويني: الغياثي ص ٨٨ - ٩١.

(٢) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص ١٨ - ١٩.

٧٤
٧٥

ويختم الجويني حديثه في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام، بأنه الرجل، الحر، القرشي، المجتهد، الورع، ذو النجدة والكفاية.

ثم يقول: ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين، فيقال: الورع الاستقلال والنسب، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية، والعلم، والورع، والحرية، والذكورة تدخل أيضاً، فإن المرأة مأمورة بإن تلزم جدرها، ومعظم أحكام الإمام تستدعي الظهور والبروز، فلا تستقل المرأة إذن(١).

(١) الجويني: المرجع السابق ص ٩٠ - ٩١.

٧٦

خامساً: عقد الإمامة

جاء في موسوعة فقه عثمان بن عفان: تنعقد الإمامة عند عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بأحد أمرين: المبايعة أو الغلبة.

١ - المبايعة: وبالمبايعة عقدت الإمارة للخليفتين أبي بكر وعمر، صحيح أن أبا بكر قد رشح عمر بن الخطاب للخلافة، ولكن عمر لم يعتبر نفسه خليفة، وحتى تلقى البيعة من المسلمين، وكانت البيعة لعثمان بن عفان، على نحو آخر، فقد جعل عمر بن الخطاب الإمارة بعده إلى واحد من ستة، يختار من بينهم بالشورى، وهم: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء بالتعيين، وقال: لا أتحمل أمركم حياً وميتاً، وإن يرد الله بكم خيراً، يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم.

ولما اجتمع هؤلاء الستة تنازل الزبير عن الإمارة لصالح علي بن أبي طالب، وتنازل سعد عن الإمارة إلى عبد الرحمن بن عوف، وتنازل طلحة لصالح عثمان بن عفان، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان، أيكما يبرأ من هذا الأمر، فنفوض الأمر إليه، فسكتا، ولم يتنازل واحد منها للآخر، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد، فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل،

٧٧

وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، فقال كل منهما: نعم.

ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما، ويحصي الآراء، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فظهر له تفضيل الناس ولاية عثمان بن عفان، فاستدعاهما إلى المسجد، وأعلن البيعة لعثمان بن عفان، على ملأ من الناس، وبذلك صار عثمان بن عفان أميراً للمؤمنين بعد عمر بن الخطاب(١).

٢ - الغلبة: عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يرى أنه إذا خرج رجل على الأمير، واستتب له الأمر، وصار معه الناس، أصبح أميراً شرعياً، لا تجوز مخالفته، فعن عبد الله بن رباح قال: دخلت أنا وأبو قتادة على عثمان وهو محصور، فاستأذناه في الحج، فأذن لنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد حضر من أمر هؤلاء ما قد ترى، فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالجماعة، قلنا: فإنا نخاف أن تكون الجماعة مع هؤلاء الذين يخالفونك، قال: إلزموا، الجماعة حيث كانت، قال: فخرجنا من عنده، فلقيت الحسن بن علي داخلاً عليه، فرجعنا معه لنسمع ما يقول، قال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، فأمرني بأمرك، قال: إجلس يا ابن أخي حتى يأتي الله بأمره، فإنه لا حاجة لي في الدنيا، أو قال: في القتال، وهذا واضح في أن من صارت الغلبة إليه، واجتمع عليه أمر الناس صار إماماً شرعياً(٢).

ويقول الباقلاني: إنما يصير الإمام إماماً بعقد من يعقد له الإمامة من

(١) محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - نشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة ١٤٠٤ هـ‍/ ١٩٨٣ ص ٧٢ - ٧٣، ابن كثير: البداية والنهاية ٧ / ١٤٥ ثم قارن: (محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب ص ١٦٣ - ١٧٣ من الجزء الأول - بيروت ١٩٩٠).

(٢) موسوعة فقه عثمان بن عفان ص ٧٤، مصنف عبد الرازق ١١ / ٤٤٧.

٧٨

أفاضل المسلمين، الذين هم من أهل الحل والعقد، والمؤتمنين على هذا الشأن، وذلك عن طريق اختيار من تتوفر فيه شروط الإمامة.

ولعل السبب في ذلك أن اجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار المسلمين بصقع واحد، وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع، وأن الله تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع، الذي لا يصح فعله ولا تركه، هذا فضلاً عن أن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، حضور جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين، ولا في المدينة أيضاً، وأن عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة أنفار فقط، وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد، وأن أبا بكر عقد لعمر، فتمت إمامته.

هذا ويذهب الباقلاني إلى عدم اشتراط عدد معين لحضور عقد الإمام، فإن حضر نفر من المسلمين تمت البيعة، وقال قوم: إن أقل ما يجب أن يحضر أربعة نفر، ولكن الباقلاني يرى أن هذا ليس بواجب، ولا يملك الرجل من أهل الحل والعقد، عقد الإمامة لنفسه.

وإذا عقد جماعة من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في بلدان مختلفة متفرقة، وكانوا كلهم يصلحون للإمامة، فإذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود، وتؤملت، ويقر من بدئ بالعقد له، ويقال للباقين: إنزلوا عن الأمر، فإن فعلوا، وإلا قوتلوا على ذلك، وكانوا عصاة في المقام عليها، وإذا لم يعرف الأسبق، وادعى كل واحد منهم أن العقد سبق له، أبطلت سائر العقود، واستؤنف العقد لواحد منهم، أو من غيرهم، وإن أبوا ذلك، قاتلهم الناس عليه، فإن تمكنوا، وإلا فهم في غلبة وفتنة، وعذر من ترك إمامة الإمام، وإن تمكن من العقد لغيرهم، فعل ذلك، وكان الإمام المعقود له حرباً لسائر هؤلاء، حتى يذعنوا، ويرجعوا إلى الطاعة والسداد(١).

(١) القاضي أبو بكر الباقلاني: تمهيد الأوائل، وتلخيص الدلائل - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر - بيروت ١٩٨٧ ص ٤٦٧ - ٤٧٠.

٧٩

وأما عقد الإمامة - عند ابن حزم - فبوجوه: أولها، وأفضلها وأصحها: أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره، إماماً بعد موته - سواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته - إذ لا نص، ولا إجماع، على المنع من أحد الوجوه - كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر -.

والثاني: إن مات الإمام، ولم يعهد إلى أحد، أن يبادر رجل مستحق للإمامة، فيدعو لنفسه، ولا منازع له، ففرض أتباعه، والانقياد لبيعته، والتزام إمامته وطاعته، كما فعل علي، إذ قتل عثمان.

والثالث: يعهد الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة، أو إلى أكثر من واحد، كما فعل عمر رضي الله عنه، وقد انعقد الإجماع بالنسبة للطريقة الأخيرة، على عدم جواز أن يؤخر اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليال، منذ اللحظة التي مات فيها الخليفة، استدلالاً بما أشار به عمر على المسلمين في هذا النطاق(١).

ويعقب الدكتور أحمد صبحي في كتابه الزيدية على ذلك، بأن كلام ابن حزم، إنما ينطوي على مجموعة أخطاء تاريخية وتشريعية.

فأما الأخطاء التاريخية: فاعتباره تولية أبي بكر نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما لم تقل به فرقة من المسلمين - عدا البكرية للرد على الشيعة - هذا إلى جانب إشارته إلى أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما قد نصب نفسه خليفة، والحقائق التاريخية تقول: إن الناس قد انثالوا عليه من كل جانب يبايعونه، بعد مقتل عثمان، ودون إكراه من أحد، وقد كان أولى بابن حزم أن يعد هذه أصح طرق البيعة(٢).

(١) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل - الجزء الخامس - (ط محمد علي صبيح - القاهرة ١٩٦٤) ص ٩ - ١٠.

(٢) أحمد محمود صبحي: الزيدية - منشأة المعارف - الإسكندرية ١٩٨٠ ص ٢٦ - ٢٧.

٨٠