×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 2 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(والحمد لله رب العالمين)
(والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين)
(مولانا وسيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين)

(اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلي آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد).



٦
٧

تقديم

تحدثنا في الجزء الأول من كتابنا هذا (الإمامة وأهل البيت) عن الإمامة، ثم عن التشيع لآل البيت النبوي الشريف. ونتابع - بمشيئة الله تعالى - في هذا الجزء الثاني مسيرتنا مع آل البيت، فنتحدث عن الإمام علي وأحقيته في الإمامة، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة، ثم نتحدث عن الأئمة خلفاء الإمام علي في الجزء الثالث.

والله تعالى أسأل، أن يجنبنا الزلل، وأن يشملنا برحمته وغفرانه، وأن يعفو عنا - عن أخطائنا - وأن يجعل في هذه الدراسة (في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين) - بأجزائها التي امتدت حتى أصبح هذا الجزء يمثل فيها (الجزء الحادي عشر) - أسأل الله تعالى أن يجعل فيها بعض النفع، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا، محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المكرمين.

والحمد لله حمدا يليق بجلاله، ويقربنا إلى مرضاته سبحان، فيقبلنا - بمنه وكرمه - في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عبادا لله قانتين، وللنبي الأمي الكريم تابعين، وبهديه مقتدين، إنه سميع قريب، مجيب الدعوات، رب العالمين.

بولكلي - رمل الإسكندرية في أول يناير ١٩٩٣ م الثامن من رجب عام ١٤١٣ هـ:
دكتور محمد بيومي مهران
الأستاذ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية

٨
٩

الباب الثالث
الإمام علي والإمامة

أولا - من خصائص الإمام علي:

الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، سيد القوم، محب المشهود، ومحبوب المعبود، باب مدينة العلم والعلوم ورأس المخاطبات، ومستنبط الإرشادات، راية المهتدين، ونور المطيعين، وولي المتقين، وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيمانا، وأقومهم قضية وإتقانا، وأعظمهم حلما، وأوفرهم علما، قدوة المهتدين، وزينة العارفين، المنبئ عن حقائق التوحيد، المشير إلى لوامع علم التفريد، صاحب القلب العقول، واللسان السؤول، والأذن الواعي، والعهد الوافي، فقاء عيون الفتن، ووقي من فنون المحن، فدفع الناكثين، ووضع القاسطين، ودفع المارقين، الأخيشن في دين الله، الممسوس في ذات الله(١).

والإمام علي هو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره، وابن عمه، وأبو سبطيه - الحسن والحسين - وكاتب وحيه، وحامل رايته، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.

وكان الإمام علي يكنى (بأبي الحسن) - نسبة إلى ولده الإمام الحسن -

(١) أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١ / ٦١ - ٦٢ دار الفكر).

١٠

و (بأبي السبطين - نسبة إلى ولديه - الحسن والحسين - سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكناه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، (بأبي الريحانتين) - الحسن والحسين - لقوله صلى الله عليه وسلم،:

(سلام عليك يا أبا الريحانتين) و (بأبي تراب)، وذلك عندما وجده نائما في المسجد النبوي الشريف، فأيقظه ومسح التراب عنه، وقال له: (قم يا أبا تراب)، وكانت تلك أحب كنى الإمام علي، وأقربها إلى قلبه، لأنها تسمية من حبيبه وكافله، وقدوته ومثله الأعلى، ولأنها اقترنت بمسحه بيده الشريفة، التي أزال التراب بها عن بدنه الطاهر.

وقد فسق ناس من بني أمية عن أمر ربهم، فأذاعوا بين من تبعهم من الناس على غيهم، أن هذه الكنية إنما تدل على الحط من مكانة الإمام علي، عند النبي صلى الله عليه وسلم، فساء قولهم، كما ساء فعلهم.

والإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - هو رابع الخلفاء الراشدين، وأول الخلفاء الهاشميين، علم العلماء، وفارس الفرسان، وخطيب الخطباء، وأزهد الزهاد، أول الناس إسلاما، وأول من شرى نفسه في الله، ليلة الهجرة المباركة، وأول هاشمي يولد من أبوين هاشميين، هما أبناء عم في نفس الوقت، وقد ولد في الكعبة المشرفة، حوالي عام ٦٠٠ م (٢٣ قبل الهجرة)، وتوفي في الكوفة شهيدا في ١٧ رمضان سنة ٤٠ هـ (٢٥ يناير ٦٦١ م).

هذا وقد تميز الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - على غيره من أقرانه - فضلا عن أن يكون ذلك على أمة الإسلام جميعا - بميزات ثلاث هي:

١ - ثناء النبي صلى الله عليه وسلم، على الإمام علي أكثر من غيره من الصحابة:

لقد أثنى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ربيبه، وابن عمه، وزوج ابنته الزهراء، وأبو سبطيه، الإمام علي بن أبي طالب، بما لم يثن به على غيره من الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم.

١١

روى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال:

(سمعته يقول: ليس من آية في القرآن، يا أيها الذين آمنوا، إلا وعلي رأسها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن، وما ذكر عليا إلا بخير) (وذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى، وفي الرياض النضرة)(١).

وروى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: (ما أنزل الله آية فيها (يا أيها الذين آمنوا)، إلا وعلي على رأسها وأميرها)(٢).

وفي تاريخ الخلفاء: وأخرج (الطبراني)(٣)وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل (يا أيها الذين آمنوا)، إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان، وما ذكر عليا إلا بخير(٤)، وأخرج (ابن عساكر)(٥)، عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى، ما

(١) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة ٢ / ٦٥٤ - حديث رقم ١١١٤ (بيروت ١٩٨٣).

(٢) حلية الأولياء ١ / ٦٤.

(٣) الطبراني: هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، ولد عام ٢٦٢ هـ (٨٧٣ م) في عكا، وتوفي في أصبهان عام ٣٦٠ هـ (٩٧١ م)، أصل أبويه من طبريه، تلقى الحديث على ألف شيخ، أو يزيدون، على مدى ٣٠ سنة، وأما أهم آثاره (المعجم الكبير في أسماء الصحابة - المعجم الأوسط - المعجم الصغير - مكارم الأخلاق - فضل الرمي وتعليمه - كتاب الأوائل - كتاب الدعاة - الأحاديث الطوال حديث لأهل البصرة) وأهم مصادر ترجمته (أخبار أصبهان لأبي نعيم ١ / ٣٣٥ - ٣٣٦، التهذيب لابن عساكر ٦ / ٢٤٠ - ٢٤٢، تذكرة الحفاظ للذهبي ص ٩١٢ - ٩١٧، ميزان الاعتدال للذهبي ١ / ٤٠٨ - ٤٠٩، الأعلام ٣ / ١٨١، معجم المؤلفين ٤ / ٢٥٣، البداية والنهاية ١١ / ٢٧٠، مرآة الجنان للشافعي ٢ / ٣٧٢، لسان الميزان لابن حجر ٣ / ٧٣ - ٧٥، وفيات الأعيان ٢ / ٤٠٧، شذرات الذهب ٣ / ٣٠، سزكين: تاريخ التراث العربي ١ / ٣٩٣ - ٣٩٦).

(٤) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٧١، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص ١٩٦.

(٥) ابن عساكر: هو الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله أبي الحسن بن عبد الله بن الحسين المعروف (بابن عساكر) الدمشقي الملقب (ثقة الدين)، كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان فقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، ولد في أول المحرم عام ٤٩٩ هـ، وتوفي في ١١ رجب عام ٥٧١ هـ بدمشق، كتب تاريخ دمشق في ثمانين مجلدا، كما كتب الموافقات والأطراف للسنن ومعجم شيوخه ومناقب الشبان وفضل أصحاب الحديث،

=>

١٢

نزل في علي، وأخرج (ابن عساكر) عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية(١).

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية(٢). وروى الحاكم في المستدرك(٣)بسنده عن محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الفضائل، ما جاء لعلي بن أبي طالب.

وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة، بالأسانيد الحسان، أكثر ما جاء في علي(٤)، وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات: لم يرد لأحد من الصحابة في الفضائل، أكثر مما روي لعلي، رضي الله عنه، وهي ثلاثة أقسام: صحاح وحسان وضعاف(٥).

وقال (ابن عبد ربه) في عقده الفريد: قال بعض العلماء لولده: يا بني، إن الدنيا لم تبن شيئا، إلا هدمه الدين، وإن الدين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا: ألا ترى أن قوما (يعني معاوية وبني أمية) لعنوا عليا، ليخفضوا منه، فكأنما أخذوا بناصيته إلى السماء(٦).

وروى عبد الله بن عثمان الثقفي قال: حدثنا ابن أبي سيف قال: قال ابن

<=

وتبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأما أهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان ٣ / ٣٠٩ - ٣١١، شذرات الذهب ٤ / ٢٣٩ - ٢٤٠، ومعجم الأدباء ١٣ / ٧٣، وطبقات السبكي ٤ / ٢٧٣، البداية والنهاية ١٢ / ٢٩٤ وعبر الذهبي ٤ / ٢١٢).

(١) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٧١، الصواعق المحرقة ١٩٦.

(٢) تاريخ بغداد ٦ / ٢٢١.

(٣) المستدرك للحاكم ٣ / ١٠٧.

(٤) نور الأبصار ص ٨١، إسعاف الراغبين ص ١٥٠، الإستيعاب لابن عبد البر ٣ / ٥١، ابن قتيبة:

الإمام والسياسة ص ٩٣، النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص ٧، الصواعق المحرقة ص ١٨٦.

(٥) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص ١٨٦.

(٦) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ١١٥ (بيروت ١٩٨٣).

١٣

لعامر بن عبد الله بن الزبير لولده: لا تذكر يا بني عليا إلا بخير، فإن بني أمية لعنوه على منابرهم ثمانين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، إن الدنيا لم تبن شيئا قط، إلا رجعت على ما بنت فهدمته، وإن الدين لم يبن شيئا قط، وهدمه(١).

ولعل السبب في ذلك - فيما يرى السيد السمهودي في (جواهر العقدين) - إن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم، على ما يكون بعده، مما أبتلي به الإمام علي، وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة، فاقتضى ذلك نصح الأمة، بإشهاره بتلك الفضائل، لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الخلاف، والخروج على الإمام علي، نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل، وبثها نصحا للأمة أيضا.

ثم لما اشتد الخطب، واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيص الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وسبه على المنابر، ووافقهم الخوارج - لعنهم الله - بل قالوا: بكفره، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة، ببث فضائله: حتى كثرت نصحا للأمة، ونصرة للحق(٢).

وأخرج السلفي في (الطيوريات) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:

سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: إعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فأطروه كيادا منهم له(٣).

وهكذا اهتم العلماء بتعداد مناقب الإمام علي وخصائصه منذ القدم، وقد لخص (الزمخشري)(٤)(٤٦٧ - ٥٣٨ هـ) - الإمام الكبير في التفسير والحديث

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢١ (بيروت ١٩٦٧).

(٢) نور الأبصار ص ٨١، الصواعق المحرقة ص ١٨٦.

(٣) السيوطي تاريخ الخلفاء ص ١٩٩.

(٤) الزمخشري (أنظر عن مصادر ترجمته: وفيات الأعيان ٥ / ١٦٨ - ١٧٤، لسان الميزان ٦ / ٤،

=>

١٤

والنحو واللغة وعلم البيان - شيئا منها، فيما صنفه عن مناقب العشرة المبشرين بالجنة، وأفرد لها الإمام النسائي(١)(٢١٥ - ٣٠٣) مصنفا خاصا سماه (خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه)(٢)، وكتب (ابن المغازلي) كتابه (مناقب علي بن أبي طالب، رضي الله عنه)، وخصص الإمام أحمد بن حنبل معظم كتابه (فضائل الصحابة)، لمناقب الإمام علي(٣)، هذا فضلا عن الكثير والكثير من الكتب التي صدرت في العصر الحديث عن سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - ومناقبه التي لا تبارى.

ومن المعروف أن بني أمية - وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، مؤسس دولتهم - إنما كانوا يسبون الإمام علي - رضوان الله عليه - وآل بيته، على منابر المسلمين، حتى أن قوما من بني أمية أنفسهم، قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين،

<=

الجواهر المضيئة ٢ / ١٦٠، أبناء الرواة ٣ / ٢٦٥، شذرات الذهب ٤ / ١١٨ - ١٢١، عبر الذهبي ٤ / ١٠٦، طبقات المعتزلة ص ٢٠.

(١) النسائي: هو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي النسائي، ولد عام ٢١٥ هـ / ٨٣٠ م، وتوفي في الرملة عام ٣٠٣ هـ / ٩١٥ م، وسمع الحديث في خراسان والعراق والشام والحجاز ومصر، وأقام بها وقتا طويلا: ثم سكن دمشق، وقد اتهم بالتشيع، لأنه لما سئل عن فضائل معاوية قال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفاضل، وفي رواية: ما أعرف له فضيلة، ألا لا أشبع الله بطنه، فأخرجوه من المسجد، وقد اشتهر بكتاب (السنن)، وكتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكتاب الضعفاء والمتروكين، وكتاب تسمية فقهاء الأمصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان ١ / ٧٧ - ٧٩، تذكرة الحفاظ ص ٦٩٨ - ٧٠١، شذرات الذهب ٢ / ٢٣٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ٨٣ - ٨٤، البداية والنهاية ١١ / ١٢٣ - ١٢٤، مرآة الجنان للشافعي ٢ / ٢٤٠ - ٢٤١، الأعلام ١ / ١٦٤، معجم المؤلفين ١ / ٢٤٤، حسن المحاضرة للسيوطي ١ / ١٩٧ - ١٩٨، التهذيب لابن حجر ١ / ٣٦ - ٣٩.

(٢) أنظر: النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه (دار الباز - بيروت ١٩٨٣).

(٣) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة (١ / ٥٢٨ - ٥٥١، ٢ / ٥٥٥، ٧٣٨) - بيروت ١٩٨٣ - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

١٥

إنك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل (أي الإمام علي)، فقال: لا والله، حتى يربو عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا(١).

ويحدثنا الإمام الطبري في تاريخه(٢): أن معاوية بن أبي سفيان قال للمغيرة بن شعبة - حين ولاه الكوفة - (وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها، اعتمادا على بصرك، بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تتحم (لا تتورع) عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان، رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم، فقال المغيرة: قد جبرت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع، ولا رفع ولا وضع، فستبلو، فتحمد أو تذم، قال: بل نحمد، إن شاء الله.

وأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا، وهو من أحسن سيرة: وأشد حبا للعافية: غير أنه لا يدع ذم علي: والوقوع فيه(٣).

واستمرت هذه المهزلة الأموية - أو قل الخسيسة المعاوية - دونما وازع من دين أو خلق، فأما الدين فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: - كما في رواية البخاري - (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)(٤)، وأما في الخلق، فإن سب الموتى دناءة، خاصة إذا كان هذا الميت هو الإمام علي بن أبي طالب، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن المعروف أن معاوية قد فعل الاثنين مع الإمام علي (السب والقتال).

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٤ / ٥٧ (بيروت ١٩٧٩).

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٢٥٣ - ٢٥٤ (دار المعارف - القاهرة ١٩٧٩).

(٣) أنظر: شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٩ - ٧٠.

(٤) صحيح البخاري ٩ / ٦٣.

١٦

وعلى أية حال، فلقد استمر معاوية وخلفاؤه الأمويون يشتمون ويلعنون أفضل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، على منابر المساجد في كل جمعة، وفي كافة أنحاء العالم الإسلامي - وفي مكة والمدينة بوجه خاص - حتى كان عهد الخليفة الراشد (عمر بن عبد العزيز) (٩٩ - ١٠١ هـ / ٧١٧ - ٧٢٠) - رضوان الله عليه -

ورغم أن الرجل أموي، فقد كان على غير سنة قومه، ولم يقترف بدعتهم هذه، فترك لعن الإمام علي على المنابر، وجعل مكانه قوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان * ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)(١)، وقيل قول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى * وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)(٢)وقيل: بل جعلهما معا، فاستعمل الناس ذلك في الخطبة إلى يوم الناس هذا.

ومن عجب أن الإمام علي إنما كان يعلم أن معاوية سيجبر الناس على سبه، فقال: (أما إنه سيظهر بعدي رجل، رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه، ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني، فإنه لي زكاة، ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة)(٣).

ولم يكتف معاوية بذلك، وإنما طلب من عبد الله بن عباس أن لا يتحدث عن فضائل الإمام علي وآل البيت، فقال: (قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي، فكف لسانك، قال ابن عباس: أتنهانا يا معاوية عن قراءة القرآن، قال معاوية: لا، قال ابن عباس: أتنهانا عن تأويله - أي تفسيره - قال معاوية:

نعم، قال ابن عباس: أنقرأه ولا نسأل عما أراد الله بكلامه، وأيهما واجب علينا

(١) سورة الحشر: آية ١.

(٢) سورة النحل: آية ٩.

(٣) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٤ / ٥٤، الإمام محمد عبده: نهج البلاغة ص ٧٢ (كتاب الشعب).

١٧

قراءة القرآن أو العمل به؟ فقال معاوية: العمل به، قال ابن عباس: كيف نعمل به، ونحن لا نعلم ما عنى الله، قال معاوية: سل عن تفسيره غيرك، وغير آل بيتك، قال ابن عباس: نزل القرآن على أهل بيتي، فنسأل عنه آل أبي سفيان، أتنهانا يا معاوية، أن نعبد الله بالقرآن، بما فيه من حلال وحرام، إن الأمة، إذا لم تسأل عن القرآن، بما فيه من حلال وحرام، وتعمل به هلكت.

قال معاوية: إقرأوا القرآن وفسروه، ولكن لا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك، قال ابن عباس: إن الله يقول: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم * ويأبى الله إلا أن يتم نوره * ولو كره الكافرون)(١).

قال معاوية يا ابن عباس، إربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لا بد فاعلا، فليكن ذلك سرا، لا يسمعه أحد علانية، ثم رجع معاوية إلى بيته، وبعث إلى ابن عباس بمائة ألف درهم، ونادى مناديه: (أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته)(٢).

وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله، بعد عام الجماعة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب (أي الإمام علي) وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون عليا، ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، لأنه كان منهم على أيام علي عليه السلام، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل

(١) سورة التوبة: آية ٣٢.

(٢) محمد جواد مغنية: أهل البيت: منزلتهم ومبادئهم عند المسلمين ص ١٣٦ - ١٣٧ (بيروت ١٩٨٤).

١٨

العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى جميع عماله في الآفاق: (أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة). وكتب إليهم: (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، الذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوهم إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته)(١).

ثم كتب إليهم (لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب (أي الإمام علي)، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضائله)(٢).

وهكذا أصبح الرواة يتحرجون من الرواية عن أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي - وكان الإمام علي، كما هو معروف، أقضى الصحابة وأعلمهم، وهو باب مدينة العلم، وكانت له روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لازمه أطول مدة متصورة، بل إن الإمام - وقد قدر له أن يربى في حجر النبوة، وأن يشهد مطلع الرسالة الإسلامية من يومها الأول، وأن يتلقى من فم النبي صلى الله عليه وسلم، مفتتح الرسالة ومختتمها، وما بين مفتتحها ومختتمها، مما نزل به الوحي من آيات الله - كان من ثم أوفر الناس - من زوج وولد وصاحب - حظا، وأطولهم صحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنذ ولد الإمام علي، وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، - قبل النبوة وبعدها - لم يفترق عنه في سلم أو حرب (ما عدا تبوك)، وفي حل أو سفر، وتحت سمعه وبصره، إلى أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالرفيق الأعلى،

(١) ابن أبي الحديد: نهج البلاغة ١١ / ٤٤ (بيروت ١٩٦٧).

(٢) شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٥.

١٩

وهو على صدر علي، حيث سكب آخر أنفاسه الشريفة في الحياة(١).

ولا ريب في أن رجلا كالإمام علي، لا بد أن نفترض أن عنده علم كثير أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الحكم الأموي ما كان أبدا حريصا، على أن ينقل علم الإمام وأقضيته وأحكامه إلى الناس - كما نقل قضاء عمر، وأحكام أبي بكر مثلا - ومن ثم يسوغ لنا أن نقول إن علم الإمام علي لم ينقل كله على ألسنة رواة السنة، وإذا كان ما نقلوه عنه ليس بالقليل، فإنه ليس كله، وآراؤه في الحكم لا بد أنها كانت تحارب من الأمويين في الشام(٢).

ورغم ذلك كله، فإن النور يلوح للناظر حجة قائمة، وبيانا واضحا، ينادي (علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيثما دار)، ومن ثم فقد قيل:

(ماذا أقول في رجل، كتم أعداؤه فضائله حسدا له، وكتم أحباؤه فضائله خوفا على أنفسهم، وظهر ما بين ذين وذين ما ملأ الخافقين)(٣).

وقال أبو أحمد العسكري: يقال إن الأوزاعي لم يرو في الفضائل غير حديث واحد، وكذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثا واحدا، كانا يخافان بني أمية(٤)، وروى ابن سعد في طبقاته عن مالك بن دينار (ت ١٣١ هـ) قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنك لرخو اللبب، فقال له معبد الجهني: أنا أخبرك، كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال أخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه(٥).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مالك بن دينار قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: يا أبا عبد الله من كان يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:

(١) عبد الكريم الخطيب: علي بن أبي طالب - بقية النبوة وخاتم الخلافة - بيروت ١٩٧٥.

(٢) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص ٩٠.

(٣) مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص ١٢٩ (بيروت ١٩٧٧).

(٤) أسد الغابة ٢ / ٢١.

(٥) طبقات ابن سعد ٣ / ١٥.

٢٠