×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 2 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فنظر إلي وقال: كأنك رضي البال، فغضبت وشكوته إلى إخوانه من القراء، قلت: ألا تعجبون من سعيد أني سألته: من كان يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنظر إلي وقال: إنك لرضي البال، قالوا: رأيت حين تسأله، وهو خائف من الحجاج قد لاذ بالبيت، كان حاملها علي(١).

وقد أدى ذلك كله إلى أن يهمل العلماء والذين رووا الحديث، الرواية عن أهل البيت إلى حد كبير، فضاع علم كثير، وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن خسارة الإسلام والمسلمين أكثر، بضياع علم بيت النبوة، الذي أخذه الإمام علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو - كما سنرى - أعلم الصحابة وأقضاهم.

على أن بعض أصحاب كتب الحديث، إنما كان لهم موقف خاص من الرواية عن آل البيت، فالإمام البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ / ٨١٠ - ٧٨٠ م) مثلا يرى الإمامية(٢)أنه - مع تعصبه على آل البيت، خصوصا الإمام جعفر الصادق - لم يرو عنه رواية واحدة، مع كثرة الروايات التي تحملها عنه آلاف الرواة الثقاة، ومع إهمال الكثير مما جاء في حق أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب - من الفضائل، فإنه قد أهمل ما هو صحيح على شرطه وأهمل خصوصا حديث الثقلين، الذي رواه العامة والخاصة، من أكثر من ثلاثين صحابيا، فلم يروه في كتابه -.

ومع ذلك، فإن الإمام البخاري، إنما يروي في كتابه الصحيح عن الضعفاء والمتروكين، وعن جماعة طعن عليهم غيره، بل قد روى عن الخوارج والقدرية، وقي مقدمة فتح الباري تكلم في أحوال الرجال الذين روى عنهم البخاري، وطعن عليهم، ورماهم بالضعف وغيره جماعة، كما بحث في

(١) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة ٢ / ٦٨٠ - ٦٨١، وانظر: المستدرك للحاكم ٣ / ١٣٧، والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص ٧٥.

(٢) أنظر: السيد حسين يوسف مكي العاملي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص ١٩٠ - ٢٠٢ (بيروت ١٩٨٧).

٢١

المقدمة في الأحاديث التي رواها غيره من النقاد كالحافظ الدارقطني وغيره(١).

وهكذا منذ أن استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، اجتهدوا بكل حيلة - أيا كانت - في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع منابر المسلمين، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا، حتى حظروا أن يسمي أحد باسمه، فما زاده ذلك، إلا رفعة وسموا، وكان كالمسك، كلما استر، انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار، إن حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة.

والحق: ما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو أصل الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلى حلبتها، كل من بزغ فيها من بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.

٢ - لقب عليه السلام للإمام علي وبعض أهل البيت:

من المعروف أن لقب (عليه السلام) إنما يطلق في الغالب الأعم، على الأنبياء عليهم السلام، ولكن كثيرا من كتب الحديث والسير والمغازي تطلق لقب (عليه السلام) على الإمام علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وبعض أهل البيت ولعل السبب في ذلك ربما لأنهم أهل بيت لا يقاس بهم، كما قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهم أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي.

(١) أنظر: مقدمة فتح الباري ص ٣٨١ - ٤٦٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٩١، السيد حسن الصدر، نهاية الدرر ص ٢٠٣ - ٢٠٤، ضحى الإسلام ٢ / ١١٧ - ١١٨، أضواء على السنة المحمدية ص ٢٥٢ - ٢٥٣، ٢٧٥، ٢٨٣.

٢٢

ولنأخذ على ذلك بعض الأمثلة من كتب الحديث والمغازي والأنساب والدلائل والتاريخ والسير.

ففي كتب الحديث:

نرى الإمام البخاري يروي أحاديث في فضائل أهل البيت، يطلق فيها على الإمام لقب (عليه السلام) من ذلك مثلا ما رواه في صحيحه في (باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع)(١).

بل إن الإمام البخاري إنما يطلق هذا اللقب الجليل كذلك على سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام(٢).

وفي كتب المغازي: نرى الواقدي(٣)، يطلق لقب (عليه السلام) على سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وكرم الله وجهه في الجنة - في كتابه (المغازي) بأجزائه الثلاثة في حوالي سبعين موضعا في صفحات متفرقة.

وفي كتب الأنساب:

نرى البلاذري (ت ٢٧٩ هـ / ٨٩٢ م) يطلق لقب (عليه السلام) على سيدنا

(١) صحيح البخاري ٥ / ٢٠٦.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ٢٤، ٢٥، ٣٦، ١٧٧، ١٨٠، ٦ / ١٢، ١٨.

(٣) الواقدي: كتاب المغازي - تحقيق مارسدن جونس (ط عالم الكتب - بيروت ١٩٨٤) الجزء الأول ص ٢٤، ٥٧، ٧٦، ٨٦، ٩٢، ١٠٠، ١٠٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٢، ٢١٥، ٢٢٦، ٢٢٨، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٥٩، ٢٨٣، ٣٠٧، ٣٣٠، ٣٣٦، ٣٧٢.

الجزء الثاني ص ٤٣١، ٤٧٠، ٤٧١، ٤٩٦، ٤٩٧، ٤٩٨، ٤٩٩، ٥٦٢، ٥٦٣، ٥٦٤، ٦٥٥، ٦٥٦، ٦٥٧، ٦٩٣، ٦٩٤، ٧١٨، ٧٣٨، ٧٣٩، ٧٩٤، ٨٠٠، ٨٢٢، ٨٣٠، ٨٧٣.

الجزء الثالث ص ٨٧٥، ٨٨٢، ٨٩٥، ٩٣٠، ٩٤٣، ٩٨٤، ٩٨٥، ٩٨٧، ٩٨٨، ١٠٧٧، ١٠٧٩، ١٠٨٠، ١٠٨٢، ١٠٨٣، ١٠٨٥، ١٠٨٦، ١٠٨٧، ١٠٨٨، ١١٠٨.

٢٣
٢٤

والحسين، فقد أطلقه البلاذري في أنساب الأشراف(١).

هذا وقد أطلق الإمام الطبري لقب (عليه السلام) على الإمام الحسن بن علي(٢)، والإمام الحسين بن علي(٣)، وكذلك قال ابن الأثير(٤).

وأما (ابن سعد) (١٦٨ هـ / ٧٨٤ م - ٢٣٠ هـ / ٨٤٥ م) فلقد أطلق في طبقاته الكبرى لقب (عليه السلام) على سيدنا الإمام علي بن أبي طالب(٥).

٣ - لقب (علي - كرم الله وجهه):

هذا وقد جاء لقب (كرم الله وجهه) بعد اسم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، في كثير من كتب السيرة النبوية الشريفة - كما في السيرة الحلبية(٦)- فضلا عن كثير من المراجع الحديثة، سواء في السيرة النبوية(٧)، أو في سيرة

(١) أنساب الأشراف للبلاذري ١ / ٣٩٠، ٤٠٤.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ١٥٨، ١٥٩، ١٦٠، ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥، ٤٥٥، ٤٦٧، ٤٧٤، ٨٦٣٣ (٣) تاريخ الطبري ٥ / ٣٤٧، ٣٤٨، ٤٠٧، ٤٠٩، ٤١٣، ٤١٨، ٤٥٣، ٤٥٥، ٤٦٧، ٤٧٤، ٦٣٣.

(٤) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ٢٢٨.

(٥) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٣ / ١٦، ١٧، ١٩، ٢٠، ٢٤، ٢٦، ٢٧ (دار التحرير - القاهرة ١٩٦٩).

(٦) علي بن برهان الدين الحلبي: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون - الشهيرة بالسيرة الحلبية (القاهرة ١٩٦٤) - الجزء الثاني ص ٤١٧، ٤٧١، ٤٧٢، ٤٩٢، ٥١٧، ٥٤٧، ٥٥١، ٥٥٤، ٥٥٧، ٥٦٢، ٥٦٣، ٥٨٢، ٥٨٣، ٥٩٢، ٦١٣، ٦٢٥، ٦٣٧، ٦٤١، ٦٤٢، ٦٤٣، ٦٤٤، ٦٥٩، ٧٠٢، ٧٠٧، ٧٠٨، ٧٠٩، ٧٢٥، ٧٣٤، ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٧، ٧٣٨، ٧٣٩، ٧٤٠، ٧٤٤، ٧٥١، ٧٥٢، ٧٧٥، ٧٨٥، ٧٨٦، ٧٩٢.

الجزء الثالث ص ٦، ٨، ١١، ١٤، ٢٢، ٢٦، ٢٩، ٣٨، ٤٠، ٤٩، ٨٣، ١٠٢، ١٠٤، ١٠٥، ١١٩، ١٣١، ١٣٣، ١٨٥، ٢١٠، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٣١، ٣٣٢، ٣٣٤، ٣١٨، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢٨، ٣٣٦، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٧، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦٧، ٣٨٩، ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٥، ٤٣٧، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٦٠، ٤٦١، ٤٦٣، ٤٧٢، ٤٧٥، ٤٧٦، ٤٧٧، ٤٨٥، ٤٨٦، ٤٨٧، ٤٨٨، ٤٨٩، ٤٩٠، ٤٩٥ ٤٩٨، ٥٠٢، ٥٠٦، ٥٠٧.

(٧) محمد أبو زهرة: خاتم النبيين (دار الفكر العربي - القاهرة) - الجزء الأول ص ٣٢٨، ٥٦٤، ٥٢٧، الجزء الثاني ٦٧٤، ٨٣٧، ٨٣٨، الجزء الثالث ص ٨٩١، ٩١٩، ١٠٤١، ١١٦٥، ١١٦٦، ١١٦٧، ١١٦٨، ١١٦٩، ١١٧٠، ١١٧١، ١١٧٨، ١١٧٩، ١٢١٥.

٢٥

الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة(١).

٤ - لقب الإمام:

اختص الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - من بين جميع الخلفاء الراشدين (أبو بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم) بلقب (الإمام)، ذلك اللقب الذي يطلق - إذا أطلق - فلا ينصرف إلى غيره، من بين جميع الأئمة الذين وسموا بهذه السمة، من سابقيه ولاحقيه -

وربما كان السبب في اختصاص الخليفة الرابع - أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه - بهذا اللقب - دون الخلفاء الراشدين الثلاثة - الصديق والفاروق وذي النورين - رغم أنهم جميعا كانوا خلفاء راشدين، إذا قصدت الخلافة الراشدة بعد النبوة، كما كانوا أئمة مثله، بل وسبقوه في الإمامة، بمعنى الخلافة.

غير أن الإمامة يومئذ، إنما كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا شريك، ولم يكتب لواحد منهم، ليناضل بها علم الدولة الدنيوية، ولا أن يتحيز بعسكر، يقابله عسكر، وصفة تناوشها صفة، ولا أن يصبح رمز الخلافة يقترن بها، ولا يقترن بشئ غيرها.

ومن ثم فكل الخلفاء الراشدين - قبل الإمام علي بن أبي طالب - إمام، حيث لا اشتباه ولا التباس، ولكن الإمام - بغير تعقيب ولا تذييل - هو الإمام، كلما وقع الاشتباه والإلتباس، وذلك هو الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - كما لقبه الناس، وجرى لقبه على الألسنة،

(١) أنظر: (محمد بيومي مهران - الإمام علي بن أبي طالب - جزءان - دار النهضة العربية بيروت ١٩٩٠)، محمد رضا: الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - (دار الكتب العلمية - بيروت).

٢٦

فعرفه به الطفل، وهو يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات، بغير حاجة إلى تسمية أو تعريف(١).

هذا وقد اختص سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، بخاصة أخرى من خواص الإمامة، ينفرد بها الإمام علي، ولا يجاريه فيها إمام غيره، وهي اتصاله بكل مذهب من مذاهب الفرق الإسلامية، فهو منشئ هذه الفرق - أو هو قطبها الذي تدور عليه - وندرت فرقة في الإسلام، لم يكن سيدنا الإمام علي معلما بها منذ نشأتها، أو لم يكن موضوعا لها، ومحورا لمباحثها، تقول فيه، وترد على قائلين.

ولقد اتصلت الحلقات بين الإمام وبين علماء الكلام والتوحيد، كما اتصلت بينه وبين علماء الفقه والشريعة، وعلماء الأدب والبلاغة، فهو أستاذ هؤلاء جميعا بالسند الموصول، ومن ثم فقد قل، أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية - أو حتى العلوم القديمة - لم ينسب إليه - وقل أن تحدث الناس بفضل لم يخلوه إياه، وقل أن يوجه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل، إلا كانت مساهمة له فيه.

وهكذا يمكننا القول - عن يقين، لا ريب فيه - أن لقب (الإمام) إنما هو أحق لقب بسيدنا الإمام علي، وهو أحق الأئمة بلقب (الإمام) - وكرم الله وجهه في الجنة، ورضي الله عنه وأرضاه(٢)-.

ولا ريب في أن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه - إنما فاق في معارفه العلمية، كل أقرانه، حتى أنه سئل ذات يوم: من أين لك كل هذا العلم؟

(١) عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام ص ١٧٤ - ١٧٦ (دار المعارف - القاهرة ١٩٨١).

(٢) نفس المرجع السابق ص ١٧٥ - ١٧٦.

٢٧

فقال الإمام: ليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كان يسأله ويستفهمه:

وكان لا يمر بي شئ من ذلك، إلا سألته وحفظته.

فقال أحد الجالسين: (لقد أعطيت علم الغيب)، فرد الإمام غاضبا: (علم الغيب لا يعلمه إلا الله، وما سوى ذلك، فعلم نبيه صلى الله عليه وسلم، فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتنضم عليه جوارحي). وكان الإمام علي عليه السلام يقول: إني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله، وسنة نبيه ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله، فحق عليكم طاعتي، فيما أحببتم وكرهتم(١).

والخلاصة أن المؤلفات التي تكتب عن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما تسبق اسمه - في أغلب الأحايين - بلقب (الإمام)، وأحيانا بلقب (إمام الأئمة).

ثانيا: أحقية الإمام علي في الخلافة:

من المعروف أن أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - إنما بويع بالخلافة في سقيفة بني ساعدة في المدينة المنورة يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول عام ١١ هـ (٨ يونية ٦٣٢ م)، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، قد دفن بعد، ومن ثم فلم يشهد الإمام علي بن أبي طالب - وكذا جميع بني هاشم - اجتماع السقيفة هذا، فقد كان رضوان الله عليه مشغولا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، هو وجماعة من بني هاشم، تولوا غلسه وتكفينه، وإنزاله صلى الله عليه وسلم، في قبره الشريف.

وبدهي أن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - لو شهد اجتماع السقيفة لكان له فيه مقال، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم اتجاها آخر، غير اتجاهها الذي سارت فيه، فقد كان الإمام علي - كما كانت شيعته - يرون أنه أحق الناس - كل الناس - بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فقد كان أبدا لا

(١) المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة ٢ / ٢٩٧ (طنطا ١٩٥٣).

٢٨

يشك في أن الأمر له، وأن أحدا من الناس لا ينازعه في الخلافة، ومن ثم فقد قال له عمه العباس بن عبد المطلب: (أمدد يدك أبايعك)، فيقال: عم رسول الله، بايع ابن عم رسول الله، فلا يختلف عليك اثنان)، فقال الإمام، يا عم، وهل يطمع فيها طامع غيري؟ قال: ستعلم، فقال الإمام: (إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج، وأحب أن أصحر به، فسكت عنه)(١).

وفي رواية: يقول العباس للإمام: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة، فدعوناك إلى أن نبايعك، وقلت لك: أبسط يدك أبايعك، ويبايعك هذا الشيخ، فإنا إن بايعناك، لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإذا بايعك بنو عبد مناف، لم يختلف عليك أحد من قريش، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب، فقلت: لنا بجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، شغل، وهذا الأمر فليس نخشى عليه، فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة فقلت: يا عم، ما هذا؟ قلت: ما دعوناك إليه فأبيت، قلت: سبحان الله!

أيكون هذا! قلت: نعم، قلت: أفلا يرد؟ قلت لك: وهل رد مثل ذا قط!)(٢).

وروى البلاذري عن جابر بن عبد الله قال: قال العباس لعلي: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج حتى أبايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا، ويستبد علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون، فلما بويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا علي(٣).

وهكذا نظر الإمام علي - ومعه بنو هاشم جميعا - إلى ميراثهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أحق الناس بالخلافة، فلقد قال أبو بكر للأنصار في اجتماع

(١) أنظر محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب ١ / ١٥٣ - ١٥٤ (بيروت ١٩٩٠).

(٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٨ (بيروت ١٩٦٥).

(٣) البلاذري: أنساب الأشراف - تحقيق محمد حميد الله ١ / ٥٨٣ (القاهرة ١٩٥٩)، وانظر: ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ١ / ١٢ (ط الحلبي - القاهرة ١٩٦٧).

٢٩

السقيفة عن المهاجرين، (هم أولياء النبي وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيه إلا ظالم).

وقال عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - (وإنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبيها من غيركم، إن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر، إلا من كانت النبوة فيهم، وأولي الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، لا ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته:، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة)، ثم بايع عمر أبا بكر، فبايعه الناس، فقالت الأنصار - في رواية للطبري - أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا.

وهكذا إذا سلم الأنصار بحجة المهاجرين - من أنهم أولياء النبي وعشيرته - كانت القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما قربت واتصلت، هي الفيصل الذي يرجع إليه في اختيار من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم(١).

وانطلاقا من كل هذا، فعندما بويع الصديق - رضوان الله عليه - استأخرت يمين الإمام - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وقد أعطى الإمام السبب في وضوح، خلال حواره مع كبار الصحابة - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر -

فقال: (زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم، لما كان محمد صلى الله عليه وسلم منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم

(١) أنظر عن أخبار يوم السقيفة (سيرة ابن هشام ٤ / ٤٨٨ - ٤٩٢، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢١ - ١٦ (بيروت ١٩٧٩) ٦ / ٥ - ٤٥ (بيروت ١٩٦٥)، تاريخ الطبري ٣ / ٢٠١ - ٢٠٧، ٢١٨ - ٢٢٣، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٥ - ٧٠ (القاهرة ١٩٥٢)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٢ / ٣٢٥ - ٣٣٢، ابن كثير: البداية والنهاية ٦ / ٣٤٠ - ٣٤١، البلاذري: أنساب الأشراف ١ / ٥٧٩ - ٥٩١، تاريخ ابن خلدون ٢ / ٨٥٣ - ٨٥٥، سليم بن قيس الهلالي: كتاب سليم بن قيس - أو السقيفة (النجف)، ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ١١ - ١٤ (بيروت ١٩٨٣)، نور الأبصار ص ٥٣، محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص ٤٧ - ٧١ (القاهرة ١٩٦٤)، الفاروق عمر ص ٧٤ - ٧٦، (القاهرة ١٩٦٣)، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي ١ / ٢٠٤ - ٢٠٦ (القاهرة ١٩٦٤).

٣٠

به على الأنصار، إن كانت الإمامة في قريش، فأنا أحق قريش بها، وإلا فالأنصار على دعواهم، نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم مؤمنين).

وقال الإمام: (إنكم تدفعون آل محمد عن مقامه ومقامهم في الناس، وتنكرون عليهم حقهم، أما والله لنحن أحق منكم بالأمر، ما دام فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، القاسم بينهم بالسوية).

فالإمام علي إذن يرى - بل يعتقد - أنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعهد بالخلافة لأحد بذاته، فإن البيت الذي اختارته السماء، ليكون منه النبي المصطفى، إنما هو البيت الذي يختار منه المسلمون خليفتهم، ما دام في رجال هذا البيت من يتمتع بالكفاية الكاملة لشغل منصب الخلافة(١).

وطبقا لرواية (ابن قتيبة) في (الإمامة والسياسة) فقد قال الإمام علي - كرم الله وجهه - عندما أتي به إلى أبي بكر للبيعة: (أنا عبد الله وأخو رسول الله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم، لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم، وأنتم تعلمون).

فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع.

فقال الإمام علي: أحلب حلبا لك شطره، وأشدد له اليوم أمره، يردده

(١) خالد محمد خالد: في رحاب علي ص ١٠٣ - ١٠٤ (دار المعارف - القاهرة ١٩٨٠).

٣١

عليك غدا، ثم قال: والله يا عمر: لا أقبل قولك، ولا أبايعه، فقال له أبو بكر:

فإن لم تبايع، فلا أكرهك.

فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي - كرم الله وجهه - (يا ابن عم، إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر، إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فإن تعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق، في فضلك ودينك، وعملك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك).

فقال الإمام علي كرم الله وجهه، (الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا عن الحق بعدا).

فقال بشير بن سعد الأنصاري: (لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي، قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان)(١).

والواقع أن المنذر بن أرقم، إنما قال - ما قاله بشير بن سعد - يوم السقيفة، في رده على عبد الرحمن بن عوف، عندما قال: يا معشر الأنصار:

(إنكم، وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، فقام المنذر بن أرقم فقال: (ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلا، لو طلب هذا الأمر، لم ينازعه فيه أحد، يعني علي بن أبي طالب)(٢).

(١) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة - تحقيق طه محمد الزيني - الجزء الأول ص ١٨ - ١٩ (ط الحلبي - القاهرة ١٩٦٧).

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٢٣ (دار بيروت - بيروت ١٩٨٠).

٣٢

وروى أبو الحسن علي بن محمد المدائني (١٣٥ هـ / ٧٥٢ م - ٢٣٥ هـ / ٨٥٠ م)(١)عن عبد الله بن جنادة، خطبة الإمام علي، عليه السلام، في أول إمارته، حيث قال فيها:) أما بعد، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم، قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه، دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذا انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا، وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين، منا لذلك، وخشيت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني، أيها الناس، من بيتي، فبايعتموني على شين مني لأمركم، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم...)(٢).

وأما عن الفترة منذ قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى بيعة الإمام بالخلافة، فيلخصها الإمام في قوله الذي رواه ابن الأثير بسنده عن يحيى بن عروة المرادي قال: سمعت عليا، رضي الله عنه، يقول: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر، فاجتمع المسلمون على أبي بكر، فسمعت وأطعت، ثم إن أبا بكر أصيب، فظننت أنه لا يعدلها عني، فجعلها في عمر، فسمعت وأطعت، ثم إن عثمان قتل، فجاءوا فبايعوني، طائعين غير مكرهين، ثم خلعوا بيعتي، فوالله ما وجدت إلا السيف، أو الكفر بما أنزل الله، عز وجل، على محمد صلى الله عليه وسلم)(٣).

(١) أنظر فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي المجلد الأول - الجزء الثاني ص ١٣٩ - ١٤٢ (الرياض ١٩٨٣ - نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية).

(٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ١ / ٣٠٧ (بيروت ١٩٦٥).

(٣) ابن الأثير: أسد الغابة ٤ / ١١٢ (كتاب الشعب - ١٩٧٠).

٣٣

ثالثا - أدلة إمامة الإمام علي بن أبي طالب:

انقسم العلماء في تفسيرهم لأدلة إمامة سيدنا الإمام علي بن أبي طالب إلى فريقين، الواحد: يرى أنها كانت بمثابة توجيهات من النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر:

يرى أنها كانت نصا - بل نصوصا - من النبي صلى الله عليه وسلم.

فأما عن الفريق الأول - وتمثله جمهرة كبيرة من المسلمين من أهل السنة، أو قل من غير الشيعة، يقول الأستاذ العقاد: مهما اختلف الرواة في تأويل الأحاديث النبوية في فضل الإمام علي ومحبته ومنزلته عند الله ونبيه صلى الله عليه وسلم - وهي تعد بالعشرات - فالذي يسعك أن تجزم به من وراء اختلافهم، أن عليا كان من أحب الناس إلى النبي، إن لم يكن أحبهم إليه على الإطلاق.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يغمر بالحب كل من أحاط به، من الغرباء والأقربين، فأي عجب أن يخص بالحب من بينهم إنسانا، كان ابن عمه، الذي كفله وحماه، وكان ربيبه الذي أوشك أن يتبناه، وكان زوج ابنته العزيزة عنده، وكان بديله في الفراش ليلة الهجرة، التي هم المشركون فيها بقتل من يبيت في فراشه، وكان نصيره، الذي أبلى أحسن البلاء في جميع غزواته، وتلميذه الذي علم من فقه الدين، ما لم يعلمه ناشئ في سنه؟

حب النبي صلى الله عليه وسلم، لهذا الإنسان - الإمام علي - حقيقة لا حاجة بها إلى تأويل، ولا إلى تفسير النصوص، لأنها حقيقة طبيعية، أو حقيقة بديهية، قائمة من وراء كل خلاف.

ومما لا خلاف فيه كذلك، أنه صلى الله عليه وسلم، كان لا يكتفي بحبه إياه، بل كان يسره ويرضيه، أن يحببه إلى الناس، وكان يسوءه ويغضبه أن يسمع من يكرهه ويجفوه.

وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يرد على من يشكو الإمام علي بقوله الشريف:

(علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي)، أو بقوله الشريف: (أيها

٣٤

الناس، لا تشكو عليا، فوالله إنه لجيش في ذات الله).

ويلوح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحب الإمام علي، وكان يحببه إلى الناس، ليمهد له سبيل الخلافة في وقت من الأوقات، لكن على أن يختاره الناس طواعية وحبا، لا أن يكون اختياره حقا من حقوق العصبية الهاشمية، فإنه - عليه الصلاة والسلام - قد اتقى هذه العصبية، جهد اتقائه، ولم يحذر خطرا على الدين، أشد من حذره أن يحسبه الناس سبيلا إلى الملك والدولة في بني هاشم - أو في غيرهم - وقد حرم صلى الله عليه وسلم، نفسه من حظوظ الدنيا، وأقصى معظم بني هاشم عن الولاية والعمالة، لينفي هذه الظنة، ويدع الحكم للناس، يختارون من يرضونه له، بالرأي والمشيئة.

فالتزم في التمهيد للإمام علي وسائل ملموحة، لا تتعدى التدريب والكفالة، إلى التقديم والوكالة، أرسله في سرية إلى (فدك) لغزو قبيلة بني سعد اليهودية، وأرسله إلى اليمن للدعوة إلى الإسلام، وأرسله إلى (منى) ليقرأ على الناس سورة براءة، ويبين لهم حكم الدين في حج المشركين، وزيارة بيت الله الحرام، وأقامه على المدينة، حين خرج المسلمون إلى غزوة تبوك.

ولم يفته - مع هذا كله - أن يلمح الجفوة بينه وبين بعض الناس، وأن يكله إلى السن تعمل عملها مع الأيام، ويكلهم في شأنه إلى ما ارتضوه، عسى أن تسنح الفرصة لمزيد من الألفة بينهم وبينه.

ثم يقول الأستاذ العقاد: هذا - فيما نعتقد - أصح علاقة يتخيلها العقل، وتنبئ عنها الحوادث بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ابن عمه العظيم، وربما كانت أصح العلاقات المعقولة، لأنها هي وحدها العلاقة الممكنة المأمونة، وكل ما عداها فهو بعيد من الإمكان، بعده من الأمان، فهو يحبه، ويمهد له، وينظر إلى غده، ويسره أن يحبه الناس، كما أحبه، وأن يحين الحين الذي يكلون فيه أمورهم إليه.

٣٥

وما عدا ذلك فليس بالممكن، وليس بالمعقول، ليس بالممكن أن يكره له التقدم والكرامة، وليس بالممكن أن يحبها له، وينسى في سبيل هذا الحب حكمته الصالحة للدين والخلافة.

وإذا كان قد رأى الحكمة في استخلافه، فليس بالممكن أن يرى ذلك، ثم لا يجهر به في مرض الوفاة وبعد حجة الوداع.

وإذا كان قد جهر به، فليس بالممكن أن يتألب أصحابه على كتمان وصيته، وعصيان أمره، إنهم لا يريدون ذلك مخلصين، وإنهم إن أرادوه لا يستطيعونه بين جماعة المسلمين، وإنهم إن استطاعوه لا يخفى شأنه ببرهان، ولو بعد حين.

فكل أولئك ليس بالممكن، وليس بالمعقول، وإنما الممكن والمعقول هو الذي كان، وهو الحب والإيثار، والتمهيد لأوانه، حتى يقبله المسلمون، ويتهيأ له الزمان(١).

هذا فضلا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان يخاف على ذريته وأهله(٢)، فإنه عليه الصلاة والسلام، قد وتر كثيرا من الناس، وعلم أنه - إن مات - وترك ابنته وولدها سوقة، ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فما زال يقرر لابن عمه - أي الإمام علي - قاعدة الأمر بعده، حفظا لدمه ودماء أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر، كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة، مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضاء والقدر، وكان من الأمر ما كان، ثم أفضى أمر ذريته من بعده إلى ما قد علمنا(٣).

(١) العقاد: عبقرية الإمام ص ١٦٢ - ١٦٦.

(٢) روي أن الحباب بن المنذر الأنصاري قال يوم السقيفة: منا أمير ومنكم أمير، إننا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم (شرح نهج البلاغة ٢ / ٥٣) - وقد حدث ذلك يوم الحرة ٦٣ هـ، كما حدث في كربلاء مع (آل بيت النبي عام ٦١ هـ).

(٣) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٢ / ٥٣، وانظر ٢ / ٥٤.

٣٦

على أن فريقا آخر من المسلمين - على رأسهم الشيعة الإمامية - إنما يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أوصى إلى علي عليه السلام، وأن الوصية كانت تلميحا وتصريحا، وأن هناك كثيرا من العوامل التي أدت إلى إخفاء نص الوصية، لعل من أهمها: الخصومات السياسية، وخاصة تلك التي كانت بين هاشم وبني أمية، ومن المعروف - كما أشرنا من قبل - أن معاوية بن أبي سفيان قد أمر الناس في العراق والشام وغيرهما بسب الإمام علي والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام، كما منع الناس من إظهار فضائله ورواية الحديث عنه، بل وأعلن للناس جميعا (أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته، ثم أمر بأن لا يجيزوا لأحد من شيعة الإمام علي وأهل بيته شهادة... الأمر الذي فصلناه من قبل.

ومن الواضح أن فضائل الإمام علي، وما ورد في حقه من نصوص، مما يثير سخط الولاة ونقمتهم على من يتصدى لذكرها، الأمر الذي حدث مع عمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي - وهما صحابيان جليلان - وغيرهما كثير، مثل ميثم النمار ورشيد الهجري، والإمام النسائي، والكميت ودعبل، وغيرهم من محبي الإمام علي وآل البيت، وجرأتهم في التحدث بفضائل أهل البيت، وخاصة الإمام علي.

أولاً من السنة

وأما أدلة إمامة الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - من نصوص السنة - وليس الشيعة - فكثيرة، لعل من أهمها:

١ - قوله صلى الله عليه وسلم، لعلي: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا:

يروي كثير من المحدثين والمؤرخين وأصحاب السير، أنه لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(١): جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بني عبد المطلب

(١) سورة الشعراء: آية ٢١٤.

٣٧

مرتين، وفي الثانية قال لهم: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب، جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى: أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعا قلت (أي الإمام علي): وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا:

(أنا يا نبي الله أكون وزيرك)، فأخذ صلى الله عليه وسلم، برقبتي، ثم قال: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا). قال: فقام القوم يضحكون، فيقولون لأبي طالب: (قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)(١).

وروى الإمام الطبري في تاريخه بسنده عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا علي، إن الله أمرني، أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكره، فصمت عليه، حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد: إنك ألا تفعل ما تؤمر به، يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا - يزيدون رجلا أو ينقصونه - فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حذية من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة.

(١) تفسير الطبري ١٩ / ٧٤ - ٧٥ (ط بولاق)، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢١٠ - ٢١٢، السيرة الحلبية ١ / ٤٦٠ - ٤٦١، أبو جعفر الإسكافي: نقض العثمانية، تفسير ابن كثير ٣ / ٥٦١ (وانظر روايات أخرى في ٣ / ٥٥٨ - ٥٦٢)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٢ / ٦٣، مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص ١٣٣ - ١٤٣ (القاهرة ١٩٧٧)، الفيروزآبادي: فضائل الخمسة ١ / ٣٣٣ - ٣٣٧.

٣٨

ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشئ حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكلمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال:

لهد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم.

قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة، ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأطمشهم ساقا: أنا، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: (أنت أخي ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: (قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع).

وروى الإمام الطبري أيضا في تاريخه بسنده عن أبي صادق عن ربيعه بن ناجد، أن رجلا قال لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك صلى الله عليه وسلم، دون عمك؟ فقال علي: هاؤم! ثلاث مرات، حتى اشرأب الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، - أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب، منهم رهطة، كلهم يأكل الجذعة، ويشرب الفرق (مكيال يكال به اللبن)، قال: فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام، كما هو: قال: ثم دعا بغمر، فشربوا حتى رووا، قال: ثم قال: يا بني

٣٩

عبد المطلب، إني بعثت إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الأمر، ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون: أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقيم إليه أحد، فقمت إليه - وكنت أصغر القوم - قال: فقال: إجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: إجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب يده على يدي، قال: فبذلك ورثت ابن عمي صلى الله عليه وسلم، دون عمي(١).

وفي السيرة الحلبية: أنه لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع صلى الله عليه وسلم، بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلا - وفي الإمتاع خمسة وأربعون رجلا - فصنع لهم (علي) طعاما - أي رجل شاة مع مد من البر، وصاعا من لبن - فقدمت لهم الجفنة، وقال: كلوا بالسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى نهلوا - وفي رواية حتى رووا -، وفي رواية قال: ادنوا عشرة عشرة، فدنا القوم عشرة عشرة، ثم تناول القعب الذي فيه اللبن، فجرع منه ثم ناولهم، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة، وفي رواية: يشرب العس من الشراب في مقعد واحد، فقهرهم ذلك.

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم، بدره أبو لهب بالكلام، فقال: لقد سحركم صاحبكم سحرا عظيما، وفي رواية: ما رأينا كالسحر اليوم، فتفرقوا ولم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما كان الغد قال: يا علي عد لنا بما صنعت بالأمس من الطعام والشراب، قال علي: ففعلت، ثم جمعتهم له صلى الله عليه وسلم، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى نهلوا، ثم قال لهم: يا بني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني - أي يعاونني - على القيام به؟

(١) تاريخ الطبري ٢ / ٣١٩ - ٣٢٢ (ط دار المعارف - القاهرة ١٩٧٧).

٤٠