×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 2 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١

أعقابكم)، (والله لا ننقلب على أعقابنا، بعد إذ هدانا الله، ولئن مات أو قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه، حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، ومن أحق به مني)(١).

وعن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ عن علي قال:

جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بني عبد المطلب، فيهم رهط كلهم يأخذ الجذعة، ويشرب الفرق، قال: فصنع له مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر، فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس، أو لم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية، فأيكم يبايعني، على أن يكون أخي وصاحبي؟ قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت، وكنت أصغر القوم، قال:

فقال: اجلس ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: إجلس حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي)(٢).

وفي مسند علي بن أبي طالب عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي وقال: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)(٣).

(١) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة ٢ / ٦٥٢ - ٦٥٣ - بيروت (نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة).

(٢) فضائل الصحابة ٢ / ٧١٢ - ٧١٣.

(٣) الإمام الطبري: تهذيب الآثار - مسند علي بن أبي طالب - القاهرة ١٩٨٢ ص ٦٢ - ٦٣ (نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض).

٤٢

هذا وقد استندت الشيعة إلى هذه الأحاديث الشريفة في أن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وكرم الله وجهه في الجنة - إنما هو وصي سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فهي من الأدلة القوية، والحجج الجلية على إمامة علي عليه السلام، وخلافته من بعد النبي صلى الله عليه وسلم(١).

ويروي ابن رستم الطبري: أن عليا والعباس تنازعا في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروي عن أبي رافع أنه كان عند أبي بكر، إذ جاء علي والعباس، فقال العباس: أنا عم رسول الله ووارثه، وقد حال علي بيني وبين تركته، فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس، حين جمع النبي صلى الله عليه وسلم، بني عبد المطلب، وأنت أحدهم، فقال: أيكم يؤازرني، ويكون وصيي وخليفتي في أهلي، وينجز عدتي ويقضي ديني(٢).

ويؤيد الشيخ المفيد أهمية هذا الحديث، ويرى أن مؤازرة علي للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة من المناقب الجلية، التي انفرد بها علي بن أبي طالب، ومن الأمور الدالة على إمامته، ويقول في هذا الحديث: وفي الخبر ما يفيد أنه به تمكن النبي صلى الله عليه وسلم، من تبليغ الرسالة، وإظهار الدعوة، والصدع بالإسلام، فهو ناجز الإسلام، ووزير الداعي إليه من قبل الله، عز وجل، وبضمانة النبي الهدى صلى الله عليه وسلم(٣).

هذا وقد ذكر الشريف المرتضى(٤)هذا الخبر، وجعله من النصوص

(١) فضائل الخمسة من الصحاح الستة ٢ / ٣٦ (بيروت (١٩٧٣).

(٢) ابن رستم الطبري: المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص ١٧١ (النجف ١٩٤٩).

(٣) الشيخ المفيد: الإرشاد ص ٢٢، ٣٠ (النجف ١٩٦٢).

(٤) الشريف المرتضى: هو أبو طالب علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان نقيب الطالبيين وشيخ الشيعة ورئيسهم في العراق، وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر، له تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كبير، متبحرا في فنون العلم، وقال عنه ابن بسام الأندلسي في كتاب الذخيرة هو إمام أئمة العراق، إليه

=>

٤٣

الجليلة في إمامة علي بن أبي طالب، وأكد صحة الخبر وتواتره(١)، كما جعله الطبرسي من النصوص الجليلة، وأورد رواته(٢)، والأمر كذلك بالنسبة إلى (ابن المطهر) الذي رواه، ثم عده من أدلة الإمامة المستندة إلى السنة النبوية الشريفة(٣).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن (الوصية): هي من أوصاه - أو وصاه - توصية، أي عهد إليه - كما في القاموس - وقيل: هي من: وصى يصي، إذا وصل الشئ بغيره، لأن الموصي يوصل تصرفه بعد الموت بما قبله - والظاهر أن الأول أقرب.

وعلى أية حال: لا كلام في أن الوصي - سواء أكان مأخوذا من العهد، أو من وصى يصي بمعنى الوصل - هو متصرف فيما كان الموصي متصرفا فيه، ولذا قيل: إن الوصاية هي استنابة الموصي غيره بعد موته في التصرف فيما كان له التصرف فيه، من إخراج حق واستيفائه، أو ولاية على طفل أو مجنون، يملك الولاية عيه إلى آخره.

ومن ثم يبدو واضحا أن الوصي مما يختلف ولايته سعة وضيقا، بحسب اختلاف ولاية الموصي سعة وضيقا، فأوصياء سائر الناس، إنما تكون ولايتهم مقصورة على الأموال، من الدور والعقار ونحوهما، أو على الأطفال

<=

فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، وصاحب مدارسها، ولد عام ٣٥٥ هـ، وتوفي عام ٤٣٦ هـ (أنظر: وفيات الأعيان ٣ / ٣١٣ - ٣١٧، شذرات الذهب ٣ / ٢٥٦ - ٢٥٨، إنباه الرواة ٢ / ٢٤٩).

(١) الشريف المرتضى: الشافي في الإمامة ص ٨٥، ٨٨.

(٢) الطبرسي: إعلام الورى بأعلام الهدى، ص ١٦٧ (طهران ١٣٣٨ هـ).

(٣) ابن المطهر: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٦٧، وانظر: ابن طاووس: الطرف ص ٧ (النجف ٣٦٩ م) ابن المطهر: كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص ٩١ (النجف ٣٧١ م)، الجزائري: المبسوط في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص ٢٨ (النجف ١٩٥٤)، جعفر النقدي: ذخائر القيامة ص ٣٩ (صيدا ٣٦٦ م)، نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية ص ١٠٣ - ١٠٥.

٤٤

والمجانين، ومن في حكمهم من السفهاء، الذين كان للموصي ولاية عليهم.

وأما أوصياء الأنبياء، فتكون وصايتهم عامة على جميع الأمة - ذكرها وأنثاها، حرها وعبدها، كبيرها وصغيرها - وعلى جميع ما في أيديهم من الأموال - منقولها وغير منقولها - ذلك لأن كل نبي، إنما هو أولى بأمته من أنفسهم، فيكون أولى بأموالهم، بالأولوية القطعية، وإذا كان النبي أولى بهم وبأموالهم، كان الوصي كذلك.

ومن ثم فإن الأدلة على أن الإمام علي بن أبي طالب، إنما هو وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هي من الأدلة القوية، والحجج الجليلة، على أن لعلي عليه السلام، ما كان ثابتا للنبي صلى الله عليه وسلم، من الولاية العامة على المؤمنين أنفسهم وأموالهم جميعا، وهذا هو معنى الإمام أو الخليفة(١).

وروى الإمام الطبري في تاريخه أن الإمام الحسين بن علي كتب إلى بعض شيعته يقول: (أما بعد، فإن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم، على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم، وكنا أهله وأولياءه، وأوصياءه وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا، ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم).

(وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله)(٢).

وقال الإمام الحسين - يوم كربلاء - (أما بعد، فانسبوني، فانظروا من أنا،

(١) ابن المطهر: المرجع السابق ص ١٦٧.

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٣٥٧ (دار المعارف - القاهرة ١٩٧٩).

٤٥

ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا: هل يحل لكم قتالي، وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم، وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله، بما جاء به من عند ربه؟)(١).

وروى عثمان بن سعيد عن عبد الله بن بكير عن حكيم بن جبير قال:

خطب علي عليه السلام، فقال - في أثناء خطبته - (أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي، إلا كذب، ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة، وأنا خاتم الوصيين، فقال رجل من عبس: ومن لا يحسن أن يقول مثل هذا؟ فلم يرجع إلى أهله حتى، حتى جن وصرع، فسألوهم: هل رأيتم به عرضا قبل هذا؟ قالوا: ما رأينا به قبل هذا عرضا(٢).

وأخرج الطبراني في الكبير بسنده عن أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يا فاطمة، أما علمت أن الله عز وجل أطلع على أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانية، فاختار بعلك فأوحى إلي فأنكحته، واتخذته وصيا).

وفي نهج البلاغة: لما أنزل (إذا جاء نصر الله والفتح) - بعد انصرافه صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين جعل يكثر من (سبحان الله، استغفر الله) ثم قال: (يا علي، إنه قد جاء ما وعدت به، جاء الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي، لقدمك في الإسلام، وقربك مني وصهرك، وعندك سيدة نساء العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عني حين نزل القرآن، فأنا حريص على أن أرعى ذلك لولده) (رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره)(٣).

(١) تاريخ الطبري ٥ / ٤٢٤.

(٢) وأخرجه المتقي في كنز العمال ٦ / ١٥٣، وفي المنتخب بهامش المسند ٥ / ٣١.

(٣) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧٤.

٤٦

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه نظرا، لأن الإمام علي بن أبي طالب هو وصي النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته، فهو الذي كلفه النبي صلى الله عليه وسلم، بقضاء دينه وإنجاز وعده، والتضحية له بعد وفاته، روى الإمام أحمد في المسند بسنده عن علي عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين)، جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فأكلوا وشربوا، قال: فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحرا، من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال الآخر، فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: (أنا)(١).

وذكره المتقي في كنز العمال(٢)، وقال: أخرجه أحمد وابن جرير، وصححه الطحاوي والضياء المقدسي(٣).

وفي الرياض النضرة: لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من أهله - إن كان الرجل منهم لآكلا جذعة، وإن كان لشاربا فرقا - فقدم إليهم رجلا فأكلوا حتى شبعوا، فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تقضي ديني، وتنجر مواعيدي)، قال: أخرجه أحمد في المناقب(٤).

(١) مسند الإمام أحمد ١ / ١١١.

(٢) كنز العمال ٦ / ٣٩٦.

(٣) فضائل الخمسة ٣ / ٤٤ (بيروت ١٩٧٣).

(٤) المحب الطبري: الرياض النضرة ٢ / ٢٢١.

٤٧

وفي حلية الأولياء بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أعطيت في علي خمسا، أما إحداها: فيواري عورتي، والثانية: يقضي ديني، والثالثة: إنه متكئ في طول المواقف، والرابعة: فإنه عوني على حوضي، والخامسة: فإني لا أخاف عليه أن يرجع كافرا بعد إيمان، ولا زانيا بعد إحصان)(١).

وفي طبقات ابن سعد بسنده عن عبد الواحد بن أبي عون، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما توفي أمر علي صائحا يصيح: (من كان له عند رسول الله يد أو دين فليأتني، فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم الفجر، من يصيح بذلك، حتى توفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى توفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك، وانقطع ذلك بعده، رضوان الله عليهم وسلامه، قال ابن أبي عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي، بحق ولا باطل إلا أعطاه(٢).

وفي كنز العمال بسنده عن الحارث عن علي عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في علي خمس خصال، لم يعطها نبي في أحد قبلي، أما خصله، فإنه يقضي ديني ويواري عورتي، وأما الثانية: فإنه الذائد عن حوضي، وأما الثالثة: فإنه مشكاة في طريق الحشر يوم القيامة، وأما الرابعة، فإن لوائي معه يوم القيامة، وتحته آدم وما ولد، وأما الخامسة فإني لا أخشى أن يكون زانيا بعد إحصان، ولا كافرا بعد إيمان، قال: أخرجه العقيلي(٣).

وفي مجمع الزوائد بسنده عن سلمان قال: قلت: يا رسول الله، إن لكل نبي وصيا، فمن وصيك؟ فسكت عني، فلما كان بعد رآني، فقال: يا سلمان فأسرت إليه قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي موسى؟ قال: نعم، يوشع بن

(١) حلية الأولياء ١٠ / ٢١١ - ٢١٢.

(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى - الجزء الأول - القسم الثاني ص ٩. (دار التحرير القاهرة ١٩٦٨).

(٣) كنز العمال ٦ / ٤٠٣، فضائل الخمسة ٣ / ٤٥.

٤٨

نون، قال: لم؟ قلت: لأنه كان أعلمهم يومئذ، قال: فإن وصيي وموضع سري، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب، (قال: رواه الطبراني والمناوي، وقال: أخرجه البزار).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن عرفة بن الحارث الكندي - وكانت له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم - قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأتى بالبدن، فقال: أدعوا إلى أبا حسن، فيدعى له علي، فقال: خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما ركب بغلته، أردف عاريا(١).

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن حنش قال: ضحى علي عليه السلام بكبشين، كبش عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكبش عن نفسه، وقال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أضحي عنه، فأنا أضحي أبدا)(٢).

بقيت الإشارة إلى ما جاء في (شرح نهج البلاغة) بشأن أحقية الإمام علي بن أبي طالب في الخلافة، قال أبو جعفر: أما الذي استقر عليه رأي (المعتزلة) - بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره: أن عليا عليه السلام، أفضل الجماعة، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر، وإنما كانت إشارة وإنما، لا يتضمن شئ منها صريح النص، وأن عليا عليه السلام نازع ثم بايع، وجمح ثم استجاب، ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة ولا بلزومها، ولو جرد السيف، كما جرده في آخر الأمر، لقلنا بفسق كل من خالفه على الإطلاق، كائنا من كان، ولكنه رضي بالبيعة أخيرا.

وبالجملة: أصحابنا يقولون: إن الأمر كان له، وكان هو المستحق

(١) ابن الأثير: أسد الغابة ٤ / ٣٣٨ (كتاب الشعب - القاهرة ١٩٧٠)، سنن أبي داود ٢ / ١٤٩.

(٢) المستدرك للحاكم ٤ / ٢٢٩.

٤٩

والمتعين، فإن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء ولاها غيره، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره، اتبعناه ورضيناه بما رضي(١).

هذا وتؤمن الشيعة بالنص على الإمام علي، وقد وضع علماء الشيعة الاثني عشرية العديد من الكتب في النص على علي عليه السلام، وجمعوا فيها الآيات والأحاديث من طرق السنة والشيعة، ومن هذه الكتب: (الشافي) للمرتضى، و (نهج الحق) للعلامة الحلي، والجزء الثاني من (دلائل الصدق) للمظفر، و (نقص الوشيعة)، والجزء الأول من (أعيان الشيعة) للسيد الأمين، و (المراجعات) لشرف الدين، و (الغدير) للأميني.

ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية: إن فكرة النص على علي عليه السلام بالذات، إنما هي فكرة دينية إسلامية تستند إلى الكتاب والسنة، وليست فكرة سياسة ترتكز على حق الوراثة في الحكم، ولا فكرة عاطفية صرف، لا مصدر لها، إلا قرابة النسب والسبب بين محمد صلى الله عليه وسلم(٢).

٢ - إن عليا وزير النبي صلى الله عليه وسلم:

روى الحافظ المحب الطبري في الرياض النضرة بسنده عن (أسماء بنت عميس)(٣)قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أقول - كما قال أخي

(١) شرح نهج البلاغة ١٠ / ٢٢٦ - ٢٢٧.

(٢) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص ٤٢٩ - ٤٣٠.

(٣) أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن تيم، وأمها هند بن عوف بن زهير بن الحارث الكنانية، أسلمت أسماء قديما، ثم هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد الله وعونا ومحمدا، ولما استشهد جعفر في مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق، فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات عنها فتزوجها الإمام علي بن أبي طالب فولدت له يحيى، وأسماء أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، وأخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، وأخت أخواتهما لأمهم وكن عشر أخوات لأم، منهن سلمى بنت عميس زوج حمزة بن عبد المطلب، وكانت أسماء أكرم الناس أصهارا، فمن أصهارها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمه العباس، وعمه حمزة، رضوان الله عليهم وروى عن أسماء: عمر بن الخطاب وابن عباس، وابنهما عبد الله بن جعفر، والقاسم بن

=>

٥٠

موسى - اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي، أخي عليا، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) (أخرجه أحمد في المناقب).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن الحارث بن حصيرة عن القاسم قال: سمعت رجلا من خثعم يقول: سمعت رجلا من خثعم يقول: سمعت أسماء بنت عميس تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (اللهم أقول - كما قال أخي موسى - اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي * عليا أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا)(١).

وقال السيوطي في تفسيره: وأخرج السلفي في (الطيوريات) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عليهما السلام، قال: لما نزلت: (واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إن كنت بنا بصيرا)(٢)، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، على جبل، ثم دعا ربه، وقال: (اللهم أشدد أزري بأخي علي، فأجابه إلى ذلك)(٣)، والأزر - كما هو معروف - بتقديم الزاي على الراء: الظهر، قوله أشدد أزري بأخي علي، أي أشدد ظهري بأخي علي(٤).

وقال الشبلنجي في نور الأبصار: وأخرجه الفخر الرازي في تفسير الكبير،

<=

محمد محمد وعبد الله بن شداد - ابن أختهما - وعروة بن الزبير وابن السيب وغيرهم.

(أنظر: طبقات ابن سعد ٨ / ٢٠٥ - ٢٠٩، أسد الغابة ٧ / ١٤ - ١٥، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص ٣٩٠ - ٣٩١ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤ / ٢٣١، الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٤ / ٢٣٤).

(١) الإمام بن حنبل: فضائل الصحابة ٢ / ٦٧٨، وقال السيوطي في (الدر المنثور) (٤ / ٢٩٥) أخرجه ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أسماء بنت عميس، فذكره.

(٢) سورة طه: آية ٢٩ - ٣٥.

(٣) تفسير الدر المنثور ٤ / ٢٩٥.

(٤) فضائل الخمسة ١ / ٣٣٦.

٥١

في ذيل تفسير قولته تعالى في سورة المائدة (إنما وليكم الله ورسوله)(١).

وفي نور الأبصار عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي، رضي الله عنه، في الصلاة راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وفيه خاتم، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، وذلك بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: (رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري * فأنزلت عليه قرآنا: سنشد عضدك بأخيك * ونجعل لكما سلطانا * فلا يصلون إليكما * اللهم * إني محمد نبيك وصفيك * اللهم اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واجعل لي وزيرا من أهلي * عليا أشدد به ظهري)، قال أبو ذر، رضي الله عنه، فما استتم دعاءه، حتى نزل جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل وقال: يا محمد، إقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة * وهم راكعون)، قال: نقله أبو إسحاق أحمد الثعلبي في تفسيره(٢).

٣ - قوله صلى الله عليه وسلم: يكون من بعدي اثنا عشر أميرا، كلهم من قريش:

روى البخاري في صحيح بسنده عن شعبة عن عبد الملك قال: سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يكون اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي إنه قال: كلهم من قريش(٣).

(١) سورة المائدة: آية ٥٥، نور الأبصار ص ٧٠.

(٢) نور الأبصار ص ٧٧.

(٣) صحيح البخاري ٩ / ١٠١ (دار الجيل - بيروت).

٥٢

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش(١).

وعن داوود عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر عزيزا، إلى اثني عشر خليفة، قال: ثم تكلم بشئ لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال: فقال: كلهم من قريش(٢).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع، أن أخبرني بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش(٣).

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون من بعدي اثنا عشر أميرا، قال: ثم تكلم بشئ لم أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال: قال: كلهم من قريش(٤)(ورواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حجر في صواعقه)(٥).

وروى الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة وبسنده عن قتادة عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا يزال هذا الدين عزيزا لا يضره من ناوأه، حتى يمضي اثنا عشر خليفة، فضج الناس فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال صلى الله عليه وسلم، فقال: كلهم من قريش(٦).

(١) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٣ / ١٩).

(٢) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٢، وانظر (صحيح مسلم ١٢ / ١٩٩ - ٢٠٦).

(٣) صحيح مسلم ١٢ / ٢٠٣.

(٤) صحيح الترمذي ٢ / ٣٥.

(٥) مسند الإمام أحمد ٥ / ٩٢، ٩٤، ٩٩، ١٠٨، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص ١١٣.

(٦) أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص ٤٨١، ٤٨٢ (مكتبة الباز - مكة المكرمة ١٩٧٧ م).

٥٣

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن مسروق قال: كنا جلوسا ليلة عند عبد الله يقرئنا القرآن، فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك، قال: سألناه، فقال: اثنا عشر، عدة نقباء بني إسرائيل(١)(رواه الإمام أحمد في المسند والهيثمي في مجمع الزوائد، والمتقي في كنز العمال)(٢).

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تخلو الأرض من حجة)، وفي ينابيع المودة، وإحياء علوم الدين قال الإمام علي بن أبي طالب - وكرم الله وجهه في الجنة -: لا تخلو من قائم لله بحجة، إما ظاهر مكشوف، وإما خائف مقهور، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته.

وتذهب الشيعة - وعلى رأسهم الإمامية - إلى أن المقصود بالأمراء أو الخلفاء الاثني عشر، إنما هم الأئمة الاثني عشر: ١ - الإمام علي بن أبي طالب ٢ - الإمام الحسن ٣ - الإمام الحسين ٤ - الإمام علي زين العابدين ٥ - الإمام الباقر ٦ - الإمام جعفر الصادق ٧ - الإمام موسى الكاظم ٨ - الإمام علي الرضا ٩ - الإمام محمد الجواد ١٠ - الإمام علي الهادي ١١ - الإمام الحسن العسكري ١٢ - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري.

والسبب في ذلك - كما أشرنا من قبل - أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - والخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام - إليهم، لكونهم أقل عددا، أو خلافة من سواهم من بني أمية وبني العباس، لكونهم أكثر عددا، فضلا عن أن أكثرهم من أهل

(١) المستدرك للحاكم ٤ / ٥٠١.

(٢) مسند الإمام أحمد ١ / ٣٨٩، ٤٠٦، مجمع الزوائد ٥ / ١٩٠ - ١٩١ كنزل العمل ٣ / ٢٠٥، ٦ / ١٦٠، ٢٠١، وانظر: مسند الإمام أحمد ٥ / ٨٦، ٩٢، ١٠٦، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٩ - ١١.

٥٤

الفسق والفجور، قضوا أعمارهم في شرب الخمور والملاهي والملاعب، والاستمتاع بالغناء وضرب الدفوف، وسفك الدماء المحرمة، وغير ذلك من المحرمات التي لا تتفق وسير خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة - من الزيدية والإسماعيلية والفاطمية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل.

ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء الاثني عشر أميرا أو خليفة، عترة النبي صلى الله عليه وسلم، أولهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، وآخرهم المهدي الحجة، بن الحسن العسكري، عليهم السلام(١).

هذا ويلخص ابن أبي الحديد، آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله: اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا: إن النسب ليس بشرط فيها أصلا وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه، وهو قول الخوارج.

وقال أكثر أصحابنا (المعتزلة) وأكثر الناس: إن النسب شرط فيها، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة، ومن العرب في قريش خاصة، وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (الأئمة من قريش) إن القرشية شرط، إذ وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح، فليست القرشية شرطا فيها.

وقال بعض أصحابنا: معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا ممن يصلح للإمامة، فأوجبوا بهذا الخبر من يصلح من قريش لها في كل عصر وزمان.

وقال معظم الزيدية: إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين، لا تصلح في

(١) فضائل الخمسة ٢ / ٢٦.

٥٥

غير البطنين (أبناء الحسن والحسين) ولا تلح إلا بشرط أن يقوم بها، ويدعو إليها فاضل زاهد عالم، شجاع سائس، ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي عليه السلام، وهو من أقولهم الشاذة.

وأما الراوندية: فقد خصصوها للعباس رحمه الله وولده، من بين بطون قريش كلها، وهذا القول ظهر في أيام المنصور (١٣٦ - ١٥٨ هـ / ٧٥٤ - ٧٧٥ م) والمهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ / ٧٧٥ - ٧٨٥ م).

وأما الإمامية فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام في أشخاص مخصوصين، ولا تصلح عندهم لغيرهم.

وجعلها الكيسانية(١)في محمد بن الحنفية(٢)وولده، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره(٣).

(١) أنظر عن الكيسانية (البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٣٨ - ٥١، مروج الذهب ٣ / ٨٧، مقالات الإسلاميين ١ / ٨٩، التنبيه لأبي الحسين الملطي ص ٢٩، ١٤٨، ١٥٢، الملل والنحل للشهرستاني ١ / ١٤٧).

(٢) محمد بن الحنفية: هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة من بني حنيفة، قيل كانت من سبي اليمامة، وصارت إلى الإمام علي، وقيل كانت سبية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم.

وأما كنية أبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال للإمام علي: سيولد لك بعدي غلام، وقد نحلته اسمي وكنيتي، ولا تحل لأحد من أمتي بعده، وكان ابن الحنفية عالما فاضلا شجاعا، وكان شديد القوة، وقد حكى المبرد في الكامل قصصا كثيرة عن قوته، وكانت راية أبيه معه يوم صفين، وكان بينه وبين ابن الزبير عداء، وقد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر (أي ٢١ هـ - ٦٤٢ م)، وتوفي عام ٨١ هـ، أو ٨٢ هـ بل قيل ٧٢ هـ أو ٧٣ هـ، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان، والي المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وقيل إنه خرج إلى الطائف هربا من ابن الزبير، ومات هناك.

وقيل مات ببلاد أيلة (وفيات الأعيان ٤ / ١٦٩ - ١٧٣، تهذيب التهذيب ٩ / ٣٥٤، العبر ١ / ٩٣، أنساب الأشراف ٥ / ٢١٤، ٢٦٠ - ٢٧٣، حلية الأولياء ٣ / ١٧٤ - ١٨٠، صفة الصفوة ٢ / ٤٢ شذرات الذهب ١ / ٨٨ - ٩٠، طبقات الشيرازي ص ٦٢، الكامل للمبرد ٢ / ١١٤، ٣ / ٢٦٦.

(٣) شرح نهج البلاغة ٩ / ٨٦.

٥٦

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة - بشأن الاثني عشر أميرا وخليفة - وقال في آخره: كلهم من بني هاشم(١)، وروى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعد، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلما، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي)(٢).

وعن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الحسين علي فخذه، وهو يقبل عينه ويقبل فاه، ويقول: أنت سيد بن سيد، وأنت إمام وابن إمام، وأنت حجة وابن حجة، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائما(٣).

وفي شرح العقيدة الطحاوية: وكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الإنحلال، وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود، وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر(٤).

والواقع أن لنا على هذا الاتجاه عدة ملاحظات، منها (أولا) عهد الإمام الحسن بن علي، مع أن الإمام الطحاوي(٥)نفسه يذكره فيقول: وكانت خلافة

(١) سليمان الحنفي القندوزي: ينابيع المودة ص ١٠٧.

(٢) حلية الأولياء ٣ / ٨٦.

(٣) مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص ١٥٧ (القاهرة ١٩٧٧).

(٤) شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٥٢ - ٥٥٣.

(٥) الإمام الطحاوي: هو أبو جعفر بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك... الأردي الطحاوي - نسبة إلى قرية بصعيد مصر - الإمام المحدث الفقيه الحافظ، ولد عام ٢٣٩ هـ، وتوفي

=>

٥٧
٥٨

عبد الملك - الوليد - سليمان - عمر بن عبد العزيز - يزيد الثاني - هشام - الوليد الثاني - يزيد الثالث - إبراهيم - مروان الثاني) وهي التي أنهت الخلافة الراشدة إنما كانت دولة عربية، أكثر منها إسلامية، كما كانت انتقالا جديدا في تاريخ الإسلام، وفرصة انتهزتها الجاهلية التي كانت لا تزال بالمرصاد، فعاشت النزعات التي قضى عليها السلام وعادت العصبيات القبلية والنخوة الجاهلية التي نعاها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، وأصبح بيت المال - الذي كان على أيام الرسول والخلفاء الراشدين ملكا للأمة - أصبح في عهد بني أمية ملكا خاصا للخليفة، خاضعا لشهواته وتصرفاته، وقد حدث المؤرخون أن الأخطل (حوالي ٦٤٠ هـ - ٧١٠ م) - الشاعر النصراني، أصبح يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن، وعليه جبة خز، وفي عنقه صليب ذهب، ولحيته تنفض خمرا، ثم لا يتورع أن يهجو المسلمين من الأنصار... إلى غير ذلك من تصرفات بعيدة عن الإسلام ومبادئه(١).

ومنها (خامسا) أن ملوك بني أمية الذين رأى الإمام الطحاوي أن الإسلام لم يزل عزيزا في أيامهم، إنما كانت أفعالهم، كثيرا ما تبعد عن الإسلام ومبادئه، فأول ملوكهم معاوية بن أبي سفيان، هو الذي سن تلك البدعة الخسيسة، بدعة سب الإمام علي وأهل البيت على منابر المسلمين، وهو صاحب الموبقات الأربع، روى الطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم عن الإمام الحسن البصري أنه قال: أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن له منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعامر الحجر)، وقتله حجرا ويلا له من حجر مرتين)(٢).

(١) أبو الحسن الندوي رجال الفكر والدعوة في الإسلام ١ / ٣٣ - ٣٦.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٢٧٩، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٣ / ٤٨٧، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ١٤١.

٥٩

وأما ولده يزيد، فيكفي أن نشير إلى قول سعيد بن المسيب: كانت سنوات يزيد شؤما، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (مذبحة كربلاء)، وفي الثانية: استبيح حرم رسول الله، وانتهكت حرمة المدينة، وفي الثالثة سفكت الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة(١).

وأما مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني - فهو الذي قتل طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشرين بالجنة - غدرا في موقعة الجمل، ثم هو ابن الحكم لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد لعنه النبي، ومروان في صلبه، وروى أن السيدة عائشة قالت لمروان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه فهو فضض (قطعة) من لعنة الله ورسوله(٢).

وأما عبد الملك بن مروان فقد كان طاغية جبارا، لا يبالي بما يصنع، وهو القائل - بعد أن ولي الخلافة - وكان يقرأ في مصحف: هذا فراق بيني وبينك، وقيل أنه قال: هذا آخر العهد بك، ثم هو الذي خطب الناس فقال لا يأمرني أحد بتقوى الله، بعد مقامي هذا، إلا ضربت عنقه، ثم هو القائل: لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف، وهو القائل: وإني لست بالخليفة المستضعف (يعني عثمان) ولا الخليفة المداهن (يعني معاوية) ولا الخليفة المأفون (يعني يزيد بن معاوية)(٣). وفي عهده ظهر الحجاج الثقفي لينشر الخراب والقتل في كل مكان

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٣، وانظر: تاريخ الطبري ٥ / ٣٣٨ - ٤٧١، ٤٨٢ - ٤٩٤، ٤٩٨ - ٤٩٩.

٤٩٨ - ٤٩٩.

(٢) أنظر: أسد الغابة ٢ / ٣٧ - ٣٨ الإستيعاب ١ / ٣١٧ - ٣١٩، الإصابة ١ / ٣٤٥ - ٣٤٦، ابن كثير:

البداية والنهاية ٨ / ٢٨٠، طبقات ابن سعد ٥ / ٢٤ - ٢٦، محمد بيومي مهران: الإمام علي زين العابدين ص ١١٣ - ١١٨.

(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٢١٨ - ٢١٩ (القاهرة ١٩٦٤)، المقريزي الذهب المسبوك ص ٣٩، النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم ص ٣٧، طبقات ابن سعد ٥ / ١٧٦ - ١٧٧، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ٢٩٧ - ٣٠٣.

٦٠