×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 2 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

باسم الأمويين(١)، وعبد الملك هذا - كما يقول السيوطي - أول من غدر في الإسلام، وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف(٢).

وأما الوليد فكان فاجرا ماجنا فاسقا، حتى اشتهر بلقب (خليع بني أمية)، بسبب ولعه بالنساء وحتى اتهم الجنسي بأمهات أولاد أبيه، وحتى أن رأسه - بعد أن طيف بها على رمح في دمشق - دفعت إلى أخيه سليمان، فلما نظر إليها قال: بعدا له، أشهد أنه كان شروبا للخمر، ماجنا فاسقا، ولقد راودني في نفسي الفاسق(٣).

ولعل أول من شرب المسكر من الخلفاء، إنما هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقد روي أنه كان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخمورا، فقيل له (يزيد الخمور)(٤)، وكان عبد الملك بن مروان يشرب في كل شهر مرة، حتى لا يعقل: أفي السماء أو في الماء؟ وكان يقول: إنما أقصد من هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر، غير أنه إذا بلغ آخر الشراب - أو السكر - أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شئ، وأما ولده الوليد بن عبد الملك فكان - فيما رووا - يشرب يوما، ويدع يوما، واعتاد هشام بن عبد الملك الشرب يوم الجمعة من بعد الصلاة(٥).

وأما الوليد الثاني فقد بز الجميع في الشراب والتهتك، وقد حكى أنه اتخذ بركة في قصرة، فكان يملؤها خمرا، ثم ينزع ثيابه ويغتسل فيها، ويشرب منها،

(١) أنظر: محمد بيومي مهران: الإمام علي زين العابدين ص ١٢٣ - ١٣٤.

(٢) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٢٠٣.

(٣) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٥ / ٢٨٠ - ٢٨٨.

(٤) فيليب حتى: تاريخ العرب ص ٢٩٤، وانظر: العقد الفريد ٣ / ٤٠٣، النويري: النهاية ٤ / ٩١ (٥) الجاحظ التاج في أخلاق الملوك - نشره أحمد زكي باشا - القاهرة ١٩١٤ ص ١٦٥، فيليب حتى: المرجع السابق ص ٢٩٤ - ٢٩٥.

٦١

ويظل كذلك حتى يظهر النقص في البركة، وكان يقضي معظم أيامه في قصوره في البادية، في قريتين تقعان في منتصف الطريق بين دمشق وتدمر(١)، وقد أورد صاحب الأغاني خبرا يصور مجلسا من مجالس شربه، رواه شاهد عيان، ووصف فيه ما كان يمارسه هذا الخليفة من التهتك والمجون(٢).

ولم يكتف ملوك بني أمية بالشراب، بل استهواهم الغناء والموسيقى وبعض ضروب الرقص، فإذا كان الخليفة ممن لا يريد أن يشهر عنه ذلك، جعل ستارة بينه وبين الندماء، ولم يكن الوليد الثاني ممن يتحاشى الرفث والمجون.

وكان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أول من سن الملاهي، واستجلب المغنين إلى الشام، وكان شاعرا، فجعل يقيم الحفلات الكبرى في بلاطه، ومن ثم فقد أصبح الغناء والشراب صنوين متآلفين في تاريخ الدولة الإسلامية، وقد شمل عبد الملك بن مروان برعايته (ابن مسجح) من مغني الحجاز، واستقدم ولده الوليد (ابن شريح) و (معبدا) إلى دمشق، واحتفى بهما، ثم أعاد الوليد الثاني الشعر والموسيقى إلى البلاط، بعد أن حال دونهما الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز.

هذا وقد شاع الغناء في عهد ملوك بني أمية شيوعا عظيما، وعظم الشغف به في حواضر الدولة الإسلامية، حتى يزور مغن مثل (حنين) - الحيري النصراني، وكان يعيش في العراق - يزور المدينة، ويجتمع الناس في أحد منازل المدينة، ويزدحمون على السطح ويكثرون ليسمعوه، فيسقط الرواق على من تحته، ويموت المغني (حنين) (حوالي عام ٧٢٠ م) - على أيام يزيد بن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥ هـ ٧٢٠ - ٧٢٤ م)(٣). تحت الهدم. ويقول الدكتور

(١) نفس المرجع السابق ص ٢٩٥.

(٢) الأغاني ٢ / ٧٢.

(٣) أبو الحسن الندوي: المرجع السابق ص ٣٦، الأغاني ٢ / ١٢٧، فيليب حتى: المرجع السابق ص ٣٤٣ - ٣٤٨، أحمد أمين: فجر الإسلام ص ١٧٦.

٦٢

أحمد أمين: واجتمع في زمن واحد من مشهوري المغنين والمغنيات في الحجاز: جميلة وهيت و (طويس) (٦٣٢ - ٧١٥ م) و (الدلالا) و (برد الفؤال) و (نومة الضحى) و (رحمة) و (هبة) و (معبد) (ت ٧٤٣ م) و (مالك) و (ابن عائشة) و (نافع بن طنبورة) و (عزة الميلاء) و (حبابة) و (سلامة) و (بلبلة) و (لذة العيش) و (سعيدة) و (الزرقاء)... الخ، ويرون أن هؤلاء حجوا فتلقاهم في مكة) (سعيد بن مسجح) (ت ٧١٤ م)، و (ابن شريح) (٦٣٤ - ٧٢٦ م) و (الغريض) - واسمه عبد الملك - و (ابن محرز) (ت ٧١٥ م)، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى حسن هيئتهم(١).

هذا وقد اشتهر (يزيد بن عبد الملك) باللهو والخلاعة، والتشبب بالنساء، كما كان يبالغ في المجون بحضرة الندماء، كما سوى بين الطبقة العليا والسفلى، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه، فلم يتورعوا عن الرد عليه، وحذا حذوه ولده الوليد(٢).

وأما عن الكتاب والسنة، فلقد كان معاوية بن أبي سفيان أول من رد السنة في قضية نسب زياد بن أبيه، أو زياد بن عبيد، بأبي سفيان، قال ابن الأثير:) أول ما ردت أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضى معاوية بغيره(٣).

وروى ابن كثير في البداية والنهاية عن مخالفات معاوية للسنة: قال المغيرة عن الشعبي: أول من خطب جالسا معاوية، حين كثر شحمه، وعظم

(١) أحمد أمين: فجر الإسلام ص ١٧٦ - ١٧٧ (بيروت ١٩٦٩).

(٢) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي ١ / ٣٣١، ٣٣٥.

(٣) تاريخ الطبري ٥ / ٢١٤ - ٢١٥، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢١٨ - ٢١٩، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٣ / ٤٤١ - ٤٤٥، ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ٢٦٦ - ٢٧٤، المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٥ - ٨، ابن عبد البر: الإستيعاب ١ / ٥٧٠ - ٥٧١ محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب ١ / ٢٣٥ - ٢٤٠ صحيح البخاري ٨ / ١٩٤.

٦٣

بطنه، وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية، وقال الإمام أبو جعفر الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاق لها، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية، وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري: مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أمية بعده، وبه قال الزهري، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه(١).

هذا وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن معاوية قد أخرج المنابر إلى المصلين في العيدين، وأنه خطب الخطبة قبل الصلاة، وذلك أن الناس كانوا - إذا صلوا - انصرفوا لئلا يسمعوا لعن الإمام علي بن أبي طالب (والعياذ بالله) فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة، ووهب (فدكا) لمروان بن الحكم، ليغيظ بذلك آل رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢).

على أن أهل السنة إنما ينسبون ذلك إلى مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني - روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يصلي في الأضحى والفطر، ثم يخطب(٣)، وعن ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة(٤).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عطاء: أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير - أول ما بويع له - أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا تؤذن لها، فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه، وأرسل إليه مع ذلك، إنما الخطبة بعد الصلاة

(١) ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ١٥٠ - ١٥١ صحيح البخاري ٨ / ١٩٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٢٣.

(٣) صحيح البخاري ٢ / ٢٢.

(٤) صحيح البخاري ٢ / ٢٣.

٦٤

وأن ذلك قد كان يفعل، قال: فصلى ابن الزبير قبل الخطبة(١).

وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة يبعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك، أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا، وكان أكثر من يتصدق النساء، فلم يزل كذلك، حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصرا مروان، حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من طين، فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا، يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم، قلت: كلا، والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات ثم انصرف(٢).

وفي الموطأ عن مالك عن ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة(٣)، وعن مالك: أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك(٤).

وقال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة، فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له(٥).

(١) صحيح مسلم ٦ / ١٧٦.

(٢) صحيح مسلم ٦ / ١٧٧ - ١٧٨، وانظر: المسهوري: وفاء الوفاء ٣ / ٧٨٧ - ٧٨٩.

(٣) الإمام مالك: الموطأ ص ١٢٧ (كتاب الشعب - القاهرة ١٩٧٠).

(٤) الموطأ ص ١٢٧.

(٥) الموطأ ص ١٢٨.

٦٥

وقال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب (وعثمان محصور) فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب(١).

ورى الإمام الشافعي في (الأم) بسنده عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر:

أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة(٢)، وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يصلون في العيدين قبل الخطبة(٣).

وعن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أن أبا سعيد قد أرسل إلى مروان، وإلى رجل قد سماه، فمشى بنا حتى أتى المصلى، فذهب ليصعد فجبذته إلي، فقال: يا أبا سعيد ترك الذي تعلم، قال أبو سعيد: فهتفت ثلاث مرات، فقلت: والله لا تأتون إلا شرا منه(٤).

وعن عبد الله بن يزيد الخطمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر وعثمان ، كانوا يبتدأون الصلاة قبل الخطبة، حتى قدم معاوية (ابن أبي سفيان) فقدم الخطبة(٥).

وفي نهج البلاغة عن عمرو بن علي بن الحسين عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام قال: قال لي مروان: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا (أي عثمان بن عفان) من صاحبكم (أي الإمام علي بن أبي طالب) قلت: فما بالكم تسبونه على المنابر؟ قال: إنه لا يستقيم لنا الأمر، إلا بذلك(٦).

(١) الموطأ ١٢٨.

(٢) الإمام الشافعي: الأم ١ / ٢٠٨ (كتاب الشعب - القاهرة ١٩٦٩).

(٣) الأم ١ / ٢٠٨.

(٤) الأم ١ / ٢٠٨.

(٥) الأم ١ / ٢٠٨، وانظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٤ / ١٩٤، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ٢٧٨.

(٦) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢٠.

٦٦

وعن ابن أبي سيف قال: خطب مروان - والحسن عليه السلام جالس - فقال من علي عليه السلام، فقال الحسن: ويلك يا مروان! أهذا الذي تشتم شر الناس! قال: لا، ولكنه خير الناس(١).

وعن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى (وكان خارج المسجد على مبعدة ألفي ذراع)، وأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا، أو يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة (في عهد معاوية) في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى، إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه، قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال:

أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خيرا ما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة (متفق عليه)(٢).

وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، العيد، فلما قضى الصلاة، قال: (إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فيجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب) (رواه النسائي وأبو داوود وابن ماجة)(٣).

وروى أبو داوود في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان، خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، قال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكرا،

(١) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢٠ - ٢٢١.

(٢) السيد سابق: فقه السنة ١ / ٢٧١ (بيروت ١٩٧٧).

(٣) فقه السنة ١ / ٢٧١.

٦٧

فاستطاع أن يغيره بيده، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان(١).

هذا وقد قالت الإمامية: تجب الخطبتان في العيدين، تماما كما في الجمعة، وقالت: بقية المذاهب بالاستحباب، واتفق الجميع على أن مكانها بعد الصلاة، بخلاف خطبتي الجمعة، فإنهما قبلها(٢).

وقالت السنة: يسن للإمام أن يخطب بعد صلاة العيد خطبتين، يعلم الناس فيها أحكام زكاة الفطر في عيد الفطر، وأحكام الأضحية، وتكبير الإشراق في عيد الأضحى.

وخطبتا العيدين كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات، إلا في أمور: منها أن خطبتي الجمعة يشترط فيها أن تكون قبل الصلاة، بخلاف خطبتي العيد، فإنه يشترط فيها تأخرهما عن الصلاة، فإن قدمهما لا يعتد بهما، ويندب إعادتهما بعد الصلاة.

هذا وكان الوليد بن يزيد يستخف بالصلاة - عماد الدين - وسخر من أهلها، روى الفقيه ابن عبد ربه عن إسحاق بن محمد الأرزق قال: دخلت على المنصور بن جمهور الكلبي - بعد قتل الوليد بن يزيد - وعنده جاريتان من جواري الوليد فقال: إسمع من هاتين الجاريتين ما تقولان؟ قالتا: قد حدثناك، قال: بل حدثاه كما حدثتماني، قالت إحداهن: كنا أعز جواري عنده، فنكح هذه، فجاء المؤذنون يؤذنونه بالصلاة، وأخرجها، وهي سكرى متلعثمة، فصلت بالناس(٣).

ولم يكتف هذا الوليد - الذي كتب على المسلمين أن يكون إمامهم -

(١) سنن أبي داود ١ / ١٦٠ - ٢٦١.

(٢) محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة ١ / ١٢٣ (دار الجود - بيروت ١٩٨٤).

(٣) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ٢٠٥.

٦٨

بمجونه هذا، واستهتاره بالصلاة، وبالمسلمين، وإنما زاد في فسوقه، حتى اعتدى على المصحف الشريف، وروي أنه قرأ ذات يوم، قول الله تعالى:

(واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * ومن ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد)(١)، فدعا بالمصحف، فنصبه غرضا للنشاب، وأقبل يرميه، وهو يقول:

أتوعد كل جبار عنيد * فهأنا ذا جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب خرقني الوليد(٢)

وأذن يوما المؤذن - وقد أخذ منه السكر - فقال لمغنية: غنني في ديني واعتقادي وقال:

تذكرني الحساب ولست تدري * أحقا ما تقول من الحساب
فقل للرب يمنعني طعاما * وقل للرب يمنعني شرابي(٣)

ويقول محمد بن يزيد المبرد النحوي في كتابه الكامل، أن الوليد لحن في شعر له، ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الوحي لم يأته عن ربه - كذب أخزاه الله ولعنه - ومن ذلك قوله:

تلعب بالخلافة هاشمي * بلا وحي أتاه ولا كتاب(٤)

ثم لم ينته الفاجر عند ذلك، وإنما أخذ يفسر القرآن الكريم بهواه، من ذلك، قول الله تعالى: (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم)، يزعم الفاجر كذبا: أن المراد هو الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن

(١) سورة إبراهيم: آية ١٥ - ١٦.

(٢) مروج الذهب ٢ / ١٩٩ - ٢٠٠، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٥ / ٢٩٠، الأغاني ٦ / ١٢٥، ابن دقماق: الجوهر الثمين في سير الملوك والخلفاء والسلاطين ص ٧٩.

(٣) ابن دقمان: المرجع السابق ص ٧٩.

(٤) المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٢٠٠.

٦٩

الزهري، أنه قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك بن مروان فقال: الذي تولى كبره منهم، علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة بن مسعود - وكلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره، عبد الله بن أبي.

وقد بينت رواية ابن مردويه سبب مقالة الوليد هذه، قال الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم...) حتى بلغ قوله تعالى:

(والذي تولى كبره) جلس ثم قال: يا أبا بكر، من تولى كبره منهم؟ أليس:

علي بن أبي طالب؟ قال: قلت في نفسي: ماذا أقول، لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، ولئن قلت نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرا، قلت: لا، قال: فضرب بقضيبه على السرير، ثم قال: فمن، حتى ردد ذلك مرارا، قلت: لكن عبد الله بن أبي.

هذا وكان هشام بن عبد الملك يعتقد مثل هذا كأخيه الوليد، فلقد أخرج ابن شيبة في مسنده عن الإمام الشافعي عن عمه محمد بن علي بن شافع قال:

دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان: الذي تولى كبره من هو؟ قال: ابن أبي، قال هشام: كذبت، هو علي، قال: أمير المؤمنين اعلم بما يقول، فدخل الزهري، فقال هشام: يا ابن شهاب، من تولى كبره، قال: ابن أبي، قال هشام: كذبت، هو علي، فقال الزهري: أنا أكذب، لا أبا لك، والله لو نادى مناد من السماء، أن الله أحل الكذب، ما كذبت(١).

(١) سورة النور: آية ١١، صحيح البخاري ٣ / ٢٢٧ - ٢٣١، ٥ / ١٤٨ - ١٥٥، صحيح مسلم ٨ / ١٠٢ - ١١٦، مسند الإمام أحمد ٦ / ٥٩، سنن الترمذي ٥ / ١٣، فتح الباري ٧ / ٤٣٧، الزهري: المغازي النبوية ص ١١٩، تفسير ابن كثير ٣ / ٤٣٦ - ٤٣٧، تفسير الطبري ١٨ / ٨٩، إبراهيم قريبي: مرويات غزوة بني المصطلق ص ٢٢٧ - ٢٢٦ (نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة).

٧٠

هذا وقد وصف الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - بني أمية، فقال: (والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما، إلا استحلوه، ولا عقدا إلا حلوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر، إلا دخله ظلمهم، ونبا به سوء رعيتهم وحتى يقوم الباكيان يبكيان، باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم، كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه، وحتى يكون أعظم فيها غناء، أحسنكم بالله ظنا)(١).

فهل هؤلاء يمكن أن يقارنوا بأهل بيت النبوة، والذين هم - كما قال عبد الله بن عمر بن الخطاب - (أهل بيت لا يقاس بهم)(٢)، وقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث الثقلين، وغيرهم من الأحاديث الشريفة.

وقال الإمام علي فيهم: (هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وهمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماح ورواية، فإن رواة العلم كثير، ووعاته قليل)(٣).

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله مصابيح الدجى، والعروة الوثقى، وسلم تسليما كثيرا(٤). وقال الإمام علي فيهم: (فاستودعهم الله في أفضل مستودع، وأقرهم في غير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى منهم سلف، قام منهم بدين الله خلف، حتى

(١) شرح نهج البلاغة ٧ / ٧٨.

(٢) الرياض النضرة ٢ / ٢٧٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٣١٧، محمد عبده: نهج البلاغة ص ٢٨٤.

(٤) محمد عبده: نهج البلاغة ص ٢٨٤.

٧١

أفضت كرامة الله، سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب فيها أمناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمر لا ينال، فهو من إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى.

سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته المقصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل، أرسله الله على حين فترة من الرسل، وهفوة عن العمل، وغباوة من الأمم...(١).

وقال الإمام علي: (أنظروا أهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتهلكوا)(٢).

وقال الإمام علي: ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وسلم، كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون)(٣).

وقال الإمام علي: (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى).

ثم قال: (إن الأئمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم)(٤).

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨ / ٦٢.

(٢) شرح نهج البلاغة ٨ / ٧٦.

(٣) شرح نهج البلاغة ٨ / ٨٤.

(٤) شرح نهج البلاغة ٩ / ٨٤.

٧٢

ومن ثم فالرأي عندي أن الاثني عشر أميرا - أو خليفة - إنما هم أئمة أهل البيت النبوي الشريف، وهم سادتنا الكرام البررة: الإمام علي بن أبي طالب - الإمام الحسن بن علي - الإمام الحسين بن علي - الإمام علي زيد العابدين - الإمام محمد الباقر - الإمام جعفر الصادق - الإمام موسى الكاظم - الإمام علي الرضا - الإمام محمد الجواد - الإمام علي الهادي - الإمام الحسن العسكري - الإمام الحجة محمد المهدي.

٤ - قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: فاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمة من ولدك، بعدي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن حنش الكناني قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، سمعت أبا ذر يقول - وهو آخذ بباب الكعبة - (أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني، فأنا أبو ذر:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم)(١).

ورواه المتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه ابن جرير عن أبي ذر(٢)، ورواه الهيثمي في مجمعه، وقال: رواه البزار والطبراني في الثلاثة (أي الكبير والأوسط والصغير(٣)، وذكره علي بن سلطان في مراقاته(٤)في المتن، وقال في الشرح: رواه أحمد، يعني الإمام أحمد بن حنبل(٥).

وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال

(١) المستدرك للحاكم ٢ / ٣٤٣ (وانظر ٣ / ١٥٠).

(٢) كنز العمال ٦ / ٢١٦.

(٣) مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨.

(٤) علي بن سلطان القاري: مرقاة المفاتيح ٥ / ٦١٠.

(٥) فضائل الخمسة ٢ / ٥٦ - ٥٧.

٧٣

رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق(١).

وروى الحافظ سليمان الحنفي في ينابيع المودة بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك، لأنك مني وأنا منك لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك من سريرتي، وعلانيتك من علانيتي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، فاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي، مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم، إلى يوم القيامة)(٢).

وروى الحافظ أبو نعيم (أحمد بن عبد الله الأصبهاني ٣٣٦ - ٤٣٠ هـ) في حليته بسنده عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)(٣).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(النجوم أمان لأهل السماء، إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي، ذهب أهل الأرض)(٤).

وروى الحاكم (٣٢١ - ٤١٥ هـ) في المستدرك بسنده عن ابن عباس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي

(١) تاريخ بغداد ٢ / ١٩.

(٢) ينابيع المودة ص ٣١، مهدي السماوي: الإمامة ص ١٦٣.

(٣) حلية الأولياء ٤ / ٣٠٦، الصواعق المحرقة ص ٢٨٢.

(٤) فضائل الصحابة ٢ / ٦٧١، الصواعق المحرقة ص ٢٨٣.

٧٤
٧٥

والطريق واضح، اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل البيت، فهم منارة السالكين، وإنارة للمدلجين(١).

ويروي اليعقوبي في تاريخه من خطبة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يوضح فيها المقصود من غرق الناس ونجاتهم بالأخذ عن أهل البيت، معادن العلم، ومصابيح الهدى، وأعلام الإمام، وتراجم النبوة، مع ما فيها من الدلالة على إمامة مولانا أمير المؤمنين علي وأولاده الطاهرين المطهرين، يقول فيها: (وإن الخير كله فيمن عرف قدره)... ثم يستمر في وصف من نصب نفسه قاضيا بين الناس، ووصف بالعلم، وليس هو من أهله:

مفتاح عشوات، خباط جهالات، لا يعتذر، مما لا يعلم فيسلم، ولا يعرض في العلم ببصيرة، يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، فأين يتاه بكم، بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم؟ إنا من سنخ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا، ينجو في هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عنهم، إني فيكم كالكهف لأصحاب الكهف، وإني فيكم باب حطة(٢)من دخل منه نجا، ومن تخلف عنه هلك، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع، إني قد تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)(٣).

وروى صاحب كتاب (جواهر البخاري) في مقدمته عن ابن اليمن بن عساكر، أثناء ذكره أهل البيت الطاهرين (إنهم إن شاء الله الفرقة الناجية).

(١) مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - ص ١٦٥ - ١٦٧ (القاهرة ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م).

(٢) أنظر عن (باب حطة) (سورة البقرة: آية ٥٨، سورة الأعراف: آية ١٦١، وانظر: تفسير ابن كثير ١ / ١٤٧ - ١٥١، ٢ / ٤٠٧ - ٤٠٨، تفسير الطبري ٢ / ١٠٣ - ١١١، ١٣ / ١٧٨).

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢١١ - ٢١٢ (بيروت ١٩٨٠)، مهدي السماوي: المرجع السابق ص ١٦٨.

٧٦

وروى من شعر شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي ملك الموصل، والمتوفى عام ٤٧٨ هـ:

إذا اختلفت في الدين سبعون فرقة * ونيف كما قد صح عن سيد الرسل
ولم يك منها ناجيا غير فرقة * فماذا ترى يا ذا البصيرة والعقل
أفي الفرقة الناجين آل محمد؟ * أم الفرقة الهلاك؟ ماذا ترى قل لي؟
فإن قلت هلاك كفرت، وإن تقل * نجاة فحالفهم وخالف ذوي الجهل
لئن كان مولى القوم منهم فإنني * رضيت بهم في الدين بالقول والفعل
فخل عليا لي إماما وولده * وأنت من الباقين في أوسع الجل(١)

فحديث السفينة، واختلاف الأمة، وكون فرقة ناجية من مجموع هذه الفرق، وتداول المسلمين هذه الأحاديث النبوية الشريفة بينهم - حتى في أغلب مجالسهم الخاصة - ليدل دلالة واضحة، على لزوم تحديد المسلم موقفه عقلا وشرعا.

وسفينة نوح، عندما أغرق الماء القوم الظالمين، وغطى عاليها سافلها، وأن لا منجى إلا بركوبها، وقد هلك من هلك، ولم ينج إلا راكبها - الأمر المعروف والمشهور عند كل أهل الأديان.

وآل محمد صلى الله عليه وسلم، إنما هم مثل سفينة نوح، لا ينجو إلا من تمسك بحبهم، واعتصم بولائهم، وأخذ بسببهم(٢).

٥ - قوله صلى الله عليه وسلم، في حديث الثقلين: إني مخلف فيكم، ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي:

روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله

(١) محمد السماوي: طرافة الأحلام ص ٣١، مهدي السماوي: المرجع السابق ص ١٦٩ - ١٧٠.

(٢) نفس المرجع السابق ص ١٧٠.

٧٧

وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)(١).

وفي رواية: فقلنا من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته، الذين حرموا لصدقة بعده)(٢). ورواه الإمام أحمد في المسند(٣)، والبيهقي في السنن(٤)، والدارمي في سننه(٥)، والمتقي في كنز العمال(٦)، والطحاوي في مشكل الآثار(٧).

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم، ما إن تمسكتم به، لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(٨).

وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصوى يخطب فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني قد

(١) صحيح مسلم ١٥ / ١٧٩ - ١٨٠ (بيروت ١٩٨١).

(٢) صحيح مسلم ١٥ / ١٨١.

(٣) مسند الإمام أحمد ٤ / ٣٦٦.

(٤) سنن البيهقي ٢ / ١٤٨، ٧ / ٣٠.

(٥) سنن الدارمي ٢ / ٤٣١.

(٦) كنز العمال ١ / ٤٥، ٧ / ١٠٣.

(٧) مشكل الآثار ٤ / ٣٦٨.

(٨) صحيح الترمذي ٢ / ٣٠٨.

٧٨

تركت فيكم، ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)(١).

ورواه المتقي في كنز العمال، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة والخطيب في المتفق والمفترق عن جابر(٢). وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(٣).

وعن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تركت فيكم ما إن تمسكتم به، فلن تضلوا، كتاب الله وأهل بيتي(٤).

وروى الإمام أحمد (أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ١٦٤ هـ / ٧٨٩ م - ٢٤١ هـ / ٨٥٥ م) في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد تركت فيكم خليفتين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما يردان على الحوض(٥).

وعن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(٦).

وعن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم

(١) صحيح الترمذي ٢ / ٣٠٨.

(٢) كنز العمال ١ / ٤٨، فضائل الخمسة ٢ / ٤٥.

(٣) فضائل الصحابة ٢ / ٦٠٣، وانظر منتخب مسند عبد بن حميد (٩٣٨) من طريق شريك.

(٤) فضائل الصحابة ١ / ١٧١ - ١٧٢، وانظر مسند الإمام أحمد ٣ / ١٤ - ١٧، ٢٦، ٥٩، الترمذي ٥ / ٦٦٣، المعجم الكبير للطبراني ٣ / ٢٠٠، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٣، ١٦٥.

(٥) فضائل الصحابة ٢ / ٧٨٦ (وأخرجه أحمد في المسند ٥ / ١٨١، ١٨٢، وابن أبي عاصم في السنة (ل ٦٧ ب).

(٦) فضائل الصحابة ٢ / ٧٧٩ (وأخرجه أحمد في المسند ٣ / ١٧، والطبراني في الكبير ٣ / ٦٢).

٧٩

قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما(١).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(٢).

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:

لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فأقمن فقال: كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي عليه السلام، فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه....)(٣).

وروى النسائي في الخصائص بسنده عن زيد بن أرقم قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فأقمن، ثم قال: كأني دعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن، ثم إنه أخذ بيد

(١) فضائل الصحابة ٢ / ٧٧٩ (وانظر المسند ٣ / ١٧، الطبراني في الكبير ٣ / ٦٢.

(٢) أسد الغابة ٢ / ١٣ (كتاب الشعب ١٩٧١).

(٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣ / ١٠٩.

٨٠