×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 3 / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

وقال: عنوان صحيفة المسلم السعيد، حسن الثناء عليه.

وقال: من استغنى بالله، افتقر الناس إليه، ومن اتقى الله أحبه الناس.

وقال: الجمال في اللسان، والكمال في العقل.

وقال: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والحفظ زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة الورع، وبسط الوجه زينة القناعة، وترك ما لا يعني زينة الورع.

وقال: حسب المرء من كمال المروءة أن لا يلقى أحدا بما يكره، ومن حسن خلق الرجل كفه أذاه، ومن سخائه بره بمن يجب حقه عليه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن إنصافه قبوله الحق، إذا بان، ومن نصحه نهيه عما لا يرضاه لنفسه، ومن حفظه لجوارحك تركه توبيخك عند ذنب أصابك، مع علمه بعيوبك، ومن رفقه تركه عذلك بحضرة من تركه.

ومن حسن صحبته لك إسقاطه عنك مؤنة التحفظ ومن علامة صداقته كثرة موافقته، وقلة مخالفته، ومن شكره معرفة من أحسن إليه، ومن تواضعه معرفته بقدره، ومن سلامته قلة حفظه لعيوب غيره، وغنائه بصلاح عيوبه.

وقال العالم بالظلم، والمعين عليه، والراضي به، شركاء.

وقال: من أخطأ وجوه المطالب، خذلته الحيل، ومن طلب البقاء، فليعد للمصائب قلبا صبورا.

وقال: العلماء غرباء، لكثرة الجهال بينهم.

وقال: الصبر على المصيبة، مصيبة على الشامت.

وقال: ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار، ولين الجانب، وكثرة الصدقة. وثلاث من كن فيه لم يندم: ترك العجلة، والمشورة، والتوكل على الله عند العزم.

١٨١
١٨٢

وقال: لو كانت السماوات والأرض رتقا على عبد، ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجا.

وقال: من وثق بالله، وتوكل على الله، نجاه الله من كل سوء، وحرز من كل عدو، والدين عز، والعلم كنز، والصمت نور، وغاية الزهد الورع، ولا هدم للدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال من الطمع، وبالراعي تصلح الرعية، وبالدعاء تصرف البلية ومن ركب مركب الصبر، اهتدى إلى مضمار المصر، ومن غرس أشجار التقى، اجتنى ثمار المنى(١).

٧ - من كرامات الإمام محمد الجواد:

عن أبي خالد قال: كنت بالعسكر، فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي به من الشام مكبلا بالحديد، قالوا: إنه تنبأ، قال: فأتيت باب السجن، ودفعت شيئا للسجان حتى دخلت عليه، فإذا رجل ذو فهم وعقل ولب، فقلت: يا هذا ما قصتك؟.

قال: إني كنت رجلا بالشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي يقال إنه نصب فيه رأس الحسين، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبلا على المحراب أذكر الله تعالى، إذ رأيت شخصا بين يدي، فنظرت إليه، فقال لي: قم فقمت معه، فمشى قليلا، فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد، فقلت: نعم، هذا مسجد الكوفة، قال: فصل، فصليت معه، ثم انصرف فانصرفت معه قليلا، فإذا نحن بمكة المشرفة، فطاف بالبيت فطفت معه، ثم خرج فخرجت معه، فمشى قليلا، فإذا أنا بموضعي الذي كنت فيه أعبد الله تعالى بالشام، ثم غاب عني، فبقيت متعجبا حولا، مما رأيت.

فلما كان العام المقبل، إذ ذاك الشخص قد أقبل على ما استبشرت به، فدعاني فأجبت، ففعل معي، كما فعل في العام الماضي، فلما أراد مفارقتي فقلت: بحق الذي أقدرك على ما رأيت منك، ألا ما أخبرتني من أنت؟.

(١) نور الأبصار ص ١٦٢.

١٨٣

فقال: أنا محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر، فحدثت بعض من كان يجتمع بي في ذلك الموضع، فرفع ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فبعث إلي من أخذني من موضعي، وكبلني بالحديد، وحملني إلى العراق، وحبسني كما ترى، وادعى علي بالمحال.

فقلت له: فأرفع قصتك إلى محمد بن عبد الملك الزيات، قال: أفعل؟

فكتبت عنه قصته، وشرحت فيها أمره، ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فوقع على ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام إلى هذه المواضع التي ذكرتها، يخرجك من السجن.

قال أبو خالد: فاغتممت لذلك، وسقط في يدي، وقلت إلى غد آتيه، وآمره بالصبر، وأعده من الله بالفرج، وأخبره بمقالة هذا الرجل المتجبر.

فلما كان من الغد، باكرت إلى السجن، فإذا أنا بالحرس والموكلين بالسجن في هرج، فسألت: ما الخبر؟ فقيل لي: إن الرجل المتنبئ، المحمول من الشام، خرج البارحة من السجن وحده بمفرده، وأصبحت قيوده والأغلال التي كانت في عنقه مرماة في السجن، لا ندري كيف خلص منها؟ وطلب فلم يوجد له أثر، ولا خبر، ولا يدرون أنزل في الأرض، أم عرج به إلى السماء؟

فتعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: استخفاف ابن الزيات بأمره، واستهزاؤه بقصته، خلصه من السجن - كذا نقله ابن الصباغ(١).

وفي الصواعق المحرقة(٢)، وفي نور الأبصار: أن امرأة زعمت أنها شريفة بحضرة الخليفة المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ)، فسأل عمن يخبره بذلك، فدل على محمد الجواد، فجاء فأجلسه معه على السرير، وسأله: فقال: إن الله حرم لحم

(١) في الصواعق المحرقة ٣١٠ - ٣١١ أنه الإمام علي الرضا، بل وقد أشار المسعودي إلى أنه ابن ابن علي الرضا، علي العسكري وانظر: المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٥٤٧ (بيروت ١٩٨٢).

١٨٤

أولاد الحسنين على السباع، فلتلق إلى السباع، فعرض عليها بذلك، فاعترفت بكذبها. ثم قيل للمتوكل: ألا تجرب ذلك فيه؟ فأمر بثلاثة من السباع فجئ بها في صحن قصره، ثم دعاه، فلما دخل بابه، أغلق عليه، والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلما مشى في الصحن يريد الدرجة، مشت إليه، وقد سكنت، وتمسحت به، ودارت حوله، وهو يمسحها بكمه، ثم ربضت.

فصعد للمتوكل، وتحدث معه ساعة، ثم نزل ففعلت معه، كفعلها الأول، حتى خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل: إفعل، كما فعل ابن عمك، فلم يجسر عليه، وقال: أتريدون قتلي، ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك(١).

وفي نور الأبصار: روى أنه لما توجه الإمام أبو جعفر محمد الجواد إلى المدينة الشريفة، خرج الناس يشيعونه للوداع، فسار إلى أن وصل إلى باب الكوفة، عند دار المسيب، فنزل هناك عند غروب الشمس، ودخل إلى مسجد قديم، مؤسس بذلك الموضع، ليصلي فيه المغرب، وكان في صحن المسجد شجرة نبق، لم تحمل قط، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل الشجرة، وقام يصلي، فصلى معه الناس المغرب، ثم تنفل بأربع ركعات، وسجد بعدهن للشكر، ثم قام فودع الناس وانصرف، فأصبحت النبقة وقد حملت من ليلتها حملا حسنا، فرآها الناس، وقد تعجبوا من ذلك(٢).

٨ - أولاد الإمام محمد الجواد:

أعقب الإمام الجواد من رجلين هما: علي الهادي، وموسى المبرقع(٣).

(١) نور الأبصار ص ١٦٢ - ١٦٣.

(٢) نور الأبصار ص ١٦٣.

(٣) ابن عنبة: المرجع السابق ص ٢٢٨.

١٨٥

(٥) الإمام علي الهادي

١ - نسبه ومولده:

هو الإمام أبو الحسن علي الهادي بن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن مولانا الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وسيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، بنت مولانا وسيدنا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكنيته أبو الحسن، وألقابه: الهادي والمتوكل والناصح والمتقي والمرتضى والفقيه والأمين والطيب، وأشهرها: الهادي، وصفته أسمر اللون.

هذا وقد عاصر الإمام علي الهادي من خلفاء بني العباس: المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧ هـ / ٨٣٣ - ٨٤٢ م) والواثق (٢٢٧ - ٢٣٢ هـ / ٧٤٢ - ٧٤٧ م) والمتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ / ٨٤٧ - ٨٦١ م) والمنتصر (٢٤٧ - ٢٤٨ هـ / ٨٦١ - ٨٦٢ م) والمستعين (٢٤٨ - ٢٥٢ هـ / ٨٦٢ - ٨٦٦ م) والمعتز (٢٥٢ - ٢٥٥ هـ / ٨٦٦ - ٨٦٩ م).

هذا وكان الإمام علي الهادي قد ولد يوم الأحد، ثالث عشر رجب - وقيل يوم عرفة - سنة أربع عشرة، وقيل ثلاث عشرة ومائتين للهجرة، وقال

١٨٦

ابن الخشاب في كتابه " مواليد أهل البيت ": ولد أبو الحسن علي الهادي بالمدينة في رجب سنة أربع عشرة ومائتين للهجرة.

وتوفي الإمام علي الهادي يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة - وقيل لأربع بقين منها، وقيل في رابعها - وقيل في ثالث رجب، سنة أربع وخمسين ومائتين للهجرة.

هذا وقد دفن الإمام الهادي في داره في " سر من رأى "(١)، ويقال إنه مات مسموما(٢).

وفي رواية اليعقوبي: وتوفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في " سر من رأى " يوم الأربعاء، لثلاث بقين من جمادى الآخرة، سنة ٢٥٤ هـ، وبعث الخليفة المعتز بأخيه " أحمد بن المتوكل "، فصلى عليه في الشارع المعروف، بشارع أبي أحمد، فلما كثر الناس واجتمعوا، كثر بكاؤهم وضجتهم، فرد النعش إلى داره، فدفن فيها، وسنه أربعون سنة، وخلف من الولد الذكور اثنين: الحسن وجعفر(٣)، وله ابنة اسمها عائشة(٤).

هذا ويذهب ابن عنبة في " عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب " إلى أن

(١) سر من رأى: عاصمة جديدة للخلافة، بناها الخليفة " المعتصم " بسبب غضب أهل بغداد من خشونة جنده الأتراك، وتقع " سر من رأى " أو " سامراء " على الضفة اليسرى لنهر الدجلة، وعلى مبعدة حوالي ١٠٠ كيلا شمالي بغداد، وقد ظلت " سامراء " عاصمة للعباسيين، حتى أعاد المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ / ٨٧٠ - ٨٩٢ م) مقر الخلافة إلى بغداد عام ٢٦٠ هـ (محمد بيومي مهران: تاريخ العراق القديم ص ١٨، العراق في التاريخ ص ٤٢٤ - ٤٢٨).

(٢) وفيات الأعيان ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣، نور الأبصار ص ١٦٤ - ١٦٦.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٥٠٣.

(٤) نور الأبصار ص ١٦٦.

١٨٧

الإمام علي الهادي، إنما كان يلقب " بالعسكري " لمقامه في " سر من رأى "، وكانت تسمى " العسكر "، وأمه أم ولد (اسمها أم الفضل) وكان الإمام الهادي في غاية الفضل، ونهاية النبل، أشخصه الخليفة المتوكل إلى " سر من رأى "، فأقام بها إلى أن توفي، وأعقب من رجلين، هما: الإمام أبو محمد الحسن العسكري، وكان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام محمد المهدي - صلوات الله عليه - ثاني عشر الأئمة عند الإمامية، وهو القائم المنتظر عندهم، من أم ولد اسمها " نرجس " واسم أخيه أبو عبد الله جعفر، الملقب بالكذاب، لأنه أولد مائة وعشرين ولدا، ويقال لولده " الرضويون " نسبة إلى جده الرضا(١).

وأما الأستاذ محمد جواد مغنية، فيذكر أن للإمام الهادي أربعة ذكور، وبنت واحدة، وهم الإمام الحسن العسكري والحسين ومحمد وجعفر (الملقب بالكذاب، لأنه ادعى الإمامة بعد أخيه الحسن العسكري) وبنت هي " علية "(٢).

ويقول المسعودي: وكانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد، في خلافة المعتز، وذلك في يوم الاثنين، لأربع بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين ومائتين، وهو ابن أربعين سنة، وقيل ابن اثنتين وأربعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وسمع في جنازته جارية تقول: ماذا لقينا في يوم الاثنين، قديما وحديثا؟ وصلى عليه أحمد بن المتوكل على الله، في شارع أبي أحمد، ودفن في داره في " سامراء "(٣).

(١) ابن عنبه: المرجع السابق ص ٢٢٨.

(٢) محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي ص ٢٤٠، الشيعة في التاريخ ص ٢٤٦.

(٣) المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٥٤٥ - ٥٤٦.

١٨٨

٢ - الإمام علي الهادي والمتوكل:

كان الخليفة العباسي المتوكل يبغض سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وذريته، ولما بلغه مقام الإمام علي الهادي في المدينة، وميل الناس إليه، خاف منه، ودعا يحيى بن هرثمة "، وأمره بالذهاب إلى المدينة، وإحضار الإمام الهادي، وقامت الدنيا على ساق، لأن الإمام الهادي كان محسنا للناس، ملازما للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا.

ويتحدث " يحيى بن هرثمة " عن ذلك فيقول: " لما دخلت المدينة ضج أهلها ضجيجا عظيما، ما سمع الناس بمثله، خوفا على الإمام الهادي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسنا إليهم، ملازما للمسجد ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا، فجعلت أسكنهم، وأحلف أني ما أمرت به بسوء، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا المصاحف، والأدعية، وكتب العلم، فعظم في عيني، وتوليت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته.

وما أن وصل الإمام إلى " سامراء " واستقر به المقام، حتى بعث إليه المتوكل جماعة من الأتراك، فهجموا داره ليلا، وحملوه إلى المتوكل على الحالة التي كان عليها، وقالوا له: لم نجد في بيته شيئا، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبلا القبلة.

وكان المتوكل حين دخل عليه الإمام الهادي في مجلس الشراب، حاملا الكأس بيده، فلما رآه هابه وعظمه، وكان في المجلس " علي بن الجهم "، فسأل المتوكل: من أشعر الناس؟ فذكر " ابن الجهم " الشعراء في الجاهلية والإسلام، فسأل الإمام الهادي عن ذلك؟ فقال: أشعر الناس الحمامي، حيث يقول:

١٨٩

لقد فاخرتنا من قريش عصابة * بمط خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا المقال قضي لنا * عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا * عليهم جهير الصوت في كل جامع
فإن رسول الله أحمد جدنا * ونحن بنوه كالنجوم الطوالع

فقال له المتوكل: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله(١).

وفي رواية الحافظ ابن كثير: وكان أبو الحسن علي الهادي: عابدا زاهدا، نقله المتوكل إلى سامراء فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر، ومات بها سنة ٢٥٤ هـ وقد ذكر للمتوكل أن بمنزله سلاحا وكتبا كثيرة من الناس، فبعث كبسه، فوجده جالسا مستقبل القبلة، وعليه مدرعة من صوف، وهو على التراب، ليس دونه حائل، فأخذوه كذلك، فحملوه إلى المتوكل، وهو على شرابه، فلما مثل بين يديه أجله وأعظمه، وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، لم يدخل بطني، ولم يخالط لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعرا، فأنشده:

باتوا على قلل الجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم * فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
نادى بهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فافصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما لبسوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

قال: فبكى المتوكل، حتى بل الثرى، وبكى من حوله بحضرته، وأمر

(١) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص ٢٤٦ - ٢٤٧

١٩٠

برفع الشراب، وأمر له بأربعة آلاف دينار، وتحلل منه، إلى منزله مكرما، رحمه الله(١).

ويروي صاحب " مروج الذهب " عن ابن الأزهري أنه قال: حدثني القاسم بن عباد، قال حدثني يحيى بن هرثمة قال: وجهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص " علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر "، لشئ بلغه عنه، فلما صرت إليها ضج أهلها، وعجوا ضجيجا وعجيجا، ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت بيته، فلم أجد فيه، إلا مصحفا ودعاء، وما أشبه ذلك، فأشخصته وتوليت خدمته، وأحسنت عشرته.

فبينا أنا نائم يوما من الأيام، والسماء صاحية، والشمس طالعة، إذ ركب وعليه ممطر، وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله، فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها، ونالنا من المطر أمر عظيم جدا، فالتفت إلي، وقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت، وتوهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت، ولكني نشأت بالبادية، فأنا أعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما أصبحت هبت ربح لا تخلف، وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك.

فلما قدمت مدينة السلام (بغداد) بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري - وكان على بغداد - فقال لي: يا يحيى، إن هذا الرجل قد ولده رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والمتوكل من تعلم، وإن حرضته على قتله، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، خصمك.

فقلت: والله ما وقفت له، إلا على كل أمر جميل.

فصرت إلى " سامراء " فبدأت ب‍ " وصيف التركي " - وكنت من أصحابه

(١) ابن كثير: البداية والنهاية ١١ / ١٥، المسعودي: مروج الذهب ٢ / ٤٧٦ - ٤٧٧، وفيات الأعيان ٣ / ٢٧٢ - ٢٧٣.

١٩١

فقال - فقال: والله لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة، لا يكون المطالب بها غيري.

فعجبت من قولهما، وعرفت المتوكل ما وقفت عليه، وما سمعت من الثناء عليه، فأحسن جائزته، وأظهر بره وتكرمته(١).

هذا وقد حدث أبو عبد الله محمد بن عرفة النحوي قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد(٢)قال: قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟

قال: وما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض الله طاعة بنيه على خلقه، وافترض طاعته على بنيه؟

فأمر له بمائة ألف درهم، وإنما أراد أبو الحسن طاعة الله على بنيه فعرض.

ومن كرامات آل البيت في عهد المتوكل، ما حدث به موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي، عن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب - وكان واليا على

(١) المسعودي، مروج الذهب ٢ / ٥٤٦.

(٢) المبرد: هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان الثمالي الأزدي البصري، المعروف بالمبرد النحوي، نزل بغداد، وكان إماما في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب، وأهمها كتاب الكامل، وكتاب الروضة والمقتضب وغيرها، أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه " نفطويه " وغيره من الأئمة، وكان المبرد - ومعاصره أبو العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب صاحب كتاب الفصيح - قد ختم بها تاريخ الأدباء، وقد ولد المبرد في يوم الاثنين يوم عيد الأضحى عام ٢١٠ هـ وقيل عام ٢٠٧ م وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة - وقيل ذي القعدة - عام ٢٨٦ هـ وقيل ٢٨٥ هـ - ودفن في مقابر باب الكوفة، وصلى عليه " أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي " (وفيات الأعيان ٤ / ٣١٣ - ٣٢٢).

١٩٢

بغداد - أنه رأى في منامه كأن النبي (صلى الله عليه وسلم)، يقول له: إطلق القاتل، فارتاع لذلك روعا عظيما.

ونظر في الكتب الواردة لأصحاب الحبوس، فلم يجد فيهم ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس، فسألهما: هل رفع إليهما أحد ادعي عليه بالقتل؟

فقال له العباس: نعم، وقد كتبنا بخبره.

فأعاد النظر في الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا الرجل قد شهد عليه بالقتل، وأقر به. فأمر إسحاق بإحضاره، فلما دخل عليه، ورأى ما به من الارتياع، قال له: إن صدقتني أطلقتك. فابتدأ يخبره بخبره، وذكر أنه كان هو وعدة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة، ويستحلون كل محرم، وأنه كان اجتماعهم في منزل بمدينة أبي جعفر المنصور، يعكفون فيه على كل بلية.

فلما كان في هذا اليوم جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد، ومعها جارية بارعة الجمال، فلما توسطت الجارية الدار صرخت صرخة، فبادرت من بين أصحابي، فأدخلتها بيتا وسكنت روعها، وسألتها عن قصتها، فقالت: الله الله في، فإن هذه العجوز خدعتني، وأعلمتني أن في خزانتها حقا لم ير مثله، فشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها، واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأمي فاطمة، وأبي الحسن بن علي، فاحفظوهم في.

قال الرجل: فضمنت خلاصها، وخرجت إلى أصحابي فعرفتهم بذلك، فكأني أغريتهم بها، وقالوا: لما قضيت حاجتك منها، أردت صرفنا عنها، وبادروا إليها، وقمت دونها أمنع عنها. فتفاقم الأمر بيننا، إلى أن نالتني جراح، فعمدت إلى أشدهم كان في أمرها، وأكلبهم على هتكها، فقتلته، ولم أزل أمنع عنها، إلى أن خلصتها سالمة.

وتخلصت الجارية آمنة مما خافته على نفسها، فأخرجتها من الدار،

١٩٣

فسمعتها تقول: سترك الله، كما سترتني وكان لك، كما كنت لي.

وسمع الجيران الضجة، فتبادروا إلينا، والسكين في يدي، والرجل يشحط في دمه، فرفعت على هذه الحالة.

فقال له إسحاق: قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة، ووهبتك لله ورسوله.

قال: فوحق من وهبتني له، لا عاودت معصية، ولا دخلت في ربية، حتى ألقى الله فأخبره إسحاق بالرؤيا التي رآها، وأن الله تعالى لم يضيع له ذلك، وعرض عليه برا واسعا، فأبى قبول شئ من ذلك(١).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن المؤرخين يجمعون - أو يكادون - على أن الخليفة العباسي " المتوكل " - كما أشرنا آنفا - إنما كان شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظا على جماعتهم، وكان وزيره " عبيد الله بن يحيى بن خاقان " على سنته، ومن ثم فقد حسن له كل قبيح في معاملتهم.

وقد استعمل المتوكل على المدينة ومكة - كما يقول صاحب " مقاتل الطالبيين - " عمر بن الفرج الرخجي "، فمنع آل أبي طالب من التعرض للناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحدا تقرب منهم بشئ، وإن قل، إلا أنهكه عقوبة، وأثقله غرما، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه، واحدة بعد واحدة، ثم يرفعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات.

وهكذا شاع من يسمونه " أمير المؤمنين "، المتوكل على الله " أن تقبع العلويات الطاهرات في بيوتهن عاريات، يتبادلن القميص المرقع عند الصلاة،

(١) المسعودي ٢ / ٤٧٨ - ٤٧٩.

١٩٤

وأن تختال الفاجرات العاهرات بالحلي، وحلل الديباج بين الإماء والعبيد(١).

وكان المتوكل يقرب " علي بن جهم "، لا لشئ، إلا لأنه كان يبغض أمير المؤمنين علي المرتضى، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، وكان ابن الجهم هذا مأبونا، سمعه أبو العيناء يوما يطعن على الإمام علي، فقال له: إنك تطعن على الإمام علي، لأنه قتل الفاعل والمفعول من قوم لوط، وأنت أسفلهما(٢).

وكان ابن السكيت من كبار العلماء والأدباء في زمانه، وقد ألزمه المتوكل تعليم ولده المعتز، فقال له يوما: أيهما أحب إليك، ابناي هذان، المعتز والمؤيد، أو الحسن والحسين؟

فقال ابن السكيت (٨١٠ - ٨٥٧ م) والله إن " قنبرا " خادم علي بن أبي طالب، خير منك ومن ابنيك.

فقال المتوكل للأتراك (من جنده): سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا، فمات(٣).

وكان عند المتوكل مخنث يدعى " عبادة " فيشد على بطنه مخدة، ويرقص

(١) أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص ٥٩٧ محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص ١٦٩ - ١٧٠.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٣ / ١٢٣ (وروى ابن أبي الحديد عن أبي الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني: أن علي بن الجهم خطب امرأة من قريش فلم يزوجوه، وبلغ المتوكل ذلك، فسأل عن السبب: فحدث بقصة بني سامة بن لؤي، وأن أبا بكر وعمر لم يدخلاهم في قريش، وأن عثمان أدخلهم فيها، وأن عليا عليه السلام أخرجهم منها، فارتدوا، وأنه قتل من ارتد منهم، وسبى بقيتهم، فباعهم من مصقلة بن هبيرة، فضحك المتوكل، وبعث إلى علي بن الجهم، وأخبره بما قال القوم (شرح نهج البلاغة ٣ / ١٢٦) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٤٨ - ٣٤٩.

(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٤٨ - ٣٤٩، وفيات الأعيان ٦ / ٤٠٠ وانظر عن ابن السكيت (وفيات الأعيان ٦ / ٣٩٥ - ٤٠١، تاريخ بغداد ١٤ / ٢٧٣ الفهرست ص ٧٢، شذرات الذهب ٢ / ١٠٦

١٩٥

بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: أقبل البطين، خليفة المسلمين - وهم يعنون عليا أمير المؤمنين عليه السلام -، والمتوكل يشرب ويضحك.

وفعل ذلك، وابنه المنتصر حاضر، فقال لأبيه: إن الذي يحكيه هذا الكلب، ويضحك منه الناس، هو: " ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله، فقال المتوكل:

غنوا:

غار الفتى لابن عمه * رأس الفتى في حرامه

وسمعه يوما يشتم سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء، بنت سيدنا مولانا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسأل أحد الفقهاء، فقال له: قد وجب عليه القتل، إلا أن من قتل أباه، لم يطل عمره.

فقال المنتصر: لا أبالي، إذا أطعت الله بقتله، أن لا يطول عمري، فقتله، فعاش بعده سبعة أشهر(١).

وروى الإمام الطبري في تاريخه: أن أبا السمط دخل يوما على المتوكل، فأنشده قصيدة ذم فيها الشيعة، فعقد له على البحرين واليمامة، وخلع عليه أربع خلع، وأمر له بثلاثة آلاف دينار، نثرت على رأسه، وأمر ابنه المنتصر أن يلتقطها له، وكذا القصيدة(٢).

وفي عام ٢٣٦ هـ (٨٥٠ م) - وقيل في عام ٢٣٧ هـ - أمر المتوكل بهدم قبر مولانا وسيدنا الإمام الحسين بن علي - عليه السلام - ومحو أرضه، وإزالة آثاره، وجعل عقاب من يزوره القتل، وهكذا بعث المتوكل أحد رجاله، ويدعى

(١) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص ١٧٠ - ١٧١، نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق ص ٢٢٠، ابن الأثير: الكامل ٥ / ٢٠، ٢٨٧، ٣٠٠ (ط الاستفاقة).

(٢) تاريخ الطبري ١١ / ٦٧.

١٩٦

" الديزج " أو الذيرج - كان يهوديا فأسلم، لهدم قبر سيدنا الإمام الحسين، فامتنع الناس عن ذلك - رغم كل الإغراءات المادية - ومن ثم فقد اضطر هذا الديرج إلى أن يحضر قوما من يهود، فكربوه، وأجرى الماء من حوله، ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر، إلا أخذوه إليه.

وروى الإمام الطبري: أن المتوكل أمر عام ٢٣٦ هـ، بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من المنازل، والدور، وأن يحرث ويبذر، ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه وأن صاحب الشرطة نادى في الناس: " من وجدناه عند قبر الحسين بعد ثلاثة، بعثنا به إلى المطبق "، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحرث ذلك الموضع، وزرع ما حوله ".

وكان لذلك أسوأ الأثر في نفوس المسلمين جميعا، فأطلقوا ألسنتهم في المتوكل، وكتبوا شتمه على الحيطان، ومنهم الشاعر المعروف بالبسامي، حيث قال فيه: -

تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتوه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتبعوه رميما(١)

هذا وقد روى أبو الفرج عن محمد بن الحسين الأشفاني، أن عهده بعد بزيارة قبر الإمام الحسين، ثم ساعده عطار على ذلك: فكان يكمن في النهار، ويسير في الليل، حتى وصل إلى نواحي العاضرية، وخرج نصف الليل، حتى أتى القبر الشريف، فخفي عليه، فجعل يشمه ويتحراه، بعد أن ضاعت كل المعالم.

(١) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٤٧، تاريخ ابن الأثير ٥ / ٣٠٠، ابن كثير: البداية والنهاية ١٠ / ٣١٥، تاريخ الطبري ١١ / ٤٤، المسعودي: مروج الذهب ٥١٤ - ٥١٥، الخضري: الدولة العباسية ص ٢٥٨ - ٢٥٩، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي ٣ / ٥.

١٩٧

فلما وصل المكان شم رائحة، ما شم مثلها من قبل، ولما سأل العطار عن هذه الرائحة أخبره أنه لم يشم مثلها من قبل، ثم جعلا علامة على القبر الشريف، فلما قتل الخليفة المتوكل بيد ابنه المنتصر في شوال عام ٢٤٧ هـ، اجتمع مع جماعة من الشيعة والطالبيين، وأخرجوا تلك العلامات، وبنوا القبر الشريف من جديد، وكان المنتصر بالله (٢٤٧ - ٢٤٨ هـ) قليل الظلم، محسنا إلى العلويين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة، بمنعهم من زيارة قبر الحسين، ورد على آل الحسين " فدك " فقال يزيد المهلبي في ذلك:

ولقد بررت الطالبية بعدما * ذموا زمانا بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم * بعد العداوة بينهم إخوانا

ويضيف المسعودي أنه في خلافة المنتصر أمن الناس، وكف عن آل أبي طالب، ولم يمتنع أحد من زيارة قبر الإمام الحسين، أو قبر أبيه الإمام علي، وروى ابن كثير عن ابن الكلبي: أن الماء لما أجري على قبر الحسين، بمحو أثره، نضب الماء بعد أربعين يوما، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى، وقال: بأبي وأمي، ما أطيبك، وأطيب تربتك، ثم أنشد يقول: -

أرادوا أن يخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر

وأما الخليفة المتوكل، فلقد لقي جزاء عدائه لآل البيت الطاهرين، فلم تمض سنون حتى لقي مصرعه في ثالث أيام عيد الفطر عام ٢٤٧ هـ (٨٦١ م)، وهو في لهوه وشرابه بين ندمائه ومغنياته، وعلى يد أقرب الناس إليه، ولده " المنتصر بالله " (٢٤٧ - ٢٤٨ هـ)، الذي أمن الناس، وكف أذاه عن آل أبي طالب - كما أشرنا آنفا - وفي ذلك يقول البحتري من أبيات له:

وإن عليا لأولى بكم * وأزكى يدا عندكم من عمر
١٩٨
١٩٩

قال: رجل علوي، تقول الرافضة، بإمامته، ويريد المتوكل قتله.

فقلت في نفسي: لن أبرح، حتى أنظر إليه، ولم يمض أمد من الوقت، حتى أقبل راكبا على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، ودعوت له في نفسي أن يدفع الله عنه شر المتوكل.

وأقبل الإمام الهادي يسير بين الناس، لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأنا أكرر في نفسي الدعاء، فلما صار بإزائي، أقبل بوجهه علي، وقال لي: قد استجاب الله دعاءك، وطول عمرك، وكثر مالك وولدك.

قال عبد الرحمن: فارتعدت من هيبته، ووقعت بين أصحابي، فسألوني:

ما شأنك، فقلت: خيرا، ولم أخبر بذلك مخلوقا، فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان، ففتح الله علي بدعائه، حتى أنا اليوم أغلق بابي على ألف ألف درهم، سوى أموالي التي خارج الدار، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد بلغت الآن نيفا وسبعين سنة(١).

وفي إثبات الوصية: أن الخليفة المتوكل كان قد أوكل الهادي، وهو غلام، إلى معلم عرف بالنصب والعداوة لآل البيت الطاهرين لينشئه بعيدا عن معتقدات الشيعة، كما أمر بإبعاده عن الشيعة، وإبعاد الشيعة عنه، غير أن هذا المعلم سرعان ما تصيبه الدهشة والعجب لهذا الغلام، الذي مات أبوه، وهو ابن ست سنين، ونشأ بين الجواري السود، ثم يظهر من العلم والفقه، ما جعل المعلم نفسه يتأدب ويتعلم عليه، ثم يتشيع، ويفسر الشيعة ذلك بالعلم الحضوري، والنور الجلي، والسر الخفي، من لدن رب العالمين(٢).

(١) الشيعة في الميزان ص ٢٤٧ - ٢٤٨.

(٢) المسعودي: إثبات الوصية ص ٢٢٢ - ٢٢٣، أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ص ٣٩٣.

٢٠٠