×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 3 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، وأظن، أن يجعلك الله معهما "(١)

وأما الإمام زيد بن علي زين العابدين فلقد اجتمع إليه كثير من رجال الشيعة - عندما بايعه الناس في الكوفة - فقالوا له: ما قولك، يرحمك الله، في أبي بكر وعمر؟ قال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذن بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة، قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذن؟ قال: إن هؤلاء القوم (أي الأمويين) ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس، وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وإحياء السنن، وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه، ونقضوا ببيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية(٢).

وأخرج الدارقطني بسنده عن عبد الله بن المحض (والد محمد النفس الزكية) إنه سئل: أتمسح على الخفين؟ فقال، أمسح فقد مسح عمر، فقال له السائل: إنما أسألك أنت تمسح، قال: ذلك أعجز لك، أخبرك عن عمر، وتسألني عن رأيي، فعمر خير مني ومل ء الأرض مثلي، فقيل له: هذا تقية،

(١) صحيح مسلم ١٥ / ١٥٨.

(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ٩ / ٣٧١، وانظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٣٤ - ٣٦، تاريخ الطبري ٧ / ١٨٠ - ١٨١، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٩٩، ٤ / ٣٦٤، الكامل لابن الأثير ٥ / ٢٤٢ - ٢٤٣، الأشعري: مقالات الإسلاميين ١ / ١٣٧، ابن تيمية: منهاج السنة ١ / ١٧١، ٢ / ١٠٥، المقريزي: الخطط ٢ / ٤٣٩، شذرات الذهب ١ / ١٥٨، سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٩٠، تاريخ دمشق لابن عساكر ٦ / ٢١، ٢٦، المقدسي والتأريخ ٦ / ٥٠، الصفدي: الوافي بالوفيات ١٥ / ٣٣.

٤١

فقال: نحن بين القبر والمنبر، اللهم هذا قولي في السر والعلانية، فلا تسمع قول أحد بعدي(١).

وأخرج الدارقطني بسنده عن الإمام محمد الباقر أنه قال: أجمع بنو فاطمة، رضي الله عنهم، أن يقولوا في الشيخين (أبي بكر وعمر) أحسن ما يكون من القول(٢).

وأخرج الدارقطني عن سالم بن أبي حفصة قال قال لي جعفر: يا سالم، أيسب الرجل جده، أبو بكر جدي، وروي أيضا أنه قال: دخلت على جعفر بن محمد، وهو مريض، فقال: " اللهم إني أحب أبا بكر وعمر، وأتولاهما "(٣).

ويقول الأستاذ أحمد مغنية: حورب المذهب الجعفري في عهد العثمانيين والأتراك مئات السنين، محاربة عنيفة لئيمة متواصلة، وتفنن المفرقون بالافتراءات عليهم في ذلك العهد الظالم اللئيم، فلم يتركوا وسيلة من وسائل الإيذاء إلا اقترفوها، كما أن المفرقين وجدوا في اتفاق الإسمين: عمر بن الخطاب - الخليفة العظيم - وعمر بن سعد بن أبي وقاص - قاتل الإمام الشهيد مولانا وسيدنا الإمام الحسين - ميدانا واسعا، يتسابقون فيه في تشويه الحقيقة والدس على الشيعة بأحط أنواع الدس.

وكان طبيعيا أن يكون لعنة اللعنات، عمر بن سعد، لأنه بطل الجريمة، وقائد جيش اللئام الجبناء، ومن من المسلمين، لا يلعن عمر بن سعد - قاتل ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إن أولئك المفرقين الآثمين قد استغلوا كلمة " عمر "، وقالوا: إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإني

(١) الصواعق المحرقة ص ٧٨.

(٢) الصواعق المحرقة ص ٧٨.

(٣) الصواعق المحرقة ص ٨٠.

٤٢

في الوقت الذي أثور فيه على الدساسين التجار، أصحاب الغابات والمصالح الرخيصة، لا أنكر وجود أفراد الأمس من سواد الشيعة وبسطائهم، لا يفرقون بين هذين الإسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمر بن سعد - تقيا أو شقيا - وكل الذين يعرفون أن عمر بن سعد، هو الذي قتل مولانا الإمام الحسين، وداس صدره الشريف تحت سنابك خيله، ومثل به وبأهل بيته وأصحابه، تمثيلا لم تعرفه الجريمة البشرية من قبل، إذن ليكن الغضب على " عمر " قاتل الحسين، ولتكن اللعنات من المآثم السيئية وغيرها عليه إلى يوم يحشرون(١).

٨ - الإمام الباقر والإمام أبو حنيفة:

يروي الشيخ محمد أبو زهرة مناقشة جرت بين الإمام الباقر والإمام أبو حنيفة، فقيه العراق، وكان أبو حنيفة قد اشتهر بكثرة القياس في الفقه حتى تناولته الألسن بالملام، وإليك بعض ما جرى بينهما:

قال الإمام الباقر: أنت الذي حولت دين جدي وأحاديثه إلى القياس.

قال أبو حنيفة: أجلس مكانك كما يحق لي، فإن لك عندي حرمة، كحرمة جدك (صلى الله عليه وسلم)، في حياته على أصحابه، فجلس، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه، ثم قال: إني أسألك عن ثلاث كلمات فأجبني، الرجل أضعف أم المرأة.

قال الباقر: المرأة أضعف، قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث، قال الباقر: للرجل سهمان، وللمرأة سهم، قال أبو حنيفة: هذا علم جدك، ولو حولت دين جدك لكان ينبغي القياس أن يكون للرجل سهم، وللمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف من الرجل، ثم الصلاة أفضل أم الصوم، قال الباقر: الصلاة

(١) أحمد مغنية: الإمام الصادق - بيروت ١٩٥٨ ص ١١٣ - ١١٤، محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص ٢١٠ - ٢١١.

٤٣

أفضل، قال أبو حنيفة: هذا قول جدك، ولو حولت دين جدك، لكان أن المرأة إذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضي الصلاة، ولا تقضي الصوم.

ثم البول أنجس أم النطفة؟

قال الإمام الباقر: البول أنجس، قال أبو حنيفة: لو كنت حولت دين جدك بالقياس، لكنت أمرت أن يغتسل من البول، ويتوضأ من النطفة، ولكن معاذ الله أن أحول دين جدك بالقياس.

فقام الإمام الباقر، وعانقه، وقبل وجهه.

ويقول الشيخ أبو زهرة (١٨٩٨ - ١٩٧٤): ومن هذا الخبر نتبين إمامة الإمام الباقر للعلماء، يحضرهم إليه، ويحاسبهم على ما يبلغه عنهم، أو يبدو منهم، وكأنه الرئيس يحكم مرؤوسيه ليحملهم على الجادة، وهم يقبلون - طائعين غير مكرهين - تلك الرياسة(١).

غير أن المصادر الشيعية إنما ترى في هذه المناقشة أمورا ثلاثة:

الأول: أن أبا حنيفة كان يعمل بالقياس بلا شك، وعليه فقضية محاورته مع الإمام الباقر، عليه السلام، في أمر القياس، لا تخرج عن أن يكون محملها أحد أمور ثلاثة على سبيل مانعة الخلو، فإما أن تكون قبل أن يتشبع ذهن أبي حنيفة من فكرة العمل بالقياس، أو يكون عمله بالقياس فيما لا نص فيه من الشارع، أو تكون قضية هذه المحاورة مكذوبة على الإمامين الباقر وأبي حنيفة.

غير أن الاحتمال الثاني ضعيف، لأن من المسلم به أن مورد عملهم بالقياس، إنما هو فيما لا نص فيه، فيبقى الاحتمال الأول والثالث، ولا يبعد أن يكون الثالث هو الأقرب.

(١) أبو زهرة: الإمام الصادق ص ٢٢ - ٢٣.

٤٤

الثاني: أن الظاهر من هذه المحاورة أن الإمام الباقر عليه السلام، أقر الإمام أبا حنيفة على ما رآه في وجه القياس، وعلة الحكم القياسي، وأن القياس يجعل السهمين للمرأة، لأنها أضعف من الرجل، ولا يمكن للإمام الباقر أن يقره على ذلك، لأن ما أدركه أبو حنيفة بعقله من العلة المذكورة، ليست هي مناط الحكم.

الثالث: أن المحاورة المذكورة مقلوبة، لأنها وقعت بين الإمام الصادق وأبي حنيفة(١). هذا وقد عاد الشيخ أبو زهرة، وذكرها في نفس كتابه (الإمام الصادق) رواية عن الكليني في الكافي، وأنه اعتمدها فيها - كما في الهامش

(١) الإمام أبو حنيفة: - هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، ولد في الكوفة عام ٨٠ هـ (٦٩٩ م)، وتوفي ببغداد عام ١٥٠ هـ (٧٦٧ م)، كان جده زوطي جلب عبدا من فارس إلى الكوفة، وأعتقه سيده، وكان من قبيلة تيم الله، أما والده ثابت فقد ولد حرا في هذه القبيلة، وقد سمع أبو حنيفة بعض الصحابة وعددا كبيرا من التابعين بالكوفة، لكنه لم يرو عنهم، ومن شيوخه " أبو عمرو والشعبي (ت ١٠٤ هـ / ٧٢٢ م). و " عطاء بن أبي رياح " (ت عام ١١٤ هـ / ٧٣٢ م) و " حماد بن أبي سليمان " (ت ١٢٠ هـ / ٧٣٧ م)، والذي أثر فيه كثيرا، فقد سمع له نحو ١٨ عاما، وأما تلاميذ أبي حنيفة فأشهرهم " أبو يوسف "، (١١٣ - ١٨٢ هـ / ٧٣١ - ٧٩٨ م) و " زفر بن الهذيل " (١١٠ - ١٥٨ هـ / ٧٢٨ - ٧٧٤ م) و " محمد بن الحسن الشيباني " (١٣٢ - ١٨٩ هـ / ٧٤٩ - ٨٠٥ م)، وكان أبو حنيفة يكسب قوته من التجارة، وحاول الخلفاء الأمويون المتأخرون، والخليفة العباسي المنصور أن يجبروه على منصب القضاء، ولكنه كان يرفض وسجن بسبب ذلك. وأما أهم مصادر ترجمته (مقالات الإسلاميين الأشعري ١ / ١٣٨ - ١٣٩، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٦٧ - ٦٨، تاريخ بغداد للخطيب ١٣ / ٣٢٣ - ٤٥٤، الانتقاء لابن عبد البر ص ١٢١ - ١٧٥، الجواهر للقرشي ١ / ٢٦ - ٣٢، تذكرة الحفاظ للذهبي ص ١٦٨ - ١٦٩، مرآة الجنان لليافعي ١ / ٣٠٩ - ٣١٢، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٢ / ١٢ - ١٥، وفيات الأعيان ٢ / ٢١٥ - ٢١٩، كما صدر حديثا مجموعة كتب عنه، من أشهرها: كتاب أبو زهرة (أبو حنيفة) وكتاب عبد الحليم الجندي (أبو حنيفة) وكتاب محمد يوسف موسى (أبو حنيفة) وكتاب السيد عفيفي (حياة الإمام أبي حنيفة).

وأما أهم آثار أبي حنيفة (الفقه الأكبر - مسند أبي حنيفة - رسالة في الفرائض - معرفة المذاهب - دعاء أبي حنيفة - فتاوي أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني - كتاب العالم والمتعلم - وصيته إلى ابنه حماد) وانظر: فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول - الجزء الثالث - الفقه - نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣) ص ٣١ - ٥٠.

٤٥

الأول من ص ٢٩٣ - على مسند الإمام أحمد بن حنبل، يقول أبو زهرة: جاء في الكافي عن أبي حنيفة قال: استأذنت عليه (أي الإمام الصادق) فحجبني، وجاءه قوم من أهل الكوفة واستأذنوا، فأذن لهم، فدخلت معهم، فلما صرت عنده قلت: يا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة، فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإني تركت فيها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم، فقال: لا يقبلون مني، فقلت: ومن لا يقبل منك، وأنت ابن رسول الله.

فقال الصادق: أنت أول من لا يقبل مني، دخلت داري بغير أذني وجلست بغير أمري، وتكلمت بغير رأيي، وقد بلغني أنك تقول بالقياس، فقلت: نعم.

فقال: ويحك يا نعمان، أول من قاس إبليس، حين أمر بالسجود لآدم فأبى، وقال: خلقتني من نار، وخلقته من طين، أيهما أكبر يا نعمان، القتل أم الزنى؟ قلت: القتل، قال: فلم جعل الله في القتل شاهدين، وفي الزني أربعة أيقاس لك هذا؟ قلت: لا.

قال: فأيهما أكبر البول أو المني؟ قلت: البول، قال فلم أمر الله في البول بالوضوء، وفي المني بالغسل، أيقاس لك هذا؟ قلت: لا.

قال: فأيهما أكبر الصلاة أم الصوم؟ قلت: الصلاة، قال: فلم وجب على الحائض أن تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، أيقاس ذلك؟ قلت: لا.

قال: فأيهما أضعف المرأة أم الرجل؟ قلت: المرأة، قال: فلم جعل الله تعالى في الميراث للرجل سهمين، وللمرأة سهما، أيقاس ذلك؟ قلت: لا.

قال: وقد بلغني أنك تقرأ آية في كتاب الله تعالى، وهي (لتسألن يومئذ عن النعيم)، أنه الطعام الطيب، والماء البارد في اليوم الصائف، قلت: نعم.

قال: لو دعاك رجل وأطعمك طعاما طيبا، وسقاك ماء باردا، ثم امتن به

٤٦

عليك، ما كنت تنسبه، قلت: للبخل، قال: فتبخل الله علينا، قلت: فما هو قال: حبنا أهل البيت(١).

وروى أبو زهرة رواية أخرى: عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (الصادق) فقال له، يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس؟

قال نعم، قال: لا تقس، فإن أول من قاس إبليس، حين قال: خلقتني من نار، وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار، لعرف فضل ما بين النورين، وصفا أحدهما(٢).

٩ - الإمام الباقر وقريش:

روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن الإمام أبا جعفر محمدا الباقر قال: " يا فلان، لقد لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ما لقينا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قبض وقد أخبرنا: أنا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش، حتى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد، حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود، حتى قتل ".

" فبويع الحسن ابنه وعوهد، ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق، حتى طعن من خنجر في جنبه، ونهب عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية، وحقن دمه، ودم أهل بيته، وهم قليل حق قليل ".

" ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا، ثم غدروا به وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه، ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام،

(١) أبو زهرة: الإمام الصادق ص ٢٩١ - ٢٩٢، مسند الإمام أحمد ١ / ١١ - ١٣.

(٢) أبو زهرة: الإمام الصادق ص ٢٩١.

٤٧

ونقضي ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخوف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الجاحدون الكاذبون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء، وعمالة السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة(١)، ورووا عنا ما لم نقله، وما لم نفعله، ليبغضونا إلى الناس ".

وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية(٢)، بعد موت الحسن، فقلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، ومن يذكر بحبنا والانقطاع إلينا، سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة(٣)، حتى إن الرجل ليقال له زنديق(٤)، أحب إليه من أن يقال له شيعة علي "(٥).

(١) أنظر: (ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٣ - ٧٤).

(٢) روي عن أبي عثمان الجاحظ: أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة " اللهم إن أبا تراب (يعني الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة) - ألحد في دينك، وصد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما " وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على منابر المسلمين، حتى عهد عمر بن عبد العزيز، فألغاها، ثم عادت مرة أخرى بعد عهده، وروي أن قوما في بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل (أي الإمام علي) فقال: " لا، والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا " (شرح نهج البلاغة ٤ / ٥٦ - ٥٧).

(٣) من عجائب الأيام أن الحجاج الثقفي كان يلعن الإمام علي، ويأمر بلعنه، وقال له متعرض يوما، وهو راكب: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، فغير اسمي، وصلني، بما أتبلغ به، فإني فقير، فقال للطف ما توسلت به، قد سميتك كذا، ووليتك العمل الفلاني، فأشخص إليه (شرح نهج البلاغة ٤ / ٥٧).

(٤) كان بنو أمية يمنعون إظهار فضائل الإمام علي عليه السلام، وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتى أن الرجل كان إذا روى عن الإمام علي حديثا، لا يتعلق يفضله، بل بشرائع الدين، لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب، وروى عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: وددت أن أترك فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى الليل، وأن عنقي هذه ضربت بالسيف (شرح نهج البلاغة ٤ / ٧٣).

(٥) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص ١١١، شرح نهج البلاغة ٣ / ١٥.

٤٨

هذا ورغم اعتراض أبي زهرة على بعض جمل جاءت في كلام الإمام الباقر، تومئ إلى أن الشيخين قد اغتصبا حق علي، ويستبعد أن يكون ذلك من الإمام الباقر، لأن لآثار المتضافرة تثبت أنه كان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر(١)، غير أنه يقرر أن ما ذكر عن حال آل البيت في العصر الأموي - الذي عاش فيه الإمام الباقر - صادق كل الصدق، ولم يذكر الباقر ما اتخذه ملوك بني أمية من سنة لعن إمام الهدى - علي كرم الله وجهه في الجنة - وإنه ليدل على مقدار ما يكنه حكام بني أمية من حقد دفين لآل البيت، ولقد لام كثيرون معاوية على ذلك العمل البالغ أقصى حدود الحقد، ولقد أرسلت أم المؤمنين، السيدة أم سلمة، تقول: إنكم تلعنون الله ورسوله إذ تلعنون علي بن أبي طالب، ومن يحبه، وأشهد أن الله ورسوله يحبانه.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة، فقالت لي: أيسب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيكم، فقلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها، فقالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " من سب عليا فقد سبني "، وفي رواية: " ومن سبني فقد سب الله "(٢).

ولقد ارتكب معاوية بن أبي سفيان، أشد ما ارتكب لطمس معالم الشورى

(١) كانت وجهة نظر بني هاشم جميعا أن الإمام علي بن أبي طالب هو أحق بالخلافة - بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - من دون الناس جميعا، وأن الإمام علي إنما يؤكد أنه صاحب الحق، كما أنه لم يستشر في اختيار الصديق خليفة، (أنظر: البلاذري: أنساب الأشراف ١ / ٥٨٢، تاريخ الطبري ٣ / ٢٠٢، ٢٠٨، المسعودي: مروج الذهب ١ / ٥٩٤) ولهذا فقد استأخرت يمين الإمام عن بيعة الصديق، وقد أعطي الإمام السبب في ذلك، في وضوح، خلال حواره مع الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، قال الإمام علي: " إنكم تدفعون آل محمد عن مقامه ومقامهم في الناس، وتنكرون عليهم حقهم، أما والله لنحن أحق بالأمر منكم، ما دام فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، القاسم بينهم بالسوية (في رحاب علي ص ١٠٣).

(٢) المستدرك للحاكم ١ / ١٢١، ٣ / ١٢١، خصائص النسائي ص ٥٦، كنز العمال ٦ / ٤٠١، مسند أحمد ٦ / ٣٢٣.

٤٩

وفي الحكم الإسلامي، فقد عهد إلى ابنه " يزيد " فحول الخلافة إلى ملك عضوض، بل إلى ملك فاجر، وقد زعم - وهو يعهد إلى ابنه - بأنه يقتدي بأبي بكر، إذ عهد من بعده إلى عمر بن الخطاب، وأن المفارقة بين العهدين واضحة، كالفرق بين عمر بن الخطاب، ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عمر بن الخطاب " إن الله قد كتب الحق على لسان عمر وقلبه "، بينما يعرف التاريخ أن يزيد بن معاوية كان لا يمتنع عن إتيان المحرمات، وأبو بكر الصديق إنما عهد بالخلافة إلى رجل لم تربطه به قرابة، ثم هو وزير من وزراء النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد قال فيه: " إن الشيطان لا يسير في فج يسير فيه عمر " وقال: " إنه العبقري الذي لم يفر فرية في الإسلام أحد ".

وأما " معاوية بن أبي سفيان " فقد عهد إلى ابنه الذي علم التاريخ عنه ما علم(١)وقد قال في المقام الإمام " الحسن البصري " - فيما يروي الطبري وابن الأثير وابن كثير - " أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " الوالد للفراش، وللعاهر الحجر "(٢)، وقتله حجرا، ويلا له من حجر، مرتين "(٣).

وعن الشعبي: أول من خطب الجمعة جالسا معاوية، حين كثر شحمه، وعظم بطنه، وعن سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر

(١) أبو زهرة: الإمام الصادق ص ١١٢.

(٢) روى البخاري في صحيحه: قال ابن شهاب قالت عائشة، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " (صحيح البخاري ٥ / ١٩٢).

(٣) تاريخ الطبري ٥ / ٢٧٩، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٣ / ٤٨٧، ابن كثير: البداية والنهاية ٨ / ١٤١، وانظر ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٥ / ١٢٩ - ١٣١.

٥٠

معاوية، وقال الإمام أبو جعفر محمد الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاق لها، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية، وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري:

مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أمية بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز، فراجع السنة، وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده، وبه قال الزهري، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه "(١)

١٠ - علم الباقر:

لا ريب في أن الإمام الباقر - رضوان الله عليه - إنما هو أعلم أهل زمانه - حتى وإن أنكر ابن تيمية ذلك، بل وذهب إلى أن الزهري(٢)، وهو من أقرانه، هو عند الناس أعلم منه(٣)- وقد سمي الإمام " بالباقر " والباقر ليس اسما للإمام أبو جعفر محمد بن علي، وإنما هو وصف له - كما كان زين العابدين وصفا لأبيه علي - وإنما سمي محمد بالباقر إشارة إلى أنه يبقر العلم بقرا، أو يشقه شقا، ويصل إلى قلب الحكمة، والمقصود هنا بالعلم: علم التفسير والحديث

(١) ابن كثير: البداية النهاية ٨ / ١٥٠ - ١٥١.

(٢) الزهري: هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ولد عام ٥١ هـ (٦٧٠ م) - أو عام ٥٦ هـ أو ٥٧ هـ أو ٨٥ هـ - وتوفي عام ١٢٤ هـ (٧٤٢ م)، وكان محدثا ومؤرخا، عارفا بالشعر، واشتهر في الحديث بأنه أول من أسند الحديث، وأول من دون الحديث، ووصفه الطبري بأنه كان مؤرخا ورائدا في علم المغازي وفي أخبار قريش، كما كان راوية لأخبار الرسول والصحابة، كما عرف مصطلح السيرة، وأما أهم مصادر ترجمته فهي (حلية الأولياء ٣ / ٣٦٠ - ٣٦١، صفة الصفوة لابن الجوزي ٢ / ٧٧ - ٧٨)، البداية والنهاية لابن كثير ٩ / ٣٤٠ - ٣٤٨، غاية النهاية لابن الجزري ٢ / ٢٦٢، الكامل لابن الأثير ٧ / ٢٨٩، تاريخ الإسلام للذهبي ٥ / ١٣٦ - ١٥٢، علم التاريخ للدوري ص ٢٠ - ٣٢، ٧٦ - ١٠٢، ١٤٣ - ١٥١، الأعلام للزركلي ٧ / ٣١٧، معجم المؤلفين لكحالة ١٢ / ٢١، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول ٢ / ٧٤ - ٧٩)، وأما أهم آثاره (المغازي - نسب قريش - أسنان الخلفاء - الناسخ والمسوخ في القرآن - تنزيل القرآن - مشاهد النبي).

(٣) ابن تيمية: المنتقي ص ١٧١، منهاج السنة ١ / ١٣٢، النشار: المرجع السابق ص ١٣٩.

٥١

والفقه، فقد كان الإمام الباقر مفسرا ومحدثا وفقيها.

وكان الإمام الباقر عالما سيدا كبيرا(١)، كثر الرواة عنه أكثر مما كان عن آبائه، لأنه لم يلق التضييق الذي لقيه آباؤه من بني(٢)أمية، كما كان الإمام الباقر وحيد عصره، ذكره الكثيرون من المؤلفين، وأفاضوا فيه، وأثنوا عليه، ورووا وتلقوا، منهم عبد الرحمن الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) و " ابن جريح المكي " (ت ١٥٠ هـ) ومحمد بن مسلم الزهري (ت ١٢٤ هـ) والأعمش (ت ١٤٨ هـ) والإمام زيد بن علي زين العابدين وغيرهم.

هذا وقد التف الناس حول الإمام الباقر، واستقوا من منهله، رغم كل الخطط التي وضعها أرباب السلطة من بني أمية، وازدحم العلماء للارتشاف من معينه، فضلا عن الحجازيين من مكة والمدينة، ممن أخلص الحب لآل البيت وأئمتهم، فكان الإمام الباقر مرجعا لهم جميعا، والحكم العدل فيهم، حتى بني أمية - الذين جبلوا على كراهيته وكراهية أسرته من آل بيت النبوة، إنما كانوا يضطرون إليه أحيانا لحل المشاكل، كما كان الإمام الباقر أول من أسس علم الأصول(٣).

هذا ولعل أشهر رواته إنما كان " جابر الجعفي " و " زرارة بن أعين " و " بريدة العجلي " و " سدير الصيرفي " وقيل إن جابر الجعفي قد روى عنه أكثر من خمسين ألف حديث، كما روى عنه محمد بن مسلم ثلاثين ألف حديث، ومهما يكن من المبالغة في عدد هذه الأحاديث، فإنها إنما تدل على أن الإمام الباقر قد تفرغ للعلم والحديث، وسار على نهج أبيه الإمام علي زين العابدين

(١) شمس الدين بن طولون: الشذرات الذهبية ص ٨١.

(٢) المظفري: تاريخ الشيعة ص ٤٢ (مطبعة الزهراء - النجف ١٣٤٢ هـ).

(٣) السيد الشريف عبد الرحمن بن محمد بن حسين المشهور: شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي - فرع فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - الجزء الأول ص ٣٧ - ٣٨ (ط جدة ١٩٨٤).

٥٢

في تأكيد " الإمامة الروحية " دون الخوض في السياسة أو طلب الحكم(١).

ولعل من أهم آثار الإمام الباقر " تفسير القرآن " وقد رواه عنه تلميذه " أبو الجارود زياد بن المنذر "(٢)، ومن أمثلة تفسيره الملهم، ما رواه أبو نعيم في الحلية بسنده عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال: كنت جالسا عند خالي محمد بن علي، وعنده يحيى بن سعيد(٣)و " ربيعة الرأي "(٤)، إذ جاء الحاجب فقال: هؤلاء قوم من أهل العراق، فدخل أبو إسحاق السبيعي وجابر الجعفي وعبد الله بن عطاء والحكم بن عيينة، فتحدثوا فأقبل محمد بن علي الباقر على جابر فقال: ما يروي فقهاء أهل العراق في قوله عز وجل: (ولقد همت به وهم بها، لولا أن رأى برهان ربه)(٥)ما البرهان؟ قال: رأى يعقوب عليه السلام، عاضا على إبهامه.

فقال الباقر: لا: حدثني أبي عن جدي عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه: أنه هم أن يحل التكة فقامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شئ

(١) أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٣٥٨.

(٢) أنظر: ابن النديم: الفهرست ص ٣٣، العاملي: أعيان الشيعة ٤ / ٣ / ١٩، فؤاد سزكين: تاريخ التراث - المجلد الأول - ٢ / ٢٦٦.

(٣) يحيى بن سعيد الأنصاري: تابعي من المدينة، روى عن الصحابي أنس بن مالك، وعن عدد من كبار التابعين، وروى عنه الزهري ومالك والأوزاعي وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم، ولي القضاء في المدينة، زمن الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ / ٧٠٥ / ٧١٥ م)، ويعد من فقهاء المدينة ذوي المكانة العالية، ويقول الثوري أن أهل المدينة كانوا يعتبرونه أعلم من الزهري، وقد دون ربيعة الرأي آراءه، وتوفي في البصرة عام ١٤٣ هـ - (٧٦٠ م).

(٤) ربيعة الرأي: هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي، ولد بالمدينة وعاش بها، وروى عن الصحابي أنس وعن كبار التابعين، وكان هو تابعيا، وروى عنه مالك وسفيان الثوري وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم، وكان ربيعة من أصحاب الرأي في الفقه أفادوا منه عند عدم وجود نص ولذا سمي " ربيعة الرأي " تقديرا، وكان أصحاب الحديث يعدونه من أفضل رواته ويعارضون اللقب السابق، ويعد الإمام مالك من أحسن تلاميذه، وتوفي في العراق عام ١٣٦ هـ (٧٥٣ م) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول ٣ / ٢٣ - ٢٤) (الرياض ١٩٨٣).

(٥) سورة يوسف: آية ٢٤.

٥٣
٥٤

وعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام أبي جعفر الباقر، في قوله عز وجل:

(وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)(١)، قال: " بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا "(٢).

وسئل الإمام الباقر عن قول الله عز وجل: (وقولوا للناس حسنا)، قال:

قولوا لهم أحسن ما تحبون أن يقال لكم، ثم قال: إن الله - سبحانه وتعالى - يبغض اللعان السباب، الطعان الفحاش، المتفحش، السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم، العفيف المتعفف(٣).

وفي المراجعات(٤)عن بريدة العجلي قال: سألت أبا جعفر (الإمام محمد الباقر) عن قوله عز وجل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فكان جوابه (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) يقولون لأئمة الضلال والدعاة إلى النار، هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا (أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا، أم لهم نصيب من الملك) يعني الإمام والخلافة (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)، ونحن الناس المحسدون على ما أتانا الله من الإمامة دون خلقه (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) يقول: جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة فكيف يقرون به في آل إبراهيم، وينكرونه في آل محمد (فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه، وكفى بجهنم سعيرا)(٥).

وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله جعفر عن هذه الآية (إنما

(١) سورة الإنسان: آية ١٢.

(٢) حلية الأولياء ٣ / ١٨٢.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٣٢١.

(٤) المراجعات (رسائل متبادلة بين شيخ الأزهر، الإمام سليم البشري، والإمام شرف الدين العاملي عام ١٣٢٩ هـ).

(٥) المراجعات ص ٢٨ وانظر: سورة النساء: آية ٥١ - ٥٥، ٥٩.

٥٥

أنت منذر، ولكل قوم هاد)(١)فقال: كل إمام هاد في زمانه، وقال: الإمام أبو جعفر الباقر، في تفسيرها: المنذر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والهادي علي، ثم قال:

والله ما زالت فينا إلى الساعة(٢).

وأما الحديث الشريف: فقد كان الإمام الباقر محدثا كبيرا، روى أبو نعيم في حليته أن الإمام الباقر أسند عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وروى عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعن الإمامين الحسن والحسين، عليهما السلام، وأسند عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن أبي رافع.

وروى عنه من التابعين: عمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح وجابر الجعفي وأبان بن تغلب، وروى عنه من الأئمة والأعلام، ليث بن أبي سليم وابن جريح وحجاج بن أرطأة وآخرين(٣).

ولنشرف هنا بذكر بعض الأحاديث الشريفة التي رويت عن طريقه:

حدثنا أحمد بن القاسم بن الريان ثنا محمد بن يونس القرشي ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ثنا سفيان بن سعيد الثوري(٤)ثنا جعفر بن محمد (الصادق)

(١) سورة الرعد: آية ٧.

(٢) المراجعات ص ٢٨.

(٣) حلية الأولياء ٣ / ١٨٨.

(٤) سفيان الثوري هو أبو سعيد سفيان بن سعيد مسروق الثوري الكوفي، ولد عام ٩٥ هـ (٧١٣ م) أو ٩٦ هـ، وتوفي عام ١٦١ هـ - (٧٧٨ م) وكان محدثا ومتكلما وزاهدا، تعلم على والده وعلماء عصره، وروى عنهم، ورفض منصب القضاء تحرجا وورعا، فغضب عليه الخليفة حتى اضطر أن يقضي بقية عمره مستترا، والثوري أول من رتب الأحاديث ترتيبا موضوعيا في الكوفة، وقد أسس مذهبا فقهيا لم يبق طويلا، وقيل إنه كان عالما بالرياضيات، وأهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد ٦ / ٣٧١ - ٣٧٤، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢١ / ٢٢٢ - ٢٢٧، تاريخ بغداد ٩ / ١٥١ - ١٧٤، حلية الأولياء ٦ / ٣٥٦ - ٣٩٣، ٧ / ٣ - ١٤٤، الرجال للقيسراني ١ / ١٩٤ - ١٩٥، وفيات الأعيان ٢ / ٣٨٦ - ٣٩١، التهذيب لابن حجر ٤ / ١١١ - ١١٥، تذكرة الحفاظ للذهبي ص ٢٠٣ - ٢٠٧، معجم المؤلفين لكحالة ٤ / ٢٣٤ - ٢٣٥، الأعلام للزركلي ٣ / ١٥٨).

٥٦

عن أبيه (الباقر) عن جابر(١)رضي الله تعالى عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) " أمر النفساء أن تحرم، وتفيض عليها الماء " (رواه القرباني عن الثوري فقال: أمر أسماء - يعني بنت عميس) -.

حدثنا محمد بن أحمد ثنا الحسن بن سفيان ثنا عتبة بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن المبارك(٢)، حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد (الصادق) عن أبيه (الباقر) عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في خطبته:

يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكرت الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش صبحتكم مستكم، ثم قال:

من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ضياعا أو دينا فإلي، أو علي، وأنا أولى المؤمنين (هذا حديث صحيح ثابت من حديث محمد بن علي (الباقر) رواه وكيع وغيره عن الثوري).

حدثنا سليمان بن أحمد ثنا مطر بن شعيب الأزدي ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي ثنا الفرياني ثنا سفيان عن جعفر بن محمد (الصادق) عن أبيه (الباقر) عن جابر رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر، فينفخ، قالوا: يا

(١) أنظر: (أسد الغابة ١ / ٣٠٧ - ٣٠٨).

(٢) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، لقبه أبو عبد الرحمن، ولد عام ١١٨ هـ (٧٣٦ م) وتوفي في " هيت " عام ١٨١ هـ (٧٩٧ م)، وكان أحد كبار المحدثين والمؤرخين والصوفية، كان واسع الثراء، ولديه مكتبة ضخمة، وكان صاحب التصانيف العديدة في علوم الحديث والقرآن والتاريخ والتصوف، وأهم مصادر ترجمته (تاريخ بغداد ١٠ / ١٥٢ - ١٦٩، حلية الأولياء ٨ / ١٦٢ - ١٩٠، المشاهير لابن حبان ص ١٩٤ - ١٩٥، تذكرة الحفاظ للذهبي ٢٧٤ - ٢٨٢، الجواهر للقرشي ١ / ٢٨١ - ٢٨٢، معجم المؤلفين لكحالة ٦ / ١٠٦، الأعلام ٤ / ٢٥٦، التهذيب لابن حجر ٥ / ٣٨٢ - ٣٨٧).

٥٧

رسول الله فما تأمرنا، قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل " (هذا حديث غريب من حديث الثوري عن جعفر تفرد به الرملي عن الفرياني، ومشهورة ما رواه أبو نعيم وغيره عن الثوري عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري) أنظر: حلية الأولياء ٣ / ١٨٩).

وعن الأوزاعي(١)قال: قدمت المدينة فسألت محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، عن قوله عز وجل: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فقال نعم: حدثنيه أبي عن جده علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: " لأبشرنك بها يا علي، فبشر بها أمتي من بعدي، الصدقة على وجهها، واصطناع المعروف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، تحول الشقاء سعادة، وتزيد في العمر، وتقي مصارع السوء "(٢).

وعن الأوزاعي قال: قدمت المدينة في خلافة هشام فقلت: من ههنا من العلماء، قالوا: ههنا محمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومحمد (الباقر) بن علي بن الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقلت: والله لأبدأن بهذا قبلكم، قال: فدخلت المسجد

(١) الأوزاعي: هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ولد عام ٨٨ هـ (٧٠٧ م) سكن دمشق وبيروت وتوفي فيها عام ١٥٧ هـ (٧٧٤ م)، وسمع من عطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وغيرهم، وقد فضله البعض على سفيان الثوري، ومع ذلك فإن الحكم على عمله محدثا كان سلبيا، لأن صحف أحاديثه التي رواها عن الزهري - مثلا - لم يكن أخذها سماعا أو قراءة، وهو من أوائل من ألفوا كتبا مبوبة في السنن، وأما أهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد ٧ / ١٨٥ تاريخ الطبري ٣ / ٢٥١٤، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ٢٦٦ - ٢٦٧، التقدمة لابن أبي حاتم ص ١٧٤ - ٢١٨، الفهرست لابن النديم ص ٢٢٧، حلية الأولياء ٦ / ١٣٥ - ١٤٢، التهذيب لابن حجر ٦ / ٢٣٦ - ٢٤٢، البداية والنهاية لابن كثير ١٠ / ١١٥ - ١٢٠، تذكرة الحفاظ للذهبي ص ١٧٨ - ١٨٣، وفيات الأعيان ٣ / ١٢٧ - ١٢٨، معجم المؤلفين للكحالة ٥ / ١٦٣، الأعلام للزركلي ٤ / ٩٤).

(٢) حلية الأولياء ٦ / ١٤٥.

٥٨

فسلمت، فأخذ بيدي فأدناني منه، قال: من أي إخواننا أنت؟ فقلت له: رجل من أهل الشام، قال: من أي أهل الشام؟ فقلت: رجل من أهل دمشق، قال: نعم، أخبرني أبي عن جدي أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " للناس ثلاثة معاقل، فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء "(١)ومن مرويات الإمام الباقر عن خالد بن مخلد عن يحيى بن عمر قال: حدثني أبو جعفر الباقر قال: جاء أعرابي إلى أبي بكر في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال له:

أوصني، فقال: لا تتأمر على اثنين، ثم إن الأعرابي شخص إلى " الربذة " فبلغه بعد ذلك وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسأل عن أمر الناس: من وليه، فقيل: أبو بكر، فقدم الأعرابي إلى المدينة، فقال لأبي بكر: ألست أمرتني ألا تأمر على اثنين؟

قال: بلى، قال: فما بالك، فقال أبو بكر: لم أجد لها أحدا غيري، أحق مني.

قال: ثم رجع أبو جعفر الباقر يديه وخفضهما، فقال: صدق، صدق(٢).

وعن سليمان الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن رافع بن أبي الطائي قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جيشا، فأمر عليهم عمرو بن العاص - وفيهم أبو بكر وعمر - وأمرهم أن يستنفروا من مروا به، فمروا علينا، فنفرنا معهم في غزوة ذات السلاسل(٣)- وهي التي تفخر أهل الشام فيقولون:

استعمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر - قال فقلت: والله لأختاره في هذه الغزوة لنفسي رجلا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، استهد به، فإني لست أستطيع إتيان المدينة، فاخترت أبا بكر، ولم آل، وكان له

(١) حلية الأولياء ٦ / ١٤٦.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٦ / ٤١.

(٣) أنظر عن غزوة ذات السلاسل (سيرة ابن هشام ٤ / ٤٦٢ - ٤٦٤، تاريخ الطبري ٣ / ٣٠٢ - ٣٠٣، الكامل لابن الأثير ٢ / ٢٣٢، ابن كثير: السيرة النبوية ٣ / ٥١٦ - ٥٢١، مغازي الواقدي ٢ / ٧٦٩ - ٧٧٤، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة ٢ / ٣٧١ - ٣٧٣)

٥٩

كساء فدكي يخله عليه إذا ركب ويلبسه، إذا نزل، وهو الذي عيرته به هوازن، بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: لا نبايع ذا الخلال.

قال: فلما قضينا غزوتنا، قلت له: يا أبا بكر، إني قد صحبتك، وإن لي عليك حقا، فعلمني شيئا أنتفع به، فقال: كنت أريد ذلك، لو لم تقل لي:

تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتحج البيت وتصوم شهر رمضان، ولا تتأمر على رجلين، فقلت: أما العبادات فقد عرفتها، أرأيت نهيك لي عن الإمارة، وهل يصيب الناس الخير والشر، إلا بالإمارة، فقال: إنك استجهدتني فجهدت لك، إن الناس دخلوا في الإسلام طوعا وكرها، فأجارهم الله من الظلم، فهم جيران الله، وعواد الله، وفي ذمة الله، فمن يظلم منكم، إنما يحقر ربه، والله إن أحدكم ليأخذ شويهة جاره أو بعيره، فيظل عمله بأسا بجاره، والله من وراء جاره.

قال: فلم يلبث إلا قليلا، حتى أتتنا وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسألت: من استخلف بعده؟ قيل: أبو بكر، فقلت: أصاحبي الذي كان ينهاني عن الإمارة، فشددت على راحلتي، فأتيت المدينة، فجعلت أطلب خلوته، حتى قدرت عليها، فقلت: أتعرفني؟ أنا فلان بن فلان، أتعرف وصية أوصيتني بها؟ قال:

نعم، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبض، والناس حديثو عهد بالجاهلية، فخشيت أن يفتتنوا، وإن أصحابي حملونيها، فما زال يعتذر إلي حتى عذرته، وصار من أمري بعد أن صرت عريفا(١).

١١ - الإمام الباقر وقضية الجبر والاختيار:

كان الإمام الباقر يقول: " يا معشر الشيعة، شيعة آل محمد، كونوا النمرقة (أي الوسادة) الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق إليكم التالي "، وفسر " الغالي " بأنه من يقول فيه ما لا يقول في نفسه، و " التالي " بأنه المرتاد، يريد

(١) بن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٦ / ٤١ - ٤٢.

٦٠