×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 3 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الخير، ويؤجر عليه، وهذا هو السبب في أن الأئمة لم يدخلوا في معترك الصفات والجبر والاختيار والقدر، ولم يدلوا بدلوهم في طريق الكلام المتشعبة، إلا ليجمعوا الآراء كلها، فيخرجوا منها، كما دخلت هي في القرآن، ومعنى هذا أن أهل الجبر اختاروا ناحية من القرآن، واختار أهل الاختيار ناحية أخرى، والأمر كذلك بالنسبة للصفات، والكل يستند إلى آيات من القرآن(١).

وكان دور الأئمة أن يعودوا بهذه الآراء المتشعبة والمختلفة إلى القرآن من جديد، فيحملوا على التحديد والاختيار، ويردوا الأمر إلى نصابه، فحين سئل الإمام الباقر عن الجبر والاختيار(٢)قال: " إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون "(٣).

ثم سئل: هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم، أوسع مما بين الأرض والسماء.

فالإمام الباقر إذن: ينفي الجبر على الإطلاق أولا، ثم ينفي الاختيار على الإطلاق أيضا، ومعنى هذا: أنه يجمعهما، ثم يجعل بين الجبر والقدرة منزلة ثالثة.

(١) كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع - ١ / ١٧١ (بغداد ١٩٦٣).

(٢) أنظر عن قضية القضاء والقدر - أو الجبر والاختيار - (محمد متولي الشعراوي: القضاء والقدر - القاهرة ١٩٨٩، ابن تيمية: الجزء الثامن من فتاوي ابن تيمية - الرياض ١٣٨١ هـ، أحمد بن ناصر الحمد: ابن حزم وموقفه من الإلهيات ص ٤٠٦ - ٤٦٤ (نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة - ١٤٠٦ / ١٩٨٦ م)، عبد الفتاح أحمد فؤاد: الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية ص ١٠٨ - ١١٦، ١٧٣، ١٨٠، ٤٥٠، ٤٥٦ (الإسكندرية ١٩٩٠)، عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة ص ٣٨ - ٥٥ (المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية - مصر).

(٣) الشيبي: المرجع السابق ص ١٧١، ثم قارن: الكليني: الكافي ٣٦، الصدوق القمي:

الإعتقادات ص ٤٧٠ - ٤٧١.

٦١

وهكذا يعيد الإمام الباقر المياه إلى مجاريها الحقيقية قياما بواجبه الذي يحتمه عليه جوهر التشيع الأساسي(١).

١٢ - من أقوال الإمام الباقر:

عن عبد الله بن المبارك قال: قال الإمام محمد بن علي الباقر: " من أعطي الخلق والرفق، فقد أعطي الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية - إلا من عصمه الله "(٢).

وقال: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تماما إلا قال:

فلستم إخوانا، كما تزعمون.

وقال: أعرف مودة أخيك لك، بما له من المودة في قلبك، فإن القلوب تتكافأ وقال: - قد سمع عصافير يصحن - أتدري ماذا يقلن؟ قلت: لا، قال:

يسبحن الله، ويسألنه رزقهن يوما بيوم.

وقال: تدعو الله بما تحب، وإذا وقع الذي تكره، لم تخالف الله عز وجل فيما أحب.

وقال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شئ أحب إلى الله عز وجل، من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن أسرع الخير صوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمي عليه من نفسه، وأن يأمر الناس، بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه، هذه كلمات جوامع موانع، لا ينبغي لعاقل أن يفعلها.

(١) نفس المرجع السابق ص ١٧١.

(٢) البداية والنهاية ٩ / ٣٥٠.

٦٢

وقال: القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق وقال: صحب عمر بن الخطاب رجلا إلى مكة، فمات في الطريق، فاحتبس عليه عمر، حتى صلى عليه ودفنه، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت:

وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج من دون ما كان يأمل(١)

وعن الأصمعي قال: قال محمد بن علي (الباقر) لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق.

وعن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن أبي جعفر الباقر قال: أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال.

وعن محمد بن عبد الله الزبيري عن أبي حمزة الثمالي قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي (الباقر) قال: أوصاني أبي فقال: لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، قال: قلت: جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقا، فإنه بايعك بأكلة فما دونها، قال: قلت يا أبة وما دونها؟ قال: يطمع فيها ثم لا ينالها.

قال: قلت يا أبة ومن الثاني؟ قال: لا تصحبن البخيل، فإنه يقطع بك في ماله، أحوج ما كنت إليه.

قال: قلت يا أبة ومن الثالث؟ قال: لا تصحبن كذابا، فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب، ويقرب منك البعيد.

(١) حلية الأولياء ٣ / ١٨٦ - ١٨٨.

٦٣

قال: قلت يا أبة ومن الرابع؟ قال: لا تصحبن أحمقا، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.

قال: قلت يا أبة ومن الخامس؟ قال: لا تصحبن قاطع راحم، فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى، في ثلاثة مواضع(١).

وعن أبي الربيع الأعرج ثنا شريك عن جابر قال: قال لي محمد بن علي (الباقر): أنزل الدنيا كنزل نزلت به، وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك، فاستيقظت وليس معك منه شئ، إنما هي - مع أهل اللب، والعالمين بالله تعالى - كفئ الظلال، فاحفظ ما استرعاك الله تعالى من دينه وحكمته.

وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت محمد بن علي (الباقر) يقول:

يقول الله عز وجل: " إذا جعل عبدي همه في هما واحدا، جعلت غناه في نفسه، ونزعت الفقر من بين عينيه، وجمعت له شمله، وكتبت له من وراء تجارة كل تاجر، وإذا جعل همه في مفترقا، جعلت شغله في قلبه، وفقره بين عينيه، وشتت عليه أمره، ورميت بحبله على غاربه، ولم أبال في أي واد من أودية الدنيا هلك "(٢).

وقيل للإمام الباقر: أتعرف شيئا خيرا من الذهب؟ قال: نعم، معطيه.

وقال: اصبر للنوائب، لا تتعرض للحقوق، ولا تعط أحدا من نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه.

وقال: كفى العبد من الله ناصرا، أن يرى عدوه يعصي الله.

وقال: شر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط، وشر الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق.

(١) حلية الأولياء ٣ / ١٨٣ - ١٨٤.

(٢) حلية الأولياء ٣ / ١٨٧.

٦٤

وقال: لو صمت النهار لا أفطر، وصليت الليل لا أفتر، وأنفقت مالي في سبيل الله علقا علقا، ثم لم تكن في قلبي محبة لأوليائه، ولا بغضه لأعدائه، ما نفعني ذلك شيئا(١).

وروى زرارة بن أعين عن أبيه عن أبي جعفر محمد الباقر، عليه السلام، قال: كان علي عليه السلام إذا صلى الفجر، لم يزل معقبا إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس، فيعلمهم الفقه والقرآن، وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك، فقام يوما فمر برجل، فرماه بكلمة هجر، قال: لم يسمعه محمد بن علي الباقر، عليه السلام، فرجع عوده على بدئه، حتى صعد المنبر، وأمر فنودي الصلاة جامعة: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال: أيها الناس، إنه ليس شئ أحب إلى الله، ولا أعم نفعا من حلم إمام وفقيه، ولا شئ أبغض إلى الله، ولا أعم ضررا من جهل إمام وخرقه، ألا وإنه من لم يكن له من نفسه واعظ، لم يكن له من الله حافظ، ألا وإنه من أنصف من نفسه، لم يزده الله إلا عزا، ألا وإن الذل في طاعة الله، أقرب إلى الله من التعزز في معصيته.

ثم قال: أين المتكلم آنفا؟ فلم يستطع الإنكار، فقال: ها أنذا يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني لو أشاء لقلت، فقال: إن تعف وتصفح، فأنت أهل ذلك، قال: قد عفوت وصفحت.

فقيل لمحمد بن علي الباقر: ماذا أراد أن يقول؟ قال: أراد أن ينسبه(٢).

وعن خالد بن دينار عن أبي جعفر الباقر: أنه كان إذا ضحك، قال:

اللهم لا تمقتني.

وعن محمد بن مسعر قال قال جعفر بن محمد (الصادق): فقد أبي بغلة

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٣٠ - ٣٢١.

(٢) شرح نهج البلاغة ٤ / ١٠٩ - ١١٠.

٦٥

له، فقال: لئن ردها الله تعالى علي لأحمدنه محامد يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها، فركبها، فلما استوى عليها، وضم إليه ثيابه، رفع رأسه إلى السماء، فقال: الحمد لله، لم يزد عليها، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركت أو أبقيت شيئا، جعلت الحمد كله لله عز وجل(١).

وروى صاحب الكامل عن أبي جعفر الباقر، عليه السلام، قال: لما حضرت الوفاة علي بن الحسين عليه السلام، أبي، ضمني إلى صدره، ثم قال:

يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي (أي الإمام الحسين) يوم قتل، وبما ذكر لي أن أباه عليا عليه السلام، أوصاه به: يا بني عليك ببذل نفسك، فإنه لا يسر أباك بذل نفسه، حمر النعم(٢).

وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد (الصادق) عن أبيه (الباقر): أن عقيل بن أبي طالب، دخل على معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية، وعمته حمالة الحطب(٣)، وزاد " ابن عبد ربه " في عقده الفريد: ثم قال يا معاوية: إذا دخلت النار، فاعدل ذات اليسار، فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب، فانظر أيهما خيرا، الفاعل أو المفعول به(٤).

وفي نهج البلاغة: قال معاوية - وعنده عمرو بن العاص - وقد أقبل عقيل بن أبي طالب، لأضحكنك من عقيل، فلما سلم قال معاوية: مرحبا برجل عمه أبو لهب، فقال عقيل: وأهلا برجل عمته " حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد " - لأن امرأة أبي لهب، هي أم جميل بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان بن حرب، وعمة معاوية -.

(١) حلية الأولياء ٣ / ١٨٦.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٧ / ١٠٨.

(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٢٠٤ (القاهرة ١٩٦٤).

(٤) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٤ / ٩١ (بيروت ١٩٨٣).

٦٦

قال معاوية: يا أبا يزيد، ما ظنك بعمك أبي لهب، قال: إذا دخلت النار، فخذ على يسارك، تجده مفترشا عمتك " حمالة الحطب "، أفناكح في النار خير، أم منكوح؟ قال: كلاهما شر، والله(١).

١٣ - الإمام الباقر والعلم:

قال الإمام الباقر: " تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد، وبذله لأهله قربة، وهو ثمار الجنة، وأنس الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السراء، وعون على الضراء ".

" وهو دين عند الأخلاء، وسلاح على الأعداء، يرفع الله به قوما فيجعلهم في الخير سادة، وللناس أئمة، يقتدى بأفعالهم، ويقتص آثارهم، ويصلى عليهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه ".

فالعالم عند أهل البيت كالأنبياء، إذا نفع الناس بعلمه، تصلي عليه سكان الأرض والسماء، حتى حيتان البحر، وسباع البر(٢).

١٤ - من كرامات الإمام الباقر:

روى الشبلنجي في نور الأبصار عن أبي بصير قال: قلت يوما للباقر:

أنتم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ قال: نعم، قلت: ورسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وارث الأنبياء جميعهم، قال: وارث جميع علومهم، قلت: وأنتم ورثتم جميع علوم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: نعم، قلت: فأنتم تقدرون أن تحبوا الموتى، وتبرؤوا الأكمه والأبرص، وتخبروا الناس بما يأكلون وما يدخلون في بيوتهم، قال:

نعم نفعل ذلك بإذن الله تعالى، ثم قال: أدن مني يا أبا بصير - وكان أبو بصير مكفوف النظر - قال: فدنوت منه، فمسح بيده على وجهي، فأبصرت السماء

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٣.

(٢) محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي ص ٢٢٧ بيروت ١٩٨١.

٦٧

والجبل والأرض، فقال: أتحب أن تكون هكذا تبصر، وحسابك على الله، أو تكون كما كنت، ولك الجنة، قلت: الجنة، فمسح بيده على وجهي، فعدت كما كنت(١).

وفي كتاب الدلائل للحميري عن زيد بن حازم قال: كنت مع أبي جعفر بن علي الباقر، فمر بنا أخوه " زيد بن علي " فقال أبو جعفر الباقر: أما رأيت هذا ليخرجن بالكوفة، وليقتلن، وليطافن برأسه، فكان كما قال(٢).

وروى أبو الفرج بسنده عن يونس بن جناب قال: جئت مع أبي جعفر (الباقر) إلى الكتاب، فدعى زيدا، ثم اعتنقه، وألصق ببطنه، وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة(٣).

١٥ - تواضع الإمام الباقر وزهده:

كان التواضع من أبرز صفات الإمام الباقر - كما كان من أبرز صفات أبيه الإمام زين العابدين - وكان تواضع الإمام الباقر مبنيا على نظر ورأي يتصلان بقدر المعرفة الذي يتناسب عكسيا مع الكبر والعجب، ومن ثم فقد كان يقول:

" ما دخل قلب ابن آدم شئ من الكبر، إلا نقص من عقله، مثل ما دخله من ذلك، قل أو كثر "، وبدهي أنه إذا صدر من مثل الإمام الباقر مثل هذا القول، فلا بد أن يكون مثلا أعلى يطمح إليه، ومبدأ يطبق، وهكذا اختط الإمام الباقر للزهد أساسا من أسسه، وهو التواضع(٤).

(١) نور الأبصار ص ١٤٤.

(٢) نور الأبصار ص ١٤٤، وانظر عن صلب الإمام زيد بن علي (المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ص ٣١، مروج الذهب للمسعودي ٢ / ١٩١، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٥ / ٢٤٦، وفيات الأعيان ٦ / ١١٠ شذرات الذهب ١ / ١٥٨ - ١٥٩، تاريخ الطبري ٧ / ١٨٩، محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص ١١٨، أبو زهرة: الإمام زيد، عبد الرزاق الموسوي: الشهيد زيد).

(٣) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين ص ٩٥ (النجف ١٣٥٣ هـ).

(٤) الشيبي: المرجع السابق ص ١٧٥.

٦٨

وكان فريد الدين العطار يرى أن تواضع الإمام الباقر إنما كان مقاما ساميا لا يصل إليه أصحاب الكبر والجبروت، فقد نقل أنه سأل أحد خواص الإمام الباقر، كيف يقضي الإمام ليله؟ فقال: " إذا حل الليل، وفرغ من ترديد الأوراد، قال في صوت عال، إلهي وسيدي حل الليل، وآنت ولاية تصرف الملوك، وظهرت النجوم، ونام الخلائق "(١)، وهكذا ارتفع التواضع في نظر الصوفية، حتى صار جلالا بعد جلال السلطان المادي(٢).

على أن الدكتور النشار إنما يذهب إلى أن الكثير من المتصوفة والزهاد يحاولون وضع الإمام الباقر في سلسلة الزهد والتصوف، كما حاولوا أن يثبتوا انتقال العلم اللدني إليه خلال البشارة بمولده، ولكن تحليل كلمة " الباقر " نفسها يثبت العكس تماما، فقد قيل له الباقر، لأنه بقر العلم، أي شقه، وعرف أصله وخفيه، وتوسع فيه، والمقصود بالعلم هنا " علم الحديث " واستفاضت الآثار فيه أنه محدث وتابعي، ومدني تابعي ثقة، بل ينقل ابن سعد عنه قوله: " إنا آل محمد نلبس الخز واليمنة والمعصفرات والممصرات "(٣).

وهذا يعني - فيما يرى الدكتور النشار - أنه لم يتخذ الزهد نظاما معينا، له قواعده وأصوله، وقد ذكره أيضا زهد الغلاة، إنه إنما كان محدثا عابدا أو زاهدا، على طريقة أهل السنة، على أننا في الوقت نفسه نرى نصا يقدمه " ابن كثير " يقول فيه: " وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، وكان ذاكرا خاشعا صابرا، وكان من سلالة النبوة رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفا بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضا عن الجدال والخصومات "(٤).

وعلينا أن نفسر النص في حدوده، وهي حدود " عالم الحديث "، فعالم

(١) صفة الصفوة ٢ / ٦٠.

(٢) الشيبي: المرجع السابق ص ١٧٥.

(٣) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٦، النشار: المرجع السابق ص ١٤٢.

(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ٩ / ٣٤٨.

٦٩
٧٠

والفقر يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه، وأخيرا يقول الباقر: " والله لموت عالم أحب إلى إبليس، من موت ألف عابد "، وهو بهذا يضع العلم فوق العبادة، والحديث فوق الزهد(١).

١٦ - صفة الإمام الباقر وملبسه:

كان الإمام الباقر ربع القامة، رقيق البشرة، جعد الشعر، أسمر، له خال على خده، ضامر، حسن الصوت، مطرق الرأس(٢).

وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن جابر عن محمد بن علي (الباقر) قال: " إنا آل محمد نلبس الخز واليمنة والمعصفرات والممصرات "(٣)، وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت على أبي جعفر الباقر ثوبا معلما فقلت له، فقال: لا بأس بالإصبعين من العلم بالإبريسم في الثوب(٤)، وعن عمرو بن عثمان عن موهب قال: رأيت على أبي جعفر ملحفة حمراء(٥).

وعن عبد الأعلى أنه رأى محمد بن علي (الباقر) يرسل عمامته خلفه(٦)، وعن جابر قال: رأيت على محمد بن علي (الباقر) عمامة لها علم، وثوبا له علم يلبسه(٧)، وعن حكيم بن حكيم بن حنيف قال: رأيت أبا جعفر متكئا على طيلسان مطوي في المسجد، قال محمد بن عمر: ولم يزل ذلك من فعل الأشراف، وأهل المروءة عندنا، الذين يلزمون المسجد يتكئون على طيالسة

<=

لابن حجر ١ / ٤٤٤ - ٤٤٥، الأعلام للزركلي ٢ / ٢٦، تاريخ التراث العربي ٤ / ١١٠ - ١١، وفيات الأعيان ١ / ٢٧٤ - ٢٧٧ - بيروت ١٩٧٧).

(١) النشار: المرجع السابق ص ١٤٤ - ١٤٥، ابن كثير البداية والنهاية ٩ / ٣٥١ (القاهرة ١٩٣٣).

(٢) محمد جواد المغنية: فضائل الإمام علي ص ٢٢٤ (بيروت ١٩٨١).

(٣) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥ / ٢٣٦ (دار التحرير - القاهرة ١٩٦٠).

(٤) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٦.

(٥) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٦.

(٦) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٦ - ٢٣٧.

(٧) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٧.

٧١

مطوية، سوى طيلسانه وردائه الذي عليه(١).

وعن ثوير قال قال أبو جعفر: يا أبا الجهم بم تخضب؟ قلت: بالحناء والكتم، قال: هذا خضابنا أهل البيت(٢).

وعن هارون بن عبد الله بن الوليد المعيصي قال: رأيت محمد بن علي (الباقر) على جبهته وأنفه أثر السجود، وليس بكثير(٣)، وعن زهير عن جابر عن محمد بن علي (الباقر) قال: كان في خاتمي اسمي، فإذا جامعت جعلته في فمي(٤).

١٧ - أولاد الإمام الباقر:

روى ابن سعد في طبقاته: ولد أبو جعفر الباقر: جعفر بن محمد (الصادق) وعبد الله بن محمد، وأمهما " أم فروة " بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وإبراهيم بن محمد، وأمه أم حكيم بنت أسيد بن المغيرة بن الأحنس بن شريق الثقفي، وعلي بن محمد، وزينب بنت محمد، وأمهما أم ولد، وأم سلمة بنت محمد، وأمها أم ولد(٥).

وقال أبو نصر البخاري في " سر السلسلة العلوية " ولد محمد الباقر عليه السلام: أربعة بنين وبنتين، درجوا كلهم، إلا أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام، وإلى الصادق انتهى نسب الباقر وعقبه، فكل من انتسب إلى الباقر عليه السلام، من غير ولده الصادق، فهو كذاب دعي.

وقال العمري في " المجدي " ولد أم سلمة وزينب الصغرى وجعفر الصادق، وعبد الله - أولد وانقرض - وعلي، كانت له بنت، وزيد وعبيد الله بن الثقفية درج(٦).

(١) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٧.

(٢) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٧.

(٣) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٧.

(٤) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣٧.

(٥) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٢٥ - ٢٢٦.

(٦) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص ٢٢٥ (دار مكتبة الحياة).

٧٢

(٢) الإمام موسى الكاظم

١ - نسب الإمام الكاظم ومولده:

هو الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي بن زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، وسيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، بنت سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما أم الإمام الكاظم فهي السيدة " حميدة " البربرية(١).

وهناك في " الأبواء " - على مبعدة ٥٠ كيلا من المدينة في الطريق إلى مكة - حيث توفيت السيدة آمنة، أم سيدنا ومولانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ودفنت هناك، هناك، في الأبواء، ولد الإمام الكاظم في شهر صفر عام ١٢٨ هـ (٧٤٥ م)، وتوفي ببغداد في عام ١٨٣ هـ (٧٩٩ م)(٢).

وقال الخطيب: وكانت ولادته يوم الثلاثاء، قبل الفجر عام ١٢٨ هـ (وقيل ١٢٩ هـ)، وتوفي لخمس بقين من رجب سنة ١٨٣ هـ، وقيل ١٨٦ هـ ببغداد،

(١) أنظر عن أهم مصادر ترجمة الإمام الكاظم (تاريخ بغداد ١٣ / ٢٧ - ٣٢، شذرات الذهب ٣٠٤ - ٣٠٥ وفيات الأعيان ٥ / ٣٠٨ - ٣١٠، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص ٢٢٥ - ٢٢٨، ميزان الاعتدال للذهبي ٣ / ٢٠٩، مقاتل الطالبيين ص ٤٩٩ - ٥٠٥، تاريخ التراث العربي ٣ / ٢٧٩ - ٢٨٠، أعيان الشيعة ٤ / ٨٠ - ١٠١، الإعلام ٨ / ٢٧٠) وأما آثاره (دعاء الجوش الصغير - أدعية الأيام السبعة، مسند بتهذيب أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي - وصيته إلى هشام - إجابات على أسئلة أخيه علي - وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) لعلي).

(٢) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول - الجزء الثالث - الفقه - الرياض ١٩٨٣ ص ٢٧٩ - ٢٨٠.

٧٣

وقيل إنه توفي مسموما، وتوفي في الحبس، ودفن في مقابر " الشونيزيين " خارج القبة، وقبره هناك مشهور يزار، ويعرف عند الشيعة باسم " باب الحوائج "، وعليه مشهد عظيم، فيه قناديل الذهب والفضة وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد، وهو في الجانب الغربي(١). من بغداد، وتعرف المدينة التي فيها قبره الشريف باسم " الكاظمية " نسبة إليه وهي متصلة ببغداد.

وكان الإمام الكاظم يكنى بأبي الحسن، وأما ألقابه فكثيرة، أشهرها الكاظم، ثم الصابر والصالح والأمين(٢)، وكان - رضوان الله عليه - ربعة، أسمر، شديد السمرة، كث اللحية.

هذا وقد عاصر من خلفاء بني العباس: المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ / ٧٧٥ - ٧٨٥ م) وموسى الهادي (١٦٩ - ١٧٠ هـ / ٧٨٥ - ٧٨٦ م) وهارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ / ٧٨٦ - ٨٠٩ م).

٢ - الإمام الكاظم والشيعة:

لقد حدث خلاف على خلافة الإمام جعفر الصادق بعد موته، بل يبدو أن الانقسام إنما قد بدأ على أيام الإمام الصادق نفسه، إذ أن نفرا من أتباع الصادق قد توقفوا في موت ولده إسماعيل - وهم الذين سيطلق عليهم الإسماعيلية فيما بعد - وتوقف فريق في موت الإمام الصادق نفسه، وهم أتباع " عجلان بن ناووس " وأعلنوا أن الصادق حي لم يمت، ولن يموت حتى يظهر، فيظهر أمره، وهو القائم المهدي، ورووا عنه أنه قال: " لو رأيتم رأسي يدهده عليكم من الجبل فلا تصدقوا، فإن صاحبكم صاحب السيف " وقد عرف هؤلاء باسم " الناووسية "(٣).

(١) وفيات الأعيان ٥ / ٣١٠.

(٢) نور الأبصار ص ١٤٨.

(٣) الشهرستاني: الملل والنحل ١ / ١٦٦ - ١٦٧، أبو خلف القمي: كتاب المقالات ص ٨٠، النوبختي: فرق الشيعة ص ٦٧.

٧٤

على أن هناك فريقا آخر عرفوا باسم " الأفطحية " وهم الذين نادوا بإمامة " عبد الله الأفطح "، أسن أولاد الإمام الصادق، ونقلوا عن الصادق " الإمامة في أكبر أولاد الإمام " غير أن أهم الفرق تلك التي جعلت الإمامة في الإمام موسى الكاظم، لأنه أعلم أبناء الإمام الصادق، ومن ثم فقد اجتمع عليه وجوه الشيعة ومتكلميهم - وخاصة هشام بن سالم وهشام بن الحكم ومؤمن الطاق وغيرهم -.

وكانت إمامة الإمام كاظم طوال ربع قرن (١٤٨ - ١٨٣ هـ)، وقد دخلت فيها الإمامة دورها السري، ودورها العبادي، وانتهى دور الفقه إلى حد ما، فلا نسمع فقها خاصا للإمام الكاظم، فضلا عن الدور الكلامي في عقائد الإمامية، فقد قضى الإمام الكاظم معظم حياته يتنقل من سجن إلى سجن، حيث صب عليه المهدي والرشيد صنوفا كثيرة من العذاب، احتملها الإمام بصبر عجيب، حتى لقب " بالكاظم ".

وكان الإمام الكاظم أقرب إلى جده الأكبر الإمام علي زين العابدين، نقلت عنه أوراد الليل، ودعاؤه المشهور في جوف الليل، ما زال يردده أهل مصر من السنة " عظم الذنب من عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، يا أهل المغفرة "(١).

٣ - الإمام الكاظم عند أهل السنة:

يقول الشعراني (١٤٩١ - ١٥٦٥ م) في وصف الإمام موسى الكاظم: الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط صبره على الحبس والأذى كاظما(٢).

ويقول الخطيب البغدادي في تاريخه: كان موسى يدعى العبد الصالح،

(١) النشار: المرجع السابق ص ٢٧٩ - ٢٨١.

(٢) طبقات الشعراني ص ٣٣.

٧٥

من عباداته واجتهاده، روي أنه دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسجد سجدة في أول الليل، وسمع وهو يقول في سجوده: " عظم الذنب عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة "، فجعل يرددها حتى أصبح، وكان سخيا كريما، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار، وأربعمائة دينار، ومائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة(١).

ويقول الشبلنجي: قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الأوحد الحجة، الحبر الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظما، وهو المعروف عند أهل العراق " بباب الحوائج إلى الله "، وذلك لنجح حوائج المتوسلين به(٣).

ويقول الصبان: وكان موسى الكاظم معروفا عند أهل العراق " بباب قضاء الحوائج عند الله "، وكان من أعبد زمانه، ومن أكابر العلماء الأسخياء(٣).

ويقول الحافظ ابن كثير: هو أبو الحسن الهاشمي، ويقال له الكاظم، ولد سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان كثير العبادة والمروءة، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل إليه بالذهب والتحف(٤).

ويقول أبو الفداء - عن ورع الإمام وزهده - وتولى خدمته في الحبس أخت السندي، وحكت عنه أنه كان إذا صلى العتمة، حمد الله ومجده، ودعا إلى أن يزول الليل، ثم يقوم يصلي حتى يطلع الصبح، فيصلي الصبح، ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي العصر، ثم يذكر الله تعالى حتى يصلي المغرب، ثم

(١) تاريخ بغداد ١٣ / ٢٧، وفيات الأعيان ٥ / ٣٠٨.

(٢) نور الأبصار ص ١٤٨.

(٣) إسعاف الراغبين ص ٢٢٦.

(٤) البداية والنهاية ١٠ / ١٨٣.

٧٦

يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات رحمه الله تعالى، وكان يلقب " الكاظم " لأنه كان يحسن إلى من يسئ إليه(١).

ويقول صاحب الفصول المهمة: كان موسى الكاظم، رضي الله عنه، أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم كفا، وأكرمهم نفسا، وكان يتفقد فقراء المدينة، فيحمل إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم ليلا وكذلك النفقات، ولا يعلمون من أي جهة وصلهم ذلك، ولم يعلموا بذلك إلا بعد موته، وكان كثيرا ما يدعو " اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب "(٢).

ويقول المحدث الفقيه المحب الطبري في صواعقه: موسى الكاظم:

وارث أبيه الصادق علما ومعرفة، وكمالا وفضلا، سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفا عند أهل العراق " بباب قضاء الحوائج عند الله "، وكان أعبد أهل زمانه، وأسخاهم(٣).

ويقول " ابن عنبة ": " وكان أسود اللون، عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء، لقب ب‍ " الكاظم " لكظمه الغيظ وحلمه، وكان يخرج في الليل، وفي كمه صرر من الدراهم، فيعطي من لقيه، ومن أراد بره، وكان يضرب المثل بصرة موسى، وكان أهله يقولون: عجبا لمن جاءته صرة موسى فشكا القلة "(٤).

وأهدى إليه مرة عبد عصيدة، فاشتراه واشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار، وأعتقه ووهب له المزرعة(٥).

(١) أبو الفداء المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٥ - ١٦، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي ٢ / ١٥٥.

(٢) نور الأبصار ص ١٥١.

(٣) المحب الطبري: الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ص ٣٠٧ (بيروت ١٩٨٣).

(٤) ابن عنبة: المرجع السابق ص ٢٢٦.

(٥) ابن كثير: المرجع السابق ص ١٨٣.

٧٧

٤ - الإمام الكاظم والمهدي العباسي:

روى ابن كثير أن الخليفة العباسي المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ / ٧٧٥ - ٧٨٥ م) استدعى الإمام موسى الكاظم إلى بغداد، فحبسه، فلما كان في بعض الليالي رأى المهدي الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وهو يقول له: يا محمد: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)(١)، فاستيقظ مذعورا، وأمر به فأخرج من السجن ليلا، فأجلسه وعانقه وأقبل عليه، وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه، ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأني، ولا حدثت فيه نفسي، فقال:

صدقت، وأمر له بثلاثة آلاف دينار، وأمر به فرد إلى المدينة، فما أصبح الصباح إلا وهو على الطريق، فلم يزل بالمدينة حتى خلافة الرشيد(٢).

على أن " ابن عنبة " إنما ينسب هذه الرواية إلى عهد الخليفة موسى الهادي (١٦٩ - ١٧٠ هـ / ٧٨٥ - ٧٨٦ م) فيقول: " وقيض عليه موسى الهادي وحبسه، فرأى علي بن أبي طالب، عليه السلام، في نومه يقول له: (يا موسى، هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم)، فانتبه من نومه، وقد عرف أنه المراد، فأمر بإطلاقه، ثم تنكر له من بعد ذلك، فهلك قبل أن يوصل إلى الكاظم عليه السلام أذى(٣).

ويقول الخطيب البغدادي: وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي العباسي بغداد وحبسه، فرأى في نوم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو يقول:

يا محمد، (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم)، قال الربيع: فأرسل إلي ليلا، فراعني ذلك، فجئته، فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتا، وقال: علي بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه

(١) سورة محمد: آية ٢٢.

(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ١٠ / ١٨٣.

(٣) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص ٢٢٦.

٧٨

وأجلسه إلى جنبه، وقال: يا أبا الحسن، إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في النوم، يقرأ علي كذا، فتؤمنني أن لا تخرج علي، أو على أحد من أولادي، فقال: والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني، قال: صدقت، اعطه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله، إلى المدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلا وهو في الطريق، خوف العوائق(١).

٥ - الإمام الكاظم وهارون الرشيد:

يقول الشبلنجي في نور الأبصار: يحكى أن هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ / ٨٧٦ - ٨٠٩ م) سأل الإمام موسى الكاظم يوما فقال: كيف قلتم نحن ذرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب الرجل إلى جده لأبيه، دون جده لأمه؟.

فقال الإمام الكاظم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى)(٢)، وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه، وكذلك ألحقنا بذرية النبي (صلى الله عليه وسلم)، من قبل أمنا فاطمة.

ثم قال الإمام الكاظم: وزيادة أخرى يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل:

(فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونساءنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل)(٣)، ولم يدع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين، رضي الله عنهم، وهم الأبناء(٤).

(١) تاريخ بغداد ١٣ / ٣٠ - ٣١، وفيات الأعيان ٥ / ٣٠٨ - ٣٠٩.

(٢) سورة الأنعام: آية ٨٤ - ٨٥.

(٣) سورة آل عمران: آية ٦١.

(٤) الشبلنجي: نور الأبصار ص ١٤٨ - ١٤٩.

٧٩

ويروي الشعبي (أبو عامر بن شرحيل ١٩ - ١٠٣ هـ / ٦٤٠ - ٧٢١ م) أنه كان بواسط، فحضر صلاة العيد مع الحجاج الثقفي، فدعاه وقال له: هذا يوم أضحى، وقد أردت أن أضحي برجل من العراق، وأحب أن تسمع لقوله، لتعلم أني أصيب الرأي فيما أفعل، فقلت: أيها الأمير، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يضحي بكبش، فاستن أنت بسنته (صلى الله عليه وسلم)، قال: إذ سمعت ما يقول صوبت رأيي، فلما أحضروه، فإذا هو " يحيى بن يعمر "(١)فاغتممت غما شديدا ثم قال له الحجاج: أنت فقيه أهل العراق، قال: أنا من فقهائهم. قال الحجاج: كيف زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ قال يحيى: ما أنا بزاعم ذلك، بل قائله بحق، قال الحجاج: وأي حق، قال يحيى: كتاب الله نطق بذلك، قال: لعلك تريد قوله تعالى (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(٢)، وأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج للمباهلة، ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة(٣)، قال يحيى: وإنها والله حجة بليغة(٤)، ولكني مع ذلك لا أحتج بها.

(١) هو أبو سعيد يحيى بن يعمر العدواني النحوي، كان تابعيا، لقي ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، وروى عن قتادة وإسحاق بن سويد، وهو أحد قراء البصرة، وكان عالما بالقرآن والنحو ولغات العرب، وتولى القضاء في " مرو "، وكان ينطق العربية المحضة، واللغة الفصحى طبيعية فيه من غير تكلف، وكان شيعيا من القائلين بتفضل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم، توفي عام ١٢٨ هـ أو ١٢٩ هـ، وأما أهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان ٦ / ١٣٧ - ١٧٦، شذرات الذهب ١ / ١٧٥ - ١٧٦، معجم الأدباء ٢٠ / ٤٢، غاية النهاية ٢ / ٣١٨، مرآة الجنان ١ / ٢٧١، تهذيب التهذيب ١١ / ٣٠٥، بغية الوعاة ص ٤١٧، النجوم الزاهرة ١ / ٢١٧، أخبار النحويين البصريين ص ٢٢ طبقات الزبيدي ص ٢٢).

(٢) سورة آل عمران: آية ٦١.

(٣) أنظر: صحيح مسلم ١٥ / ١٧٦، صفوة التفاسير ١ / ٢٠٦، تفسير القرطبي ١٣٤٥ - ١٣٤٧، تفسير ابن كثير ١ / ٥٥٥، المستدرك للحاكم ٢ / ٥٩٣ - ٥٩٤.

(٤) قال الزمخشري في الكشاف في تفسيره لآية المباهلة هذه (آل عمران: آية ٦١) أنه ليس هناك من دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، عليهم السلام، لأن الآية لما نزلت دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم)، فاحتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، ومشت

=>

٨٠