×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 3 / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

فحدثته الحديث، فقال: يا إسحاق، إني كنت أكلمك، وأنا أظنك خير معاند للحق، فأما الآن، فقد بان لي عنادك، إنك توقن أن هذا الحديث صحيح.

قلت: نعم، رواه من لا يمكنني رده.

قال: أرأيت أن من أيقن أن هذا الحديث صحيح، ثم زعم أن أحدا أفضل من علي، لا يخلو من إحدى ثلاثة: من أن تكون دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عنده مردودة عليه، أو أن يقول عرف الفاضل من خلقه، وكان المفضول أحب إليه، أو أن يقول: إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول، فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول، فأطرقت.

ثم قال: يا إسحاق، لا تقل منها شيئا، فإنك إن قلت منها شيئا استنبتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه، فقله، قلت: لا أعلم، وإن لأبي بكر فضلا.

قال: أجل، لولا أن له فضلا، لما قيل إن عليا أفضل منه، فما فضله الذي قصدت له الساعة؟.

قلت: قول الله عز وجل (ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)(١)فنسبه إلى صحبته.

قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه، ورضي عنه كافرا، وهو قوله تعالى: (فقال له صاحبه وهو يحاوره، أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من

<=

(٢ / ٢٩٩، ٥ / ٦٣٦) والهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ١٢٥ - ١٢٦) وأبو نعيم في الحلية (٦ / ٣٣٩) والخطيب البغدادي في تاريخه (١٣ / ١٧١) وابن الأثير في أسد الغابة (٤ / ١١٠ - ١١١) والمتقي الهندي في كنز العمال (٦ / ٤٠٦) والمحب الطبري في الذخائر (ص ٦١) وفي الرياض النضرة (٢ / ٢١١)، وانظر: السيد مرتضى الحسين الفيروزآبادي في (فضائل الخمسة الصحاح الستة ٢ / ١٨٩ - ١٩٥ - ط بيروت ١٩٧٣).

(١) سورة التوبة: آية ٤٠.

١٤١

نطفة ثم سواك رجلا، لكنا هو الله ربي، ولا أشرك بربي أحدا)(١).

قلت: إن ذلك صاحب كان كافرا، وأبو بكر مؤمن قال: فإذا أجاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا، جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا، وليس بأفضل المؤمنين، ولا الثاني ولا الثالث.

قلت: يا أمير المؤمنين، إن قدر الآية عظيم، إن الله تعالى يقول: (ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا).

قال: يا إسحاق، تأبى الآن إلا أن أخرج إلى الاستقصاء عليك، أخبرني عن حزن أبي بكر، أكان رضا أم سخطا؟.

قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، خوفا عليه وغما أن يصل إلى رسول الله شئ من المكروه.

قال: ليس هذا جوابي، إنما كان جوابي أن تقول: رضا أم سخطا.

قلت: بل كان رضا لله. قال: فكأن الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضا الله عز وجل، وعن طاعته.

قلت: أعوذ بالله. قال: أو ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضا لله؟

قلت: بلى.

قال: أولم تجد أن القرآن يشهد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: " لا تحزن "، نهيا له عن الحزن؟.

قلت: أعوذ بالله. قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك، لعل الله يردك إلى الحق، ويعدل بك عن الباطل، لكثرة ما تستعيذ به.

(١) سورة الكهف: الآيتان ٣٦ - ٣٧.

١٤٢

وحدثني عن قول الله: (فأنزل الله سكينته عليه)، من عنى بذلك، رسول الله أم أبا بكر؟.

قلت: بل رسول الله. قال: صدقت.

قال: حدثني عن قول الله عز وجل (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) إلى قوله: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)(١)، أتعلم من المؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضوع؟.

قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين.

قال: الناس جميعا انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إلا سبعة نفر من بني هاشم، علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدقون به، خوفا من أن يناله من جراح القوم شئ، حتى أعطى الله لرسوله الظفر، والمؤمنون في هذا الموضع، علي خاصة، ثم من حضره من بني هاشم.

قال: فمن أفضل: من كان مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في ذلك الوقت، أم من انهزم عنه، ولم يره الله موضعا لينزلها عليه؟ قلت: بل من أنزلت عليه السكينة.

قال: يا إسحاق، من أفضل: من كان معه في الغار، أم من نام على فراشه، ووقاه بنفسه، حتى تم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما أراد من الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليا بالنوم على فراشه، وأن يقي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بنفسه، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك، فبكى علي، رضي الله عنه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما يبكيك يا علي، أجزعا من الموت؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن خوفا عليك، أفتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم، قال:

سمعا وطاعة، وطيبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله، ثم أتى مضجعه واضطجع،

(١) سورة التوبة: آية ٢٥ - ٢٦.

١٤٣

وتسجى بثوبه، وجاء المشركون من قريش فحفوا به، لا يشكون أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف، لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه.

وعلي يسمع ما القوم فيه من إتلاف نفسه، ولم يدعه ذلك إلى الجزع - كما جزع صاحبه في الغار - ولم يزل علي صابرا محتسبا، فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش، حتى أصبح، فلما أصبح قام فنظر القوم إليه، فقالوا:

أين محمد؟ قال: وما علمي بمحمد أين هو؟ قالوا: فلا نراك إلا مغررا بنفسك منذ ليلتنا، فلم يزل على أفضل ما بدأ به يزيد ولا ينقص، حتى قبضه الله إليه.

قال: يا إسحاق، هل تروي حديث الولاية؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: أروه، ففعلت.

قال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث، هل أوجب على أبي بكر وعمر، ما لم يوجب لهما عليه؟.

قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث، إنما كان بسبب " زيد بن حارثة " لشئ جرى بينه وبين علي، وأنكر ولاء علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".

قال: في أي موضع قال هذا، أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟ قلت:

أجل.

قال: فإن قتل " زيد بن حارثة " قبل الغدير(١)كيف رضيت لنفسك بهذا؟

(١) روي حديث الولاية الصحيح بأسانيد وطرق مختلفة، ويعرف بحديث الولاية وبحديث الغدير، وقد أخرجه الإمام أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وعمر وذي مر، وأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس، وأخرجه البزار عن ابن عباس وعمارة وبريدة (السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٦٩). ورواه الترمذي (٢ / ٢٩٨) وابن ماجة (ص ١٢)

=>

١٤٤

أخبرني، لو رأيت ابنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي، أيها الناس فاعلموا ذلك، أكنت منكرا ذلك عليه: تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللهم نعم.

قال: يا إسحاق، أفتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ ويحكم، لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم، إن الله عز وجل قال في كتابه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)(١)، ولم يصلوا لهم ولا صاموا، ولا زعموا أنهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم.

<=

والحاكم في المستدرك (٢ / ١٢٩، ١١٠، ٣ / ١٠٩، ١١٦، ٣٧٠) والإمام أحمد في المسند (١ / ٨٤، ٨٨، ١١٨، ١١٩، ١٥٢، ٣٣٠، ٤ / ٣٧٠ - ٣٧٢، ٢٨١، ٥ / ٣٠٧، ٣٥٠، ٤١٩) وفي فضائل الصحابة (٢ / ٥٦٣، ٥٦٩، ٥٧٢، ٥٨٤، ٥٨٥، ٥٨٦، ٥٩٢، ٥٩٣، ٥٩٦، ٥٩٧، ٥٩٩، ٦١٣، ٦٢٠، ٦٥٩، ٦٨٢، ٦٨٣، ٦٨٤، ٦٨٨، ٦٨٩، ٧٠٥، وهي الأحاديث أرقام: ٩٤٧، ٩٥٩، ٩٦٧، ٩٨٩، ٩٩٠، ٩٩١، ٩٩٢، ١٠٠٧، ١٠٢١، ١٠٢٢، ١٠٤٨، ١٠٦٠، ١١٠٤، ١١٦٧، ١١٦٨، ١١٧٥) والنسائي في تهذيب الخصائص (ص ٥٠ - ٤٥، ٦١، أحاديث أرقام: ٦٥، ٦٦، ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٨٥)، وابن كثير في السيرة (٤ / ٤١٤ - ٤٢٥) وفي السيرة الحلبية (٣ / ٣٣٦ - ٣٤٠) والهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ١٧، ٩ / ١٠٤ - ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١١٩، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٦) والخطيب في تاريخ بغداد (٨ / ٢٩٠) وابن خلدون في تاريخه (٢ / ٨٤١ - ٨٤٢) وأبو داود الطيالسي (١ / ٢٣) والواحدي في أسباب النزول ص ١٣٥ وابن الأثير في أسد الغاية (١ / ٣٦٤، ٣ / ١٧١، ٤ / ١٠٨ - ١٠٩) والطحاوي في مشكل الآثار (٢ / ٣٠٧) والمتقي الهندي في كنز العمال (١ / ٤٨، ٦ / ١٥٣، ١٥٤، ٣٩٠، ٣٩٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٣، ٤٠٥، ٤٠٦) وابن حجر العسقلاني في الإصابة (١ / ٣٠٤ - ٣٠٥، ٤٠٨، ٤ / ١٥٩)، وفي تهذيب التهذيب: ذكر أسامي جملة من الصحابة ممن روى حديث الغدير هذا، ثم قال: وقد جمع ابن جرير الطبري حديث الموالاة هذا في مؤلف فيه أضعاف من ذكر وصححه (تهذيب التهذيب ٧ / ٣٧٧ - ٣٣٩) والمسهودي في وفاء الوفاء (٣ / ١٠١٨) والمناوي في فيض القدير (٦ / ٢١٧) وابن حجر الهيثمي في صواعقه (ص ١٨٨) والمحب الطبري في الرياض النضرة (٢ / ٢٢٢ - ٢٢٥ - ٢٨٩)، والشبلنجي في نور الأبصار (ص ٧٨)، وابن عبد البر في الإستيعاب ٣٦)، وانظر: (فضائل الخمسة من الصحاح الستة ١ / ٣٤٩ - ٣٨٤).

ولقد استشهد زيد، رضي الله عنه، في غزوة مؤتة عام ٨ هـ (٦٢٩ م)، وحديث الغدير كان في ٨ ذي الحجة عام ١٠ هـ (٦٣٢ م) أنظر: محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة - الجزء الثاني ص ٤٤٧ - ٤٥٦ ص ٥٢٢ - ٥٢٤).

(١) سورة التوبة: آية ٣١.

١٤٥

ثم قال: يا إسحاق أتروي حديث " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "(٢)، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته وسمعت من صححه وجحده، قال:

فمن أوثق عندك، من سمعت منه فصححه أو من جحده؟.

قلت: من صححه، قال: فهل يمكن أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مزح بهذا القول؟

قلت: أعوذ بالله. قال: فقال قولا لا معنى له، فلا يوقف عليه؟ قلت:

أعوذ بالله.

قال: أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه؟ قلت: بلى قال: فعلي أخو رسول الله لأبيه وأمه؟ قلت: لا.

قال: أوليس هارون كان نبيا، وعلي غير نبي؟ قلت: بلى.

قال: فهذان الحالان معدومان في علي، وقد كانا في هارون، فما معنى قوله (صلى الله عليه وسلم): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "؟.

قلت: إنما أراد أن يطيب بحديث المنزلة(١)هذا نفس علي، لما قال المنافقون: إنه خلفه استثقالا له.

(١) روى هذا الحديث الصحيح، والمعروف بحديث المنزلة، رواه البخاري في صحيحه (٥ / ٢٤، ٦ / ٣) ومسلم في صحيحه (١٥ / ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦) والنسائي في تهذيب الخصائص (١٩، ٢٠، ٢٨، ٢٩، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٧٢، الأحاديث أرقام: ٨، ٩، ٢١، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ١١٢) ورواه الإمام أحمد في الفضائل (٢ / ٥٦٦، ٥٦٧، ٥٦٨، ٥٩٢، ٦١٠، ٦١١، ٦١٢، ٦٣٣، ٦٤٢، ٦٤٣، ٦٦٣، ٦٧٠، ٦٧٥، ٦٨٤، الأحاديث أرقام ٩٥٤، ٩٥٦، ٩٥٧، ١٠٠٦، ١٠٤١، ١٠٤٥، ١٠٧٩، ١٠٩١، ١٠٩٣، ١١٣١، ١١٤٣، ١١٥٣، ١١٦٨،) وفي مسند الإمام أحمد (١ / ١٧٠، ١٧٣، ١٧٥، ١٧٧، ١٨٤، ٣٣٠، ٦ / ٣٦٩) رواه الهيثمي في في مجمع الزوائد (٩ / ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١١٩،) والمتقي الهندي في كنز العمال (٣ / ١٥٤، ٥ / ٤٠، ٦ / ١٥٤، ١٨٨، ٣٩٥، ٤٠٥، ٨ / ٢١٥) ورواه ابن سعد في طبقاته (٣ / ١٤، ١٥) وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤ / ٣٤٥، ٧ / ١٥٩ - ١٩٦) والترمذي (٢ / ٣٠١) والطبري في تاريخه (٣ / ١٠٤) وابن الأثير في أسد الغابة (٤ / ١٠٤، ١٠٦) والمحب الطبري في الرياض النضرة

=>

١٤٦

قال: يا إسحاق، له معنى في كتاب الله بين. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟

قال: قوله عز وجل حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون: (أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)(١).

قلت: يا أمير المؤمنين، إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي، ومضى إلى ربه، وإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خلف عليا كذلك حين خرج إلى غزواته.

قال: كلا، ليس كما قلت، أخبرني حين خلف هارون، هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟ قلت: لا.

قال: أوليس استخلفه على جماعتهم؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حين خرج إلى غزاته، هل خلف إلا الضعفاء، والنساء والصبيان، فأنى يكون مثل ذلك؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على استخلافه إياه، لا يقدر أحد أن يحتج فيه، ولا أعلم أحدا احتج به، وأرجو أن يكون توفيقا من الله، قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟.

قال: قوله عز وجل، حين حكى عن موسى قوله: (واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا)(٢)، " فأنت يا علي مني بمنزلة هارون من موسى، وزيري من أهلي، وأخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي

<=

(٢ / ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢٧٠، ٣٢٦) وابن ماجة (ص ١٢) والخطيب البغدادي في تاريخه (١ / ٣٢٤، ٢ / ٣٢٣، ٣ / ٢٨٨، ٤ / ٢٠٤، ٢٨٢، ٧ / ٤٥٢، ٨ / ٥٢، ٩ / ٣٩٤، ١٠ / ٤٣، ١١ / ٤٣٢) والطحاوي في مشكل الآثار (٢ / ٣٠٩) وابن هشام في السيرة (٤ / ٣٨٢) وابن الأثير في الكامل (٢ / ٢٧٨) وابن عساكر في تاريخه (١ / ١٠٧) وابن كثير في السيرة (٤ / ١٢) وابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣ / ٥٣٠) وفي السيرة الحلبية (٣ / ١٠٤) والمقدسي في البدء والتأريخ ٤ / ٢٣٩).

(١) سورة الأعراف: آية ١٤٢.

(٢) وسورة طه: آية ٢٩ - ٣٥.

١٤٧

نسبح الله كثيرا، ونذكره كثيرا "، فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئا غير هذا، ولم يكن ليبطل قول النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن يكون لا معنى له؟

قال: فطار المجلس وارتفع النهار، فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق، لمن أراد الله به الخير، وأثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.

قال إسحاق: فأقبل علينا وقال: ما تقولون؟ فقلنا: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين، أعزه الله.

فقال: والله لولا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أقبلوا القول من الناس، ما كنت لأقبل منكم القول اللهم قد نصحت لهم القول، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب علي وولايته(١).

٨ - الإمام الرضا والتصوف:

ربط المتصوفة - كما رأينا من قبل - التصوف بالإمام علي بن أبي طالب، ثم بالأئمة من أولاده من بعده، اعتمادا على أمور كثيرة، منها صلة " سلمان الفارسي " ببيت النبوة، حيث قال عنه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " سلمان منا أهل البيت "(٣)، وقال الإمام علي " ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر "(٣).

وأخذ الصوفية الخبرين، وساروا بهما إلى نهاية الشوط، فقالوا: ولما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عبدا محضا قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا، وأذهب عنهم الرجس، فلا يضاف إليهم إلا مطهرا، فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما

(١) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٥ / ٣٤٩ - ٣٥٩ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٩٨٣ م).

(٢) أسد الغابة ٢ / ٤٢١، صفة الصفوة ١ / ٢١٥.

(٣) أسد الغابة ٢ / ٤٢٠، طبقات ابن سعد ٤ / ٦١، صفة الصفوة ١ / ٢٠٠.

١٤٨
١٤٩

يقولان: " ليته يرجع إلينا على أي دين شاء، فنوافقه عليه "، فنوافقه عليه " ثم إنه أسلم على يد الإمام علي الرضا، ورجع إلى أبويه، فدق الباب فقيل له: من بالباب؟ فقال:

معروف، فقيل له: على أي دين؟ فقال: على الإسلام، فأسلم أبواه(١). وقد توفي معروف عام ٢٠٠ هـ (٨١٥ م) وقيل: ٢٠٤ هـ، وقبره في بغداد مشهور يزار، رحمه الله تعالى(٢).

على أن أهمية معروف الكرخي إنما تأتي مما ينسب إليه من كونه مولى الإمام علي الرضا - وكان كما رأينا ولي عهد الخليفة المأمون - وأكثر أصحاب كتب التصوف على أن معروفا الكرخي، إنما كان متصلا بالإمام علي الرضا، وأنه أسلم على يديه(٣)- بعد أن كان نصرانيا أو كان صابئا(٤)- ورووا أنه سمع " ابن السماك " الواعظ المشهور في الكوفة، وكما يقول معروف نفسه " فوقع كلامه في قلبي، وأقبلت على الله وتركت جميع ما كنت عليه، إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا "(٥).

وعلى أية حال، فإن الاتصال بالإمام - عند الشيعة - إنما يعني شيعية المتصل، ومن ثم فقد اهتم باحثو الشيعة بتحقيق العلاقة بين الإمام علي الرضا ومعروف الكرخي، وانتهوا إلى أنه غير مذكور في كتبهم، وإن لم يستبعدوا اتصاله به، وإن لم تقم لهم قرينة عليه.

على أن الأهم أن الإمام الرضا - بعد أن أصبح وليا لعهد الخلافة - لم يعد إماما للشيعة وحدهم، وإنما أصبح إماما للمسلمين جميعا، بما فيهم أهل السنة

(١) ابن خلكان: وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان - تحقيق إحسان عباس ٥ / ٢٣١ - ٢٣٢ (بيروت ١٩٧٧).

(٢) وفيات الأعيان ٥ / ٢٣٣.

(٣) طبقات الصوفية ص ٨٥، تذكرة الأولياء ١ / ٢٢٤، أبو القاسم القشيري: الرسالة القشيرية ص ١٢ (القاهرة ١٢٨٤ هـ)، طبقات الشعراني ١ / ٦١، نفحات الأنس ص ٣٩.

(٤) نيكلسون: في التصوف الإسلامي ترجمة أبو العلا عفيفي ص ٤ (القاهرة ١٩٤٧).

(٥) أبو القاسم القشيري: الرسالة القشيرية ١٢.

١٥٠

والزيدية، فضلا عن سائر فرق الشيعة المتناحرة، ومن ثم فقد اجتمعت الأمة على إمامته واتباعه والالتفاف حوله، ومن هنا، فلا يبعد - والحال هذه - أن يكون اتصال معروف به أمرا واقعيا، وهو الزاهد الذي كان دائما يسعى إلى التمسك بمثل الإسلام، وكان الإمام الرضا - رضوان الله عليه - هو الإمام المطاع في العالم الإسلامي كله(١)

ولعل من الجدير بالإشارة هنا إلى أن بعض المصادر التي ذكرت صلة معروف بالإمام الرضا، إنما قد أشارت إلى أنه كان يحجبه بعد إسلامه(٢)- أي أن الإمام الرضا قد اتخذه بعد إسلامه حاجبا له - وأن موت الإمام الرضا، وازدحام الشيعة على بابه إنما قد تسبب في كسر أضلع معروف فمات(٣)، وهذا يعني ولاية معروف إنما نبعت من اعتناقه الإسلام - دين الله الخالد - الأمر الذي تحقق من قبل في صورة إسلام " سلمان الفارسي "، والذي ظل شطر عمره يبحث عن الدين الحق، حتى وجده في الإسلام(٤). وقد أسلم معروف على يد الإمام الرضا، حفيد النبي (صلى الله عليه وسلم)، الذي أسلم سلمان على يديه من قبل، وبذا يبدو أننا أمام سلمان آخر، له في الزهد قدم صدق، وله في الولاية والمقام الروحي، ما جعله يفوز باحترام الناس وإعجابهم وإكبارهم(٥).

هذا وقد رويت لمعروف الكرخي عدة كرامات، روى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن خليل الصياد قال: غاب ابني محمد فجزعت أمه عليه جزعا

(١) الشيبي: المرجع السابق ص ٢٦.

(٢) طبقات الصوفية ص ٨٥.

(٣) طبقات الصوفية ص ٨٥، ثم قارن: تاريخ بغداد للخطيب ١٣ / ٢٠٢، حلية الأولياء ٨ / ٦٣٢.

(٤) أنظر عن سلمان (أسد الغابة ٢ / ٤١٧ - ٤٢١، حلية الأولياء ١ / ١٨٥ - ٢٠٨، طبقات ابن سعد ٤ / ٥٣ - ٦٧، الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٢ / ٥٦ - ٦٢، الإصابة في تمييز الصحابة ٢ / ٦٢ - ٦٣، وفيات الأعيان ٣ / ٢٥٢.

(٥) الشيبي: المرجع السابق ص ٢٧ - ٢٨.

١٥١

شديدا، فأتيت معروفا فقلت: أبا محفوظ، قال: ما تشاء؟ قلت: ابني محمد غاب، وجزعت عليه أمه جزعا شديدا، فادع الله أن يرده عليها، فقال: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك، وما بينهما لك، فأت به، قال خليل: فأتيت باب الشام، فإذا ابني محمد قائم منبهر، قلت: محمد؟ قال: يا أبت كنت الساعة بالأنبار(١).

وعن محمد بن إسحاق قال سمعت محمد بن عمرو بن مكرم الثقة، يقول: حدثني أبو محمد الضرير - وكان جارا لمردويه الصائغ - قال: أرسل مردويه فأتيته فقال: إن ابني قد غاب عنا منذ أيام، وقد ضيقوا على النساء لما يبكين، فأخذ بنا إلى معروف، قال: فغدوت أنا وهو إلى معروف فسلم عليه - وهو في المسجد - فقال معروف: ما الذي جاء بك يا أبا بكر؟ قال: إن ابني قد غاب عنا منذ أيام، وقد ضيقوا على النساء لما يبكين، قال: معروف: يا عالما بكل شئ، ويا من لا يخفى عليه شئ، ويا من علمه محيط بكل شئ، أوضح لنا أمر هذا الغلام، ثلاث مرار، قال: ثم انصرفنا من عنده، قال: فلما أن أصبحت قبل صلاة الفجر، إذ رسول مردويه قد جاء يدعوني، فقلت: إيش الخبر؟ فقال: قد جاء الغلام، فجئت فإذا الغلام قاعد بين يدي مردويه، فقال لي: اسمع العجب، قال الغلام: كنت أمشي بالكوفة فأتاني نفسان فأخذا بيدي فأخرجاني من الكوفة، وقالا: امض إلى بيتكم، فلم أقعد، ولم آكل ولم أشرب، ومررت ببئر تسع - أو قال تسعي - ثم رأيتهما، فلم يتحركا حتى أتيتكم، فأطعموني، فإني ما أكلت شيئا حتى جئتكم(٢).

(١) حلية الأولياء ٨ / ٣٦٢.

(٢) حلية الأولياء ٨ / ٢٦٣، وأما أهم مصادر ترجمة معروف فهي كالتالي (طبقات الصوفية للسلمي ص ٨٣ - ٩٠، حلية الأولياء ٨ / ٣٦٠ - ٣٦٨، تاريخ بغداد ١٣ / ١٩٩ - ٢٠٨، طبقات الحنابلة ١ / ٣٨١ - ٣٨٩، وفيات الأعيان ٥ / ٢٣١ - ٣٣٢، اليافعي: مرآة الجنان ١ / ٤٦٠ - ٤٦٣، الزركلي الأعلام ٨ / ١٨٥، شذرات الذهب ١ / ٣٦٠).

١٥٢

٩ - من مرويات الإمام الرضا:

روى صاحب كتاب " تاريخ نيسابور ": أن الإمام علي الرضا لما دخل نيسابور، وشق شوارعها، وعليه مظلة، لا يرى من ورائها، تعرض له الحافظان " أبو زرعة الرازي " و " محمد بن أسلم الطوسي " ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه، ويروي لهم حديثا عن آبائه.

فاستوقف الإمام البغلة، وأمر غلمانه بكشف المظلة، وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة فكانت له ذؤابتان معلقتان على عاتقه، والناس بين صارخ وباك، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، فصاحت العلماء: يا معشر الناس أنصتوا، فأنصتوا، واستملى منه الحافظان - أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي -.

فقال الإمام الرضا: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآله، قال: حدثني جبريل، قال: سمعت رب العزة يقول: " لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني، آمن من عذابي "، ثم أرخى الستر وسار، فعد أهل المحابر والدوى الذين كانوا يكتبون، فأنافوا على عشرين ألفا.

وفي رواية أخرى: أن الحديث المروي " الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان " ولعلهما واقعتان، قال الإمام أحمد بن حنبل: لو قرأت هذه الإسناد على مجنون، لبرئ من جنته(١).

(١) أحمد بن حجر الهيثمي المكي: الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ص ٣١٠ (دار الكتب العلمية - بيروت ١٩٨٣.

١٥٣

هذا وقد نقل الشبلنجي هذا الإسناد في نور الأبصار كالتالي: حدثني أبو موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه زين العابدين عن أبيه شهيد كربلاء عن أبيه علي المرتضى، قال حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال:

حدثني جبريل عليه السلام، قال: حدثني رب العزة سبحانه وتعالى(١).

وقال أبو القاسم القشيري (عبد الكريم بن هوازن - المتوفى ٤٦٥ / ١٠٧٤ م) في الرسالة القشيرية: اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض أمراء السامانية، فكتبه بالذهب، وأوصى أن يدفن معه في قبره، فرئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتلفظي ب‍ " لا إله إلا الله "، وتصديق " أن محمدا رسول الله " (وقد أورده المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير وغيره)(٢).

وروي عن الإمام الرضا عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " من لم يؤمن بحوضي، فلا أورده الله تعالى حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي "، ثم قال: " إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل ".

وروي عن الإمام الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لما أسري بي رأيت رحما معلقة بالعرش تشكو رحما إلى ربها، أنا قاطعة لها، قلت: كم بينك وبينها من أب، قالت: نلتقي في أربعين أبا ".

وروي عن الإمام الرضا أنه قال: " من صام من شعبان يوما واحدا، ابتغاء ثواب الله، دخل الجنة، ومن استغفر الله تعالى في كل يوم منه سبعين مرة، حشر

(١) نور الأبصار ص ١٥٤ - ١٥٥.

(٢) نور الأبصار ص ١٥٥.

١٥٤

يوم القيامة في زمرة النبي (صلى الله عليه وسلم) ووجبت له من الله الكرامة، ومن تصدق في شعبان بصدقة، ولو بشقة تمرة، حرم الله جسده من النار(١).

١٠ - من أقوال الإمام الرضا:

قال الإمام الرضا: " لا يتم عقل امرئ، حتى تكون فيه عشر خصال:

الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، ولا يسأم من طلب الحوائج إليه ولا يمل من طلب العلم طول دهره، والفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العز، والخمول أشهى إليه من الشهرة، والعاشرة: أن لا يرى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى ".

وسئل عن معنى التوكل. فقال: أن لا تخاف أحدا إلا الله.

وقال: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء، تسعة في اعتزال الناس، وواحد في الصمت.

وقال: أحسن الناس معاشا، من حسن معاش غيره في معاشه.

أي من تحيا الناس بوجوده حياة طيبة، وتعيش بفضل جهوده، عيش الأمن والهناء، فهو أسعد الناس، وأحسنهم حالا، حتى ولو لم يملك شيئا من حطام الدنيا، تماما كما كانت الحال بالنسبة إلى الرسول الأعظم، (صلى الله عليه وسلم)، وأمير المؤمنين عليه السلام.

وقال: من صدق الناس كرهوه.

قال المؤمن إذا غضب لم يخرج عن حق، وإذا رضي لم يدخل في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه. وقال: من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل.

(١) نور الأبصار ص ١٥٥.

١٥٥

وقال: إن للقلوب إقبالا وإدبارا، ونشاطا وفتورا، فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها(١).

وقال إبراهيم بن العباس: سمعت الرضا يقول، وقد سأله رجل: أيكلف الله العباد ما لا يطيقونه؟.

فقال الإمام الرضا: هو أعدل من ذلك.

فقال: فيقدرون على كل ما يريد؟

فقال: هم أعجز من ذلك.

وقال ياسر الخادم: سمعت الرضا بن موسى يقول: " أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواضع:

يوم يولد إلى الدنيا، ويخرج المولود من بطن أمه فيرى الدنيا.

ويوم يموت، فيعاين الآخرة وأهلها.

ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا.

وقد سلم الله تعالى على عيسى - عليه السلام - في هذه الثلاثة مواطن، فقال تعالى: (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا)، وقد سلم على يحيى بن زكريا، عليهما السلام، في هذه الثلاثة المواطن، فقال تعالى: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)(١)

(١) محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي ص ٢٣٤ - ٢٣٦ (بيروت ١٩٨١).

(٢) سورة مريم: آية ١٥ - ٣٣.

١٥٦

وقال صاحب كتاب " نثر الدرر ": سأل الفضل بن سهل الإمام عليا الرضا بن موسى، في مجلس الخليفة المأمون، فقال: يا أبا الحسن، الخلق مجبرون؟

قال الإمام الرضا: الله تعالى أعدل من أن يجبر، ثم يعذب.

قال الفضل: فمطلقون، قال الإمام الرضا: الله تعالى أحكم من أن يهمل عبده، ويكله إلى نفسه.

وعن أبي الحسين القرظي عن أبيه قال: حضرنا مجلس أبي الحسن الرضا، فجاء رجل فشكا أخاه.

فأنشأ الإمام الرضا يقول:

أعذر أخاك على ذنوبه * واصبر وعظ على عيوبه
واصبر على سفه السفيه * وللزمان على خطوبه
ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم إلى حسيبه

وفي نور الأبصار: " دخل على الإمام علي الرضا بن موسى قوم من الصوفية فقالوا: إن أمير المؤمنين المأمون نظر فيما ولاه الله تعالى من الأمور، ثم نظر فرآكم أهل البيت أولى من قام بأمر الناس، ثم نظر في أهل البيت، فرآك أولى الناس بالناس من كل واحد منهم، فرد هذا الأمر إليك، والناس تحتاج إلى من يأكل الخشن، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض، ويشيع الجنائز ".

قال، وكان علي الرضا متكئا، فاستوى جالسا، ثم قال: " كان يوسف بن يعقوب نبيا، فلبس أقبية الديباج المزررة بالذهب، والقباطي المسنوجة بالذهب، وجلس على متكآت آل فرعون، وحكم وأمر ونهى، وإنما يراد من الإمام القسط والعدل، إذا قال صدق، وإذا وعد أنجز إن الله لم يحرم ملبوسا، ولا

١٥٧

مطعوما(١)، وتلا قول الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق)(٢).

١١ - من كرامات الرضا:

روى الطوسي في كتابه " إعلام الورى " عن " أبي الصلت الهروي " قال:

دخل " دعبل الخزاعي " (٧٦٥ - ٨٦٠ م) الشاعر، على الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم، رضي الله عنهما، في " مرو " فقال له: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إني قلت فيكم أهل البيت قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك، أحب أن تسمعها مني، فقال له الإمام الرضا، هات قل، فأنشأ يقول:

ذكرت محل الربيع من عرفات * فأجريت دمع العين بالعبرات
وقل عرى صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات
مدارس آيات خلت عن تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثنيات
ديار لعبد الله والفضل صنوة * نجي رسول الله في الخلوات
منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الأمين يحلها * من الله بالتسليم والرحمات
منازل وحي الله وعلمه * سبيل رشاد واضح الطرقات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطب بهم غربة النوى * فأمسين في الأقطار مفترقات
أحب فضاء الدار من أجل حبهم * وأهجر فيهم أسرتي وثقاتي
وهم أهل ميراث النبي إذا انتموا * وهم خير سادات وخير حماة

(١) نور الأبصار ص ١٥٣ - ١٥٥.

(٢) سورة الأعراف: آية ٣٢.

١٥٨

مطاعم في الإعسار في كل مشهد * لقد شرفوا بالفضل والبركات
أئمة عدل يقتدى بفعالهم * وتؤمن منهم ذلة العثرات
فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي
لقد أمنت نفسي بهم في حياتها * وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تراني من ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات
إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم * أكفا عن الأوتار منقبضات
وآل رسول الله تحفي جسومهم * وآل زياد أغلظ القصرات
سأبكهم ما در في الأفق شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات
وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات
ديار رسول الله أصبحن بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات
وآل زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * لقطع نفسي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله بالبركات
يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس اصبري * فغير بعيد كل ما هو آت

وهي قصيدة طويلة عدة أبياتها مائة وعشرون بيتا.

ولما فرغ " دعبل " من إنشادها، نهض أبو الحسن علي الرضا - رضوان الله عليه - وقال: لا تبرح، فأنفذ إليه صرة، فيها مائة دينار، واعتذر إليه، فردها دعبل - وقال: ما لهذا جئت، وإنما جئت للسلام عليك، وللتبرك بالنظر إلى وجهك الميمون، وإني لفي غنى، فإن رأى (سيدي) أن يعطيني شيئا من ثيابه للتبرك، فهو أحب إلي، فأعطاه الإمام الرضا جبة، ورد عليه الصرة، وقال للغلام: قل له خذها ولا تردها، فإنك ستصرفها أحوج ما تكون إليها، فأخذها وأخذ الجبة.

١٥٩

ثم أقام في " مرو " مدة، فتجهزت قافلة تريد العراق، فتجهز " دعبل " في صحبتها، فخرجت عليهم اللصوص في الطريق، ونهبوا القافلة عن آخرها، وأمسكوا جماعة من جملتهم الشاعر " دعبل الخزاعي " فكتفوهم وأخذوا ما معهم، فساروا بهم غير بعيد، ثم جلسوا يقسمون أموالهم، فتمثل مقدم اللصوص بقول دعبل:

أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات

ودعبل يسمعه، فقال: أتعرف هذا البيت لمن؟ قال: وكيف لا أعرفه؟ هو لرجل من خزاعة، يقال له " دعبل " شاعر أهل البيت، قاله في قصيدة مدحهم بها، فقال دعبل: أنا والله هو صاحب هذه القصيدة وقائلهم، فقال، ويلك، أنظر ما تقول، فقال: والله، الأمر أشهر من ذلك، واسأل أهل القافلة: وهؤلاء الممسكين معكم يخبرونكم بذلك، فسألوهم فقالوا بأسرهم: هذا دعبل الخزاعي، شاعر أهل البيت المعروف الموصوف، ثم إن دعبلا أنشدهم القصيدة من أولها إلى آخرها، عن ظهر قلب، فقالوا: قد وجب حقك علينا، وقد أطلقنا القافلة، ورددنا جميع ما أخذناه منها، كرامة لك يا شاعر أهل البيت.

ثم إنهم أخذوا دعبلا معهم، وتوجهوا به إلى " قم " ووصلوه بمال، وسألوه في بيع الجبة التي أعطاها له الإمام أبو الحسن على الرضا، ودفعوا له فيها ألف دينار، فقال: والله لا أبيعها، وإنما أخذتها للتبرك من أثره.

ثم ارتحل عنهم من " قم " بعد ثلاثة أيام، فلما صار خارج البلد، على نحو ثلاثة أميال (حوالي ٥ كيلا)، خرج عليه قوم من أحداثهم، فأخذوا الجبة منه، فرجع إلى " قم " وأخبر كبارهم بذلك، فأخذوا الجبة منهم وردوها عليه.

ثم قالوا: نخشى أن تؤخذ هذه الجبة منك، ويأخذها غيرنا، ثم لا ترجع عليك، فبالله، إلا ما أخذت الألف منا وتركتها، فأخذ الألف منهم، وأعطاهم، الجبة، ثم ارتحل عنهم.

١٦٠