×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة وأهل البيت (ع) ج - 3 / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

وعن أبي الصلت الهروي قال قال دعبل الخزاعي: لما أنشدت مولاي الرضا هذه القصيدة، وانتهيت فيها إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * يقول على اسم الله بالبركات
يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الإمام الرضا - عليه السلام -، وقال - بعد أن رفع رأسه - يا خزاعي، لقد نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين(١).

وفي " در الأصداف " لما جعل المأمون الإمام الرضا ولي عهده، وخليفة من بعده، كان في حاشية المأمون أناس كرهوا ذلك، وخافوا على خروج الخلافة من بني العباس، وعودها لنبي فاطمة، فحصل عندهم من الإمام علي الرضا نفور ".

وكان من عادة " الرضا " إذا جاء دار المأمون بادر من بالدهليز من الحجاب وأهل النوبة من الخدم والحشم، بالقيام والسلام عليه، ويرفعون له الستر حتى يدخل، فلما حصلت لهم هذه النفرة، وتفاوضوا من أمر هذه القصة، ودخل في قلوبهم منها شئ، قالوا - فيما بينهم -: إذا جاء يدخل على الخليفة بعد اليوم نعرض عنه، ولا نرفع له الستر، واتفقوا على ذلك فيما بينهم، فبينما هم جلوس إذ جاء " الإمام علي الرضا " على جاري عادته، فلم يملكوا أنفسهم أن قاموا وسلموا عليه، ورفعوا له الستر على عادتهم، فلما دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، لكونهم ما فعلوا ما اتفقوا عليه، وقالوا: الكرة الآتية، إذا جاء لا نرفعه.

فلما كان في اليوم التالي، وجاء الإمام الرضا على عادته، قاموا وسلموا عليه، ولم يرفعوا الستر، فجاءت ريح شديدة، فرفعت الستر له، عند دخوله،

(١) نور الأبصار ص ١٥٣ - ١٥٤.

١٦١

وعند خروجه، من الجهتين، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: إن لهذا الرجل عند الله منزلة، أنظروا إلى الريح كيف جاءت، ودفعت له الستر عند دخوله وعند خروجه، ارجعوا إلى ما كنتم عليه من خدمته، فهو خير لكم(١).

وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ(٢)بإسناده عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب، قال: " رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام، وكان قد وافى المسجد، الذي كان ينزل له الحجاج من بلدنا في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه، ووقفت بين يديه، فوجدته وعنده طبق من خوص المدينة، فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولنيها، فعدتها ثماني عشرة تمرة، فتأولتها أني أعيش بكل تمرة سنة، فلما كان بعد عشرين يوما، وأنا في أرض لي تعمر بالزراعة، إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن علي الرضا بن موسى

(١) نور الأبصار ص ١ / ١٥٨ - ١٥٩.

(٢) الحاكم: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم، الحاكم النيسابوري (ولد عام ٣٢١ هـ / ٩٣٣ م، وتوفي عام ٤٠٤ هـ / ١٠١٤ م) وفي وفيات الأعيان: وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور، توفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة، وقال الخليلي في كتاب " الإرشاد ": توفي سنة ثلاث وأربعمائة، بدأ طلب الحديث عام ٣٣١ هـ، وسمع عمرو بن سماك وأحمد بن سلمان النجاد، وتفقه على أبي سهل محمد بن سلمان الصعلوكي الفقيه الشافعي، وأصبح إمام أهل الحديث في عصره، وكان يميل إلى رأي الشيعة، وتولى القضاء في نيسابور عام ٣٥٩ هـ، على أيام الدولة السامانية، ولكنه سرعان ما اعتزله، وقام بالسفارة للبويهيين، وأملى الحديث بما وراء النهر عام ٣٥٥ هـ، وفي العراق عام ٣٦٧ هـ، ولازمه " الدار قطني " (٣٠٥ - ٤٨٥ هـ / ٩١٨ - ٩٩٥ م) وسمع منه أبو بكر القفال الشاسي.

وأما أهم آثاره فهي (المستدرك على الصحيحين - المدخل إلى معرفة الإكليل - المدخل إلى معرفة الصحيحين - معرفة أصول (أو علوم) الحديث - تاريخ نيسابور - شعر أصحاب الحديث - تسمية من أخرجهم البخاري - سؤالات أبي عبد الله النيسابوري للدارقطني وأجوبته في أسامي مشايخ من أهل العراق - الفوائد).

وأما أهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٠ - ٢٨١، تاريخ بغداد للخطيب ٥ / ٤٧٣ - ٤٧٤، تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ٢٢٧ - ٣٢١، تذكرة الحفاظ للذهبي ص ١٠٣٩ - ١٠٤٥. غاية النهاية لابن الجزري ٢ / ١٨٤، طبقات الشافعية للسبكي ٣ / ٦٤ - ٧٤، النجوم الزاهرة ٤ / ٢٣٨، شذرات الذهب ٣ / ١٧٦ - ١٧٧، لسان الميزان لابن حجر ٥ / ٢٣٢ - ٢٣٣)، تاريخ التراث لسزكين ١ / ٤٥٤ - ٤٥٧، معجم المؤلفين لكحالة ١٠ / ٢٣٨، مرآة الجنان لليافي ٣ / ١٤، الأعلام للزركلي ٧ / ١٠١).

١٦٢

الكاظم، ونزوله بذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون له من كل جهة، يسلمون عليه ".

" فمضيت نحوه، فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم)، جالسا فيه، وتحته حصير مثل الحصير الذي كان تحته (صلى الله عليه وسلم)، وبين يديه طبق من خوص المدينة، وفيه تمر صيحاني، فسلمت عليه، فرد السلام، واستدعاني وناولني قبضة من ذلك التمر، فعددتها فإذا هي بعدد ما ناولني رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في النوم، ثماني عشرة تمرة، فقلت: زدني، فقال: لو زادك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لزدتك.

وروى الحاكم أيضا بإسناده عن سعيد بن سعيد: أن أبا الحسن علي الرضا: نظر إلى رجل، فقال: يا عبد الله، أوص بما تريد، واستعد لما لا بد منه، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام.

وعن صفوان بن يحيى قال: لما مضى موسى الكاظم، وظهر ولده علي الرضا: خفنا عليه وقلنا له: إنا نخاف عليك من هذا - يعني هارون الرشيد - قال الإمام الرضا: ليجهدن جهده، فلا سبيل له علي.

قال صفوان: فحدثني ثقة: أن يحيى بن خالد البرمكي قال لها روى الرشيد: هذا علي بن موسى قد تقدم، وادعى الأمر لنفسه، فقال هارون: يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعا؟.

وعن مسافر: قال: كنت مع أبي الحسن علي الرضا بمنى، فمر يحيى بن خالد البرمكي، وهو مغط وجهه بمنديل من الغبار، فقال الرضا: مساكين هؤلاء لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة، فكان من أمرهم ما كان.

قال: وأعجب من هذا، أنا وهارون كهاتين، وضم إصبعيه السبابة والوسطى، قال مسافر، فوالله ما عرفت معنى حديثه في هارون، إلا بعد موت الرضا، ودفنه إلى جانبه.

وعن الحسن بن يسار قال: قال الإمام الرضا: إن عبد الله يقتل محمدا،

١٦٣

فقلت: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون، قال: نعم، عبد الله المأمون يقتل محمد الأمين، فكان كما قال.

وعن الحسين بن موسى قال: كنا حول أبي الحسن علي الرضا بن موسى، ونحن شباب من بني هاشم، إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي، رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض، نظر مستزر وجالته، فقال الإمام الرضا: سترونه عن قريب، كثير المال، كثير الخدم، حسن الهيئة، فما مضى إلا شهر واحد، حتى ولي أمر المدينة، وحسنت حاله، وكان يمر بنا كثيرا، وحوله الخدم والحشم، يسيرون بين، فنقوم له، ونعظمه وندور له.

وعن جعفر بن صالح قال: أتيت الرضا فقلت، امرأتي أخت محمد بن سنان - وكان من خواص شيعتهم - وبها حمل، فادع الله أن يجعله ذكرا، قال:

هما اثنان، فوليت وقلت: أسمي واحدا عليا، والآخر محمدا، فدعاني فأتيته، فقال: سم واحدا عليا، والأنثى أم عمرو، كما أمرني، وقلت لأمي: ما معنى أم عمرو، قالت: جدتك كانت تسمى " أم عمرو ".

وعن حمزة بن جعفر الأرجاني قال: خرج هارون الرشيد من المسجد الحرام من باب، وخرج الإمام علي الرضا من باب، فقال علي الرضا - وهو يعني هارون الرشيد - يا بعد الدار، وقرب الملتقى، يا طوس، ستجمعيني وإياه.

وعن موسى بن عمران قال: رأيت علي الرضا بن موسى في مسجد المدينة، وهارون الرشيد يخطب، قال: تروني وإياه ندفن في بيت واحد.

وعن هرثمة بن أعين - وكان من خدم الخليفة عبد الله المأمون، وكان قائما بخدمة علي الرضا - قال: طلبني سيدي أبو الحسن الرضا في يوم من الأيام، وقال لي: يا هرثمة إني مطلعك على أمر، يكون سرا عندك، لا تظهره لأحد مدة حياتي، فإن أظهرته حال حياتي، كنت خصما لك عند الله، فحلفت له، أني لا أتفوه بما يقوله لي لأحد مدة حياته.

١٦٤
١٦٥

فنزل، ولم يكلم أحدا، فصلى عليه، وصلى الناس معه، وأمر الخليفة بطلب الرجل، فلم يروا له أثرا، ولا لبعيره.

ثم إن الخليفة قال: نحفر له من خلف قبر الرشيد، لننظر ما قاله لك، فكانت الأرض أصلب من الصخر الصوان، وعجزوا عن حفرها، فتعجب الحاضرون من ذلك، وتبين للمأمون صدق ما قلته له.

فقال أرني الموضع الذي أشار إليه، فجئت بهم إليه، فما كان إلا أن انكشف التراب عن وجه الأرض، فظهرت الأطباق، فرفعناها فظهر قبر معمور، فإذا في قعره ماء أبيض، وأشرف عليه المأمون وأبصره، ثم إن ذلك الماء نضب من وقته، فواريناه فيه، ورددنا الأطباق على حالها والتراب.

ولم يزل الخليفة المأمون يتعجب مما رأى ومما سمعه مني، ويتأسف عليه ويندم، وكلما خلوت معه يقول لي: يا هرثمة، كيف قال لك أبو الحسن الرضا، فأعيد عليه الحديث، فيتلهف ويتأسف، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون(١).

١٢ - أولاد الإمام الرضا: -

روى الشيخ المفيد في " الإرشاد " و " ابن شهرآشوب " في " مناقب آل أبي طالب " و " الطبرسي " في " إعلام الورى بأعلام الهدى " أن الإمام علي الرضا، لم يترك ولدا، إلا " الإمام محمد الجواد "(٢).

غير أن الخشاب، إنما يقول في كتابه " مواليد أهل البيت ": ولد الرضا خمسة بنين وابنة واحدة، وهم: محمد القانع والحسن وجعفر وإبراهيم والحسين، والبنت اسمها عائشة(٣).

(١) سيد الشبلنجي: نور الأبصار ص ١٥٩ - ١٦٠.

(٢) فضائل الإمام علي ص ٢٣٤.

(٣) نور الأبصار ص ١٦٠، وفي هامش رقم ٢ ص ٢٢٨ من كتاب " عمدة الطالب " يقول: للإمام الرضا ثلاثة أولاد: موسى ومحمد وفاطمة.

١٦٦

(٤) الإمام محمد الجواد

١ - نسبه ومولده: -

هو الإمام أبو جعفر محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، وسيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

هذا وقد ولد الجواد بالحديثة عام ١٩٥ هـ، وتوفي عام ٢٢٠ هـ، وهو ابن ٢٥ سنة، عاش مع أبيه الرضا ٧ سنين، وبقي بعده ١٨ سنة، وأمه أم ولد، اسمها " سكن "(١)

وفي وفيات الأعيان، يقول ابن خلكان: وكانت ولادته يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان - وقيل منتصفه - سنة خمس وتسعين ومائة، وتوفي يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وقيل تسع عشرة ومائتين ببغداد، ودفن عند جده الإمام موسى بن جعفر الكاظم، رضي الله عنهم أجمعين - في مقابر قريش، وصلى عليه الواثق بن المعتصم(٢).

وفي مروج الذهب: وفي سنة تسع عشرة ومائتين، قبض محمد الجواد بن

(١) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص ٢٤٣.

(٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤ / ١٧٥، وانظر الكليني الكافي ١ / ٤٩٧.

١٦٧

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك لخمس خلون من ذي الحجة، ودفن ببغداد في الجانب الغربي بمقابر قريش، مع جده موسى بن جعفر، وصلى عليه الواثق، وقبض وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقبض أبو علي بن موسى الرضا، ومحمد (الجواد) ابن سبع سنين وثمانية أشهر، وقيل غير ذلك، وقيل إن " أم الفضل " بنت المأمون لما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم سمته(١).

وكان الإمام محمد الجواد يكنى " بأبي جعفر " - كجده الباقر - وألقابه كثيرة: الجواد والقانع والمرتضى وأشهرها الجواد، وصفته أبيض معتدل(٢)، غير أن هناك من يذهب إلى أنه كان شديد الأدمة، معتدل القامة(٣).

وقال صاحب كتاب " مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ": " هذا محمد أبو جعفر الثاني، فإنه قد تقدم في آبائه أبو جعفر محمد الباقر بن علي، جاء هذا باسمه وكنيته، واسم أبيه، فعرف " بأبي جعفر الثاني "، وإو كان صغير السن، فهو كبير القدر، رفيع الذكر، ومناقبه، رضي الله عنه، كثيرة(٤).

٢ - الإمام محمد الجواد والإمامة:

عندما انتقل الإمام علي الرضا إلى جوار ربه - راضيا مرضيا - كان ولده محمد الجواد في التاسعة من عمره، فأنكر جمهور المسلمين على الشيعة ولاية الأئمة، والأخذ عنهم، وهم في سن الصبا، لا سيما وأن العادات العربية، تجعل للسن أهمية في ولاية الأمور، فكانت ولايته، ولم يبلغ سن الرشد، أخطر مشكلة واجهت الشيعة بالنسبة لشخص الإمام الجواد.

(١) مروج الذهب ٢ / ٤٣٩.

(٢) نور الأبصار ص ١٦٠.

(٣) محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي ص ٢٣٧.

(٤) نور الأبصار ص ١٦١.

١٦٨

هذا ويعبر " النوبختي " عن تشكك الناس في إمامته بقولهم: لا يجوز أن يكون إلا بالغا، ولو جاز أن يأمر الله عز وجل بطاعة غير بالغ، لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكذلك لا يفهم أن يتولى القضاء بين الناس والفصل في دقائق الأمور وجليلها، وغامض الأحكام، وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبي، وآله، وما يحتاج إلى يوم القيامة معقول، ولا متعارف، وأنى لأبي جعفر الجواد العلم الواجب للأئمة، وقد حمل أبوه إلى خراسان وكان الجواد ابن أربع سنين، فأنى له معرفة دقيق الدين وجليله(١)، وهو ما يفترض في الأئمة.

ولقد قيل للإمام الجواد: إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، فقال:

وما ينكرون من ذلك، وقد قال الله تعالى لنبيه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني)(٣)، فوالله ما اتبعه حينئذ إلا علي، وله تسع سنين، وأنا ابن تسع سنين "(٣).

والوقع أن هناك أكثر من آية للاستشهاد بها على إمامة الصبية، قال تعالى في سيدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام (وآتيناه الحكم صبيا)(٤)، ثم معجزة المسيح ابن مريم، عليه السلام، حين نطق في المهد قائلا: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا)(٥).

ولما كانت الإمامة تجري مجرى النبوة، فليس منكرا إذن أن تكون إمامة الإمام الجواد قبل أن يبلغ الرشد، إذ يجوز للإمام أن يؤتى الحكم صبيا، ويؤتاه

(١) النوبختي: فرق الشيعة.

(٢) سورة يوسف: آية ١٠٨.

(٣) الكليني: الكافي ص ٩٣، أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٣٩٠.

(٤) سورة مريم: آية ١٢.

(٥) سورة مريم: آية ٣٠.

١٦٩

وهو ابن أربعين(١)لقول الله تعالى (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما)(٢)، ولقوله تعالى (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما)(٣)

على أن العلماء مختلفون في معنى " الحكم " هنا في قول الله تعالى:

(وآتيناه الحكم صبيا) وغيرها، فمن قائل إنها بمعنى الحكمة، وهي الفهم في التوراة والفقه في الدين، قال الإمام الطبري في التفسير: المعنى أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه، قبل بلوغه أسنان الرجال، ومن قائل إنها بمعنى العقل والفراسة الصادقة، ومن قائل: إنها النبوة، وعليه كثير، قالوا: أوتيها وهو ابن ثلاثين، وقيل وهو ابن سبع سنين، أو ابن اثنتين، ولم يتنبأ أكثر الأنبياء عليهم السلام، قبل الأربعين، وإن رأى البعض أن الحكم هنا، ليس بمعنى النبوة، فهي على سن الأربعين، وإنما المراد الفهم والفقه في الدين، وهو غير الحكمة المفسرة بالنبوة، كما في آية البقرة، التي جاءت في حق داود عليه السلام(٤)، يقول الله تعالى: (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء)(٥).

هذا ويرجح الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير، أنها النبوة، ذلك لأن الله تعالى قد أحكم عقله (أي سيدنا يحيى عليه السلام) في صباه، وأوحى إليه، وذلك لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى، عليهما السلام، وهما صبيان، - لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام، وقد بلغا الأشد - والأقرب حمل الحكم على النبوة لوجهين:

(١) المسعودي: إثبات الوصية ص ٢١١، أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٣٩١.

(٢) سورة يوسف: آية ٢٢.

(٣) سورة القصص: آية ١٤.

(٤) تفسير الطبري ١٦ / ٥٤ - ٥٥، تفسير النسفي ٣ / ٣٠، تفسير ابن كثير ٣ / ١٨٣، تفسير روح المعاني ١٦ / ٧٢، تفسير الكشاف ٢ / ٥٠٤، صفوة التفاسير ٢ / ٢١٣.

(٥) سورة البقرة: آية ٢٥١، وانظر عن قصة داود عليه السلام (محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث ص ٩ - ٨٧ - بيروت ١٩٨٨ م)

١٧٠

الأول: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية (وآتيناه الحكم صبيا) صفات شرفه ومنقبته، ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها، فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية، ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة، إلا هذه اللفظة، فوجب حملها عليها.

والثاني: أن الحكم: هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق، وذلك لا يكون إلا " بالنبوة "، فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟

قلنا هذا السائل: إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع، فإن منع منه فقد سد باب النبوات، لأن النبوة بناء الأمر فيها على المعجزات، ولا معنى لها إلا خرق العادات، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد، فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلا، أشد من استبعاد انشقاق القمر، وانفلاق البحر(١).

وأما بالنسبة لصغر سن الإمام الجواد: فيروي الكليني بسنده عن محمد بن خلاد قال: سمعت الرضا يقول: ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر (الجواد) قد أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني، وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا، القذة بالقذة.

وروى الكليني بسنده عن ابن قياما الواسطي قال: دخلت على علي بن موسى (الرضا) فقلت له: أيكون إمامان؟ فقال: لا، إلا وأحدهما صامت، فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت - ولم يكن ولد أبو جعفر (الجواد) بعد - فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله، ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر، وكان " ابن قياما " واقفيا.

وعن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قبل أن يهب لك

(١) تفسير الفخر الرازي (٢١ / ١٩١ - ١٩٢. وانظر (محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث ص ٢٦٠ - ٢٦٢ - بيروت ١٩٨٨ م).

١٧١

أبا جعفر، فكنت تقول: يهب الله لي غلاما، فقد وهبه الله لك، فأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون، فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر، وهو قائم بين يديه، فقلت: جعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين، فقال: وما يضره من ذلك، فقد قام عيسى بالحجة، وهو ابن ثلاث سنين.

وعن معمر بن خلاد قال: سمعت إسماعيل بن إبراهيم يقول للرضا: إن ابني في لسانه ثقل، فإما أبعث به إليك غدا فتمسح على رأسه، وتدعو له، فإنه مولاك، فقال: هو مولى أبي جعفر، فابعث به غدا إليه.

وعن الحسين بن محمد عن الخيراني عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن الرضا بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي، إن كان كون، فإلى من؟

قال: إلى أبي جعفر (الجواد) ابني، فكأن القائل قد استصغر سن أبي جعفر، فقال له أبو الحسن الرضا: إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى ابن مريم رسولا نبيا، صاحب شريعة مبتدأه، في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر(١).

وروى المسعودي في إمامة الجواد، عن الحميري عن حنان بن سدير، قال: قلت للرضا، يكون إمام ليس له عقب؟ فقال لي: أما أنه لا يولد لي إلا واحدا، ولكن الله ينشئ منه ذرية كثيرة، ولم يزل أبو جعفر محمد بن علي - مع حداثته وصباه - يدير أمر الرضا بالمدينة، ويأمر الموالي وينهاهم، ولا يخالف عليه أحد منهم.

ويروي المسعودي كذلك أن الناس - بعد وفاة الرضا - احتاروا فيمن يقصدون للسؤال بعده، فاجتمعوا إليه، وسألوه عدة أسئلة، فأجابهم بإجابات والده، فاعترفوا له بالإمامة(٢).

ويقول: المفيد في إمامة الجواد: وكان الإمام بعد الرضا ابنه محمد،

(١) الكليني: الكافي ١ / ٣٢٠ - ٣٢١.

(٢) المسعودي: إثبات الوصية ص ١٧٩ - ١٨١.

١٧٢

وبالنص عليه، والإشارة من أبيه إليه، وتكامل الفضل فيه(١).

ويقول ابن شهرآشوب(٢): " والدليل على إمامته، القطع على العصمة، ووجوب كونه أعلم الخلق بالشريعة، واعتبار القول بإمامة الاثني عشر، وتواتر الشيعة.

وعلى أية حال، فإن الشيعة إنما تؤيد استدلالها على إمامة محمد الجواد بمناظرات وقعت في مجلس الخليفة المأمون بين الإمام الجواد والعلماء الذين تشككوا في إمامته، فضلا عن بعض بني العباس، الذين أنكروا على المأمون تزويج الإمام الجواد من " أم الفضل " ابنة الخليفة المأمون، وكيف أفحم الإمام الجواد جميع الحاضرين بإجابته المسكتة في الفقه وشتى علوم الدين.

ومع ذلك، فإن الشيعة الاثني عشرية - وهم لا يجدون حرجا في إمامته - قد اختلفوا في الالتزامات المنوطة به، وبمقتضى الإمامة، فجعله فريق الأئمة من قبله، منذ وفاة أبيه(٣).

على أن فريقا آخر إنما ذهب إلى أنه " إمام " بمعنى أن الأمر فيه، وله، دون الناس، على أنه لم يجتمع فيه ما اجتمع في غيره من الأئمة المتقدمين، فلا يجوز له أن يؤمهم، وإنما يتولى الصلاة، وينفذ الأحكام غيره من أهل الفقه والدين والصلاح، إلى أن يبلغ المبلغ الذي يصلح هذا فيه(٤).

هذا وقد اختلفت الشيعة كذلك في مصدر علمه، فقالت طائفة: إن الله علمه ذلك عند البلوغ بضروب تدل على جهات علم الإمام، كالإلهام، والنكت

(١) المفيد: الإرشاد ص ٣١٦ - ٣١٧.

(٢) ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ٤ / ٣٨٠، وانظر نبيلة عبد المنعم: المرجع السابق ص ٢٨٠ - ٢٨٣.

(٣) أحمد صبحي: المرجع السابق ص ٣٩١.

(٤) الأشعري: مقالات الإسلاميين ١ / ١٠٢ (القاهرة ١٣٧٣ هـ).

١٧٣

وفي القلب، والنقر في الآذان، والرؤيا الصادقة في المنام، والملك المحدث له، ووجوه رفع المنار، والعمود والمصباح وعرض الأعمال، وهذا يعني أن هذا الفريق إنما لجأ إلى المغيبات، يلتمسون فيها، وفي تصورها، إقامة علم الإمام، بل يذهبون إلى أن الأخبار الصحيحة القوية الأسانيد والتي لا يجوز دفعها، ولا رد مثلها، إنما قد صحت في الإمام محمد الجواد(١).

على أن طائفة أخرى إنما قد أنكرت هذه المصادر للمعرفة، ذلك لأن الوحي إنما قد انقطع بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإلهام إنما يلحق عند المناظرة، والفكر أن تعرف شيئا كانت قد تقدمت معرفتك به في الأمور النافعة فتذكره، وأحكام الشرع - على كثرة اختلافها وعللها - لا تعرف بالفكر، ذلك لأن أصح الناس فكرا، وأوضحهم عقلا وخاطرا، وأحضرهم ذهنا، لو فكر - وهو لم يسمع أن الظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاث - ما استخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدل عليه بكمال عقله، ولا أدركه بحضور ذهنه، لأنه من المعقول أن لا يعرف ذلك إلا بالتعليم، فوجوه علم الإمام، من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما رسم له فيها من الأصول والفروع(٢).

على أن طائفة ثالثة، إنما قد أعطت الإمام القداسة العظمى، التي تشيع في فكر الإمامية عامة، وهي أن الإمام إمام - سواء أكان بالغا أو غير بالغ - لأنه حجة الله على الأرض، وقد يجوز أن يعلم، وإن كان صبيا، ويجوز عليه الإلهام والنكت والرؤيا والملك المحدث، كل ذلك يجوز عليه - كما جاز على أسلافه الماضين، حجج الله في الأرض، وقد حدث هذا ل‍ " يحيى بن زكريا "

(١) النوبختي: فرق الشيعة ص ٨٩، أبو خلف القمي: كتاب المقالات ص ٩٧، علي سامي النشار:

نشأة الفكر الإسلامي في الإسلام - الجزء الثاني - نشأة التشيع وتطوره ص ٢٨٣ (دار المعارف - ١٩٦٩).

(٢) النوبختي: فرق الشيعة ص ٧٧، أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - ص ٣٩١ - ٣٩٢ دار المعارف - ١٩٦٩).

١٧٤

عليه السلام، من قبل: وآتاه الله الحكم صبيا، وعيسى بن مريم عليه السلام، وغيرهما، من الحجج(١)

٣ - الإمام محمد الجواد والمأمون:

قال الشيخ المفيد في " الإرشاد ": كان الخليفة المأمون قد شغف بالإمام محمد الجواد، لما رأى من فضله، مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة، والأدب وكمال العقل، ما لم يساوه فيه أحد من أهل زمانه، فزوجه ابنته " أم الفضل " وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفرا على إكرامه وتعظيمه، وإجلال قدره. وأنكر العباسيون على المأمون عزمه على تزويج الإمام الجواد من ابنته، وقالوا له: ننشدك الله أن لا تقيم على هذا الأمر، الذي عزمت عليه، فنحن نخشى أن يخرج منا أمر قد ملكناه، وقد عرفت ما بيننا وبين آل أبي طالب.

فقال المأمون: أما الذي بينكم وبينهم، فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى منكم، وقد اخترت محمد بن علي (محمد الجواد بن علي الرضا) لتفوقه على كافة أهل الفضل والعلم، مع صغر سنه، وسيظهر لكم، وتعلموا أن الرأي ما رأيت.

قالوا: إنه صغير السن، ولا معرفة له، ولا فقه.

قال المأمون: ويحكم أنا أعرف به منكم، إنه من أهل بيت علمهم من الله، ولم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب على الرعايا، وإن شئتم فامتحنوه، حتى يتبين لكم ذلك.

قالوا: قد رضينا.

واجتمع رأيهم أن يقابلوا الإمام الجواد بقاضي القضاة " يحيى بن أكثم "، فأتوا به إلى مجلس المأمون، ومعه الإمام الجواد والناس من حولهم.

(١) علي سامي النشار: المرجع السابق ٢٨٤.

١٧٥

وسأل ابن أكثم الإمام عن: محرم قتل صيدا؟

فقال الإمام الجواد: هل قتله في حل أو حرم؟ عالما كان أو جاهلا؟ عمدا أو خطأ؟ حرا كان المحرم أو عبدا؟ صغيرا كان أو كبيرا؟ مبتديا بالقتل أو معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها؟ ومن صغار الطير أو من كباره؟

مصرا على ما فعل أو نادما؟ في الليل كان قتل الصيد أو في النهار؟ وفي عمرة كان ذلك أو حج؟

فتحير ابن أكثم، وبان عليه العجز والانقطاع، حتى عرف أهل المجلس أمره.

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق، ثم التفت إلى أقربائه من بني العباس، وقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرون؟

فقالوا: أنت أعلم بما رأيت.

قال: إن أهل هذا البيت خصوا - من دون الخلق - بما ترون من الفضل، وإن صغر السن فيهم، لا يمنعهم من الكمال، فقد دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليا إلى الإسلام، وهو ابن عشر سنين، وقبله منه، ولم يدع أحدا في هذه السن - كما دعا عليا - وبايع الحسن والحسين - وهما دون ست سنين، ولم يبايع صبيا غيرهما، أفلا تعلمون أن الله قد خص هؤلاء القوم، وأنهم ذرية بعضهم من بعض، يجري لآخرهم، ما يجري لأولهم، قالوا: صدقت(١).

وفي نور الأبصار، وفي الصواعق المحرقة: أن المأمون قدم بغداد، بعد وفاة الإمام الرضا بسنة، فخرج يوما للصيد، فوجد الإمام الجواد واقفا، والصبيان يلعبون في أزقة بغداد، وكان عمر الإمام الجواد تسع سنين، فألقى الله

(١) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص ٢٤٣ - ٢٤٤ (دار التعارف للمطبوعات - بيروت).

١٧٦

محبته في قلبه، ثم قال لهم: ما منعك من الإنصراف؟ (وكان الصبيان قد فروا لما رأوا الخليفة).

فقال الإمام الجواد: يا أمير المؤمنين لم يكن الطريق ضيقا فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن، أنك لا تضر من لا ذنب له.

فأعجبه كلامه وحسن صورته، فقال له: ما اسمك واسم أبيك؟

فقال الإمام: محمد بن علي الرضا، فترحم على أبيه، وساق جواده.

وكان مع المأمون بزاة للصيد، فلما بعد عن العمار، أرسل بازا على دراجة، فغاب عنه، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة، وبها بقاء الحياة، فتعجب من ذلك غاية العجب.

ورأى الصبيان على حالهم - ومحمد عندهم، ففروا إلا محمدا - فدنا منه، وقال له: ما في يدي؟

فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله خلق في بحر قدرته سمكا صغارا، يصيدها بازات الملوك والخلفاء، فيختبروا بها سلالة أهل بيت المصطفى، صلى الله عليه وسلم وآله.

فقال له: أنت ابن الرضا حقا، وأخذه معه، وأحسن إليه، وبالغ في إكرامه، فلم يزل مشغوفا به، لما ظهر له بعد ذلك، من فضله وعلمه، وكمال عظمته، وظهور برهانه، مع صغر سنه.

وعزم على تزويجه بابنته " أم الفضل " وصمم على ذلك، ومنعه العباسيون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه - كما عهد إلى أبيه من قبل - فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل - علما ومعرفة وحكما، مع صغر سنه - فنازعوا في اتصاف الإمام محمد الجواد بذلك، ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه

١٧٧

من يختبره، فأرسلوا إليه قاضي القضاة " يحيى بن أكثم " ووعدوه بشئ كثير، إن قطع لهم وأخجله، فحضروا للخليفة، ومعهم " ابن أكثم " وخواص الدولة.

فأمر المأمون بفرش حسن للإمام " محمد الجواد " فجلس عليه، فسأله " يحيى بن أكثم " مسائل أجاب عنها بأحسن جواب وأوضحه، فقال له المأمون:

أحسنت أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيى، ولو مسألة واحدة، فافعل.

قال الإمام الجواد ليحيى: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما، ثم حلت له عند ارتفاعه، ثم حرمت عليه عند الظهر، ثم حلت له عند العصر، ثم حرمت عليه المغرب، ثم حلت له العشاء، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر؟

فقال يحيى بن أكثم: لا أدري.

فقال الإمام محمد الجواد: هي أمة نظرها أجنبي بشهوة، وهي حرام، ثم اشتراها ارتفاع النهار، فأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، وظاهر منها المغرب، وكفر العشاء، وطلقها رجعيا نصف الليل، وراجعها الفجر.

فقال المأمون للعباسيين: قد عرفتم ما كنتم تنكرون، ثم زوجه في ذلك المجلس بنته " أم الفضل " ثم توجه بها إلى المدينة، فأرسلت تشتكي منه لأبيها، أنه تسرى عليها، فأرسل إليها أبوها: إنا لم نزوجك له، لنحرم عليه حلالا، فلا تعودي لمثله، ثم قدم بها بطلب من المعتصم لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين، وتوفي فيها في آخر ذي القعدة، ودفن في مقابر قريش في ظهر جده الإمام موسى الكاظم، وعمره خمس وعشرون سنة - ويقال إنه سم أيضا - عن ذكرين وبنتين(١).

(١) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص ٣١١ - ٣١٢، الشبلنجي: نور الأبصار ص ١٦١.

١٧٨

٤ - الإمام الجواد والمعتصم:

مات الخليفة المأمون (١٩٨ - ٢١٨ هـ / ٨١٣ - ٨٣٣ م)، وبويع بالخلافة لأخيه " المعتصم " (٢١٨ - ٢٢٧ هـ / ٨٣٣ - ٨٤٢ م) فطلب الإمام الجواد، وأحضره إلى بغداد، وقيل: إنه أخذ يعمل الحيلة في قتله، حتى دس له السم، فانتقل إلى جوار ربه، ودفن بالكاظمية مع جده الإمام الكاظم(١).

٥ - من مرويات الإمام الجواد:

روى الإمام محمد الجواد الحديث عن أبيه وغيره، وروى عنه جماعة، منهم المأمون وأبو السلط الهروي، وأبو عثمان المازني النحوي(٢).

وفي وفيات الأعيان: وكان يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، فقال لي - وهو يوصيني، يا علي، ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي: عليك بالدلجة، فإن الأرض تطوي بالليل، ما لا تطوي بالنهار، يا علي: أغد باسم الله، فإن الله بارك لأمتي في بكورها ".

وقال جعفر بن محمد بن مزيد: كنت ببغداد، فقال محمد بن منده بن مهر يزد: هل لك أن أدخلك على محمد بن علي الرضا؟ فقلت: نعم، قال:

فأدخلي عليه، فسلمنا وجلسنا، فقلت له: حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن فاطمة رضي الله عنها، أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار، قال: ذلك خاص بالحسن والحسين، رضي الله عنهما(٣).

(١) الشيعة في الميزان ص ٢٤٥.

(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ١٠ / ٢٥٠.

(٣) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤ / ١٧٥.

١٧٩

٦ - من أقوال الإمام محمد الجواد:

قال الإمام: من استفاد أخا في الله، فقد استفاد بيتا في الجنة(١).

وقال: أوحى الله، إلى بعض أنبيائه: أما زهدك في الدنيا، فيجعل لك الراحة، وأما انقطاعك إلي فيعززك بي، ولكن: هل عاديت لي عدوا، أو واليت لي واليا.

وقال: من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة، فقد عرض نفسه للهلكة.

وقال: كفى بالمرء خيانة، أن يكون أمينا للخونة.

وقال: نعمة لا تشكر، كسيئة لا تغفر.

وقال: لا يضرك سخط، من رضاه الجور.

وقال: من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

وقال: القصد إلى الله بالقلوب، أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.

وقال: من أطاع هواه، أعطى عدوه مناه.

وقال: من لم يعرف الموارد، أعيته المصادر(٢).

وقال: إن لله عبادا يخصهم بدوام النعم، فلا تزال فيهم ما بذلوها، فإن منعوها، نزعها الله منهم، وحولها إلى غيرهم.

وقال: ما عظمت نعمة الله على أحد، إلا عظمت عليه حوائج الناس، فمن لم يتحمل تلك المؤنة عرض تلك النعم للزوال.

وقال: أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج، من أهل الحاجة إليه، لأن لهم أجره وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف، فإنما يبتدئ فيه بنفسه.

وقال: من أجل شيئا هابه، ومن جهل شيئا عابه، والفرصة خلسة، ومن كثر همه سقم جسمه، وعنوان صحيفة المسلم حسن خلقه.

(١) وفيات الأعيان ٤ / ١٧٥.

(٢) فضائل الإمام علي ص ٢٣٧ - ٢٣٨.

١٨٠