×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الامامة والقيادة / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

وهو مؤمن... ومعناه أن ملكة الايمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها، شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة، وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان وهي في المرتبة الثانية من العصمة، لأن العصمة واجبة للأنبياء وجوباً سابقاً، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولاً تابعاً لأعمالهم)(١)

فإن جازت العصمة بهذا الشكل لكل المؤمنين فكيف نعيب على الشيعة إثباتها لأهل بيت الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وفرض محبتهم في كتابه على المسلمين كافة ؟

ولئن كان أهل التشيع قد عصموا اثني عشر شخصاً فحسب جميعهم من سلالة النبي عليه وآله الصلاة والسلام، فإن أهل التسنن قد عصموا مئات الألوف من الصحابة، بما في ذلك الفسقة والبغاة، كالوليد بن عقبة، ومعاوية، وأبو سفيان، وأشباههم.

(١) المقدمة: ٤٦١ ـ ٤٦٢.
١٨١
صحيح لا يقول أهل السنة بهذا في الكتب صراحة، لكن الشعور العام، والأصول الفقهية التي استخرجوا منها جميع أفقهتهم، تقوم على العصمة الفعلية وافتراض أن كل ما يصدر عن الصحابي ـ وهو عندهم من رأى رسول الله ولو برهة ـ صواب، لأنه ربما سمع أو رأى في ذلك من رسول الله شيئاً.

ولقد تنازع الطرفان في موضوع العصمة كما تنازعوا في غيره، واعترضوا على اعتقادات بعضهم البعض، على النحو المفصل في كتب علم الكلام.

لكني أعتقد أن مسألة العصمة مسألة سياسية بالدرجة الأولى، وأنها إن حاولنا فهمها كذلك استساغتها العقول الواسعة ولم تجد فيها ما قد يوحيه اللفظ المجرد بلا ربط سياسي.

كيف هي إذن مسألة سياسية كما أزعم ؟

نحن نعتقد أن الإسلام بأحكامه وعقائده، وأن كتاب الله يقيني لا ريب فيه وهذا ما أعلنه منزل الكتاب في بدايته (ذلك الكتاب لا ريب فيه) فانتفاء الريب والشك اقتضى وجود معصوم

١٨٢
بعد النبي عليه وآله السلام يعلم ما في الكتاب من صغيرة وكبيرة علماً يقينياً ييسر تطبيقه، ويعصم الناس من الخلاف، لأن النبي لم يفسر القرآن قبل موته، ولم يترك في كل حال مستجد أمراً، بل هناك من الأمور ما وقع بعد النبي واختلف الناس فيه لعدم وجود شيء فيه.

ولأن عملية التشريع عملية مستمرة متواصلة لكونها مرتبطة بالأحداث والمستجدات، لذا وجب أن تكون القيادة على يقين فيما تقول وتفتي به، لأنها لو أخطأت أفسدت على الناس حياتهم.

ثم إن الله أمر بطاعة القيادة فقال (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فنص على أن أولي الأمر تجب طاعتهم كما تجب أن تكون أحكامهم وأوامرهم ونواهيهم موافقة للشرع مطابقة لأحكام الدين، لأن هذا هو شرط الطاعة وأساسها.

ومطابقة أوامر ونواهي وأحكام أولي الأمر للدين لا تتم إلا بعصمتهم، لأن ولي الأمر إذا أخطأ وجب إصلاحه والإنكار عليه، وهذا يتناقض وأمر الله بطاعته.

ويختلف الشيعة عن السنة في تفسير معنى أولي الأمر فهم يرون أن

١٨٣
المقصود بهم الأئمة الإثنا عشر، في حين يرى السنة ما نعلم وما نسمع ونقرأ.

ولم أجد من علماء أهل السنة أشد من ابن تيمية والرازي في الرد على عقائد الشيعة، لكني وجدتهما قد سلما بالعصمة من حيث هي ضرورة سياسية وتشريعية، فاضطر كل منهما لأن يعصم أحداً ما.

فانتقل الخلاف إذن من خلاف على المبدأ نفسه الى خلاف على شخص المعصوم.

فسلم ابن تيمية بضرورة عصمة أهل التواتر من الصحابة (١) لأن الأحكام تروى عنهم، وعصم الرازي أهل الحل والعقد، لأن من أمر الله بطاعته لابد وأن يكون معصوماً.

ولما كان يخالف الشيعة في تفسيرهم لأولي الأمر بالأئمة الإثني عشر فسرها بأهل الحل والعقد.

ففي تفسير قوله (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء ـ ٥٤ قال:

(١) المنتقى من منهاج الاعتدال للحافظ الذهبي: ٤٠٩ ـ ٤١٦، مصر ١٣٧٤هـ.
١٨٤
(إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوماً من الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان ـ بتقدير إقدامه على الخطأ ـ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ.

والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي الى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالإعتبار الواحد وإنه محال.

فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن ولي الأمر المذكور في الآية لابد وأن يكون معصوماً... ووجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله وأولي الأمر: أهل الحل والعقد من الأمة)(١)

هكذا نفهم إذن أن العصمة موضوع سياسي في أساسه تعددت بشأنه آراء الفرق والمذاهب الإسلامية، كل حسب

(١) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ٣/٢٤١ ـ ٢٤٢، مصر ١٣٠٨هـ.
١٨٥
موقفه من أحداث الأزمة التي واجهتها الدولة الإسلامية بعد وفاة مؤسسها.

بل إن البحث في عصمة الأنبياء لم يشغل مفكرينا كما شغلهم البحث في عصمة السلطة السياسية والتشريعية في الدولة الإسلامية، أما المبدأ نفسه ـ مبدأ العصمة ـ فمما اضطروا إلى التسليم به.

ونحن إذا ألقينا نظرة خاطفة على المذاهب السياسية في الفكر البشري شرقاً وغرباً، رأينا أنها جميعاً تقول بالعصمة وإن اختلف أشكالها... فلقد عصم اليونان الحاكم، وكذلك عصمة الرومان، والفراعنة، وعصمه الفارابي في مدينته الفاضلة، وعصمه فلاسفة الآلمان مثل هيجل، وفخته، وعصمة أتباع المذاهب الديكتاتوري.

بل أن النظم الديمقراطية المعاصرة تعصم الأغلبية فالقرار الذي تتخذه هو الصواب، ربما شابهوا في ذلك من عصم نخبة أهل الحل والعقد والإجماع والتواتر وما إليه.

١٨٦
لكن السؤال الذي يقف برأسه أمامنا هنا: هل قرار الأغلبية دائما على صواب ؟ فإن قلنا نعم، كذبتنا تجارب القرون، وإن قلنا: لا، وقعنا في ورطة لأننا سلمنا بوجوب العصمة ولم نملأ الفراغ بعد ذلك بتحديد من ينبغي أن تكون له العصمة.

لا فرق اذن بين الشيعة وغيرهم، فهم ليسوا بدعاً بين الفرق والمذاهب، كل ما هنالك أن عدد المعصومين عندهم محدد معين، والعصمة عندهم ـ كما عند غيرهم من الفرق الدينية قديماً وحديثاً ـ ذات طابع ميتافيزيقي، وهو أمر طبيعي لاستنادهم في ذلك الى الدين، والدين ـ أي دين ـ قائم في نفسه على الميتافيزيقا.

وأعود الى بداية حديثي عن الرأي الآخر:

هم يعتقدون أن مؤسس الدولة عيَّن القيادة قبل انتقاله الى ربه، وأوصى بها لأفضل من في الأمة بعده وهو الإمام علي بن أبي طالب، وأن القادة بعده تم تعيينهم بأشخاصهم وأسمائهم أيضاً، وهم بقية الأئمة الإثني عشر، وكلهم من بيت النبوة والرسالة وسلالة المعدن الطاهر معدن محمد عليه وآله الصلاة

١٨٧
والسلام، إذ قد اذهب الله الرجس عن أهل هذا البيت الذي اختاره الخالق ليضع فيه العلم والنبوة وطهرهم تطهيراً، وتطهيرهم يعني عصمتهم.

ويوردون في هذا نصوصاً جمة من القرآن والحديث موجودة كلها في كتبهم وكتب أهل السنة فليرجع إليها طلابها في مظانها.

ولما كان تعيين القيادة بالطرق التي رأيناها خلافاً لهذا النص الذي نصه مؤسس الدولة، لذا فهم يرونه تعدياً على حق من عينه الرسول للقيادة بعده، أو باصطلاح أيامنا يعتبرون حكومة من حكموا قبل الإمام علي وبعده غير دستورية، لأنها تمت وسارت على غير الطريق المرسوم المحدد من قبل الرسول وبالتالي من قبل الله تعالى، إذ لا يجوز تولي المفضول للقيادة مع وجود من هو أفضل منه.

وأهلية الأئمة القادة من آل محمد عليهم السلام ترجع الى عصمتهم واختيارهم من جانب القائد المؤسس، وعلمهم الشامل بالشريعة وتفاصيلها، كما علمهم إياها جدهم صاحب البيت

١٨٨
ومؤسس الدولة ورسول الله.

فليس هناك من يفضلهم علماً ولا طهراً ولا نسباً.

والتعدي على حقهم في القيادة، ودفع إمامة الأمة لمن هم أقل كفاءة وأضأل علماً، هو السبب الرئيسي في الإنحراف الذي طرأ على النظام السياسي وجر الدولة الى المصير الذي نعرفه.

وقد انتهت سلسلة الأئمة أو القادة المعينين من قبل الله بغياب آخرهم الامام المهدي عليه السلام عام ٢٥٥ هـ، ثم أوصى الأئمة بأن تكون القيادة بعدهم للعلماء المجتهدين الذين تتوفر فيهم الشروط وهي العلم والعدالة والفقه والشجاعة والكفاءة وغيرها.

ثم تشددوا في عدالة العلماء تشدداً كثيراً حتى أن الأكل على قارعة الطريق مما يذهب بأهليتهم للقيادة.

فقيادة الأمة عندهم مرت بمرحلتين، الأولى تم تعيين القيادة فيها بعد النبي المؤسس، والثانية ترك الخيار فيها للأمة مع تحديد مواصفات خاصة، وشروط عامة ينبغي توافرها فيمن يتصدى للقيادة.

وشروط القيادة في المرحلة الثانية تكاد تطابق ما عندنا

١٨٩
حسب ما أوضحه من كتبوا في السياسة الشرعية من عدالة وعلم وسلامة حواس وسداد رأي وبصيرة سياسية وشجاعة وقرشية.(١)

فكل هذا مما لا خلاف عليه ما خلا شرط القرشية.

فالسنة اشترطوا في الإمام القرشية، والشيعة فهموا المراد من ذلك أهل البيت لأنهم أفضل بيت في قريش وهذا يسلم به أهل السنة.

أما في المرحلة الثانية فلم يشترط الشيعة القرشية للقيادة، وإنما جعلوها للأشجع الذي يتصدى لها ويقوم ضد النظام الفاسد بشرط أن يكون جامعاً للشروط التي ذكرناها.

وهم يقولون بأن الإختيار والشورى قد يصح في المرحلة الثانية لا الأولى بعد وفاة المؤسس، لأن الدول التي تنشأ عن طريق ثورات تسقط الأنظمة القديمة وتقيم في مكانها أنظمة ثورية تمر بثلاثة أدوار: دور التأسيس ويمتد بامتداد حياة المؤسس، فإذا انتقل الى ربه بدأ الدور الثاني، وتحتاج الدولة فيه الى قيادة معينة تكون مستوعبة للنظرية التي قامت عليها الدولة فتطبقها تطبيقاُ

(١) الماوردي: ص٤، أبو يعلى: ص٤.
١٩٠
نموذجياً، حتى ترسخ جذورها فلا يخشى عليها من العواصف والأزمات السياسية والدستورية.

من أجل هذا وجدنا في الفكر السياسي الحديث نظرية حكومة الحزب الواحد في الأنظمة الثورية، بعدها تنتقل الدولة الى الدور الثالث بعد أن تكون قد رسخت عمائدها وقوي بناؤها وتحددت الأمور فيها.

وفي الدور الثالث يمكن أن تطلق حرية الأحزاب أو الشورى أو التعددية أو الديمقراطية أو غير ذلك من الاشكال، التي تكفل الاختلاف السياسي في داخل إطار النظرية الأساسية التي قام عليها نظام الدولة.

أما إذا انتقلت الدولة بعد وفاة المؤسس مباشرة الى المرحلة الثالثة بما فيها من حرية وقبل ترسيخ المفاهيم الثورية وإرساء قواعد الدولة وممارسة نظرية نظامها، وهو ما يتم في المرحلة الثانية فإنها تكون في مهب الريح، فإن هبت عاصفة سياسية ودستورية شديدة قلعتها من جذورها وأطاحت بنظامها وبنائها.

وهذا ما حدث للدولة الإسلامية.

١٩١
فهم يقولون إذن بأن الدولة الإسلامية القائمة على النظرية الإسلامية الثورية كان ينبغي أن تمر بمراحل ثلاث: الأولى: في حياة المؤسس، والثانية: في ظل حكومة الحزب الواحد أو مجلس قيادة الثورة، والثالثة: مرحلة التعددية الحزبية في إطار النظرية الأساسية.

غير أن انتقالها الى التعددية بعد المؤسس مباشرة قبل أن ترسخ النظرية في القلوب والعقول، وتستتب أحوال الدولة أدى الى ما نعرفه.

هكذا نرى أنهم لا يرفضون الشورى من حيث هي حرية اختيار القيادة، لكنهم يرونها في المرحلة الثالثة بعد مرحلة المؤسس ومرحلة أهل بيته، ويراهاأهل السنة بعد المؤسس مباشرة.

وهم يلزمون العامة بنظام التقليد للعلماء المجتهدين الأحياء فلايجوز عندهم تقليد الفقهاء الأموات الذين لايدرون ما يحدث في المجتمع من تغييرات ومستجدات تتطلب أحكاماً وحلولاً شرعية.

وفي نفس الوقت تنص نظريتهم على أن القيادة أو الثورة أو عملية قلب النظام الفاسد وإقامة النظام الإسلامي إذا تصدى لها عالم مجتهد جامع لشروط القيادة المذكورة، ووجد في المجتمع

١٩٢
كثير من المجتهدين غيره وجب عليهم تأييده لا منازعته، وبهذا يضمن فكرهم صعود قيادة واحدة للمجتمع مع وجود صف ثان وثالث من الصالحين للقيادة، فإذا انتقل القائد الى ربه، وجد هناك من يقود الدولة على نفس الخط.

غير أن الفكر الشيعي بعد عام ٢٥٥ هـ، وبعد انتهاء سلسلة الأئمة، مر بعدة تقاعسات كان أخطرها ما انزلق فيه اتباعه من تعطيل للحياة، وذلك لأنهم فسروا اصطلاح الإمام الموجود في كتبهم بأنه الإمام المهدي فقط، فإن قيل لا حج إلا بإمام كان معنى ذلك الإنتظار الى حين خروجه أو عودته، وكذلك الحال في بقية أحكام الدين، حتى جاء الإمام الخميني رحمه الله رحمة واسعة وأصلح الفكر الشيعي، وأخذ بيد المتقاعسين فنشطوا من عقالهم، وأفهمهم أن المقصود بالإمام هنا إمام الدولة أو من ينوب عن إمام أهل البيت المهدي عليه السلام، أي الفقيه الجامع للشرائط، لأن القيادة في مرحلة ما بعد الأئمة الاثني عشر آلت الى العلماء المجتهدين.

١٩٣
نعم كانت هناك أصوات في تاريخ الفكر الشيعي نادت بنفس المقولة، لكنها كانت أصواتاً خافتة، لأنها نادت بذلك وهي خارج السلطة، أما الإمام الخميني رحمه الله فقد أثمرت فكرته، لأنه تمكن من إقامة نظام جديد، أمسك فيه بعنان الحكم، ومن ثم اكتسبت أفكاره قوة من قوة السلطان والحاكم.

وتعرف هذه النظرية بولاية الفقيه، أي أن تكون للفقيه المجتهد الجامع للشروط المفترض توافرها في القيادة، الولاية العامة على أمور الدولة، فيسير أجهزتها الخبراء والمختصون، بينما يشرف العلماء عليها ليضمنوا سلامة سيرها، وعدم مخالفة المتخصصين لأحكام الشرع.(١)

هكذا يتضح لنا الإختلاف بين ما عندنا وما عند الآخرين من بضاعة سياسية، ويتهيأ لي أن الدولة الاسلامية لو امتدت حياتها

(١) المعلومات الواردة في هذا الباب استقيناها من المصادر الآتية: أصل الشيعة وأصولها لآل كاشف الغطاء، عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر، الشيعة في الإسلام للطباطبائي.
١٩٤
الى سنة ٢٥٥ هـ بدلاً من ٤١ هـ تحت إشراف أهل البيت الرسالي، لكان شأنها اليوم شأنا آخر.

على أي حال، فإن ما يهمنا ذكره هنا أننا وإن إختلفنا معهم على الموقف الذي ينبغي وقوفه من الدور الأول بعد وفاة المؤسس، فلا ينبغي أن نتعامى ونتطارش عن أمور:

الأول:

أنه في ضوء حقائق التاريخ المدونة لم يوفق النظام السياسي الذي اختير بعدوفاة الرسول في أن يشق بالدولة طريقاً واضحاً مرسوماً، وذلك للثغرات البشرية التي لابد وأننا فهمناها خلال مطالعة الصفحات المنطوية من هذا الكتاب.

الثاني:

أن بقاء الفريق الآخر، بما عنده من فكر سياسي أياً كان خارج الحياة، ومقاطعتنا لأهله وما عندهم بتضليل من كتاب السلاطين ومشايخ البلاطات، قد حرمنا فرصة الإستفادة من الرأي الآخر، وفهم وتقييم ما عنده، فعشنا قروناً طويلة معصوبي الأعين ندور كالثيران في سواقي الأنظمة والحكام، يعتلينا هذا فنطأطيء، ويقودنا ذاك فنسمع ونطيع.

١٩٥

الثالث:

أنه لا خروج من الأزمة إلا بمعالجة النقص في الفكر السياسي، وبدلاً من الاتجاه شرقاً وغرباً للبحث عن حل، علينا أن نطلع على ما عند غيرنا من أتباع هذا الدين الحنيف من فكر سياسي وتجربة حركية.

الرابع:

أن الإختلاف وإن كان عميقاً بيننا وبين الآخرين فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من الدولة الإسلامية والأولى بعد وفاة المؤسس، إلا أن فكرهم فيما بعد ذلك لم أقف على أحد من عقلائنا رفضة أو يرفضه، أللهم إلا لدوافع مادية وأسباب تجارية يعرفها الراسخون في العلم بهذا الميدان.

ومن هنا أرى فيما عندهم حلاً شافياً لمشكلة القيادة في الحركة الإسلامية المعاصرة.(١)

(١) مع احترامنا للمؤلف نرى أنفسنا ملزمين بتوضيح مسألة قيادة الأئمة عليهم السلام ونيابة الفقهاء عنهم.

أما من ناحية تاريخية، فإن الشيعة بعد النبي صلى الله عليه وآله عملوا بوصيته وتمسكوا بقيادة الأئمة المعصومين من عترته عليهم السلام، ورجعوا اليهم، وأخذوا عنهم معالم دينهم وتوجيهاتهم في مختلف أمورهم، سواء كان الإمام المعصوم حاكماً كعلي والحسن عليهما السلام، أو مسجوناً كالإمام موسى الكاظم عليه السلام، أو مفروضاً عليه الإقامة الجبرية كالإمام الجواد والهادي

=>

١٩٦

<=

والعسكري عليهم السلام.

واستمر الأمر على هذا حتى وقعت الغيبة الكبرى سنة ٣٢٩.

غاية الأمر أنهم في السبعين سنة الأخيرة كانوا يرجعون الى الإمام المهدي عليه السلام بواسطة السفراء والوكلاء، فكانوا يكتبون إليه الرسائل والأسئلة، وتأتيهم الأجوبة (التوقيعات) ومعها الدلالات والآيات التي تقنعهم بأنها صادرة منه عليه السلام.

وعندما أخبرهم السفير الرابع علي بن محمد السمري قدس سره بأن الإمام عليه السلام أخبره بأنه سيتوفى بعد أيام وأمره أن لا يعهد الى أحد من بعده، لأن الغيبة التامة قد وقعت حتى يأذن الله تعالى بالظهور، فكان هذا حدثاً صعباً على الشيعة، بل كان هزة شديدة لجماعتهم، على رغم أن هذه الغيبة موعودة في أحاديث كثيرة، رووها هم وآباؤهم وأجدادهم.. وهنا نهض الفقهاء والرواة وألفوا العديد من الكتب في الغيبة الموعودة، وفيما يجب اعتقاده وعمله في عصر الغيبة.

ومن ناحية أخرى، كانت جماعة الشيعة في عاصمة الخلافة بغداد وفي بقية بلاد المسلمين أقلية مضطهدة، بل كانت تواجه في مناطق عديدة خطر الإبادة الكاملة، فلا يصح القول إنه حدث تقاعس عند الشيعة عن عقيدة الإمامة.

بل الصحيح أنه حدث فراغ كبير بغيبة الإمام عليه السلام وهزة عنيفة لجماعة الشيعة، ورافق ذلك اضطهاد الدولة، وتخطيطها للقضاء على هذه الجماعة وإبادتها نهائياً.

ولكن الشيعة استطاعوا أن يستوعبوا هزة الغيبة واضطهاد السلطة ويواصلوا وجودهم والتزامهم بعقيدتهم.

وكان للفقهاء والرواة دور مؤثر في ذلك.

=>

١٩٧

<=

أما من ناحية عقيدية، فإن من ضرورات مذهب الشيعة أن الأرض لاتخلو من إمام، إما ظاهر مشهور أو خائف مستور، وقد كان علي عليه السلام ينادي بها من على منبر الخلافة.

وانه لو بقي شخصان على وجه الأرض لكان أحدهما إماماً وحجة لله تعالى على الآخر. بل وردت الرواية بأن الأرض لو خليت من إمام لساخت بأهلها.

وهم يحتجون على المذاهب الأخرى بمثل قول النبي صلى الله عليه وآله (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي. وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروني بم تخلفوني فيها) مسند أحمد ج٣ ص١٧

فإن لا معنى لإخبار الله تعالى بعدم افتراق القرآن والعترة الى يوم القيامة، إلا أنه تعالى تكفل بوجود إمام من العترة يبين القرآن في كل عصر إلى يوم القيامة.

نعم قد يبتلي الله عباده فيغيّب عنهم حجته الى مدة تقصر أو تطول، لأسباب وحكم لا نحيط بعلمها، كما حدث في خاتم الأئمة المهدي عليه السلام، حيث مد الله تعالى في عمره كما مد في عمر الخضر وغيره. وهنا ياتي دور مرجعية الفقهاء، كما اصطلح الشيعة على تسميته. ويمكن أن نسميه دور الفقهاء وقيادة الفقهاء، لكن لايمكن أن نسميه (إمامة) الفقهاء بالمصطلح الشيعي، لأن الإمامة عند إطلاقها بدون قرينة مخصوصة بالإمام المعصوم المعين من الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله.

فينبغي الالتفات الى أن إخواننا السنة قد أطلقوا لقب (الإمام) في القرون المتأخرة على الخليفة، ثم أطلقوه على كبار العلماء، ثم توسعوا في إطلاقة على الخلفاء والعلماء حتى اضطروا الى إضافة وصف آخر معه ليدل على خليفة أو السلطان أو كبير العلماء، فقالوا (الإمام الأكبر) تمييزاً له عن الأئمة الصغار.

=>

١٩٨

<=

أما الشيعة فكلمة الإمام عندهم أولاً وبالذات إسم للإمام المعصوم عليه السلام، وعندما يطلقونها على غيره فمن باب التوسع المجازي ليس إلا، ومن خذا القبيل إطلاقها على المرحوم الإمام الخميني قدس سره، وليس بمعنى أنه أمام ثالث عشر، ولا بمعنى أن الشيعة يعتقدون بإمامة الفقهاء من سنة ٢٥٥ كما تصور المؤلف، فإن من ضرورات عقيدتهم (ومن الامور التي كان يؤكد عليها الإمام الخميني قدس سره) أن الإمام المهدي عليه السلام هو الإمام الفعلي إمام العصر المفترض الطاعة، غاية الأمر أن الأمة محرومة من نعمة ظهوره وقيادته الفعلية المباشرة.

والفقهاء نواب بالمعنى الأعم للنيابة، وبديل غير معصوم، رغم علو درجاتهم وشامخ مقامهم.

وقد جرى البحث ويجري في شروط الفقيه المرجع في عصر الغيبة وفي مدى صلاحياته، فمن قائل بأنه أعلم الفقهاء في كل عصر، ومن قائل بأن الأعلمية تعني الأقدر(أكاديمياً) على استنباط الأحكام فقط، ولا تعني الأعلم بشؤون العصر والادارة. ومن قائل يجوز تقليد كل مجتهد ولو كان غير الأعلم.

ومن قائل إن صلاحياته الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية فقط، ومن قائل تشمل صلاحياته مضافاً الى ما ذكر إجراء الحدود، ومن قائل تشمل كل ما يحتاج اليه إقامة الدولة وإدارتها، بل كل ما يراه مصلحة ولو اقتضى نزع الملكية عن المالك الشرعي وطلاق الزوجة من زوجها الشرعي، وهو ما يعبر عنه أخيراً بولاية الفقيه المطلقة.. وهو رأي المرحوم الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية.

وخلاصة القول: أن الإمام الفعلي عند الشيعة هو الإمام المهدي عليه السلام وان كان غائباً، والفقهاء مراجع الدين نوابه بالمعنى الأعم لا الأخص.

أما شروط الفقيه وحدود ولايته فهما مسألتان فقهيتان يرجع فيها المكلف الى مرجع تقليده.

وكذا المسائل التي طرحها المؤلف في الفصل الأخير، مثل

=>

١٩٩
الصفحة: ٢٠٠ فارغة