×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الامامة والقيادة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وعشيرته(١) وقال عمر (رض) (العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ووليُّ أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطلٍ أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة ؟)(٢) .

فإن كانت هذه شروط الأهلية كان الأولى بالقيادة بعد محمد آل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، إذ لم يكن في العرب أوسط منهم داراً ونسباً، وكانوا هم أولياء النبي وعشيرته، وفيهم النبوة والقيادة، وبيتهم مهبط الوحي ومحف الملائكة.

ثم إن مقالة عمر (رض) بذاتها تثبت أن من نازع من هم بهذه المواصفات منصب القيادة فهو (مدل بباطل ومتجانفٍ لإثم ومتورط في هلكة) أفلا ندرك ما في هذه العبارة من معان ؟

إن مرشح الأنصار لم يكن بالشخصية التي يجمع عليها المسلمون آنذاك، كما لم تكن شروط الأهلية المذكورة متوفرة في

(١) الطبري، نفس الموضع.

(٢) نفس المصدر: ٢/٤٥٧.

٦١
مرشح المهاجرين، رغم إدعائهم هذه الصفات لأنفسهم، ومع ذلك حسم الأمر في غياب الحزب الذي لو أعطى رئيسه الفرصة لترشيح نفسه ما نازعه أحد، وهو علي بن أبي طالب عليه سلام الله، كما صرح بهذا الصحابي الجليل المنذر بن الأرقم (١) .

وحتى لو أخذنا برأي ابن خلدون في قيام الدول وما اشترط من العصبية، وهي نظريته التي يرى بها القرشية ضرورة لازمة لتأسيس الدولة من وجهة نظر السياسة والعمران، لأنها عصبية، فإن العصبية كانت أكثر في آل البيت إذ فيهم اجتمعت عصبية القبيلة وهي القرشية، وعصبية الفكر والعقيدة لكونهم بيت النبوة وصاحب الرسالة، وعلى هذا فكون الإمام من آل البيت ـ وفق نظرية ابن خلدون ـ أمر تقتضيه قوانين السياسة والعمران التي ذكرها، بل ان الإمام في هذه الحالة يكون أكفأ وأقدر، مما يجعل الدولة أرسخ وأقوى، لكن الرجل قدم نظرية ثم حاد عن الحق وهو يطبقها.

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢/١٠٣.
٦٢
هكذا حسمت القيادة في غياب الأصلح، مما أسفر عن شرخ كيان الأمة شرخاً عانت منه الويلات على مدى القرون الأربعة عشر الماضية، ولا زالت، لأن عامة المهاجرين وجل الأنصار ما كانوا يشكون أن علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (١) .

خامساً: إن أسلوب التعامل مع المعارضين والمخالفين في الرأي خلال هذه الأزمة الدستورية، لم يكن متسقاً ومباديء الإسلام وروحه العامة التي نسيناها ووضعنا مكانها أمامنا تصرفات البعض كنموذج يحتذى، فغطت ظلالها حياتنا حكاماً ومحكومين في العصر الحديث.

نعم كان كبار الجيل الأول وهم في السلطة لا يغضبون إن أمسك بتلابيب أحدهم رجل من العامة وطالبهم بحق من حقوقه، لكن هذه كانت نماذج فردية تتعلق بأمور غير السلطة والشرعية،

(١) الموفقيات للزبير بن بكار: ص ٥٨٠ نقلاً عن معالم المدرستين: ١/١١٩، وأنظر تاريخ اليعقوبي: ٢/١٠٣.
٦٣
فأما حين كانت المعارضة للسلطة من حيث هي كذلك، وجدنا أسلوبهم مختلفاً، فأصل في مجتمعاتنا التجبر واضطهاد المخالفين وانتهاك الحرمات في ذلك ولو كانت حرمة بنت رسول الله !

فسعد بن عبادة (قتله الله) لأنه عارض رأي بعضهم، وهو منافق يستحق القتل(١) لأنه رفض البيعة، ولم يستريحوا حتى قتلوه لأنه يشكل خطراً سياسياً، غير أن مؤرخينا انقسموا فمنهم من استحى أن يذكر واقعة قتله، لأنها تشكل مخالفة شرعية لأحكام الإسلام الذي لا يبيح قتل من اختلف في الرأي أو عارض السلطة، ومنهم من استخف بعقولنا فنسب قتله الى الجن(٢) لكنه فشل في تقديم سبب عداء الجن له، فهل كان الجن في السلطة ورفض سعد مبايعتهم ؟

(١) هذا ما قاله عنه عمر، انظر الطبري: ٢/٤٥٩.

(٢) الرياض النضرة: ٢/٢١٨، الاستيعاب لابن عبد البر: ٢/٥٩٩، طبع.نهضة مصر، تحقيق البجاوي بدون تاريخ. البلاذري: ١/٥٨٩، العقد الفريد: ٤/٢٦٠.

٦٤
ليس هذا فحسب بل إن محاولة إحراق المعارضين بالنار وفيهم بنت رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، وابن عمه وغيرهما من صلحاء الأمة، لمعارضتهم شرعية بيعة أبي بكر (رض) كما سبق تفصيله، كان أبشع نموذج لقمع المخالفين واضطهاد المعارضين، حتى أن أبابكر (رض) ظل يندم عليه ويقول (ليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب) (١) .

هذه التصرفات التي ارتكبها الأوائل لم تمر هكذا بلا أثر، بل حفرت بأظفارها في عقل الأمة الباطن ونقشت فيه روحها، فإذا بمن علينا من حكام يقلدونها، فإن ذهبنا الى التنظيمات الإسلامية التي تريد إعادة الخلافة وجدناها لا تتحمل رأياً مخالفا أبداً، وتسارع في إصدار الفتاوى وإهدار الدماء، فأصبح الجو العام السائد في مجتمعاتنا جواً إرهابياً، يخشى أصحاب الرأي فيه على

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢/١١٥، وانظر البلاذري: ١/٥٨٧ والطبري: ٢/٦١٩.
٦٥
أنفسهم، فيعتزلون الناس، ويقبعون في بيوتهم، لأن المعارضة الواعية لا يتحملها أي طرف من الأطراف الموجودة في السلطة أو خارجها، ولأن قمع المعارضين وقتلهم وإحراقهم ممارسات غير شرعية، أضفينا عليها الشرعية بتقديسنا لمن ارتكبوها عبر قرون، ولسنا الآن على استعداد لأن نناقض شرعيتها وموقف الإسلام الحقيقي منها، لأننا لو فعلنا ذلك اضطررنا الى تخطئة الأشخاص وهم أقدس عندنا من الإسلام نفسه.

سادساً: أنه لو قيل أن سبب التعجيل بحسم مشكلة القيادة ببيعة أبي بكر (رض) وجوب ألا تبقى الأمة والدولة بلا قيادة يوماً واحداً، وهو ما ذكره عمر، وأن هذه قاعدة عامة في الإسلام من أجل المصلحة القومية العليا، قلنا فلماذا أبقى هو نفسه على الدولة ثلاثة أيام بلا قيادة، لإعطاء فسحة للتشاور في أمر القيادة كما سيأتي بيانه ؟

فإن قيل أن مجلس الشورى آنذاك كان في محل القيادة، قلنا فكيف بقيت الدولة بلا قيادة حوالي أسبوع بعد وفاة

٦٦
عثمان (رض) مع أن الظروف وقتها كانت تستدعي فرض الأحكام العرفية بلغة عصرنا، إذ كانت الأمصار قد انتفضت على الخليفة في ثورة عارمة، وحاصره الثائرون أربعين يوماً كما في بعض الروايات، وأرادوا خلعه، ثم أخيراً قتلوه(١) فقاعدة المصلحة ـ إذا تمسك بها البعض في بيعة أبي بكر ـ لم يجد لها وجوداً فيما تلاها من ظروف اقتضتها، وبالتالي فلم تكن قاعدة، أو كانت قاعدة، لكنها طبقت وفق المزاج والهوى.

سابعاً: أن الإهتمام بالقيادة وتعيينها أساس في الإسلام إذا نظرنا الى روحه، إذ كل قوم لابد لهم من قيادة حتى الكفرة (فقاتلوا أئمة الكفر) التوبة ـ ١٢، وقد اهتم الرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام بتعيين القيادات في حياته، فكان يؤمر أصحابه في البعوث والأسفار والحج وغير ذلك، ووضع الإسلام تفاصيل الأمور العادية، كالغسل وتكفين الموتى واللباس والطعام والشراب، فكيف يهتم بهذا ولا يهتم بتعيين القيادة بعد وفاة

(١) انظر الطبري: ٣/٤٤١، ٤٤٢، ٤٤٣، ٤٥٧.
٦٧
مؤسس الدولة ؟ وكيف يشغل هذا الأمر أبابكر وعمر (رض) فيعين كل منهما القيادة بعده، في حين لا يهتم الله ورسوله بشيء من هذا ؟

ونحن إن أغمضنا أعيننا عن وجهة نظر الشيعة في أن الوصية بقيادة الأمة بعد النبي كانت لعلي عليه السلام، بل افترضنا ـ من أجل إراحة إخواننا الذين قد يشمون في كلامنا رائحة تشيع ـ أن جميع أهل البيت لم يكن لهم وجود في التاريخ أصلاً، فإن أهمية منصب القيادة في الإسلام، وروح هذا الدين، وطبيعة نظريته السياسية، تقتضي أن يكون الرسول قد ترك في مسألة تعيين القيادة شيئاً، ونذهب بخيالنا أبعد من هذا، فنفترض من أجل سواد عيون إخواننا ـ أن مؤسس الدولة أوصى بالقيادة بعده لهذا أو ذاك من الصحابة، أو بتشكيل مجلس، أو بشكل آخر من أشكال تعيين القيادة، ولو جملة تكون لها منزلة الدستور الذي تسير عليه الدولة، كأي دولة من الدول في التاريخ عند النصارى واليهود والبوذيين والمجوس والهندوس وكل أمم الأرض، لأن دستور الدولة أيا كان مسألة طبيعية بل بدهية في تاريخ الأمم

٦٨
والشعوب،وأول مافي الدستور تحديدقيادة الدولة، إذ من المستحيل عقلاً وشرعاً أن يكون الإسلام وحده من بين أديان البشر قبل الميلاد وبعده، وثنية وثانوية وتوحيدية وتثليثية قد ترك الفصل في القيادة لمزاج الناس، وعصبيات القبائل، وضغائن النفس البشرية.

أقول اذا افترضنا أن مؤسس الدولة ترك لها دستوراً يحدد القيادة، كان اجتماع من اجتمعوا في السقيفة، والإجراء الذي اتخذوه أول مخالفة دستورية، وأول درجة من الإنحراف الذي ما فتيء ينفرج ويزداد، حتى أصبح ثورة مضادة كاملة المعالم، شاخصة أمام الأبصار.

ثامناً: أنه لو صحت روايات المؤرخين التي ذكرت أن من اجتمعوا في السقيفة استدلوا في شأن أبى بكر (رض) باستخلافه في الصلاة على استخلافه في القيادة، وقالوا: ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ؟(١) وقعنا في عدة إشكالات:

(١) ابن خلدون:ص ٢١٩.
٦٩

الأول:

أن القيادة وفق هذا الرأي من أمور الدنيا لا من أمور الدين، وهذه مقولة نشأت فيما بعد، وأدخلها المؤرخون في فكرنا السياسي، وما دامت القيادة من أمور الدنيا، فلماذا نسعى لها اليوم ونطالب بإبعاد الطواغيت عنها ؟ لذلك أظن ـ وليس كل الظن إثماً ـ أن هذه الرواية محشورة حشراً في تاريخنا، لأنها تعلوها مسحة من فكر السلطة السياسي، الذي نشأ بعد قرون من انتهاء الخلافة.

الثاني:

أن هذه الرواية لو صحت كانت أول درجة من درجات فصل الدين عن الدولة والسياسة إذ معناها أن القيادة أمر دنيوي والصلاة أمر ديني، وهذا تفريق لا يعرفه الإسلام.

الثالث:

أن إمامة الصلاة أهم من إمامة الدولة وقيادتها، وهي النتيجة التي انتهى إليها ابن خلدون بناء على هذه الرواية(١) واعتقادي أن العكس هو الصحيح، فمن يصلح لإمامة الصلاة بمعايير الإسلام لا يصلح بالضرورة لقيادة الأمة، أما من ينفع

(١) نفس المصدر، نفس الموضع.
٧٠
الصفحة: ٧١ فارغة
الأمامة والقيادة للدكتور أحمد عز الدين ص (٧١) - ص (١٠٢)

الرابع:

أنه لو صح استخلاف أحد في الصلاة دليلاً على استخلافه في قيادة الدولة، لكان صهيب أولى الناس بالقيادة بعد عمر إذ استخلفه في الصلاة بعد وفاته ثلاثة أيام، بينما أسند مهمة تعيين القيادة الى مجلس الشورىالذي ضم ستة آخرين غيره.

كذلك صلى بالناس حين حصر عثمان أبو أيوب وسهل بن حنيف وخالد بن زيد(١) ولم يفتح أحد فمه ويردد نفس القاعدة ويرى أياً منهم أحق بالقيادة بعد وفاة الخليفة.

فهل كانت هذه قاعدة دستورية ؟

وإن كانت كذلك فهل هي من عند الله، أم من عند رسوله، أم من اجتهادات قائلها، أم من إدخال المؤرخين ؟

ولو افترضنا أنها قاعدة فلماذا عمل بها في حق أبي بكر، ولم يعمل بها في حق الآخرين ؟

هكذا تم تعيين القيادة في الدولة الإسلامية الوليدة بعد وفاة مؤسسها ببيعة أبي بكر (رض) فنظر فيها مؤرخونا وعلماء

(١) الطبري: ٣/٤٤٧.
٧٢
سياستنا ـ الشرعية ـ وأفتونا بأن تعيين القيادة في الأمة، واختيار القائد في الدولة الإسلام يتم ببيعة خمسة أو ثلاثة أو حتى واحد، كما سنذكر من بعد، ووضعوا ما وضعوا في ضوء هذا الحدث التاريخي من آراء ونظريات سياسية ألزموا المسلمين بها، فشاعت فيهم، واستقرت في عقولهم الباطنة، وانعكست على سلوكهم السياسي، وشكلت الخلفية الدينية السياسية عند من تحمسوا للإسلام وأرادوا استعادة مجده، وقد عرضناها هنا عرضاً شديد الإختصار، وأشرنا في اقتضاب الى نتائجها ومتضمناتها، ناظرين إليها بعين المنطق الواعي، والعقل السليم، من أجل اصلاح الحاضر وصناعة المستقبل، بعيداً عن فورات العواطف وتضليل الحب الأعمى.

٢ ـ بيعة عمر بن الخطاب (رض)

لم يكن انتقال القيادة بعد أبي بكر الى عمر (رض) أمراً غير متوقع إذا نظرنا إليه في إطار سياسة السقيفة وما تلاها على مدى عامين، إذ كان عمر أشدالناس فعالية في إتمام بيعة أبي بكر (رض)

٧٣
كما لعب دوراً سياسياً بارزاً في الداخل خلال فترة قيادة الخليفة الأول.

وكان الإمام علي (ع) أول من توقع انتقال القيادة الى عمر (رض) وذلك حين بعث أبوبكر عمر إليه ليأخذ منه البيعة بالجبر والإكراه وقال له (ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال (علي لعمر) (أحلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً)(١) وفي رواية أخرى (أحلب يا عمر حلباً لك شطره(٢) أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً، لا والله لا أقبل قولك ولا أتابعه)(٣)

لذلك رأينا أبابكر (رض) في مرضه يرفض ترشيحات من استشارهم، ويدفع الإعتراضات التي سجلها بعضهم، ويصر على دفـع القيادة الى عمر(٤) حتى دعا عثمان (رض) وحده فقال له

(١) البلاذري: ١/٥٨٧.

(٢) هذا مثل قديم عند العرب يضارع ما في العامية المصرية: من خدم السبت يلقى الحد خدامه، أو: شيلني وأشيلك.

(٣) شرح نهج البلاغة، أبن أبي الحديد الشافعي: ٦/١١، مصر ١٩٥٩هـ.

(٤) الطبري: ٢/٦١٨.

٧٤
(أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ماعهد به أبوبكر بن أبي قحافة الى المسلمين، أما بعد، ثم أغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان أمابعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه، ثم أفاق أبوبكر فقال: إقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي، قال نعم، قال جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، وأقرها أبوبكر رضي الله تعالى عنه من هذا الموضع)(١) وهذه الرواية أيضاً تؤيد ما ذهبنا إليه من أن دفع القيادة الى عمر كان أمراً متوقعاً، توقعه علي (ع) وعثمان (رض) وربما غيرهما كثير ممن لم يذكرهم المؤرخون، حتى أن عثمان كتبه دون أن يمليه عليه الخليفة، ولو لم يكن الأمر يقيناً عنده ما كتبه في هذا الموضع دون أمر وإملاء.

وجلس عمر مع الناس وفي يده الجريدة المكتوبة وهو يقول (أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يقول إني لم آلكم نصحاً).(٢)

(١) نفس المصدر: ٢/٦١٨ ـ ٦١٩.

(٢) نفس المصدر: ٢/٦١٨.

٧٥
وانتقلت القيادة الى عمر بن الخطاب بالعهد، ولم يشترط لصحتها رضا الناس، وتم تعيين القيادة الجديدة هذه المرة وفق قاعدة جديدة غير الأولى، ليس لها أيضاً سند من كتاب ولا سنة، وفي غياب دستور الدولة.

ثم تأسس عليها فيما بعد مبدأ نقل القيادة والسلطة من شخص الآخر بالعهد دون رضا الناس واختيارهم، كما فعل بنو أمية وبنو العباس، وكما تفعل المشيخات والمملكات العربية المعاصرة.

ولئن كان النظام الملكي بملامحه الواضحة قد ابتدعه معاوية في الإسلام، إلا أن عهد أبي بكر لعمر كان أول درجة من الإنحراف الى هذا الطريق قبل معاوية بأقل من أربعين عاماً، ثم أخذ يتسع درجة درجة حتى استوى واكتمل بتولية يزيد أمر المسلمين، ثم سارت الدول من بعد في هذا الطريق باسم الإسلام، ذلك أن التغيرات السياسية ـ كما ذكرت ـ تبدأ بدرجة ثم تتسع وتكبر.

وبناء على هذه السابقة التاريخية التي صدرت عن بشر لم يطالبنا الإسلام باتباعه إن أخطأ، اعتبر من كتبوا لنا في السياسة

٧٦
والدستور الإسلامي تعيين القيادة في الأمة بالعهد أصلاً اسلامياً، ولا اعتبار في هذا لرأي الناس، فقال الماوردي مثلاً (والصحيح أن بيعته منعقدة، وأن الرضا بها غير معتبر، لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة، ولأن الإمام أحق بها)(١)

ومع أن القيادة آلت الى عمر كما رأينا دون مشورة من المسلمين، بعهد من سابقه، إلا أننا نجد في كتبنا ما هو مروي عن عمر(رض) نفسه من إدانة في قوله (من بايع رجلاُ عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)(٢)

ومن حق أحدنا أن يقول: إن تعدد أشكال تسلم السلطة وتسليمها يعطى الناس حرية الإختيار، فينتخب كل شعب منها ما يناسب مجتمعه وبيئته، وعليه فكل هذه الأشكال والطرق جائزة.

لكننا نقول في جوابه: إن هذا الكلام صحيح لو كان الإسلام قد ذكر في ذلك شيئاً.

(١) الأحكام السلطانية: ص٨.

(٢) صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب رجم الحلبى من الزنا.

٧٧
فإن قيل إن القاعدة الأصولية أن سكوت الشارع عن شيء يعني إباحته، قلنا نعم ولكن هذا ينطبق على المتغيرات، والقيادة شيء ثابت.

فإن وضع الإسلام ـ مثلاً ـ قاعدة الشورى وسكت عن طريقة تنفيذها فهمنا أن طريقة التنفيذ متروكة لكل قوم وعصر بما يناسبه.

لكن أن يسكت الإسلام عن مسألة أساسية بل هي أم المسائل، فهذا ما فيه ألف نظر.

ولئن سكت الإسلام فلا يسكت أبداً عن الفوضى الدستورية والسياسية التي انتشرت في الدولة دون مبرر، عن طريق التغيير السريع لأسلوب تعيين الأمة ـ وهي خير أمة ـ لقيادتها.

إن تغيير أسلوب التنفيذ أو الإصلاحات الدستورية عملية طبيعية في حياة المجتمعات، لكنها مرتبطة بالمستجدات من الظروف التي تقتضي التعديل، فلو افترضنا أن أسلوب السقيفة صحيح، وأنه هو المقرر في الإسلام، فما هي الظروف التي طرأت خلال عامين من حكم أبي بكر وجعلت تغيير هذا الأسلوب أمراً محتوماً ، فإذا القيادة تتحدد بالعهد، وإن كان

٧٨
العهد هو الصواب فما الذي حدث من أمور جديدة في الدولة استدعت تغييره الى مجلس شورى ؟

وهل القيادة في الإسلام أتفه من الجماع والبصق والتبول والتبرز، فيسكت عنها السلام مع عظيم شأنها ؟ مع أن الأمة كلها إن أخطأت في التبول والتبرز ما وقعت كارثة، وما اختل النظام، بينما الأمة لو أخطأت في افراز قيادة، فهي كارثة بل والله أم الكوارث.

فإن قال أحد إن القاعدة العامة هي الشورى، سألناه فأين الشورى في استخلاف عمر (رض)

وإن قال ـ كما يحلو للبعض أن يشبهوا أحداث السقيفة بذلك ـ إنها الإنتخاب الحر، سألناه: فأين بيعة أبي بكر من هذه ؟ وأعجب ما قيل في هذا قول ابن خلدون وهو يعقب على هذه الأحداث وما تلاها في تاريخنا الإسلامي من حروب واقتتالات وبغي وتزوير، اذ اعتبر أن كل الأطراف على صواب، فالحسين مصيب ويزيد أيضاً مصيب، وعلي على حق ومعاوية كذلك على حق، والقاتل في الجمل وصفين على هدى والمقتول أيضاً

٧٩
على هدى، وأسلوب تولية أبي بكر صحيح، وطريقة إسناد القيادة الى عمر صواب، وكل الناس كانوا على حق، ثم قال ما نصه (واعتقد أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة ليقتدي كل واحد بمن يختاره ويجعله إمامه وهاديه ودليله)(١) وذلك عنده لأن كل واحد منهم اجتهد، فمنهم من فاز بأجرين ومنهم من نال أجراً واحداً، ولنا أن نقتدي بمن نحب، فإن قامت في بقعة من ديارنا دولة إسلامية شرعية وخرج بعضنا عليها، وأراق دم المسلمين، وأسقط نظام الدولة الإسلامي، فالحكومة على حق والخارج الباغي على حق، لأن قدوته في ذلك معاوية.

وإذا ركبنا حاكم فاسق خليع يشرب المسكر ويلعب بالقرود عن طريق شراء الأصوات وتزييف البيعات كما فعل يزيد، فهو على حق، ومن قام في وجهه وثار عليه ودفع دمه استشهاداً في سبيل إزالته أيضاً على حق، لأن قدوة الأول يزيد وقدوة الثاني الحسين.

وإن أعطى أحد حكامنا القيادة بعده لأحد أصدقائه دون أخذ

(١) المقدمة: ص٢١٣.
٨٠