×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الامامة والقيادة / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

(وان كان ولي العهد ولداً أو والداً فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة)(١) وساق الماوردي ثلاثة آراء بعضها يجيز بلا شرط، وبعضها يجيز بشرط، والحاصل: أنه يجوز عقد الإمام البيعة لولده ووالده.

(فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبه، فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده بها)(٢) أي لا إشكال فيه.

(ولو عهد الخليفة الى اثنين أو أكثر، ورتب الخلافة فيهم فقال: الخليفة بعدي فلان، فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فالخليفة بعده فلان، جاز، وكانت الخلافة منتقلة الى الثلاثة على ما رتبها... فقد عمل بذلك في الدولتين (يقصد بني أمية وبني العباس) من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر، هذا سليمان بن عبدالملك عهد الى عمر بن عبدالعزيز، ثم من بعده الى يزيد بن عبد الملك... وقد رتبها الرشيد رضي الله عنه (كذا) في

(١) نفس المصدر، نفس الصفحة.

(٢) نفس المصدر، ص٩.

١٤١
ثلاثة من بنيه في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن)(١) وزاد أبو يعلى على هاتين الطريقتين في تعيين القيادة ـ أقصد العهد أو البيعة ولو من واحد ـ طريقة ثالثة إذ نقل عن أحمد بن حنبل قوله (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين) وقال أيضاً في رواية المروزي: فان كان أميراً يعرف بشرب المسكر والغلول، يغزو معه، إنما ذلك له في نفسه)(٢)

واذا ارتاح بعضنا لفكرة أهل الحل والعقد، وتخويلهم سلطة اختيار القيادة، فمن الذي يختار أهل الحل والعقد هؤلاء ؟ فهل يجوز للخليفة ذلك ؟ (يجوز لأنها من حقوق خلافته)(٣) (ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه إلا من هو من أهل الاختيار)(٤)

(١) الماوردي: ص١١.

(٢) ابو يعلى: ص٤.

(٣) نفس المصدر ص١٠.

(٤) الماوردي: ص١٣، أبو يعلى: ص١١.

١٤٢
والاسترسال في سرد آراء علماءنا ومشايخنا في هذا الموضوع، وإن كان نوعاً من الفكاهة، وضرباً من التسلية، إلا أنه بلا ريب مضيعة للوقت، ولذلك أكتفي بهذا القدر.

هذه هي بضاعتنا التي ننسبهاالى الاسلام وليست منه في شيء، إذ لم يؤت عليها بدليل من كتاب أو سنة، بل هي من نحت من كتبوها بعد أن نظروا في ظاهر الأحداث والتغييرات التي طرأت على الدولة الاسلامية في عصورها الأولى، فبرروها وألبسوها ثياباً شفافة، لم تستر ما بها من عورات عن عيون المبصرين.

فهذه الآراء السياسية التي عرضنا بعضها آنفاً تعني في بساطة أن أية مجموعة من المسلمين من خمسة أو ثلاثة بل واحد أيضاً يجوز له أن يحدد قيادة الأمة بمبايعته لهذا أو ذاك، وتصير بيعته هذه ملزمة لا يمكن نقضها، فمستقبل الأمة يجدده شخص واحد أو بضعة أشخاص.

وتجوز البيعة أيضاً بالعهد تبريراً لحكم بني أمية وبني العباس، لأنها إن كانت لا تجوز بهذا الطريق كانت نظم هذه الدول باطلة، والقاعدة تنسحب أيضاً على النظم المشابهة في

١٤٣
الوقت الراهن من مشيخات ومملكات.

ويجوز لواحد أن يحدد مستقبل الأمة كلها لقرون طويلة اذا ولى من بعده بالعهد أكثر من واحد على التوالي، ولا حد ولا عد، لأن بني أمية وبني العباس فعلوا ذلك ولم يعترض عليهم أحد.

ولا يهم رضا الناس ولا عقل الأمة ووجدانها وإرادتها، لأن ذلك لم يلزم لإمضاء بيعة أبي بكر وعمر (رض).

ويجوز التأمير بالسيف ـ أو بالدبابة والصاروخ والعسكر بعد تقدم التكنولوجيا الحربية ـ ومن ثم فالانقلابات العسكرية من صميم الإسلام أسوة بما فعل معاوية.

وطوبى للمسلمين لأن إسلام المشايخ يأمرهم بالسمع والطاعة للفاجر وشارب الخمر والفاسق والسارق والزاني، إذا تأمر عليهم بأي طريق فهو أمير المؤمنين، فمن إذن أمير الفاسقين والمجرمين ؟

أما الشعب والأمة والجمهور فلا دخل له في هذه الأمور، وحرام عليه أن يتكلم في السياسة، إذ لا يلزمه على شريعة مشايخنا أن يعرف قيادته ولا إمامه بعينه وشخصه واسمه، لأن

١٤٤
هذا حق أهل الإختيار، أو الحل والعقد، وهو اصطلاح لم يؤت به من كتاب أو سنة، واختلفوا هم أنفسهم في تحديده حتىجعل ابن خلدون بني أمية أهل الحل والعقد.(١)

وأهل الحل والعقد يختارهم وينتقيهم الخليفة على عينه، ثم هم بدورهم يختارونه، لأن الخلافة أصلاً شيء غير مهم، وهي من المصالح العامة المفوضة الى نظر الخلق، ولم تكن مهمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.(٢)

ولست أدري لماذا لم يؤسس مشايخنا نظرية الاسلام السياسية على أساس يتفق وعقل الإنسان، وفي ضوء الأدلة والنصوص المتوفرة، وهي كثيرة، إن كنا نعتقد بأن نظرية الإسلام السياسية ـ والقيادة من موضوعاتها ـ مسألة اجتهادية متروكة لنظر الخلق ؟

خذ لذلك مثلا لعن الله ورسوله لمن قام بانقلاب عسكري وبالتالي تحريم هذا الأسلوب في تحديد قيادة الأمة، ما رواه العالم

(١) المقدمة: ص٢٠٦.

(٢) نفس المصدر: ص٢١٢ ـ ٢١٣.

١٤٥
السني الجليل السيد محمدبن عقيل العلوي إذقال (جاء في الصحيح عن رسول الله أنه قال: ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت فيعزمن أذل الله ويذل من أعز الله، والمستحل لحرمة الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي.

أخرجه الترمذي عن عائشة وابن عساكر عن ابن عمر)(١)

ولماذا نستسيغ الكم الهائل من الأحاديث التي روتها الكتب الستة وغير الستة في تحريم الثورة على الحاكم وإن كان فاسقاً فاجراً، وتلقين الناس السمع والطاعة للنظم والحكومات وإن لم يستنوا بسنة الرسول ويلتزموا بأحكام الشرع، ونحض المسلم على أن لا يخوض في الفتن ـ أي الخلافات السياسية ـ ولو بأن يلجأ الى رؤوس الجبال أو يعض على جذع شجرة، وعليه الصبر كي لا يموت ميتة الجاهلية، الى غير ذلك مما هو مروي في أبواب الفتن، والإمارة، والأمر بلزوم الجماعة، وغيرها من الأبواب، في الصحاح والمسانيد... وهو ما جعل المسلمين أرانب مستأنسة.

(١) النصائح الكافية، ص٢٩ الطبعة الرابعة، ١٩٦٦ بدون مكان.
١٤٦
لا والذي نفسي بيده أنا لا أنكر الحديث فهو الأساس الثاني للتشريع بعد كتاب الله، لكني أفرق بين حديث رسول الله وبين كتب ومجموعات الحديث، لأن هذه المجموعات لم تصنف وترتب إلا في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجري بعد انقلاب الخلافة، وسيطرة من لم يكن له حق في السيطرة، وبعد تغير الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

ولا أرى ضرورة لتقديس الأشخاص، لأن التاريخ عندنا قد امتزج بالحديث، وكتَّاب التاريخ في أغلبهم محدثون، وهم ـ أي علماء الحديث ـ حين وضعوا كتبهم إنما وضعوها كل وفق رأيه الشخصي، ومعتقداته الذاتية التي لا يلزم المؤمن اتباعها.

فهم كأهل التاريخ لم يسمحوا لنا بقراءة ما خالف رأيهم.

ومن أجل معرفة رأيهم لا ينبغي إغفال العناصر المؤثرة في تشكيل المناخ الثقافي لكل عالم منهم على حدة، في ضوء دراسة طبيعة النظم التي عاشوا تحتها، وعلاقتهم بحكومات عصرهم، ووضعهم الإجتماعي والإقتصادي، وموقف الأنظمة التي عاشوا في ظلها

١٤٧
من أهل الحق من المعارضين، ومن العلماء الصادقين... الى آخر ذلك من العوامل التي لا بد من أخذها في الإعتبار عند تقييم العمل العلمي والعلماء، لأن من حقنا أن نتساءل لماذا لم يرو هذا المؤلف أو ذاك شيئاً ضد الحكومة التي كانت عليه ؟ ولماذا روى من الأحاديث ما يدعم سلطانها، ويثبط الناس عن الثورة على مفاسدها ؟

إن الله عزوجل أنزل هذا الدين ليظهره على الدين كله كما هو منصوص في الكتاب، ولئن كان الجانب العقائدي والأخلاقي محفوظاً مؤهلاً لأن يظهر على كل الأديان إن شاء الله، إلا أن الجانب السياسي بالطريقة المدونة عندنا والتي رأينا بعضها ـ لا يبشر بظهور هذا الدين ولو حتى على أديان حي من أحياء مدينة من مدن المسلمين، وعلينا أن نعيد النظر في تراثنا السياسي ونزيح الغبار عن نظرية الإسلام السياسية الحقيقية، ونتخذ موقفاً محدداً من قضايا علم السياسة، ونقدمه للناس بطريقة مقنعة، تجعل هذا الجانب من ديننا غالباً ظاهراً كالشمس.

إن العالم لن يقبل حقية

١٤٨
ديننا بمجرد قولنا أنه حق، بل سينظر ويعقل ـ وهو في القرن العشرين ـ ويقارن ثم يتخذ موقفاً ويصدر قراراً.

والذين كتبوا في موضوعنا من المحدثين غالباً ما اعتبروا الشورى قاعدة انطلقوا منها في تصوير نظام الحكم في الاسلام، لكنهم تغافلوا عن شكل الشورى كما طبقة الأوائل ومالوا الى الشكل الغربي الحديث المسمى بالديمقراطية، مع أن الشورى كما مارسها الأوائل ما كانت غير استشارة نخبة النخبة لا كل النخبة والصفوة، ولا كل المسلمين(١) .

وإن كان من فصلوا الدين عن السياسة أو جعلوا نظام الحكم في الاسلام مسألة اجتهادية متروكة لاستصواب الناس على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، مثل الأستاذ مصطفى عبدالرزاق في كتابه الاسلام وأصول الحكم، قد انتهوا الى تفضيل النظام الديمقراطي على اختلاف في الدرجات، فان الذين دافعوا عن

(١) لابد أن يكون المقصود بالنخبة والصفوة عند المؤلف مجموعة الذين أجادوا التخطيط واستغلال ظرف وفاة النبي صلى الله عليه وآله.

أما النخبة والصفوة بمفهوم الإسلام فلها معني آخر (الناشر).

١٤٩
النظرية الإسلامية ولم يفرقوا بين الدين والسياسة، انتهوا أيضاً الى نفس النتيجة على اختلاف في الألوان.

والسبب في وحدة النتائج رغم اختلاف المشارب ـ كما يتهيأ لي ـ يرجع الى طبيعة المذهب نفسه، إذ يخلو كما ذكرت من شيء محدد نمسكه في يدنا.

يقول أحد أعضاء الفريق الثاني:

(فالحكومات التي تجمع في حصيلتها من دلائل الرضا أكثر من إمارات السخط، هي خير الحكومات وأرشدها وأصلحها)(١) (إن الحاكم أياً كان من العدل والإستقامة وسلامة القصد، لن يبلغ من المحكومين في ميزان حكمه، وأحسن من هذا أن ترجح كفة الرضا على كفة السخط، أما أن يحوز رضا الناس كلهم، فذلك ما لا ينال أبداً)(٢)

(١) الامامة والسياسة، عبد الكريم الخطيب، ص١٩٤، الطبعة الثانية، لبنان ١٩٧٥ وانظر الخلافة والملك للمودودي.

(٢) نفس المصدر: ص١٩٧.

١٥٠
ولأن المسائل السياسية عندنا مبهمة غير واضحة تقوَّل الأقدمون فيها برأيهم، كما تقوَّل المحدثون.

ومن هذا نفهم أن المسلمين في حاجة الى إعادة صياغة فكرهم السياسي أو على الأقل تحديد الأمور الأساسية في.

يقول الدكتور طه حسين وهو يناقش الأزمة الدستورية التي واجهتها الدولة الاسلامية الوليدة فسبب لها ما وقع من انقلاب:

(كان المسلمون في حاجة الى أن ينشئوا لأنفسهم في حدود القرآن والسنة دستوراً مكتوباً يبين الحدود والإعلام، يعصمهم من الفرقة والإختلاف... فلم يتح للشيخين وأصحابهما من الوقت ولامن الفراغ والدعة ولا من التطور والإتصال بأسباب الحضارة ما كان من شأنه أن يمكنهم من وضع هذا النظام، إنما السبيل على الذين جاؤوا بعدهم فأتيحت لهم السعة والدعة والفراغ، ولم يفكروا مع ذلك في أن يضعوا نظاماً لتداول الحكم ولا في أن يضعوا نظاماً يكفل رعاية العدل السياسي والإجتماعي، وإنما أهملوا ذلك إهمالاً وآثروا أنفسهم بالحكم والغلب والاستعلاء)(١)

(١) الفتنة الكبرى: ص٤١ ـ ٤٢
١٥١
لكن أجيالنا تنكرت لهذه النداءات التي أطلقها كثير من الباحثين، وبدلاً من أن نعكف على دراسة ما نحن به حقاً، وما تحتاجه مجتمعاتنا، فإذا بنا نضع أصابعنا في آذاننا، ونستغشي أثوابنا، ونسير في الاتجاه المعاكس، تماماً لنقدس أوثاناً وأصناماً نحتها لنا قدماء المشايخ على هيئة اصطلاحات ألزموا أعناقنا بالخضوع لها، فصرنا نسجد لها ونطالب المسلمين غيرنا بالسجود لها، وإلا فهم رَفَضة مارقون عن الدين.

ومن الأصنام في عصرنا ما نحت بتوجيه أجنبي خفي أو جلي في شكل كتب أو أشخاص أضفينا عليهم القداسة واعتبرنا ما يقولونه وحياً منزلاً.

ولا أرى ـ إن كان لي حق في الرؤية ـ علاجاً لما نحن فيه إلا إتاحة جو عام من التفكير بحرية، والنقاش العلمي بحرية، وطرح المعطيات والمقدمات باستقلالية، ثم بعد ذلك استخلاص النتائج دون قيود، معنا كانت هذه النتائج أم علينا.

نحن في حاجة إذن الى ثورة في أسلوب التفكير قبل ثورة الفكر وثورة التنفيذ، لأننا لا نعرف حتى الآن كيف نتعامل مع الفكر

١٥٢
الصفحة: ١٥٣ فارغة
الأمامة والقيادة للدكتور أحمد عز الدين ص (١٥٣) - ص (١٧٤)

انقسام الأمة والقيادة

لا حظنا في الفصول السالفة كيف تحددت قيادة الأمة بعد وفاة مؤسس الدولة خمس مرات، يمثل كل منها نموذجاً مختلفاً عن غيره، ولا حظنا كذلك ما أملته الطبيعية البشرية على كبراء الجيل الأول فاختلفوا واقتتلوا، إذ تصرفوا في الأمر بعد إهمال الضوابط والنصوص ـ كما يتصرف البشر ـ فانتهى الأمر الى استئثار قريش بصالحها وطالحها على قيادة الأمة، وراحت الغلطة الصغيرة الأولى تكبر وتكبر، الى أن انتهت الدولة في مدة قصيرة.

يقول الدكتور طه حسين: ذلك أن قريشاً فهمت قول أبي بكر (في السقيفة) على غير ما أراده هو، وعلى غير ما فهمه

١٥٤
أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا ينبغي أن يعدوها الى غيرها، وأنه حق لها لمكانتها من النبي.

وقد كانت قريش في هذا الفهم خاطئة متكلفة ما في ذلك شك.

ولو قد صح فهمها وتأويلها لظهرت عليها حجة بني هاشم، ولكان بنو هاشم أحق المسلمين بالإمامة ما استطاعوا أن ينهضوا بأعبائها...

ومهما يكن من شيء فقد نشأت هذه الارستقراطية القرشية فجاءة على غير حساب من الناس، وكانت أرستقراطية قد غلط بها.

أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين ما وجد بينهم الكفء القوي على النهوض بها، فحولت قريش ذلك فيما بعد الى منافعها وعصبيتها وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول الإسلام)(١)

وليس في اعترافنا بغلبة النفس البشرية وطباعها وميولها على رجال الجيل الأول ونسائه، واقترافهم أخطاء سياسية لأسباب

(١) الفتنة الكبرى: ص٣٦، ٣٧، ٣٨.
١٥٥
بشرية، ما ينقص من قدرهم(١) أو يخرجنا من الملة، لأن أمور الحكم إنما تستقيم حين يكون التعاون والتضامن بين الحاكمين والمحكومين في الأصول التي يقوم عليها النظام، فليس يكفي أن يكون الحاكم يقظ الضمير مؤثراً للعدل مصطنعاً للمعروف حريصاً على رضا الله، كافياً بعد ذلك لمشكلات السياسة، خراجاً منها إذا أدلهمت، وإنما يجب أن يكون لرعيته حظ من الضمير الحي اليقظ، ومن حب العدل، وايثار المعروف، والحرص على رضا الله.

(١) هذه المقولة من المؤلف والتي أكدها في الصفحات التالية برأي المودودي ذات وجهين، أحدهما صحيح فقط، وهو أنه توجد أخطاء طبيعية من كبار الشخصيات غيرالمعصومين (العظماء بتعبير المؤلف والمودودي) وهي لا تضر بقدرهم ومقامهم، وهي المعبر عنها عند الفقهاء بأنها لا تنافي العدالة ولا تسبب خروج صاحبها الى الفسق أو الكفر.

والوجه الآخر أن نقول إن كل ما يرتكبه الشخص الكبير (العظيم حسب تعبير المؤلف) بغلبة النفس البشرية لاينقص من قدره حتى لو كان مخالفة للنبي صلى الله عليه وآله، فهذا ما لا يوافق عليه أحد من المسلمين. (الناشر)

١٥٦
وهذه هي المشكلة الأولى التي واجهت نظام الحكم الجديد، فلم يكن العرب كلهم أصحاب رسول الله، بل لم تكن كثرة العرب قد صاحبت النبي واتصلت به، وإنما كان أصحاب رسول الله كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ولم يكن إيمان العرب بالدين الجديد مطابقاً أو مقارباً لإيمان هذه الطبقة من أصحاب النبي، وإنما كان من العرب من حَسُن إيمانه، ومنهم من أسلم ولم يؤمن ... بل كان من العرب من جرت كلمة الإسلام على لسانه ولكنه احتفظ بجاهليته كاملة في قلبه ونفسه وضميره... فلم يكن هناك توازن بين الحاكم والمحكوم...

وأخرى لاينبغي أن ننساها ولا ينبغي أن يضيق بها المتحرجون الذين يغالون في حسن الظن بالإنسان، وهي أن هذا الضمير الديني الحي اليقظ قد يتعرض للفتنة والمحنة، وقد يلقى أخطاراً كثيرة من الأحداث والخطول، فما أكثر ما يخلص الإنسان نفسه وقلبه وضميره للحق والخير والعدل والإحسان، ثم تلم به أسباب

١٥٧
الفتنة، وتلح عليه وتسرف في الإلحاح حتى تضطره الى أن يتأول في بعض الأمر، ثم ما يزال ينتقل من تأول الى تأول، ومن تعلل الى تعلل، ومن تحلل الى تحلل، حتى ينظر ذات يوم فإذا بينه وبين الإخلاص الأول أمد بعيد...

فليس من الغريب في شيء أن يتعرض كثير من الصالحين ومن أصحاب النبي أنفسهم لأسباب الفتن ودواعي الغرور، وأن يطرأ عليهم من الأحداث والخطوب ما يباعد بينهم وبين عهدهم الأول حين كان الإسلام غضاً، وحين كانوا يتصلون مصبحين وممسين)(١)

هذا رأي صحيح، ولا أراني متفقاً مع الأستاذ عبدالكريم الخطيب فيما ذهب إليه من أن الصحابة خاضوا المعارك التي خاضوها فيما بينهم وهم على غير يقين من صحة تصرفاتهم أو خطئها، واستشهاده بموقف سعد بن أبي وقاص من علي (ع) وبموقف الزبير أيضاً حين اعتزل قتال الإمام عليه السلام.

(١) الفتنة الكبرى: ص٣١، ٣٩، ٤٠.
١٥٨
بل إني أختلف معه بشدة حين قول (هذه المعارك التي دارت بين المسلمين في موقعة الجمل، وفي صفين، وفي الحروب الكثيرة التي جاءت بعد ذلك مع الخوارج والأمويين والعلويين والعباسيين هذه المعارك كلها كانت باسم الدين ولحساب الدين)(١) فهذا رأي لا يستبين به الحق من الباطل.

ونحن حين نرى في أفعال هؤلاء العظماء رأياً لا ينبغي أن نخرج من تحليل مواقفهم وآرائهم كما هي مدونة في التاريخ الى أكثر من ذلك، لا لأنهم في منزلة بين البشر والملائكة، بل لأن الإسلام منع سباب المسلم عامة.

ولأصحابنا أسوق رأي الأستاذ المودودي رحمه الله في هذا إذ يقول:

(وهناك فرق أساسي بين نظرتي ونظرة الآخرين في هذا الأمر كثيراً ما يسيئون بسببه فهم موقفي، فالناس يفهمون أن العظيم لا يخطيء أبداً، وأن من يخطيء فليس عظيماً، ومن ثم لا يريدون

(١) الإمامة والخلافة: ص١٣٢ ـ ١٣٣.
١٥٩
أن يقال عن أي فعل من فعال العظماء أنه خطأ، الى جانب أنهم يظنون أن من يقول عن فعل من فعال العظماء أنه خطأ لا يعتبرهم عظماء.

أما رأيي ونظرتي فعلي عكس هذا، فعندي أن أي فعل صادر عن عظيم ـ غير الأنبياء ـ يمكن أن يكون غلطاً، ومع ذلك يظل العظيم عظيماً، ولا أقول بخطأ فعل من فعال عظيم من العظماء إلا عند ما يثبت لدي بالوسائل والطرق الموثوق بها أنه خطأ، وعند ما لا يمكن تأويل فعله بأي دليل معقول.

غير أني حين أرى ـ مع هذا الشرط ـ أن فعلاً من فعاله غلط، أقول إنه غلط، وأقف في نقدي عند هذا الحد.

وفي رأيي أن العظيم لا تتأثر عظمته بهذا الخطأ، ولا ينقص احترامه أو يقل، فإني لا أرى ضرورة على الإطلاق لإنكار الأخطاء الواضحة التي أخطأها من اعتبره عظيماً فأداريها وأسويها وأخفيها، أو أثبت صحتها بالتماس تآويل لها غير معقولة وغير منطقية، لأن النتيجة المحتومة للقول عن الخطأ أنه صواب هي انقلاب معيارنا وتبديل مقياسنا للصواب والخطأ، واجتماع كافة

١٦٠