×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الانتصار (ج1) (مناظرات الشيعة في شبكات الانترنت) / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

بالله عليك أيها الدكتور القفاري: هل يمكننا الاستدلال على تهمة بسرد أسماء المتهمين؟ وهل يقبل ذلك منا الأساتذة المحترمون في حرم جامعي، بل هل يقبله بسطاء الناس من سكان البوادي والقفار؟!

أما كان الواجب أن تنقل شيئا من أقوال هؤلاء المتهمين ليرى القارئ تعطيلهم أو تجسيمهم، ولا يقول عنك إنك أصدرت حكما بدون دليل وقفزت عن حيثياته وأبقيتها سرا مستسرا في قلبك؟!.

ثم إن الشيخ المفيد أيها الدكتور توفي سنة ٤١٣، وتلميذه الشريف المرتضى توفي سنة ٤٣٦، وتلميذه الطوسي توفي سنة ٤٦٠، وإذا كان هؤلاء معطلة فكان اللازم أن يكون التعطيل بدأ عند الشيعة في المئة الخامسة لا الرابعة.

ثم إنك اعترفت أنك رأيت أحاديث الشيعة عن النبي وآله، صلى الله عليه وآله في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق فقلت (روى ابن بابويه أكثر من سبعين رواية تقول إنه تعالى لا يوصف بزمان ولا مكان... الخ).

وابن بابويه محمد بن الحسين الصدوق متوفى سنة ٢٨١ وبذلك صعد تاريخ التعطيل المدعى عند الشيعة إلى الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله!

فأين التجسيم الذي ادعيت أن الشيعة كانوا عليه إلى القرن الرابع أو الخامس، حتى ألف لهم المفيد والمرتضى والطوسي كتب التعطيل؟!.

لقد حصحص الحق واعترف الدكتور الباحث بأنه رأى كتاب التوحيد للصدوق وأحاديثه الكثيرة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله في التنزيه، وأن الشيعة لم يكونوا مجسمة ولا معطلة إلا عند المجسمة الذين يعدون التنزيه تعطيلا، ويعدون من لا يصف الله تعالى بصفات الأجسام ضالا ملحدا!!.

٤٠١
إن أبسط حق للقارئ عليك أيها الدكتور أن تذكر له ولو رواية واحدة من هذه السبعين حتى يرى تعطيلهم المزعوم لوجود الله تعالى وإلحادهم به!!

خاصة أنك اتهمت الشيعة بأنهم حرفوا كل هذه الروايات السبعين و (ضمنوها نفي الصفات الثابتة له سبحانه) أي لم يفسروا آيات الصفات بالظاهر الحسي كما يفعل الوهابيون!!

ومن حق القارئ علينا هنا أن نوضح له معنى تهمة التعطيل التي جعلها القفاري والوهابيون عصا يضربون بها وجه من يخالفهم ولا يفسر صفات الله تعالى بالتفسير المادي الوهابي!!

معناها أنك إذا فسرت (يد الله فوق أيديهم) بأن قدرته فوق قدرتهم، فأنت عندهم متأول معطل ملحد!

ولا تصير مؤمنا حتى تقول إن لله تعالى يدا حقيقية حسية!!

وإذا قلت أنا لا أعلم معنى يد الله وعين الله وجنب الله في القرآن ولا أفسرها لا بالمعنى الحسي ولا بغيره، بل أفوض معناها إلى الله تعالى ورسوله، فأنت أيضا عندهم مفوض معطل ضال، حتى تفسرها بالمعنى المادي!!

فجميع المتأولين والمفوضين عندهم معطلون، لأنهم بزعمهم جعلوا الله تعالى وجودا معطلا عن صفات الحس والكيف!

وهم عندهم ملحدون، لأنهم بزعمهم ألحدوا في صفات الله المادية التي وردت في القرآن!! وبذلك يخرجون كل مذاهب المسلمين عن الإسلام، ولا يبقى مسلم إلا هم والمجسمة!!

وهكذا يرتكب الوهابيون كأجدادهم المجسمة إفراطا نحو المادية في تفسير وجود الله تعالى وصفاته بالحس، ويحكمون بضلال من خالفهم وكفرهم.

٤٠٢
ثم يرتكبون إفراطا ماديا آخر في تحريمهم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله والأولياء وزيارة قبورهم ويعتبرونها شركا، ويحكمون بضلال من خالفهم في ذلك وكفرهم!

والقاسم المشترك بين الانحرافين أن أذهانهم مسكونة بالمادية فهي لا ترى غيرها ولا تؤمن بغيرها.. ورحم الله الماديين الغربيين!!

بقي حكم الدكتور القفاري على أهل البيت عليهم السلام بأنهم كانوا مثله تيميين وهابيين، حيث اكتفى بالاستدلال على ذلك بقول ابن تيمية الذي لم يذكر عليه دليلا! فقد نقل القفاري عن ابن تيمية قوله (والثابت عن علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت إثبات الصفات لله... والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم). وقد كرر ابن تيمية هذا الادعاء في كتبه ولم يأت عليه بدليل! قال في مجموعة رسائله ج ١ جزء ٣ ص ١١٥ (لكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من كان ينكر الرؤية).

انتهى.

ومن حق القارئ أن يطلب نموذجا من هذا النقل المستفيض، الذي ادعاه ابن تيمية، ثم ادعاه به تلميذه الأكاديمي الدكتور القفاري! ولا بد أنه فتش عنه هو وفريقه فلم يجدوا منه حتى رواية واحدة، مع أنه حسب زعم إمامهم ابن تيمية (مستفيض في كتب أهل العلم) ولكنهم أصروا على دعواهم بدون بينة وعلى حكمهم بدون دليل!!

وهكذا، طار وعد الدكتور بالموضوعية والأكاديمية، كما طار وعده سابقا بالاستناد إلى مصادر الشيعة!

٤٠٣
حسنا، لنا الله.. فلنطو هذه الصفحة ولننظر إلى وعد الدكتور الثالث بأن يكون أمينا فيما ينقل من مصادر الشيعة، حيث قال كما تقدم:

(والموضوعية الصادقة أن تنقل من كتبهم بأمانة، وأن تختار المصادر المعتمدة عندهم، وأن تعدل في الحكم، وأن تحرص على الروايات الموثقة عندهم أو المستفيضة في مصادرهم ما أمكن). انتهى.

فلننظر كيف طبق كلامه في مسألة رؤية الله تعالى بالبصر؟

قال في ج ٢ ص ٥٥١:

لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة...

فنفيهم لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضا خروج عن مذهب أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك ، فقد روى ابن بابويه القمي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: قلت له أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال: نعم (١).

وقال في هامشه:

(١) ابن بابويه التوحيد ص ١١٧، بحار الأنوار ٤: ٤٤، وانظر: رجال الكشي ص ٤٥٠ (رقم ٨٤٨). انتهى.

ويبدو الدكتور هنا أكاديميا موضوعيا، لأنه يقول وجدت رواية في مصادر الشيعة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام تثبت أنه يعتقد برؤية الله تعالى بالعين يوم القيامة، بينما ينفي الشيعة إمكان الرؤية بالعين في الدنيا والآخرة وينسبون رأيهم إلى أهل البيت عليهم السلام! فكيف يدعون أنهم شيعة أهل البيت ويخالفون إمامهم جعفر الصادق؟! ولكن دكتورنا لم يكن أمينا في نقله

٤٠٤
من مصادر الشيعة مع الأسف، فقد قطع من النص جزءا ناقصا ليستدل به على ما يريد! فطارت بذلك (موضوعيته الصادقة) التي يدعيها وصارت (موضوعية) غربية مثلا!

وإليك أصل الرواية: قال الصدوق في كتابه (التوحيد) ص ١١٧: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت متى؟ قال: حين قال لهم: ألست بربكم قالوا بلى، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال لا، فإنك إذا حدثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون. انتهى.

فالرواية الشريفة تثبت الرؤية بالبصيرة والعقل، وتبين أنها حاصلة قبل الدنيا من يوم أخذ الله ميثاق ذرية آدم على ربوبيته وهي مستمرة في الدنيا، وفي الآخرة تكون أجلى وأوضح. وتنفي ادعاء الرؤية بالعين وتعتبرها تشبيها لله تعالى بخلقه وكفرا. ومع ذلك أقدم الدكتور على قطع السطر الأول منها فقط إلى قوله (نعم) وحذف السطور التي بعده، لينسب بذلك رؤية الله تعالى بالعين إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام!!

لقد ارتكب هذا الدكتور ما لا يناسب مسلما بقالا، فضلا عن دكتور من الدرجة الأولى في جامعة الإمام محمد بن سعود!

٤٠٥
وبعمله هذا طار الشرف الذي منحته الجامعة لرسالته فقالت: (وقد أجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات)!!

ولو كنت رئيس كليته وارتكب عندي مثل هذه الخيانة العلمية لسحبت منه درجته ومنعت تعميم رسالته، ثم اعتذرت من الذين أساء إليهم وغرهم بشهادته.. حتى لا تسقط الجامعة عن الاعتبار العلمي.. ولكن أساتذة القفاري لا يفعلون لأن الأمر ليس بيدهم، بل قد تزداد مكانة القفاري عند شيوخه لأنه أجاد سب الشيعة وشتمهم، وألبس ذلك ثوبا جامعيا والحمد لله!

* *

٤٠٦

معنى المصادر المعتمدة عند السنة وعند الشيعة

عندما تصفحت كتاب القفاري لأول مرة، كنت أتصور أنه كتاب يستحق الاهتمام لأنه كتاب علمي، لكن بعد أن وقفت على هذه الفضيحة (أعلاه) قررت أن لا أتعب نفسي بتدقيق بقية ما نقله من مصادرنا؟ لأن كذبة واحدة في كتاب تكفي شرعا لإسقاطه عن الاعتبار.

نعم بقيت مسألتان من كتاب القفاري تتعلقان بموضوعنا بنحو وآخر:

المسألة الأولى: اتهامه إيانا بأنا أخذنا عقائدنا من اليهود والمجوس والوثنيات أو تأثرنا بها!

قال في ج ١ ص ٨٧ تحت عنوان: المذهب الشيعي مباءة للعقائد الآسيوية القديمة: ويضيف البعض أن مذهب الشيعة كان مباءة ومستقرا للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها.

يقول الأستاذ أحمد أمين: وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس قبل الإسلام.

ويشير بعض المستشرقين إلى تسرب الكثير من العقائد غير الإسلامية إلى الشيعة ويقول إن تلك العقائد انتقلت إليها من المجوسية والمانوية والبوذية، وغيرها من الديانات التي كانت سائدة في آسيا قبل ظهور الإسلام. انتهى.

ونلاحظ أن دكتورنا صار هنا عصريا علمانيا، فقد اعتمد في اتهامه الشيعة على أحمد أمين المصري العلماني وعلى المستشرقين الموضوعيين بنظره لأنهم ضد الشيعة.. وقد قلد القفاري في ترديد مقولات العلمانيين والغربيين

٤٠٧
عن الشيعة وهابي آخر فكتب كتابا باسم (عون المعبود في إثبات أن الشيعة كاليهود)!

وجوابنا لهما أن أحاديث كعب الأحبار وجماعته ما زالت ضاربة أطنابها ومستوطنة في مصادر إخواننا، لا في مصادرنا! وما زالت تطبع بأحسن الطبعات وتدرس في المعاهد والجامعات.. وأن كعبا وجماعته كانوا يسكنون في دور الخلافة لا في بيوت أهل البيت عليهم السلام!

أما عن تأثر الشيعة بالمجوسية والعقائد الآسيوية، فإن المجوس صاروا سنيين أولا، وألفوا لإخواننا السنة أهم مصادرهم وصحاحهم وعقائدهم وفقههم، بل أسسوا لهم مذاهبهم ونظروا لها، وبعد قرون طويلة صار أبناؤهم شيعة وساهموا في تأليف مصادرنا!.

فإن كان المسلمون الفرس متأثرين بعقائدهم المجوسية والآسيوية فقد نقلوها معهم إلى التسنن الذي صاروا أئمة مذاهبه وأئمة مصادره إلى يومنا هذا!.

وعندما صار أبناؤهم شيعة فالذي يمكن أن ينقلوه معهم إلى التشيع هو تأثرهم بالتسنن لا بالمجوسية، إلا أن يكون ضمن هذا التسنن تأثراتهم السابقة بالمجوسية!

كأن هذا الدكتور لا يعرف أن التشيع لا يضاهيه مذهب بعروبته! وأن مؤسسي مذهبه الذي يناقشنا به، ومؤلفي مصادره التي يحاجنا بها عجم من قرونهم إلى أقدامهم!!

إن تسعين بالمئة من أئمته أصحاب المصادر السنية هم من الفرس، (والأئمة) الذين يحتج بهم الوهابيون من مجسمة الحنابلة وواصفي الله تعالى بصفات الأجسام هم من اليهود أو الفرس؟!

٤٠٨
وكأن هذا الدكتور لا يعرف أن عددا من الذين يسبهم من علماء الشيعة الفرس هم أولاد أئمته الذين يقدسهم.. فالعلامة المجلسي الشيعي صاحب موسوعة (بحار الأنوار) المتوفى سنة ١١١١ هجرية هو من أولاد الحافظ أبي نعيم الأصفهاني السني المتوفى سنة ٤٣٥ هجرية!

وأن ابن جزي، وابن خزيمة، والجويني، ومسلما، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وأبا داود، والحاكم، وأبا حنيفة، وعشرات الفرس بل مئاتهم، إنما صار أبناؤهم شيعة بعد قرون طويلة، وصار منهم علماء من علماء الشيعة.

فمن أولى بتهمة التأثر بالعقائد المجوسية والآسيوية أيها الدكتور الباحث، الأجداد السنيون وثقافتهم، أم الأبناء الشيعيون؟!

على أن الباحث العاقل المتزن لا يرسل أحكامه جزافا، لأنه لا بد له أن يفحص الأفكار والعقائد واحدة واحدة، ويرى ما تملكه من دليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، ودلالة العقل القطعية، فإن تم دليلها فلا يهمه أن يكون لها شبيه عند هؤلاء القوم أو أولئك، وفي هذا الدين أو ذاك، ولا يهمه أن يقبلها كل الناس أو يرفضوها ويهرجوا على من يتبناها...

ورحم الله شاعرنا القائل:

نحن أتباع الدليل * أينما مال نميل

والمسألة الثانية مع الدكتور القفاري: في معنى المصادر المعتمدة عندنا:

فالظاهر أن إخواننا الجامعيين ومنهم القفاري لم يعرفوا أن مفهومنا عن المصادر المعتمدة هو من مفاخر المذهب الشيعي في تبني حرية البحث العلمي.

٤٠٩
كتاب الإنتصار للعاملي (ص ٤١٠ - ص ٤٣٠)
٤١٠

أما إخواننا السنيون فيرون أن مصادرهم المعتمدة فوق البحث العلمي، فصحيح البخاري برأيهم كتاب معصوم من الجلد إلى الجلد، بل هو عندهم أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، ورواياته قطعة واحدة، فإما أن تأخذها وتؤمن بها كلها، أو تتركها كلها! وبمجرد أن تحكم بضعف رواية واحدة من البخاري فإنك ضعفته كله... وصرت مخالفا للبخاري ولأهل السنة والجماعة!

وينتج عن ذلك أن الباحث الشيعي يمكن أن يبحث جديا في رواية من كتاب الكافي وغيره من المصادر المعتبرة عند الشيعة، ويتوصل إلى التوقف في سندها أو تضعيفه، فلا يفتي بها، ولا يضر ذلك بإيمانه وتشيعه. بينما السني محرم عليه ذلك، وإن فعل فقد تصدر فيه فتاوى الخروج عن المذاهب السنية، وقد يتهم بالرفض ومعاداة الصحابة!

ولا بد أن يعرف الدكتور القفاري وأمثاله أن شهادة مؤلف الكتاب الحديثي بصحة كتابه، إنما هي اجتهاده الشخصي وهي حجة عليه وعلى مقلديه فقط.

ويبقى من حق المجتهد الآخر أن يبحث ويصحح ما صححه مؤلف أو يضعفه. وقد يتأثر بالمؤلف وتصحيحاته أو تضعيفاته وقد لا يتأثر، والحجة الشرعية في النهاية بينه وبين الله تعالى هي اجتهاده، وليس اجتهاد صاحب الصحيح.

وليت القفاري التفت إلى الكلام العلمي الذي نقله عن المرحوم الشيخ جعفر الجناجي (كاشف الغطاء) عندما قال (والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها

٤١١
يضاد بعضها..) فالشيخ الجناجي يقول: لا يمكن للمجتهد أن يقلدهم ويقول حصل لي العلم بصحة الحديث من شهادة الكليني أو الصدوق أو الطوسي، لأن كلا منهم اجتهد فصحح أو ضعف، وبقي على المجتهد أن يجتهد في علم الفقه وفي الحديث والجرح والتعديل، يصحح أو يضعف..

ونفس هذا الكلام يجب أن يقوله إخواننا السنة في صحاحهم ومصادر حديثهم، فقد اجتهد أصحابها وشهدوا بصحتها، والباحث فيها لا يحصل له العلم بصدور الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله من شهادة البخاري مثلا، لأن فيه أحاديث متعارضة متضادة لا يمكن الجمع بينها لأن بعضها يكذب بعضا، فلا بد للمجتهد أن يبحث بنفسه ويصحح أو يضعف.. والعوام في كل عصر يقلدون في تصحيح الأحاديث وتضعيفها علماء ذلك العصر من المجتهدين أهل الخبرة..

هذا هو الوضع الطبيعي لأتباع كل دين، وهذا هو المنهج العلمي السليم الذي يقره العقل والمنطق..

أما القول بأنه يجب على الأمة أن تقفل على نفسها باب الاجتهاد في تصحيح أحاديث نبيها إلى يوم القيامة، وتقلد مؤلفي ستة كتب أو خمسين كتابا، فهو بدعة عباسية ومرسوم من مراسيمهم، لكن إخواننا ما زالوا يتمسكون به خوفا على تجسيمهم وإسرائيلياتهم من فتح باب البحث العلمي والاجتهاد! أو إذا فتحوه أوجبوا تقلد الشيخ ناصر الألباني لأنه وهابي!

إنهم أحرار إذا أرادوا الجمود على هذه الكتب أو تلك، ولكن نرجوهم أن لا يتصورا أصحاب الرأي الآخر بدوا لا يفهمون، ولا يتخيلوا أن الحرية العلمية التي يتبناها علماء الشيعة منقصة ومسبة، ودليل على بطلان مصادرهم

٤١٢
وأحاديثهم، كما فعل هذا القفاري لعدم تأمله في معنى كلمات المجتهدين المتخصصين!!

أما اعتراضه الذي سماه (الاعتراض الأكثر صعوبة) لماذا دونت الكتب الأربعة عند الشيعة عن أصول رويت عن الأئمة ولم تدون عن الأئمة مباشرة؟

فهو يدل على قلة خبرته بتاريخ الحديث وتدوينه، فإن هذا الإشكال يتوجه إلى تدوين الصحاح الستة وغيرها من مصادر إخواننا، لأن أئمتهم منعوا تدوين الحديث أكثر من قرن من الزمان، ثم دونوا كتبهم من محفوظات الرواة المرضيين عند الدولة!.

أما نحن فإن أئمتنا من أهل البيت عليهم السلام كانوا حاضرين بيننا إلى سنة ٢٦٠ هجرية حيث غاب الإمام المهدي عليه السلام، فكانوا هم حجج الله على المسلمين بنص النبي صلى الله عليه وآله وكان الشيعة يرجعون إليهم في تصحيح الأحاديث وتلقي معالم دينهم، وكان الرواة والعلماء يكتبون عنهم من زمن علي عليه السلام إلى القرن الثالث، وبعد هذا التاريخ قام عدد من العلماء بجمع الأصول المكتوبة عنهم في موسوعات..

فكتبنا الأربعة وغيرها مأخوذة باليد عن أصحاب الأئمة عليهم السلام، وسند أئمتنا إلى جدهم صلى الله عليه وعليهم هو المسمى بسلسلة الذهب، المقدسة عند جميع المسلمين، والتي قال عنها الإمام أحمد بن حنبل: (لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه).

قال في هامش مسند زيد بن علي ص ٤٤٠:

أورد صاحب كتاب تاريخ نيسابور أن عليا الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق لما دخل نيسابور كان في قبة مستورة على بغلة شهباء وقد شق

٤١٣
بها السوق، فعرض له الإمامان الحافظان أبو زرعة وأبو مسلم الطوسي ومعهما من أهل العلم والحديث ما لا يحصى فقالا: يا أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة، بحق آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك أن نذكرك به. فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلة وأقر عيون الخلايق برؤية طلعته، وإذا له ذؤابتان معلقتان على عاتقه والناس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصارخ، ومتمرغ في التراب، ومقبل حافر بغلته وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة الأعلام: معاشر الناس، أنصتوا واسمعوا ما ينفعكم ولا تؤذونا بصراخكم، وكان المستملي أبا زرعة ومحمد بن أسلم الطوسي، فقال علي الرضا رضي الله عنه: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه شهيد كربلا عن أبيه علي المرتضى قال حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وآله قال حدثني جبريل عليه السلام قال حدثني رب العزة سبحانه وتعالى قال: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي. ثم أرخى الستر على المظلة وسار، قال فعد أهل المحابر وأهل الدواوين الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا. قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه! فهل يفيق النائمون؟!! وهل يصحو السكارى؟!!

فكتب (مشارك) بتاريخ ١٤ - ٦ - ١٩٩٩ - الواحدة ظهرا:

؟

٤١٤

فأجابه (العاملي): لا تفقد أعصابك يا مشارك وافهم ما تقرأ.

لقد اتهمنا القفاري بالتجسيم واستدل على ذلك بما نقلته عنه، ومصادره ليس فيها للشيعة إلا أعيان الشيعة، وبعد مراجعته لم أجد فيه دليلا ولا شاهدا على ما ذكر!

أنا قلت في هذا الموضوع لم يستند إلى مصادرنا، وقولي صحيح، ولم أقل في كل كتابه، بل نقل أحيانا من مصادرنا، وذكرت لكم مثلا من تحريفاته فأغمضت عنه!

أما رواية القفاري اللاحقة عن الكافي رد عليك وعليه، فإنها تنص على أن أئمة الشيعة عليهم السلام ردوا أفكار التجسيم سواء نسبت إلى هشام أم غيره! فكيف ينسب إليهم التجسيم؟

على أن نسبة التجسيم إلى هشام غير صحيحة وفيها بحث لعدد من العلماء، وكتابة لي، لعلي أنشرها لتعرف أنها تهمة ملفقة، ألصقوها به لأنه كان من كبار المناظرين عن الإمامة في بلاط الرشيد!

كتب (القطيف) بتاريخ ١٥ - ٦ - ١٩٩٩. السابعة والنصف مساءا:

الوهابية مجسمون، هذا ما درسناه في كتب التوحيد في المدارس.

هل تنكرونه الآن؟.

هل تنكرون أنكم تقولون إن الله له جسم ويد ورجلان وعينان وأنف وغيره من الصفات البشرية؟

* *

٤١٥

وكتب (حسين الشطري) في شبكة أنا العربي، بتاريخ ١٨ - ٧ - ١٩٩٩، الخامسة مساء - موضوعا بعنوان (تحريف الوهابية للكتب)، قال فيه:

إن الذي يتتبع الكتب التي يعاد طبعها في هذا العهد يجد أن الكثير منها يتعرض للتحريف والتمويه والتزوير والزيادة والنقصان. وإليك أيها الأخ المسلم أمثلة جلية على تحريف الوهابية لكل ما لا ينسجم مع عقيدتهم المنحرفة في حلقات:

يقول ناشر كتاب: (تبين كذب المفتري علي أبي الحسن الأشعري في ص (د)، عن تحريفات الوهابية والحشوية للكتب: (... من عادة الحشوية أن يترصدوا الفرص لإفناء أمثال هذه الكتب إما بحرقها علنا يوم يكون لهم شوكة وسلطان، وإما بسرقتها من دور الكتب، أو بوضع مواد متلفة فيها، وإما بتشويهها بطرح ما يخالف عقولهم منها عند نسخها، أو الكشط والشطب في نسخها الأصلية...).

وهذه جريمة كبرى وخيانة صريحة للدين وللأمة. فيكون من واجبنا وواجب كل مسلم بل كل حر في العالم فضح هؤلاء الخائنين والمنحرفين ومراقبتهم ومحاسبتهم بشدة.

ومن المجاهدين في هذا المجال السيد الطيب الجزائري، قد لاحظ ما لعبته اليد الأثيمة بكتاب (الصواعق المحرقة)، فقابل بين طبعة سنة ٣٨٥ هـ وبين طبعة سنة ١٣١٢ ه، وقد جدد الطبعة المتأخرة بالأفست، وجعل في أولها جدولا بقائمة التحريفات بين النسختين...

ومن جملة ما ذكره من التحريفات:

٤١٦
١ - في ص ٢٠ في قوله: (صراط علي مستقيم) حذفت كلمة (علي).

٢ - إسقاط عبارة: (ذكر علي عبادة) من ص ٧٤.

٣ - إسقاط عبارة من ص ٧٦ وهي: (وأخرج الطبراني عنه قال: كانت لعلي ثمانية عشر منقبة ما كانت لأحد في هذه الأمة).

٤ - أسقاط عبارة من ص ٨٧ وهي: (وفي رواية للحاكم: فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: (اللهم صل علي محمد وآل محمد) الخ.

إلى غير ذلك مما ذكره السيد الطيب الجزائري في جدوله المفصل فمن أراد فليراجع.

فكتب (تلميذ التلميذ) بتاريخ ١٨ - ٧ - ١٩٩٩ - السابعة مساء:

وكيف ينتصرون يا أخي العزيز الشطري لباطلهم إلا بطمس الحقائق؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)

وكتب (العاشر من رمضان) ١٨ - ٧ - ١٩٩٩ - السابعة والنصف مساء:

والله لا يعرف طمس الحقائق والتدليس غيركم يا من التزمتم التقية دينا ومذهبا (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله).

نصر من الله وفتح قريب.

٤١٧

فأجابه (تلميذ التلميذ) في مساء اليوم نفسه، الثامنة إلا ربعا:

لقد ذكر الأخ الشطري نماذج مما فعلتم يا وهابية فإذا لم يكن هدفكم هو الانتصار لباطلكم بطمس الحقائق فلماذا تحرفون الكتب؟ ولو كنتم على الحق فعلا فلا داعي للتحريف وطمس الحقائق.

أجب يا تن رمضان.

وكتب (الشطري) بتاريخ ٢٠ - ٧ - ١٩٩٩:

بعد التحية والسلام إن دعواك بلا دليل لقد ذكرنا دليلنا فما هو دليلك؟؟

وكتب (الشطري) أيضا بتاريخ ٢١ - ٧ - ١٩٩٩، الثامنة صباحا:

الأخ العاشر، بعد التحيه والسلام، نحن في انتظار دليلك..

كتب (حسين الشطري) في شبكة (أنا العربي) بتاريخ ١٨ - ٧ - ١٩٩٩، الخامسة مساء:

تتمة للموضوع: تحريف الوهابية للكتب (حلقة ثانية)، قال فيه:

من الكتب التي امتدت إليها الأيادي الأثيمة وحرفته كتاب صحيح البخاري، ولا نريد أن نتتبع الطبعات المختلفة لصحيح البخاري وماذا عملت بها هذه الأيادي الخائنة، وإنما نشير هنا فقط إلى التحريفات التي بين نسخة ابن حجر العسقلاني والنسخة المعروفة الآن.

فالتقديم والتأخير في الروايات المستفاد من شرح فتح الباري حيث يقوم شرح قوله في هذه الرواية على شرحه في تلك، وكذا الاختلاف المستفاد مما يقتطعه من الكتاب ليعلق عليه يعد بالمئات... ولا تجد الآن أي نسخه توافق نسخة ابن حجر في هذه الاختلافات سواء كانت بالسند أو في المتن..

٤١٨
ونحن نضرب عن هذه الاختلافات صفحا.. لأنها تحتاج إلى تأليف ضخم خاص فيها، بل نكتفي بذكر أمثلة من الاختلافات هنا:

١ - الموارد التي اقتطعها ابن حجر من صحيح البخاري وعلق عليها وشرحها مطيلا تارة ومختصرا أخرى... ولكننا لا نجد لهذه المقتطعات المشروحة أثرا في الصحيح المتداول الآن فأين ذهبت؟ وأين هي الأحاديث التي أقتطعت منها؟ اليد الأمينة التي لعبت بالكتب هي التي تدري.

٢ - زيادة كلمة (الصديق) في نسخ البخاري الآن، وعدمها في نسخة ابن حجر.

* *

وكتب (العاملي) في شبكة (أنا العربي) بتاريخ ٣١ - ٧ - ١٩٩٩ التاسعة مساء موضوعا بعنوان (تفسير ابن كثير واحد من عشرات الكتب التي حرفها النواصب!!). قال فيه:

تفسير ابن كثير واحد من عشرات الكتب التي حرفها النواصب!!

أعجبني نقاش العلماء والفضلاء الباحثين مع الأخ الهندي المدعو راشد الإماراتي، الذي حاول أن يبعد آية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا...) عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، حسدا لما خصه الله ورسوله به..

وكان مما ذكروه في نقاشهم كلام ابن كثير في تفسيره، وتصحيحه للحديث الذي يؤيد أنها نزلت في علي عليه السلام، وقول ابن كثير عن سنده (لا يقدح به).

فحرف النواصب قوله فجعلوه (لا يفرح به) وبقيت النسخ الأخرى شاهدة على تحريفهم!!

٤١٩
بل يشهد عليه أن عبارة (لا يفرح به) لم يستعملها أحد من المحدثين أبدا، وإنما هي من ابتكارات النواصب في تحريفاتهم!

وقد رأيت من المناسب أن أفتح موضوعا لنقدم فيه نماذج من تحريفاتهم لتفسير ابن كثير!!

وأبدأ بنموذج في تفسير آية المودة في القربى، حيث نقل القسطلاني في إرشاد الساري في شرح البخاري قطعة عن ابن كثير، وعندما قايستها بما هو مطبوع في تفسيره، وجدت فيها عدة تحريفات منكرة!!.

- قال القسطلاني في إرشاد الساري ج ٧ ص ٣٣٠:

باب قوله تعالى: إلا المودة في القربى، أي أن تودوني لقرابتي منكم، أو تودوا أهل قرابتي...

ثم ذكر القسطلاني قول ابن عباس، وقال: فحمل الآية على أن توادوا النبي صلى الله عليه وسلم من أجل القرابة التي بينه وبينكم، فهو خاص بقريش. ويؤيده أن السورة مكية...

وأما حديث ابن عباس أيضا عند ابن أبي حاتم... فقال ابن كثير:

إسناده ضعيف فيه متهم...

ولا ننكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم، إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين السنة الصحيحة، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وآل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين، ونفعنا بحبهم.

انتهى.

٤٢٠