×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الطريق أمام العبادة الحقة. وتلاميذ إبليس على هذا الصراط هم المنافقون على امتداد التاريخ الإنساني. فالمنافق يسير على الصراط المستقيم بفقه الشعار وليس بفقه الشعور. وفقه الشعار لا يغني عنه من الله شيئا ولا يحق له أي فوز في موطئ قدم فوق الصراط المستقيم عند العرض على الله يوم القيامة. وعرقلة الطريق على الصراط المستقيم وفقا للخطة الشيطانية جاء في قول الله تعالى: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (١٧) قال المفسرون: أي لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم. لما أن الجميع سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم صراطك. فالقعود على الصراط المستقيم كناية عن التزامه والترصد لعابريه ليخرجهم منه. وقوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم...) الآية.

بيان لما يصنعه بهم. وقد كمن لهم قاعدا على الصراط المستقيم. وهو أنه يأتيهم من كل جانب من جوانبهم الأربعة... والمراد بما بين أيديهم: ما يستقبلهم من الحوادث أيام حياتهم. مما يتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواه النفوس وتستلذه الطباع. ومما يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به. كالفقر يخاف منه لو أنفق المال في سبيل الله. أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلا من سبل الخير والثواب.

والمراد بخلفهم: ناحية الأولاد والأعقاب. فللإنسان فيمن يخلفه بعده من الأولاد. أمال وأماني ومخاوف ومكاره. فإنه يخيل إليه. أنه يبقى ببقائهم.

فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم. ويعد لهم ما استطاع من قوة فيهلك نفسه في سبيل حياتهم والمراد باليمين: وهو الجانب القوي الميمون من الإنسان ناحية سعادتهم وهو الدين. وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور الدينية، والتكلف بما لم يأمرهم به الله. وهو الذي يسميه الله تعالى بإتباع خطوات الشيطان. والمراد بالشمال: خلاف اليمين. وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء (١٨).

(١٧) سورة الأعراف، الآيتان: ١٦ - ١٧.

(١٨) الميزان: ٣١ / ٨.

٢١
فكل جهة من هذه الجهات لها في خيام النفاق أساتذة وعباقرة. مهمتهم تمييع القضايا وترقيع الحقائق يرقع الباطل. أو تزيين الباطل بلافتات الحق.

ليصلوا بالجميع إلى محطة لا يكون فيها الدين إلا اسما ولا يكون كتابه إلا رسما.

ووفقا لهذا لا يتحقق المقصود من قوله تعالى: (ليعبدون) وفقه الشعار الذي يعمل به أولياء الشيطان. أول من عمل به الشيطان نفسه. ثم ألقاه على عقولهم الصدئة في خيمة النفاق. ليعملوا به ضد البشرية ولكن بأسلوب آخر. واستعمال كالشيطان لفقه الشعار. جاء في قوله تعالى: (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما. وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) (١٩) قال المفسرون: المقاسمة. المبالغة في القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه أنه لهما لمن الناصحين. وروي عن أبي عبد الله قال لما خرج آدم من الجنة نزل عليه جبرائيل. فقال: يا آدم أليس خلقك الله بيده. ونفخ فيك من روحه.

وأسجد لك ملائكته. وزوجك حواء أمته. وأسكنك الجنة وأباحها لك. ونهاك مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة. فأكلت منها وعصيت الله؟ فقال آدم: يا جبرائيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح. فما ظننت أن أحدا من خلق الله يحلف بالله كذبا (٢٠) وقال في المجمع: أن الله تعالى خلق آدم حجة في أرضه.

ولم يخلقه للجنة. وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض. وعصمته يجب أن تكون في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل. فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) (٢١).

والشيطان استعمل فقه الرمز في البداية. ولكن الله عصم آدم في النهاية.

ثم قام الشيطان بتوسيع هذا الفقه داخل خيمة الانحراف ليتزود منه كل من لم يدخل الإيمان قلبه. لتزل أقدامهم إلى مهابط المغضوب عليهم أو الضالين.

ومن الذين عملوا بفقه الشعار على الصراط المستقيم ولم تغني عنهم أعمالهم

(١٩) سورة الأعراف، الآيتان: ٢٠ - ٢١.

(٢٠) الميزان: ٦١ / ٨.

(٢١) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.

٢٢
شيئا. زوجتا أنبياء الله نوح ولوط عليهما السلام. لقد تزودت كل منهما بزاد من خيمة النفاق. فكان الزاد عليهما وبال وحسرة. ومن نفس الخيمة تزود تجار الأديان في بني إسرائيل الذين حرفوا الكلم عن مواضعه. ولحق بهم إخوانهم في عصر البعثة الخاتمة. الذين فضحهم القرآن في أكثر من موضع. وإذا كان تلاميذ الشيطان قد وضعوا العراقيل أمام العبادة الحقة. إلا أن هذه العبادة ظلت راسخة في نفوس المؤمنين بها. وفي كل عصر تنهار الأصنام وتسقط الطواغيت. في الوقت الذي تسير فيه طلائع النهار رافعة لأعلام الفطرة التي فيها خلاص الإنسان.

* بذور المتاجرة بالشهوات

بعد أن دق الشيطان وتده في نفوس الجبابرة وأوهمهم بأن في عروقهم تجري دماء الآلهة. انطلقوا ليملأوا الأرض ظلما وقاست البشرية من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة. وما من عصر من العصور إلا وعليه بصمة من بصمات هؤلاء رغم رحيلهم. وذلك لأن إبليس يوظف الإنحراف في كل عصر بعد أن يضع عليه ملابس جديدة. وما حدث مع الجبابرة وفقا لأطروحة (أنا خير منه) يحدث مع جبابرة اللسان في عالم النفاق. فشذوذ النفاق لا يموت. ويوظف وفقا للتطور البشري. والانحراف وبشذوذ لا يموتان لأن الشيطان جعل لهما ركوبة تستقيم مع كل عصر. وهذه الركوبة صالحة للخاص والعام. للأمير وللخفير. للشريف وللحقير. والركوبة التي اعتمدها الشيطان تخضع لفقه التزيين والإغواء. فهذا الفقه وحده يحافظ على الشذوذ وينقله من عصر إلى عصر تحت حماية فقه الاحتناك.

وفقه التزيين والإغواء جاء في قوله: (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) (٢٢) وفقه الاحتناك جاء في قوله: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا " (٢٣) والفقه الأول يسير في حراسة الفقه الثاني. وفي تزيين الشيطان وإغوائه الناس قال المفسرون: قوله: (لأزينن لهم في الأرض) أي لأزينن لهم الباطل. أو

(٢٢) سورة الحجر، الآية: ٣٩.

(٢٣) سورة الإسراء، الآية: ٦٢.

٢٣
لأزينن لهم المعاصي. والمراد بالتزين لهم في الأرض. غرورهم في هذه الحياة الدنيا وهو السبب القريب للإغواء (٢٤) فالركوبة مزخرفة وتعبير من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وهي تحمل زخارف كل عصر. وفي كل عصر يجري الذين اعتقدوا بأن في عروقهم تجري دماء الآلهة وغيرهم وراء الشهوات التي تستقيم مع كل منهم. وكل فرد فيهم يتحرك نحو شهوته بمقدار الغرس الذي غرسه الشيطان بداخله (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم لآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) (٢٥) قال المفسرون:

لأضلنهم بالاشتغال بعبادة غير الله باقتراف المعاصي ولأغرنهم بالاشتغال بالآمال والأماني التي تصرفهم عن الاشتغال بواجب شأنهم وما يهمهم من أمرهم.

ولآمرنهم بشق آذان الأنعام وتحريم ما أحل الله. ولآمرنهم بتغيير خلق الله وينطبق على مثل الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحاق. ولير من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله، الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف (٢٦) فهذه الأشياء غرس الشيطان. وكل من اتخذ الشيطان له وليا ينطلق بغرسه ليصيب به ما يشتهيه في عالم الزينة والإغواء.

وتسير قافلة الزخرف والشهوات محملة بانحرافاتها وشهواتها بضجيج أو بلا ضجيج في مجتمعات هيمن عليها فقه الاحتناك. والاحتناك: الاقتطاع من الأصل. يقال: احتنك فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله. واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله. وحنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به. والمعنى الأخير هو الأصل في الباب. والاحتناك: الإلجام. وقال المفسرون: قوله (لاحتنكن ذريته إلا قليلا) أي لألجمن ذريته إلا قليلا.

فأتسلط عليهم تسلط راكب الدابة الملجم لها عليها. يطيعونني فيما آمرهم.

ويتوجهون إلى حيث أشير لهم من غير أي عصيان وجماح.. إنه فقه تلجيم العقول وتكميم الأفواه وتعصيب العيون فقه لا يخدم إلا الغوغاء وتجار الشهوات لنشر الانحراف والشذوذ تحت لافتة براقة تنادي بالديمقراطية وحرية الإنسان فيما

(٢٤) الميزان ١٦٤ / ١٢.

(٢٥) سورة النساء، الآيتان: ١١٨ - ١١٩.

(٢٦) الميزان: ٨٤ / ٨٥.

٢٤
يختار من مزابل الشيطان. إنه فقه يحمي الهجوم بالانحراف لتدمير الجنس البشري بأيدي الجنس البشري.

٣ - الفقه الشيطاني في مهب الريح:

لقد استثنى الشيطان عباد الله المخلصين من عموم الاغراء والمخلصون - بفتح اللام - هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعدما أخلصوا لله، فليس لغيره سبحانه فيهم شركة. ولا في قلوبهم محل فلا يشتغلون بغيره تعالى. والمتدبر فيما عزم الشيطان عليه لتدمير البشر. يجد أن أسلحته وإن كانت تبدو فتاكة إلا أنها أسلحة محاصرة ولا تصيب إلا من دخل في مرماها أو حام حولها. وإذا كان الله قد أعطى إبليس سلاح. فإنه تعالى أعطى للمؤمن السلاح الأقوى. وعلى سبيل المثال. فإن الله تعالى أيد إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم.

وأيد الإنسان عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا. وأيد إبليس بالتمكين بتزيين الباطل. وأيد الإنسان بأن هداه إلى الحق. وزين الإيمان في قلبه وفطره على التوحيد. وعرفه الفجور والتقوى. وجعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه إلى غير ذلك من الأيادي. وبعث إليه الرسل والأنبياء بهداية التشريع الذي يحمي الله تعالى به عبده الصالح المجتنب عما يسخطه ويكرهه عن مضار الدنيا ويجنبه عن مضلات الفتن. ويلطف به ألطافا ظاهرة أو خفية حتى يخرج من الدنيا سالما دينه راضيا عنه ربه.

وخطوات الشيطان كلها تصب في آخر الزمان في سلة المسيح الدجال بمعنى أن كل انحراف منذ ذرأ الله ذرية آدم وإن بدأ في أول الطريق ضئيلا إلا أن الشيطان يتعهده على امتداد الطريق بإلقائه على المسيرة البشرية وفقا لتطورها.

ليكون في النهاية له صفة القانون. وتحت حماية الجماهير لهذا القانون يأتي المسيح الدجال رمزا لقاعدة لا تعرف إلا الانحراف والشذوذ. وكما في روايات عديدة أن المسيح الدجال هو سر إبليس وحامل رايته آخر الزمان. وإذا كان الدجال ثمرة لطريق الانحراف. فإن المهدي المنتظر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عنوان الفطرة النقية وتحت رايته سينتظم الذين ساروا على الصراط المستقيم ولم تعرقل خيمة الانحراف والنفاق خطواتهم. وبين الحق والباطل ستدور معارك آخر الزمان. ومعسكر الشيطان مهزوم مهزوم. ولقد هزم

٢٥
في كل عصر. هزم يوم أن قتل ابن آدم الأول أخيه بحجر وسيهزم بعد أن قتل ابن آدم أخيه بقنبلة ذرية. إن هزيمة الباطل في كل عصر هي عنوان للحق الأصيل في الوجود ودعوة للسائرين في طريق الانحراف كي يصححوا مسارهم. ويعلموا أن الباطل طارئ لا أصالة فيه. وأنه مطارد من الله. ولا بقاء لشئ يطارده الله.

ونحن على امتداد هذا الكتاب سنسرد الأحداث كما وقعت ليتبين القارئ بنفسه موطن الانحراف وموطن الدعوة الحق. ثم مصير كل منهما. وسيجد أن الانحراف ضربه الله بالكون كله. ضربه يوما بالطوفان. ويوما بالريح العقيم.

ويوما بالصيحة ويوما آخر بالحجارة. وعلى امتداد هذه الأيام وهذه الأهوال نجا الله الذين آمنوا من ضربات الكون وأحياهم حياة طيبة. إن القارئ على امتداد صفحات هذا الكتاب سيكتشف أماكن جراح ما زالت تنفجر منها الدماء.

وسيحيط بجوانب هذه الجرائم التي دخلت بمعسكرات الانحراف إلى عقاب لم يأخذ صورة الطوفان أو الريح أو الصيحة. وإنما أخذ صور أخرى حيث ضنك المعيشة وزخارف الفتن التي لا تحقق لمن تلبس بها أي أمن.

والفقه الشيطاني هزمه الله في كل عصر من العصور. وكانت هزيمته عنوانا لانتصار الحق. ودعوة للسائرين في الظلام كي يخرجوا من خيام ضربت عليها الهزيمة في الحياة الدنيا ولها في الآخرة عذاب أليم. إلى رحاب الكون الذي يتنفس بمخزون الفطرة ويدور في اتجاه واحد نحو غاية واحدة. إن فقه الشيطان الذي قتل هابيل في أول الزمان بحجر، حمل شذوذه وانحرافه في سفك الدماء، ووقف في الحاضر وبيده قنبلة ذرية ليقتل بها مليون هابيل. هذا الفقه المدجج بالسلاح والعتاد مكتوب عليه الفناء لأنه باطل والباطل طارئ لا أصالة فيه.

والباطل يطارده الله. ولا بقاء لشئ يطارده الله. ونحن على امتداد هذا الكتاب سنقص قصة الفطرة في مواجهة الباطل. وسنرى جراح ما زالت تتفجر منها الدماء. وسنحيط بجوانب هذه الجرائم لنعلم من المسؤول عن كل هذا.

٢٦
٢٧

انحرافات قوم نوح عليه السلام

(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)

سورة الشعراء، الآية: ١١١

٢٨
٢٩

* الأوائل والطوفان

أعلام تحقير الإنسان

مقدمة:

روي أن بين آدم وبين نوح عليهما السلام عشرة قرون، واختلفوا هل المراد بالقرن مائة سنة، أم المراد بالقرن الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) (١) وبالجملة أن نوحا عليه السلام بعثه الله تعالى عندما شرع الناس في الضلالة والكفر وعبدوا الأصنام والطواغيت. وفي عصر نوح الذي بعث فيه نوح كان قومه قد ابتعدوا عن دين التوحيد وعن سنة العدل الاجتماعي. فاستعلى القوي على الضعيف، وصار الأقوياء بالأموال والأولاد يستبيحون حقوق من دونهم الذين لا يحملون إلا ألقاب المهانة، ولا قيمة لهم في المجتمع. كانت دائرة الأقوياء تضم السادة والأشراف وباقي الطبقة المترفة، وكانت دائرة الضعفاء تضم الأراذل والأخساء ومن لا حظ له من مال أو مكانة.

وأصحاب هذه الدائرة، كان الملأ الأقوياء ينظرون إليهم على أنهم جنس آدمي منخفض لا بد أن يعمل لينتفع المثل الأعلى الآدمي المرتفع - والذين تمثله دائرة الأقوياء - من عمله وكده.

وعلى امتداد طريق الانحراف قامت ثقافة المترفين بغرس الخرافات في

(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.
٣٠
عقول القوم، وكانت المقدمة إلى هذا أن المترفين وضعوا قاعدة تقول. بأن أي أمر لو كان حقا نافعا، فإن قيمة هذا الحق وهذا النفع تتحدد في أتباع طبقة الأقوياء له. فإن أعرضت عنه هذه الطبقة، أو اتبعه غيرهم من الضعفاء، فإن الحق مهما كان حجمه يكون لا خير فيه، ووفقا لهذه المقدمة غرس المترفين الأصنام في كل مكان، ودثروها بالخرافات التي تخدم مصالحهم وتحافظ على مسيرة الانحراف. وقد ذكر القرآن من هذه الأصنام: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. وكان كل صنم له كهان وطقوس ويعبده طائفة من الناس. وأمام جميع الطوائف يتقدم الأشراف والأقوياء. ويلتقي الجميع على طريق الانحراف متخذين أهواءهم وشذوذ آبائهم عن الفطرة هدفا لهم.

نوح عليه السلام.

نوح هو أول أولي العزم من الرسل، وهو أول من قام لتعديل الطبقات ورفع التناقض من المجتمع الإنساني. وهو أول من طرح حجج التوحيد أمام الكفار.

وذكر الله تعالى في كتابه أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما. وروي أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة (٢) وروي غير ذلك. واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث! فقيل كان ابن خمسين سنة، وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين عاما (٣).

ونوح عليه السلام اصطفاه الله تعالى على العالمين (٤)، وسفاه سبحانه في كتابه عبدا شكورا (٥)، وعبدا صالحا (٦)، كما عده الله سبحانه من عباده المحسنين (٧)، ومن عباده المؤمنين (٨)، والسور التي تعرضت لقصة نوح عليه

(٢) البداية والنهاية: ١٢٠ / ١.

(٣) المصدر السابق: ١٠١ / ١.

(٤) سورة الصافات، الآية: ٨١.

(٥) سورة الإسراء، الآية: ٣.

(٦) سورة التحريم، الآية: ١٠.

(٧) سورة الأنعام، الآية: ٨٤.

(٨) سورة النمل، الآية: ١٥.

٣١
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٣٢ - ص ٥١)
٣٢
ورفضوا منطق الفطرة الذي يهدي إلى صراط مستقيم قال تعالى: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * ينفر لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) قال المفسرون: في الآية دلالة على أن قومه كانوا عرضة للعذاب بشركهم ومعاصيهم. وذلك أن الانذار تخويف، والتخويف إنما يكون من خطر محتمل لا دافع له (٩) والله تعالى أمر نوحا عليه السلام أن ينذر قومه بأس الله قبل حلوله بهم فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم (١٠). فقام عليه السلام بتبليغ رسالته إجمالا بقوله: (إني لكم نذير مبين) وتفصيلا بقوله: (أن اعبدوا الله واتقوه) الآية. وفي قوله: (أن اعبدوا الله) دعوتهم إلى توحيده تعالى في عبادته. فإن القوم كانوا يعبدون الأصنام. وفي قوله (واتقوه) دعوتهم إلى اجتناب معاصيه من كبائر الإثم وصغائره. وفعل الأعمال الصالحة التي في تركها معصية (١١). وفي قوله:

(وأطيعون) دعوة لهم إلى طاعته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه. وأخبرهم أنهم إذا فعلوا ما يأمرهم به وصدقوا ما أرسل به إليهم غفر الله لهم ذنوبهم. ومد في أعمارهم ودرأ عنهم العذاب الذي إن لم يجتنبوا ما نهاهم عنه أوقعه الله بهم.

وحثهم أن يبادروا بالطاعة قبل حلول النقمة. فإنه إذا أمر الله تعالى بكون ذلك. لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شئ، العزيز الذي دانت لعزته:

جميع المخلوقات (١٢).

لقد كان الإنذار من أجل أن تقف القافلة البشرية. لتعيد التفكير بمنطق الفطرة، وتعود إلى رشدها بعبادة ربها ولكن جبهة الكفر والعصيان، وقفوا من الإنذار الموقف الذي يأتيهم، بالعذاب. لقد وجد القوم أن دعوة نوح إليهم لعبادة الله وحده، وأمره إياهم أن يتقوا الله ويطيعوه.. رأوا في هذا خروجا عن نصوص الآباء وسنتهم القومية، ولهذا رموا نوحا عليه السلام بأكثر من تهمة. وكما أنذرهم نوح من قبل أن يأتيهم العذاب الأليم. راح عليه السلام ينذرهم وهم على طريق

(٩) الميزان: ٢٦ / ١.

(١٠) تفسير ابن كثير: ٤٢٤ / ٤.

(١١) الميزان: ٢٦ / ١.

(١٢) تفسير ابن كثير: ٤٢٤ / ٤.

٣٣
الانحراف ويخبرهم أنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم. فهو أنذرهم قبل أن يأتيهم العذاب الأليم. وعندما عصوا وعاندوا، أنذرهم بأن العذاب الأليم ينحصر في يوم أليم. وهو يخاف عليهم من هذا اليوم الذي وصفه الله بأنه أليم. فإذا كان هذا هو حال اليوم. فكيف يكون حال الذين يعيشون فيه يقول تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) (١٣) قال المفسرون: دعاهم إلى توحيد الله بتخويفهم من العذاب. وإنما كان يخوفهم لأنهم كانوا يعبدون الأوثان خوفا من سخطهم. فقابلهم نوح عليه السلام بأن الله سبحانه هو الذي خلقهم. ودبر شؤون حياتهم. وأمور معاشهم بخلق السماوات والأرض. وإشراق الشمس والقمر وإنزال الأمطار وإثبات الأرض وإنشاء الجنات وشق الأنهار. وإذا كان كذلك. كان الله سبحانه هو ربهم لا رب سواه، فليخافوا عذابه، وليعبدوه وحده. وبعد أن دعاهم عليه السلام إلى توحيد الله، خوفهم من عذاب يوم وصف بأنه أليم (١٤). والمراد بعذاب يوم أليم.

عذاب الاستئصال. ونسبة الإيلام إلى اليوم دون العذاب من قبيل وصف الظرف بصفة المظروف. ونزول العذاب على الكفار والمستكبرين. مسألة حقيقية يقينية، فإن من النواميس الكلية الجارية في الكون لزوم خضوع الضعيف للقوي. والمتأثر المقهور للمؤثر القاهر. فما قولك في الله الواحد القهار الذي إليه مصير الأمور. وقد أبدع الله سبحانه أجزاء الكون. وربط بعضها ببعض. ثم أجرى الحوادث على نظام الأسباب. وعلى ذلك يجري كل شئ في نظام وجوده فلو انحرف أي جزء عن خطه المحدد له.. أدى ذلك إلى اختلال نظام الأسباب. وكان ذلك منازعة منه لها. وعند ذلك تنتهض سائر الأسباب الكونية من أجزاء الوجود لتعديل أمره وإرجاعه إلى خط يلائمها. وهي بذلك في مقام من يدفع الشر عن نفسه. فإن استقام هذا الجزء المنحرف على خطه المخطوط له فهو، وإلا حطمته حاطمات الأسباب ونازلات النوائب والبلايا. وهذا أيضا من النواميس الكلية. والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون له في حياته خط خطه له الصنع والإيجاد، فإن سلكه هداه إلى سعادته. ووافق بذلك سائر أجزاء الكون،

(١٣) سورة هود، الآية: ٢٦.

(١٤) سورة الأعراف الآية: ٥٩.

٣٤
وفتحت له أبواب السماء ببركاتها. وسمحت له الأرض بكنوز خيراتها. وهذا هو الإسلام الذي هو الدين عند الله تعالى. المدعو إليه بدعوة نوح ومن بعده من الأنبياء والرسل عليهم السلام. فإذا تخطاه الإنسان وانحرف عنه. فقد نازع أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها الجاري. وزاحمها في شؤون حياتها، وعلى هذا فليتوقع مر البلاء ولينتظر العذاب والعناء. فإن استقام في أمره.

وخضع لإرادة الله. وهي ما تحطمه من الأسباب العامة. فمن المرجو أن تتجدد له النعمة بعد النقمة. وإلا فهو الهلاك والفناء. وإن الله لغني عن العالمين (١٥).

إن الذي يدور عكس دوران الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، يعرض نفسه لضربات جميع أجزاء الكون، فقوم نوح خرجوا عن خط ميثاق الفطرة الذي يشهد. لله بالربوبية، وأقبل على عبادة الأوثان والطواغيت، وتحت سقفها قام بتدوين سنة الظلم الاجتماعي، ولقد خوفهم نوح عليه السلام من - عذاب يوم أليم، لأنهم بأعمالهم هذه ينازعون أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها الجاري. وهم بذلك يعرضون أنفسهم للقحط والجدب وللطوفان وقام عليه السلام بردهم إلى الطريق الصحيح الذي عليه تأتيهم البركات والسعادة الحقيقية، وقال: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا) (١٦) قال المفسرون: محصل المعنى. لا ترجون لله وقارا في ربوبيته. والحال أنه أنشأكم طورا بعد طور يستعقب طورا آخر. فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا، وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد، في الذكورة والأنوثة والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك -: وهل هذا إلا التدبير؟ فهو مدبر أمركم. هو ربكم (١٧). الذي يجب عليكم أن تعبدوه وحده. وقد عد عليه السلام النعم الدنيوية، ووعد قومه توافر النعم وتواترها عليهم إن استغفروا ربهم. فلمغفرة الذنوب أثر بالغ في رفع المصائب والنقمات العامة. وانفتاح أبواب النعم من السماء والأرض أي أن هناك ارتباطا خاصا بين صلاح المجتمع

(١٥) الميزان ٢٠٠ / ١٠.

(١٦) سورة نوح، الآيات: ١٠ - ١٤.

(١٧) ا لميزان ٢٢ / ٢٠.

٣٥
الإنساني وفساده وبين الأوضاع العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية وطيب عيشه ونكده كما يدل عليه قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) (١٨) وقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (١٩) وقوله: (ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) (٢٠).

لقد أرشدهم نوح عليه السلام إلى الطريق المستقيم، فماذا كان رد القوم عليه بعد أن تلقوا منه الانذار والتخويف؟

* ثانيا: الصد عن سبيل الله:

١ - رفض بشرية الرسول:

لقد دعاهم نوح عليه السلام ليلا ونهارا، والذي دعا إليه هو عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله، دعاهم من غير فتور ولا توان، لكن القوم تثبتوا بخط الانحراف، وأجابوا دعوة نوح بالفرار والتمرد والتأبي، كان يدعوهم ليغفر لهم الله وفي هذا دليل على أنه كان ناصحا لهم في دعوته ولم يرد لهم إلا ما فيه خير دنياهم وعقباهم، لكنهم صدوا المرشد إلى الصراط المستقيم. بوضع أصابعهم في آذانهم حتى لا يستمعوا إلى دعوته. وغطوا بثيابهم رؤوسهم ووجوههم لئلا يروه.

وألحوا على الامتناع من الاستماع واستكبروا عن قبول دعوته استكبارا عجيبا.

ولم يواجه نوح عليه السلام استكبارهم هذا بالصمت بل توجه بدعوته إليهم سرا وعلانية. سالكا في دعوته كل مذهب يمكن. وسائرا في كل مسير مرجو. ولقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم حجج نوح عليه السلام التي واجه بها قومه، عندما خرج كفارهم للصد عن سبيل الله، فبعد أن أخبر نوح قومه أنه لهم نذير مبين، وأمرهم بعبادة الله وحده، وخوفهم من عذاب يوم أليم. وخرج إليه أشراف القوم الذين يعتبرون أنفسهم ميزانا لكل ما يدور على أرضهم. وصدوا عن سبيل الله. وفقا لبنود قانونهم الذي خرجوا به عن سنة العدل الاجتماعي وبمقتضاه

(١٨) سورة الروم، الآية ٦١.

(١٩) سورة الشورى، الآية: ٣٠.

(٢٠) سورة الأعراف، الآية: ٩٤.

٣٦
قاموا بانتقاص وتحقير كل من هو دونهم، يقول تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشر مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (٢١).

لم يتجاوز الرد عيونهم (ما نراك) و (ما نرى) لقد كان لكفار قوم نوح السبق في تدوين فقه النظر الأعمى ما نراك وما نرى، وهذا الفقه الذي وضعت بذرته الأولى على أرضية قوم نوح. أثمر فيما بعد وقامت على ثماره قاعدة عريضة عمودها الفقري (ما أريكم إلا ما أرى) وهذه القاعدة تعهدها فرعون وألقى بها إلى المستقبل لتأخذ الأشكال والوجوه التي تلائم كل عصر من العصور، لقد بدأ كفار قوم نوح بمصادرة النبوة في قولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا) وهذه المصادرة تبتغي في المقام الأول قطع شعاع الهدى عن الناس ليظلوا تحت شعاع الاغواء والتزيين الذي يشرف عليه الشيطان الرجيم. ورفض قوم نوح إطاعة النبي البشر هو من جنس رفض الشيطان السجود لآدم، لأن الله تعالى هو الذي أمر بالطاعة للرسول وهو الذي أمر بالسجود لآدم، فرفض الطاعة هو من حقيبة رفض السجود وصاحب حقيبة رفض السجود يطرح الرفض على أوليائه وفقا للزمان والمكان بمعنى أنه ينتقص ويحقر بما يتلاءم مع كل عصر. فقوم نوح قالوا لرسولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا) ومن تحت أقدامهم أخذ كفار البشر هذه المقولة وألقوا بها أمام كل رسول من عند الله، يقول تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد) (٢٢).

لقد طرح الشيطان على عقول أتباعه شبكة الحركة ضد أسباب الكون وجزئياته. كي تعيش البشرية في الضنك وتحت العذاب وهو ما فعل ذلك إلا أنه كاره للبشر وعدوله. ولكن الأغبياء على امتداد المسيرة البشرية لم يتدبروا ذلك، لأنهم وضعوا على عقولهم وعلى عيونهم شباك من زخرف الحياة. صنعت داخل مصانع الاغواء والتزيين الشيطانية. ورفض قوم نوح الرسول البشر، يقابله أن

(٢١) سورة هود، الآية: ٢٧.

(٢٢) سورة التغابن، الآيتان ٥ - ٦.

٣٧
يكون الرسول إليهم ملك من الملائكة. وهذا ضد سنة الخلق لأن الملائكة إذا نزلت فإنما تنزل على ملائكة يقول تعالى: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) (٢٣) ولأن الشيطان يعلم أن معيشة الملائكة بين الناس لا تستقيم مع حركة الكون. دق ضرورة وجودهم في عقول أتباعه حتى بقطع الطريق على دعوة الرسل عليهم السلام، فوقف أتباعه على امتداد التاريخ يقولون بأنهم يسيطرون على المجتمع، ولهم الكلمة العليا فيه، والذين يدعون أنهم رسلا من الله لا يملكون الصلاحيات التي تؤهلهم لذلك له لأنهم أولا يماثلونهم في البشرية ولأنهم ثانيا لا يملكون ما يمتلكوه هم. وثالثا أنهم لا يستطيعون قهرهم على عبادة الله. وعلى هذا فإذا كان لا بد من رسول.

فيجب أن يكون ملكا من الملائكة يفوقهم في كل شئ وتكون له اليد العليا عليهم.. وبالجملة طالبوا بمن يقهرهم على عبادة الله. وهذا الطلب في حد ذاته ضد سنة الله في خلقه. إذ لا إجبار في دين الله منذ خلق الله آدم عليه السلام، حتى يرث الله الأرض.. إن دين الله لا إجبار فيه لأن الله غني عن العالمين.

لقد قالوا لنوح عليه السلام:! ما نراك إلا بشر مثلنا، أي أنك مثلنا في البشرية. ولو كنت رسولا إلينا لم تكن كذلك ولم يقف الكفار عند هذا الحد، بل وجهوا إلى نوح عليه السلام سيل من الجرائم من بينها التآمر عليهم كما اتهموه عليه السلام بأن به جنة يقول تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين) (٢٤) قال المفسرون: السباق يدل على أن الملأ كانوا يخاطبون عامة الناس لصرف وجوههم عنه وإغرائهم عليه وتحريضهم على إيذائه وإسكاته. وقولهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) محصله.. أنه بشر مثلكم فلو كان صادقا فيما يدعيه من الوحي والاتصال بالغيب.. كان نظير ما يدعيه متحققا فيكم، إذ لا تنقصون منه في شئ من البشرية ولوازمها. وبما أنه يدعي ما ليس فيكم فهو كاذب، وكيف يمكن أن يكون هناك كمالا في وسع البشر أن يناله. ثم

(٢٣) سورة الإسراء، الآية ٩٥.

(٢٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ٢٤ - ٢٥.

٣٨
لا يناله إلا واحد منهم فقط ثم يدعيه من غير شاهد يشهد عليه؟ وعلى هذا فلم يبق إلا أنه يريد بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم، ويترأس فيكم، ويؤيد هذا أنه يدعوكم إلى اتباعه وطاعته. وقولهم: (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) محصله:

أن الله سبحانه لو شاء أن يدعونا بدعوة غيبية.. لاختار لذلك الملائكة الذين هم مقربون عنده والروابط بيننا وبينه فأرسلهم إلينا.. لا بشر ممن لا نسبة بينه وبينه.

وقولهم: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) محصله: أنه لو كانت دعوته حقة، لاتفق لها نظير فيما سلف من تاريخ الإنسانية، وآباؤنا كانوا أفضل منا وأعقل، ولم ينقل عنهم ما يناظر هذه الدعوة، وعلى هذا فليست هذه الدعوة إلا بدعة وأحدوثة كاذبة وقولهم: (إن هو إلا رجل به جنة) الجنة إما مصدر، أي به جنون، أو مفرد الجن، أي حل به من الجن من يتكلم على لسانه لأنه يدعي ما لا يقبله العقل السليم. ويقول ما لا يقوله إلا مصاب في عقله فتربصوا وانتظروا به إلى حين ما. لعله يفيق من حالة جنونه أو يموت فنستريح منه (٢٥) وكما رموه بالجنة رموه أيضا بالضلالة ليصرفوا عنه وجوه الناس ويغرونهم عليه ويمدون في ضلالهم قال تعالى: (قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين * قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون) (٢٦).

قال المفسرون: الملأ هم أشراف القوم وخواصهم. سموا به لأنهم يملأون القلوب هيبة والعيون جمالا وزينة. ولقد رموا نوحا عليه السلام بالضلال المبين. لأنهم لم يكونوا ليتوقعوا أن معترضا يعترض عليهم بالدعوة إلى رفض آلهتهم. وتوجيه العبادة إلى الله سبحانه بالرسالة والإنذار. فعندما فعل نوح ذلك واقتحم عالمهم بدعوته تعجبوا من ذلك وأكدوا لعامتهم ضلالته. ولقد رد عليهم بقوله: (قال يا قوم ليس بي ضلالة) أجابهم بنفي الضلال عن نفسه. وأنه رسول من الله سبحانه. وذكره بوصفه " رب العالمين " ليجمع له سبحانه الربوبية كلها. قبال تقسيمهم إياها بين آلهتهم بتخصيص كل منها بشئ من شؤونها

(٢٥) الميزان: ٢٩ / ١٥.

(٢٦) سورة الأعراف، الآيات: ٦٠ - ٦٣.

٣٩
وأبوابها كربوبية البحر وربوبية البر وربوبية الأرض وغير ذلك. ثم أخبرهم عليه السلام بأوصاف نفسه. فبين أنه يبلغهم رسالات ربه. وهذا شأن الرسالة ومقتضاها القريب الضروري. ثم ذكر أنه ينصح لهم ليقربهم من طاعة ربهم.

ويبعدهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديته. وأنه يعلم من الله ما لا يعلمون. كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك. وما يستتبع الطاعة والمعصية من رضاه تعالى. وسخطه ووجوه نعمه ونقمه (٢٧) ثم قال لهم:

(أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) لقد أنكر تعجبهم من دعواه الرسالة، ودعوته إياهم إلى الدين الحق، وقال. لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم. رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم لينذركم. ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به (٢٨).

ورغم هذا البيان كان الشيطان قد استحوذ على عقول كفار القوم، فلقد ظلوا يروجون لثقافة رفض البشر الرسول، تلك الثقافة التي وضع الشيطان أصولها يوم رفض السجود لآدم. وقام القوم بإضفاء الزينة على ثقافتهم التي وجهوها من أجل الصد عن سبيل الله. فأضافوا أوراق الانتقاص والتحقير إليها متهمين نوحا عليه السلام بالضلالة وأن به جنة، ولقد التقط طابور الشذوذ على امتداد التاريخ الإنساني هذه المقولات وأضافوا إليها. وإذا كان قوم نوح في أول الطريق قد رفضوا البشر الرسول لأنه لا نسب بينه وبين الملائكة. فإن طابور الانحراف في ختام المسيرة البشرية قد اخترع آلهة وادعى أنه بينها وبين الله نسبا. وعلى هذا الادعاء قامت دول ورفعت رايات كان الشيطان لها دليلا.

إن الشذوذ في أول الطريق يبدو ضئيلا، ثم يتسع شيئا فشيئا. وإذا كان شذوذ قوم نوح قد دفن في طين الطوفان. فإن الشيطان ظل يراقب تجربة الشذوذ، ويلقي بآخر مرحلة من التجربة التي اندثر أصحابها على قارعة الطريق الذي يسير عليه المستكبرين الجدد ليلتقطوها. وهكذا. والله غالب على أمره.

(٢٧) الميزان: ١٧٥ / ٨.

(٢٨) تفسير ابن كثير: ٢٢٣ / ٢.

٤٠