×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

طالبا. ليكفوا أباهم مؤنتهم ويخففوا عنه ثقلهم. وأخذ أبو طالب عقيلا لميله كان إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اخترت من اختار الله لي عليكم عليا " (٣٤١) ومنذ هذا الحين وعلي ينال تربيته على يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وبعد أن نزل الوحي روي عن ابن عباس قال: (أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة. علي " (٣٤٢). ولما كانت فضائل علي بن أبي طالب أكثر من أن تحصى. فإننا سنورد هنا بعض الروايات التي تتعلق باختيار الله تعالى لعلي في أكثر من موضع ومن هذه المواضع.

ما أخرجه الترمذي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا يوم الطائف فانتجاه. فقال الناس. لقد طال نجواه مع ابن عمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (٣٤٣) وقال صاحب تحفة الأحوازي: وقوله ما انتجيته. أي ما خصصته بالنجوى. ولكن الله انتجاه. أي إني بلغت عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه على سبيل النجوى. فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته. وقال الطيبي. كان ذلك أسرار إلهية وأمورا غيبية جعله من خزانها (٣٤٤) ومنها ما أخرجه أحمد عن زيد بن أرقم. قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أبواب شارعة في المسجد. فقال يوما:

" سدوا هذه الأبواب إلا باب علي " فتكلم في ذلك الناس. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد. فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي. وقال فيه قائلكم. وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني أمرت بشئ فاتبعته " (٣٤٥) وفي رواية عند الطبراني. (قالوا يا رسول الله

(٣٤١) مقاتل الطالبين / أبو الفرج الأصفهاني: ص ٤١.

(٣٤٢) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٢٢ / ٢٣) وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير حبة العري وقد وثق.

(٣٤٣) رواه الترمذي حديث رقم ٣٨١٠.

(٣٤٤) تحفة الأحوازي شرح جامع الترمذي / المباركفوري ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة: ص ٢٣١ / ١٠.

(٣٤٥) رواه أحمد (الفتح الرباني: ١١٧ / ٢٣) ورواه بطريق آخر من سعد بن مالك وقال الهيثمي رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وإسناد أحمد حسن.

٤٢١
سددت أبوابنا كلها إلا باب علي. قال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها " (٣٤٦) ومنها ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي. إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يرجو أن يعطاها. فقال. أين علي بن أبي طالب. وكان يشتكي عينيه. فتفل في عينيه وأعطاه اللواء (٣٤٧). ومنها ما أخرجه الإمام أحمد عن علي قال. لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. دعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: أدرك أبا بكر. فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه. فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم. فلحقته بالجحفة وأخذت الكتاب منه. ورجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله نزل في شئ؟ قال. لا. ولكن جبريل جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك (٣٤٨). وفي رواية: (أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني، (٣٤٩). وروي في قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (٣٥٠) عن ابن عباس قال. خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد.

وإذا مسكين يسأل. فدخل رسول الله فقال. " أعطاك أحد شيئا " قال: نعم قال. " من؟ " قال. ذلك الرجل القائم. قال: على أي حال أعطاكه؟ قال:

وهو راكع. قال: وذلك علي بن أبي طالب. قال. فكبر رسول الله صلى الله

(٣٤٦) الفتح الرباني: ١٢٣ / ٢١.

(٣٤٧) أخرجه بألفاظ متعددة. أحمد. والبخاري ومسلم في فتح خيبر والترمذي في المناقب وابن سعد في الطبقات وابن هشام في السيرة.

(٣٤٨) أخرجه أحمد (الفتح الرباني: ١٥٧ / ١٨) وقال صاحب الفتح. قال الهيثمي رواه عبد الله بن أحمد. وفيه محمد بن جابر السحيمي وهو ضعيف وقد وثق.

(٣٤٩) أخرجه الإمام أحمد وقال في الفتح الرباني الحديث سنده صحيح وله شواهد كثيرة تعضده منها عند البخاري والإمام أحمد أيضا من حديث هريرة ومنها حديث أنس عن الترمذي وحديث ابن عباس عند الترمذي أيضا (الفتح الرباني ١٥٧ / ١٨).

(٣٥٠) سورة المائدة، الآية: ٥٥.

٤٢٢
عليه وآله وسلم عند ذلك وهو يقول: " من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ". وهذا الحدث اتفق على نقله من غير رد. أئمة التفسير بالمأثور كأحمد والنسائي والطبري والطبراني وعبد بن حميد وغيرهم من الحفاظ وأئمة الحديث. ومن المعلوم أن الزكاة لا تؤدى في الصلاة. ولكن الله تعالى خص علي بن أبي طالب بهذا. كي يكون تحديده خارجا للعادة من داخل الشرع الحنيف. كي تحفر صورة الحدث داخل الذاكرة.

فمن هذه الأحاديث يمكن للباحث أن يحدد موقع علي بن أبي طالب داخل دائرة أهل البيت وداخل دائرة الأمة. ففي أول الطريق يوم أن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس في مكة. جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشيرته عندما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين " (٣٥٢) وقال لهم:

(أيكم يواليني في الدنيا والآخرة. فابوا. فقال علي بن أبي طالب. أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فقال: " أنت وليي في الدنيا والآخرة " (٣٥٣) لقد كان علي وليه في أول الطريق وفي نهاية الطريق عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أنت وليي في كل مؤمن بعدي " (٣٥٤) وفي رواية عن بريدة الأسلمي نحوه وفيها (فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي. وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي " (٣٥٥) فموقع علي داخل دائرة الطهر هو موقع الولاية. ولا ولاية

(٣٥١) ابن جرير في تفسيره ١٨٦ / ٦.

(٣٥٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.

(٣٥٣) رواه أحمد وقال في الفتح الرباني. أخرجه الحاكم وأقره الذهبي (الفتح الرباني: ١١٩ / ٢٣).

(٣٥٤) رواه أحمد وقال في الفتح الرباني. أورده الهيثمي بلفظ (أنت ولي كل مؤمن بعدي) وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزازي وهو ثقة وفيه لين. وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي والدارقطني وغيرهم (الفتح الرباني: ١١٦ / ٢٣).

(٣٥٥) رواه أحمد وقال في الفتح الرباني أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط. (أسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح. وقول الهيثمي معناه أن الطبراني رواه في الأوسط باختصار عن الكبير والإمام أحمد. ورجال الإمام أحمد ثقاة (الفتح الرباني ١١٧٠ / ٢٣).

٤٢٣
إلا بعلم. ولقد أثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم العلم لعلي في أكثر من موضع منه ما قاله لفاطمة عليها السلام. " أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما " (٣٥٦) وكان علي يقول: " والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت. وعلى من نزلت. إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا صادقا " (٣٥٧) وكان يقول. " اسألوني قبل أن تفقدوني " (٣٥٨) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قد أجمع الناس كلهم إنه لم يقل أحد من الصحابة ولا أحد من العلماء هذا غير علي بن أبي طالب عليه السلام وفقه علي وغزارة علمه شهد به عمر بن الخطاب حين قال: " علي أقضانا " (٣٥٩). فمن هذا وذاك لا يستغرب أن يكون عليا من دون الناس هو ولي المؤمنين بعد رسول الله. فهو حامل علوم رسول الله. وبالعلم وحده تبلغ الدعوة هدفها وتصل بالبشرية إلى أهداف الإسلام. كما وصف بأنه أعظم حلما والحلم مفتاح للصبر والصبر فيه نجاة للفطرة. والحليم لا يرفع سيفه إلا إذا كان آخر الدواء الكي ولم يكن العلم والحلم والشجاعة هي كل خصائصه وإنما زود الله تعالى عليا بمنقبة هي عين مهمته في مجابهة المنافقين فعن علي إنه قال. " عهد إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " (٣٦٠) وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن " (٣٦١) فهذه المنقبة أقامت جدارا بين الإيمان وبين النفاق. وبهذه المنقبة يكتمل البناء وتقوم الحجة بعد أن مهد الإسلام الطريق أمام

(٣٥٦) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني. وفيه خالد بن طهمان وثقه أبو حاتم وغيره وبقية رجاله ثقاة (الفتح الرباني: ١٣٣ / ٢٣).

(٣٥٧) تاريخ الخلفاء: ص ١٧٣.

(٣٥٨) تاريخ الخلفاء. ص ١٢٤، الحاكم في المستدرك: ٤٦٦ / ٢، الإصابة:

(٣٥٩) قال في خت الخفاء: رواه البخاري وأحمد عن ابن عباس بلفظ " قال عمر علي أقضانا وأبي أقرؤنا) رواه الحاكم وصححه من ابن مسعود بلفظ كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي) كشف الخفاء: ١٨٤ / ١.

(٣٦٠) رواه أحمد. ومسلم في كتاب الإيمان والترمذي في المناقب.

(٣٦١) رواه أحمد.

٤٢٤
الفطرة وحصنها من كل ما يتلفها. وذلك عندما حدد دائرة الأمان وسط الرقعة العريضة ومجمل القول. إن الله تعالى أتم نعمته. وحدد سبحانه دوائر الاختبار.

وفسرت السنة الشريفة هذه الدوائر ولا إكراه في دين الله. لقد كان حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجال عظماء لا شك في إخلاصهم للدعوة. ولكن الله أوجد الإنسان على هذه الأرض ليختبره فيها. وعظماء الصدر الأول كانوا من الناس والله تعالى يقول. (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ٥ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ء أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ء من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لات وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين) (٣٦٢) قال المفسرون: أظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم ء أو كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم. آمنا؟ إن الفتنة والامتحان سنة جارية لله وقد جرت في الذين من قبلهم وهي جارية فيهم ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان. فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم. فمن كان يرجو لقاء الله فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا. ومن جاهد فإن جهاده يعود نفعه إلى نفسه لأن الله غني عن العالمين.

وعظماء الصدر الأول لا ينكر فضلهم أحدا. ولكنهم عاشوا على رقعة من الأرض احتوت على كل أنماط بني الإنسان صالح وطالح وهذا وذاك يخضع لسنة الله الجارية من امتحان وفتنة. وفي عالم الفتن والابتلاء لا يعرف الرجل باسمه وإنما يعرف بالحق. فبالحق يعرف الرجال وليس بالرجال يعرف الحق. وهذه قاعدة قرآنية ذكرها الله في أكثر من موضع في كتابه. فالسامري كان وفقا لفقه الشعار من أصحاب موسى عليه السلام. ولكن حقيقته عرفت بمعايير الحق.

وصاحب النبأ (٣٦٣) كان من أصحاب موسى فما أغنى عنه علمه عندما سلط الحق

(٢٦٢) سورة العنكبوت، الآيات: ٢ - ٦.

(٣٦٣) ذكرنا قصته في الحديث عن بني إسرائيل.

٤٢٥
أشعته عليه. فالإنسان وجد على الأرض ليختبر ولقد زوده الله تعالى بجميع وسائل النجاة وأحاطه بجميع معالم الزينة والزخرف. فمن كان يرجو لقاء الله اجتاز الدنيا بسلام. ورجال الصدر الأول هم من بني الإنسان. منهم من أخذ بأسباب النجاة ومنهم من أحاط به الشقاء وقد ذكر القرآن أن منهم من في قلبه مرض ومنهم سماعون للمنافقين ومنهم من يسميه فاسقا ومنهم من تبرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عمله ومنهم من رضي الله عنه ومنهم من لم يرض عنه لأن الله لا يرضى عن الفاسق والمنافق ومن اتبع هواه إلى غير ذلك. وبالجملة: قال تعالى: (ش محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا - إلى قوله تعالى - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (٣٦٤) قال المفسرون: قوله:

(إ منهم) " أي لو كان منهم من لم يؤمن أصلا كالمنافقين الذين لم يعرفوا بالنفاق كما يشير إليه قوله تعالى: (! ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (٣٦٥) أو آمن أولا ثم أشرك وكفر كما في قوله: (! إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى - إلى قوله - ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم) " (٣٦٦) أو آمن ولم يعمل الصالحات كما يستفاد من آيات الإفك - ومن أهل الإفك من هو صحابي بدري وقد قال تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " (٣٦٧) - فأمثال ذلك لا يشمله وعد المغفرة والأجر العظيم الذي وعد الله في صدر الآية. وفي موضع آخر يقول تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) " (٣٦٨) قال المفسرون. والمعنى: فإذا كان بيعتك بيعة الله فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة الله ولا يتضرر بذلك إلا نفسه. كما لا ينتفع بالإيفاء إلا

(٣٦٤) سورة الفتح، الآية: ٢٩.

(٣٦٥) سورة التوبة، الآية: ١٠١.

(٣٦٦) سورة محمد، ا لآيات: ٢٥ - ٣٠.

(٣٦٧) سورة النور، الآية: ٢٣.

(٣٦٨) سورة الفتح، الآية: ١٠.

٤٢٦
نفسه لأن الله غني عن العالمين ولقد دلت الحوادث أن هناك من نكث بيعته.

فمثل هذا لا معنى للقول بأن له عند الله أجرا عظيما. وعلى هذا فإننا نقول إن تحديد الدوائر كان رحمة من الله تعالى بعباده. كي يجتازوا بحور الفتن والامتحان على سفن النجاة. وكما حاصر الإسلام دائرة الرجس التي يمثلها المنافقين.

حاصر أيضا دائرة النجس التي يمثلها الشرك وطابوره الطويل. فمن في دائرة النجس راقبوا من بعيد. بعد أن يئسوا من تدمير الصرح العظيم. راقبوا الأحداث في الداخل فلعل هذه الأحداث تأتيهم بإنسان جديد لوثه الرجس. فيلتقي الرجس مع النجس في منظومة واحدة تخطو في طريق الطمس والقهقري نحو غايات بني إسرائيل تلك الغايات التي يجلس على قمتها المسيح الدجال.

٢ - حصار النجس:

قال تعالى: (إنما المشركون نجس) (٣٦٩) وكل مستقذر نجس يقال.

رجل نجس وامرأة نجس وقوم نجس. وإذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل: رجس نجس - بكسر النون - ومعسكر الصد عن سبيل الله لا يسبح إلا في بحيرات من الرجس والنجس ولذا حذر القرآن الكريم من الاقتراب منه في مواضع عديدة. لأن الاقتراب فيه هلاك. لأنه الخيام في بحيرات الرجس والدنس يعلوها بريق الزينة. ومن دخلها لن يخرج منها إلا إلى عالم الغثاء والعالة. ويصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بطريقة أصحاب الخيمة التي يسيرون بها في الحياة. ولهذا قال تعالى:! يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (٣٧٠) قال المفسرون: ونهى عن مودتهم حتى لا يتجاذب الأرواح والنفوس. فإن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرة الدينية البنية على سعادة أتباع الحق. إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج عن صراط الحياة الفطرية. والولاية في الآية هي، ولاية المحبة. وقوله تعالى:! بعضهم أولياء بعض " وذلك لتقارب نفوسهم وتجاذب أرواحهم واجتماع آرائهم على اتباع

(٣٦٩) سورة التوبة، الآية: ٢٨.

(٣٧٠) سورة المائدة، الآية: ٥١.

٤٢٧
الهوى والاستكبار عن الحق. واتحادهم على إطفاء نور الله. وتناصرهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة وليسوا على وحدة من الملية لكن يبعث القوم على الاتفاق. ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين. أن الإسلام يدعوهم إلى الحق. ويخالف أعز المقاصد عندهم وهو اتباع الهوى. والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا فهذا هو الذي جعل الطائفتين: اليهود والنصارى على ما بينهما من الشقاق مجتمعا واحدا يقترب بعضه من بعض.. ويرتد بعضه إلى بعض. يتولى اليهود النصارى وبالعكس.

ويتولى بعض اليهود بعضا. وبعض النصارى بعضا. فالمعنى: لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يد واحدة عليكم. لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة.! ومن يتولهم منكم فإنه منهم) أي أن من يتخذهم منكم أولياء فإنه بعضهم ومنهم. غير سالك سبيل الإيمان وهذا المتولي لهم ظالم مثلهم والله لا يهدي القوم الظالمين (٣٧١).

ونداءات القرآن باجتناب معسكرات الكفر عديدة. ومنها قول الله تعالى:

(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة) (٣٧٢) قال المفسرون. أي لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا. توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلوهم على عوراتهم. فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شئ. أي ليس من حزب الله في شئ. إلا أن تتقوا منهم تقاة. أو تكونوا في سلطانهم فتخافونهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم. وترفض قلوبكم ما هم فيه وعليه. ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم (٣٧٣) وكما حذر القرآن من التعامل مع معسكر الكفر. حذر أيضا من التعامل مع معسكر النفاق الذي حمل على عاتقه عرقلة دعوة الفطرة. قال تعالى:

(يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد

(٣٧١) الميزان ٣٧٣ / ٥.

(٣٧٢) سورة آل عمران، الآية: ٢٨.

(٣٧٣) ابن جرير: ١٥٢ / ٣.

٤٢٨
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٤٢٩ - ص ٤٥٠)
٤٢٩
الإسلامي لا بد له من معارف ينطلق بها إلى عالم الفتنة. وإن معارفه سيستند فيها على كتاب الله بتأويل آياته بحيث ينتسخ دين الله وذلك في قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " (٣٧٧) قال المفسرون الزيغ هو الميل عن الاستقامة. والآية تكشف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه. وأن منهم من هو زائغ القلب يتبع المتشابه إبتغاء الفتنة والتأويل. ومنهم من هو راسخ العلم مستقر التلب يأخذ المحكم ويؤمن بالمتشابه. والمراد بابتغاء الفتنة في الآية طلب إضلال الناس ومعنى الآية:

يريدون بإتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله. وأمر آخر هو أعظم من ذلك. وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن. ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينسخ بذلك دين الله من أصله " (٣٧٨) لما كان معسكر النفاق سيفرز الذين يتاجرون بالمتشابه. وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان " (٣٧٩) فإن كتاب الله عزل هذا الصنف عن معارفه وهو قوله تعالى:! إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون " (٣٨٠) فمس الكتاب لا يقف عند الطهارة من الخبث أو الحدث عند مسك الكتاب باليد. بل ينطلق نحو تعريف أوسع. فإذا كانت الأيدي التي تمسه يجب أن تكون طاهرة فكذلك يجب أن تكون العقول التي تمسه طاهرة. ولأن عقول المنافقين ليس عليها مسحة من طهارة.

فإن الله قضى أن لا يصيبهم علم نافع. ليتخبطوا في عالم المتشابه الذي يقودهم إلى الهلاك ومن ورائهم الذين مضغوا علومهم. وفي قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون " قال المفسرون: مسه هو العلم به. والمطهرون هم الذين طهر الله نفوسهم من أرجاس المعاصي وقاذورات الذنوب أو مما هو أعظم من ذلك وأدق وهو تطهير قلوبهم من التعلق بغير الله. وهذا المعنى من التطهير هو المناسب

(٣٧٧) سورة آل عمران، الآية: ٧.

(٣٧٨) الميزان: ٢٣ / ٣.

(٣٧٩) رواه ابن عدي (كشف الخفاء: ١٦ / ١).

(٣٨٠) سورة الواقعة، الآيات: ٧٧ - ٧٩.

٤٣٠
للمس الذي هو العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث) (٣٨١).

إن داخل البيت الإسلامي فريقان: فريق دسه معسكر الانحراف والأهواء وفريق أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكتاب الله يقرأه هذا وذاك. ومس الكتاب عند فريق يقود إلى تأويل الكتاب بحيث لا يكون الإسلام إلا اسما ولا يكون القرآن إلا رسما. بينما يكون عند فريقا آخر مرشدا للبشرية ليس بها نحو أهداف الله. ولأن الرسالة الخاتمة لها أهداف. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرن كتاب الله بالعترة الطاهرة وأعلن أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. أما فريق اللاهدف واللاغاية فلقد أخبر النبي بأنهم عند الحوض سيقال لهم سحقا سحقا كما بينا من قبل. ولأن تأويل القرآن ووضعه في غير مواضعه وكذا إدعاء إنسان ما أنه أحق بالتأويل من الذين نص عليهم رسول الله بعد أمرا خطيرا تترتب عليه أمور خطيرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أكثر ما أتخوف على أمتي بعدي رجل يتأول القرآن. فيضعه على غير مواضعه. ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره " (٣٨٢) لقد حاصر كتاب الله دوائر الرجس والنجس. وحذر من الاقتراب من هذه الدوائر. وأمر كتاب الله بالجماعة. ولا جماعة إلا بإمام مشهود له بالعلم من رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. " لا يقوم بدين الله. إلا من حاطه من جميع جوانبه " (٣٨٣) وكما أن هناك جماعة يقودها إمامها إلى الجنة ففي البيت الإسلامي أيضا جماعات يقودها أئمتها إلى النار فعن حذيفة قال: سألت رسول الله (ص): هل بعد ذلك الخير من شعر؟ فقال: " نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " قلت:

صفهم لنا؟ قال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قلت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها. ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (٣٨٤) في هذا الحديث كشف الستار عن

(٣٨١) الميزان: ١٣٧ / ١٩.

(٣٨٢) رواه الطبراني في الأوسط (كنز العمال: ٢٠٠ / ١١).

(٣٨٣) رواه أبو نعيم (كنز العمال ٨٤ / ٣).

(٣٨٤) مسلم: ٢٠ / ٦.

٤٣١
أجهزة الصد والفتنة الذين يدعون إلى النار مستخدمين في ذلك رموز الإسلام.

وأمر عليه الصلاة والسلام بالالتزام بالجماعة والإمام ولا إمام إلا بكتاب الله. ولم ينكر على حذيفة قوله: " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام " بل قدم الدواء لهذا الداء لعلمه أن هذا واقع لا محالة. فأمر باعتزال الفرق كلها. وأمر بالعض على أصل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء حتى يأتي الموت فيجده على ذلك. لقد قامت الحجة على الماضي والحاضر والمستقبل. ولا إجبار في دين الله في جميع الأحوال.

٤ - يوم الخميس والرحيل:

على امتداد الرسالة كان صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث إلى القافلة البشرية. كما تحدث الأنبياء من قبل. فنادى بالعدل مبينا أن الإنسانية لم توجد ليأكل القوي فيها الضعيف. وإنما ليعيش هذا وذاك بإحساس أن كل منهما في حاجة إلى الآخر وأن فوق الجميع قوة الله القادر على كل شئ. وبهذه القوة يرزقون وبها يموتون ويبعثون يوم القيامة. وأنذر الجبابرة مبينا أن فناء الباطل بالحق. وأن الذي يخرج عن معيار التوازن قويا كان أو ضعيفا فإنه يطارد في الكون أمام الأمواج كقوم نوح أو أمام الرياح كقوم عاد أو تحت الصيحة كثمود أو تحت الظلة كأصحاب الأيكة إلى غير ذلك من عذاب الله الغير مردود. وعندما أتم الله رسالته أتى الإنسانية. بآخر أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما سدت جميع المنافذ التي يدخل منها الشيطان وأتباعه ليكون في هذا حجة على من يفتح نافذة للشيطان. تحت جلده أو داخل أسرته أو في مجتمعه الذي يعيش فيه. جاء وقت رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد روي أن دموعه كانت تجري كثيرا في آخر أيامه صلى الله عليه وآله وسلم. وذلك لأنه كان يعلم من ربه الأحداث التي ستعصف بالأمة وتنتهي بالظالمين إلى عقاب الله المؤجل. كان يعلم أمورا روي أنه لم يرى بعدها ضاحكا حتى مات. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام حريصا رغم إتمام الحجة أن يحذر مما سيقع ليكون كل تحذير يضاف حجة فوق الحجة... لتعلم الإنسانية بعد ذلك أن الطريق يعج بالفتن وهذه الفتن لم تأت من نفسها. فيحذر كل عضو فيها أن يكون من صناعها وحتى لا يصيبه العذاب. والله لا يظلم الناس والعذاب الذي يراه الناس ما هو إلا نتيجة طبيعية

٤٣٢
لأعمالهم. لقد كان النبي في أيامه الأخيرة يدفع العذاب بغرس التوحيد في النفوس والدعوة إلى الإعتصام بكتاب الله وسنته التي يبلغها عنه من لا يكذب عليه. والروايات عن أيامه الأخيرة صلى الله عليه وآله وسلم عديدة. منها روايات تتحدث عن بعث أسامة. حيث وضع النبي كل كبار الصحابة عدا عليا تحت قيادة أسامة بن زيد. وأمرهم بالخروج ولكن بعض الصحابة استصغروا أسامة في قيادة هذه الحملة العسكرية وطعنوا فيه. فقال لهم النبي: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل " (٣٨٥) قال في فتح الباري (٣٨٦). كان الطاعن فيه من ينتسب إلى النفاق، وبعد أن قال رسول الله ذلك رفض ما ذهبوا إليه وطالبهم بالخروج. ومات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تخرج حملة أسامة. ولم تخرج هذه الحملة إلا في عهد أبي بكر. وروايات الطعن في أسامة واستصغاره رغم تعيين الرسول له. رايات كثيرة ترى في كتب التراجم والسير والحديث.

ومن روايات الأيام الأخيرة ما رواه الإمام أحمد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. دعا عند موته بصحيفة ليكتب كتابا لا يضلون بعده. فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها (٣٨٧) وجاء في صحيح، البخاري عن ابن عباس قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: هلم أكتب إليكم كتابا لن تضلوا بعده. قال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع. وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت. واختصموا فمنهم من يقول. قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قاله عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قوموا عني " (٣٨٨) وروى الإمام

(٣٨٥) رواه البخاري في كتاب الأحكام.

(٣٨٦) فتح البخاري: ١٨٠ / ١٣.

(٣٨٧) رواه أحمد وقال رواه أحمد وفيه ابن بهيقة وفيه خلاف. وقال صاحب الفتح الرباني.

قلت: أي لأنه عن من في هذا الحديث وقالوا إذا عن ابن بهيقة فحديثه ضعيف وإذا قال حدثنا فحديثه صحيح أو حسن (الفتح الرباني: ١٣٦ / ٢١).

(٣٨٨) صحيح البخاري: ٢٧١ / ٤.

٤٣٣
مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟

ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر (٣٨٩) وعند البخاري: (فقال إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدأ. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر " (٣٩٠) وزاد البخاري وأحمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) (٣٩١).

وفي لسان العرب: يهجر هجرا. إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي. وهجر يهجر هجرا. بالفتح. إذا خلط في كلامه وإذا هذى (٣٩٢) وقال ابن الأثير في النهاية: الهجر بالضم هو الخنا والقبيح من القول (٣٩٣). وأقر ابن الأثير كما في لسان العرب وفي النهاية بأن القائل هو عمر بن الخطاب. معتذرا بأن أقل ما يقبل في هذا المقام أن يكون قد قال: (أهجر) على سبيل الاستفهام.

ومما رواه الطبراني في هذا الحدث عن عمر بن الخطاب قال: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟

فقلت: إنكن صواحبات يوسف. إذا مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عصرتن أعينكن. وإذا صح ركبتن عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(دعوهن فإنهن خير منكم) (٣٩٤) وخلاصة أحاديث الصحيفة. إن ردود النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من حوله. لم تكن تحمل جانب من جوانب الرضا. فعندما قالوا حسبنا كتاب الله. وأكثروا اللغط والاختلاف قال. " قوموا

(٣٨٩) صحيح مسلم ٧٦ / ٥.

(٣٩٠) البخاري: ٢٠٢ / ٢.

(٣٩١) البخاري: ٢٠٢ / ٢، أحمد (الفتح: ٢٣٤ / ٢١).

(٣٩٢) لسان العرب: ٥٦١٨ / ٥٥.

(٣٩٣) النهاية: ٢٤٠ / ٤.

(٣٩٤) الطبراني في الأوسط (كنز العمال: ٦٤٤ / ٥).

٤٣٤
عني) إن الرسول لا يقف على أرضية من اللغط والاختلاف. الرسول جاء ليتكلم وليستمع الناس. والرسول عندما يتكلم لا ينطق عن الهوى لهذا فرض الله تعالى على الناس طاعة النبي في جميع الأحوال -. وعندما قالوا: هجر. أو. أهجر.

قال: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) وأيضا ما قاله عن النسوة عندما قالوا: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟ قال: دعوهن فإنهن خير منكم. فجميع هذه الردود لا تحمل معنى من معاني الرضا على سير الأحداث ويؤيد هذا بكاء ابن عباس. يوم الخميس وما يوم الخميس؟ وذهب أكثر من باحث إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصر على كتابة الصحيفة التي لا يضلوا بعدها أبدا. لأن قولهم: " هجر) أو " أهجر " يمكن أن يكون مقدمة يشكك بها البعض فيما سيكتبه الرسول. بمعنى أن الرسول كتب ما كتب وهو في حالة لا تسمح له بذلك. والتشكيك مكتوب ربما يتعدى هذا المكتوب إلى مكتوب آخر تحت هذه الحجة. وقال آخرون: عندما أكثروا اللغط والاختلاف. علم أن الاختلاف واقع من بعده لا محالة كما أخبره ربه. ولذا اكتفى بما أقامه عليهم قبل ذلك من الحجج ورحل النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم. رحل النبي الخاتم للمسيرة الشريفة التي تقدمها نوح وتوسطها إبراهيم عليهما السلام. ونشهد أنه قد أدى الأمانة. ونصح الأمة. وجاهد في سبيل الله حق جهاده. ونسأل الله أن يحشرنا تحت لوائه. وأن يسقينا من حوضه جرعة ماء لا نظمأ بعدها أبدا. والمؤمنين أجمعين. إنه سميع مجيب.

٤٣٥

حفائر القريش

(وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)

سورة الفرقان، الآية ٣٠

٤٣٦
٤٣٧

حفائر قريش

(الطريق إلى سنن الأولين)

أولا: البدايات والنهايات:

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من الفتن. لأن كل فتنة تصب في نهاية المطاف في سلة المسيح الدجال الذي ينتظره اليهود على امتداد طريق الطمس والقهقري. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ". وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال " (١) ولأن فتنة الدجال يجتمع فيها كل ثقافات معسكر الكفر والانحراف منذ عهد نوح عليه السلام. فإن جميع الأنبياء حذروا أممهم من الاقتراب من شذوذ الذين مضوا.

لأن هذا الشذوذ يحمل بصمات الدجال إليهم. وأن يتمسكوا بما معهم لأن في اختلافهم شذوذ يحمل بصمات الدجال وينطلق محتضنا لشذوذ الماضي إلى المستقبل حيث الدجال. قال النبي: (وأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال) (٢) ولقد حذر النبي أمته أعظم تحذير. فقال: (لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من الدجال. ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها " (٣). فالذي ينجو من الدجال هو فقط الذي تفادى رياح الانحراف والشذوذ والأهواء التي

(١) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. (الزوائد: ٧ / ٣٣٥)

(٢) رواه ابن ماجة: حديث ٤٠٧٧.

(٣) رواه أحمد والبزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح: (٣٣٥ / ١).

٤٣٨
تحمل ثقافات أصنام الماضي والحاضر والمستقبل. فهذه الثقافة ستكون أرضية للدجال ولن ينجو منها إلآ من عرفها.

ولقد حدد النبي ثلاث محطات في كل واحدة منها فتنة وطالب الأمة أن تحذرها فقال: (ثلاث من نجا منها فقد نجا. من نجا عند موتي. ومن نجا عند قتل خليفة يقتل مظلوما وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه ومن نجا من فتنة الدجال " (٤). لقد أشار إلى أحداث تكون عند موته. وهذه الأحداث ستعصف بالعقول وبالقلوب. وأشار إلى أحداث تأتي عند قتل خليفة من صفاته إعطاء الحق وهذه الأحداث هي الوسط بين موته صلى الله عليه وسلم وبين ظهور الدجال. أي أحداث تحمل رياح الفرقة والاختلاف وانقسام الأمة إلى أحزاب كل حزب يلعن الآخر. وما تلبث هذه الثقافة حتى تتعانق مع ثقافات الظلام الغابر لتمثل ثقافة عالمية واحدة يسهر عليها علماء الطمس والقهقري وتحميها القوى الدولية المتعددة ويعتبر الخارج عليها خارج عن القانون. ثم يأتي الدجال على إثر ذلك.

لقد حذر النبي من كل فتنة. حذر زوجاته وأصحابه وكان يقول: " هل ترون ما أرى إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) (٥) قال النووي.

أي أنها كثيرة وتعم الناس. لا تختص بها طائفة. وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم كوقعة الجمل وصفين والحرة ومقتل عثمان والحسين وغير ذلك (٦) وعن ابن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال:

" رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان " (٧) وحذر النبي جميع الأجيال المؤمنة التي تأتي في المستقبل والتي تجد نفسها في دوائر الفتن الماضية.

حذرهم أن تصيبهم الرياح التي أصابت الذين ظلموا. لأن رياح الفتن لا تصيب الذين ظلموا خاصة. بل تخترق الماضي ومنه إلى الحاضر ثم إلى المستقبل.

(٤) رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ربيعة بن لقيط وقد وثقه ورواه الخطيب في المتفق واللفظ له (كنز العمال: ١٨٠ / ١١) (الزوائد: ٣٣٤ / ٧).

(٥) رواه مسلم ١٦٨ / ٨.

(٦) رواه مسلم: ١٦٨ / ٨.

(٧) مسلم: ١٨١ / ٨.

٤٣٩
ويستقبلها كل من وقع هواه على ثقافتها. قال النبي: (تعرض. الفتن على القلوب كالحصير. عودا عودا. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين. على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " (٨) وللنبي إرشادات عظيمة لكل مؤمن ضعيف يعيش في زمان هذه الفتن. منها أن يعتزل في حاله. وأن يصلي وراء هذا وذاك في حالة كي ينجو بإيمانه في عالم يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " (٩) وإرشادات النبي لم تدعو الفرص الإيمان بالقوة لأن القاعدة أن دين الله لا إجبار فيه. فالمجتمع الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحييه الله حياة طيبة. أما الذي يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف فله في الكون ضربة لا تخطئة. وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

١ - أول الوهن:

تواتر في كتب السير والتواريخ والصحاح والمسانيد أن الأنصار بعد وفاة النبي رأى معظمهم أن لا تكون البيعة إلا لعلي بن أبي طالب. ولكن نقل إليهم أن المهاجرين أرادوا الأمر. وعندئذ أخرج الأنصار سعد بن عبادة وهو مريض وقالوا: تولى هذا الأمر بعد النبي سعد بن عبادة فإن أبت مهاجرة قريش وقالوا:

نحن المهاجرون الأولون. فإنا نقول: منا أمير ومنكم أمير. وعندئذ خرج من سقيفة بني ساعدة التي كان الأنصار يجتمعون فيها صوت يقول: " هذا أول الوهن " وعندما علم عمر بن الخطاب انطلق إلى أبي بكر فقال له أبو بكر. ابسط يدك لأبايعك. فقال له عمر: أنت أفضل مني. فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني. فقال عمر. فإن قوتي لك مع فضلك. فبايعه (*) وانطلقا سويا إلى السقيفة

(٨) مسلم: ٨٩ / ١.

(٩) مسلم: ٢٠ / ٥.

(*) تاريخ الخلفاء: ص ٦٥.

٤٤٠