×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

ومعهما بعض المهاجرين ولم يكن من بينهم أحدا من بني هاشم. وفي السقيفة خطب أبو بكر وأشاد بسابقة قريش وبفضل الأنصار (١٠). ومرت المحاورات بين منا أمير ومنكم أمير. أو منا أمير ومنكم وزير. وانتهى المطاف بأن لقب المسلمون أبو بكر بلقب خليفة رسول الله (١١). ولم يبايع سعد بن عبادة وتوعد المهاجرين وقصة تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة (١٢) وروي أنه خرج إلى الشام وأن الجن قتلوه وقالوا فيه شعرا. وروي أنه لما انتهت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنباء السقيفة قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير. قال:

فهلا احتججتم عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (١٣). قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟

قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال: فماذا قالت قريش؟

قالوا: احتجت بأنها شجرة رسول الله الله عليه وآله وسلم. فقال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة (١٤).

والباحث في أوراق ما بعد وفاة الرسول لا يجد المعلومات الكافية عن مجريات الأحداث. ومن المؤكد أن معلومات كثيرة قد فقدت وهي في طريقها إلينا. وإن معلومات أخرى قد حجبت عندما أمر الخلفاء بعدم التوسع في رواية الحديث بحجة أنه يؤثر على القرآن. ولكن من خلال المعلومات التي وصلتنا في كتب السير والتواريخ وغيرها. يمكن للباحث أن يتصور. أنه بعد فتح مكة اتسعت رقعة النفاق ودخل الإسلام الذين قال الله فيهم:! وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)(*) وهؤلاء كان الرسول يعرفهم دفي حياته بل وحذر منهم وطرد

(١٠) أنظر الطبري وابن الأثير حوادث سنة ١١.

(١١) الإصابة: ١٠١ / ٤.

(١٢) الإصابة: ٨٠ / ٣.

(١٣) وصية الرسول بالأنصار رواها البخاري ومسلم وفيها: (أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي. وقد قضوا الذي عليهم. وبقي الذي لهم. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) البخاري: ٢ / ٣١٤، مسلم حديث رقم ١٩٤٩.

(١٤) أراد بالشجرة شجرة النبوة والثمرة آل البيت.

(*) سورة يس، الآيتان: ٩ - ١٠.

٤٤١
بعضهم فمن الممكن أن يقال أن هذا الفريق الذي استصغر أسامة بن زيد في قيادة الحملة العسكرية. كره قيادة علي بن أبي طالب للأمة لأمور عديدة منها أن سيفه كان له أثرا بليغا في رقابهم. لكنه لم يفصح عن هذه الأمور للصحابة الكبار.

وإنما عرض رفضه على أساس استصغار علي. وأن قيادته ستفرق الشيوخ من حوله. ويمكن أن يكون كبار الصحابة قد علموا مواطن القوة عند هذا الفريق.

فأبعدوا عليا حتى لا تكون فرقة واختلاف. ويمكن أن نكتشف ذلك من عدة أقوال حول هذا الحدث. منها قول عمر كما جاء في الصحيح. (أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها) قال في لسان العرب: أراد الفجأة. لأنها لم تنتظر العوام وإنما ابتدرها أكابر الصحابة والفلتة كل شئ فعل من غير روية. وشبه يوم موت النبي بالفلتة في وقوع الشر من ارتداد العرب. والجري على عادة العرب في ألا يسود القبيلة إلا رجل منها.. ومنها ما رواه ابن عباس. قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة. فقال. أم والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر. فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته. فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك وثبتما عليه واقترعتما الأمر منه دون الناس؟ فقال: إليكم يا بني عبد المطلب. أما إنكم أصحاب عمر بن الخطاب. قال: فتأخرت عنه وتقدم هنية. ثم قال عمر: سر لا سرت وقال: أعد علي كلامك. فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه.

ولو سكت سكتنا. فقال: إنا والله ما فعلنا ما فعلناه عن عداوة. ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها. قال: فأردت أن أقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه فينطح كبشها أفتستصغره أنت وصاحبك.

فقال: لا جرم فكيف ترى؟ والله لا نقطع أمرا دونه. ولا نعمل شيئا حتى نستأذنه (١٥) وما ذهبنا إليه يقترب أيضا مما رواه رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر عن بيعته فقال: (بايعوني وقبلتها منهم. وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة) (١٦) وأخرج ابن إسحاق وابن عابد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر: ما

(١٥) محاضرات الراغب: ٢١٣ / ٢ ونقل ابن أبي الحديد مثله في شرح النهج ١٣٤ / ١ عن كتاب السقيفة للجوهري.

(١٦) تاريخ الخلفاء / السيوطي: ٦٦.

٤٤٢
حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بدا. خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة (١٧).

فقد تكون البداية أن دوائر النفاق داخل البيت الإسلامي قد لوجت بقبضتها فكان ما كان ولكن الذي يقف في أول الطريق لا يرى إلا أول الطريق أو وسطه وأما نهاية الطريق فإنها لا ترى إلا بعد أن تجئ. ونهاية الطريق كانت بكل المقاييس مأساة لا ينكرها باحث منصف لقد تقاتلت القبائل والطوائف وقامت بتصفية حساباتها على حساب الإسلام. وأصبح كرسي الحكم غاية وهدف لغلمان قريش وسفهائها. بل أصبح فيما بعد كعجل بني إسرائيل حوله المستفيد منه والخائف من عضبة.

٢ - الحفائر:

في عصر عمر بن الخطاب طفح على السطح فريق يذهب إلى المساجد بوجهه ويطلب الإمارة بقلبه. (منهم): المغيرة بن شعبة. ذكر البغوي وابن شاهين أن المغيرة قال: أنا أول من رشا في الإسلام جئت إلى حاجب عمر وكنت أجالسه. فقلت له: خذ هذه العمامة فالبسها. فكان يأنس بي ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب. فكنت أجلس في القائلة. فيمر المار فيقول: إن للمغيرة عند عمر منزلة إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحدا (١٨).

واستعمل عمر المغيرة على البحرين فكرهوه وشكوا منه فعزله. ثم ولاه البصرة.

ثم عزله لما شهد عليه أبو بكرة بالزنا ثم ولاه الكوفة. وأقره عثمان ثم عزله وبعد قتل عثمان حضر مع الحكمين. ثم بايع معاوية فولاه الكوفة. والمغيرة الذي اعتبر نفسه أول من رشا في الإسلام. اعتبره التاريخ أول من وضع بذرة الحكم الملكي في الإسلام. وذلك عندما علم أن معاوية سيعزله أشار إليه بتنصيب ابنه يزيد من بعده. فلم يعزله معاوية وطلب منه أن يعد العدة لذلك.

(ومنهم): معاوية بن أبي سفيان ولاه عمر الشام وأقره عثمان. ثم إستمر فلم يبايع عليا بعد قتل عثمان. ثم حاربه واستقل بالشام ثم أضاف إليها مصر ثم

(١٧) تاريخ الخلفاء /. السيوطي: ٦٦.

(١٨) الإصابة: ١٣٢ / ٦.

٤٤٣
تسمى بالخلافة بعد صلحه مع الحسن. وقال في الإصابة: عاش ابن هند - يعني معاوية - عشرين سنة أميرا وعشرين سنة خليفة (١٩). ومعاوية أسلم يوم الفتح مع أبيه وأمه. وروى البعض أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره يوم الفتح وإنه كان في عمرة القضاء مسلما. وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد. بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج. فعلناها وهذا يومئذ كافر (٢٠).

(ومنهم). عمرو بن العاص. نظر عمر بن الخطاب إليه وهو يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا (٢١) ولاه عمر فلسطين وذكر ابن سعد. أن عثمان لما عزله عن مصر قدم إلى المدينة. فجعل يطعن على عثمان. فبلغ عثمان ذلك فزجره. فخرج عمرو إلى أرض له بفلسطين. وبعد قتل عثمان بلغته بيعة علي ثم بلغته وقعة الجمل. وخروج معاوية. فلحق بمعاوية لعلمه أن عليا لا يشركه في أمره (٢٢). وساند معاوية مقابل شيئا واحدا. أن يعطيه معاوية مصر طعمة ما بقي(*).

فهذه الطائفة وغيرهم ما كانت الدعوة هدفا من أهدافهم وإنما كان الكرسي هو الهدف. كانوا في أول الطريق أصحاب أحمال خفيفة. أما في نهاية الطريق فقد أمطروا الأمة بفتن لا حد لها. وإذا كان عمر بن الخطاب قد اعتمد على سواعد الولاة القوية في بداية الطريق. فإن عثمان بن عفان لم يتخير إلا أقاربه حتى ولو كانوا من الذين طردهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

(ومنهم): عبد الله بن أبي السرح. قال في الإصابة. كان أبوه من المنافقين (٢٣). ويوم فتح مكة أمن الرسول الناس كلهم إلا أربعة نفر منهم: ابن أبي السرح. الذي اختبأ عند عثمان وكان أخوه من الرضاعة. فجاء به عثمان

(١٩) الإصابة: ١١٣ / ٦.

(٢٠) الإصابة: ١١٣ / ٦.

(٢١) الإصابة: ٣ / ٥.

(٢٢) الإصابة: ٦١ / ٦.

(*) ابن الأثير: ١٧٩ / ١.

(٢٣) الإصابة: ٧٧ / ٤.

٤٤٤
حتى أوقفه على النبي وهو يبايع الناس. فقال يا رسول الله: بايع عبد الله. فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل النبي على أصحابه وقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله (٢٤) وعبد الله هذا ولاه عثمان على مصر. وكان على الصعيد في زمن عمر ثم ضم إليه عثمان مصر كلها (٢٥) وفي مصر فرض عبد الله الضرائب وعامل الشعب هناك بقسوة. وترتب على هذا كله الخروج على عثمان وقتله.

(ومنهم): الوليد بن عقبة الذي نزل فيه:! يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقال ابن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم أن الآية نزلت فيه (٢٦) والوليد نشأ في كنف عثمان وكان أخوه لأمه. استخلفه عثمان على الكوفة. وقصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهورة مخرجة (٢٧) وكان الوليد شاعرا وروي أنه كان يحرض معاوية على قتال علي بكتبه وبشعره (٢٨).

(ومنهم): الحكم بن العاص. عم عثمان ووالد مروان. أسلم يوم الفتح وسكن المدينة ثم نفاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف. ثم أعيد إلى المدينة في خلافة عثمان (٢٩) وروي في سبب طرده أنه كان يتبع سر رسول الله (٣٠) وروي أن أصحاب النبي دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص. فقالوا:

أفلا نلعنه نحن؟ قال: لا. فإني أنظر إلى بنيه يصعدون منبري وينزلونه. فقالوا يا رسول الله ألا نأخذهم؟ قال: لا. ونفاه (٣١) وروي أن الحكم مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي. (ويل لأمتي مما في صلب هذا " (٣٢)

(٢٤) الإصابة: ٧٧ / ٤.

(٢٥) الإصابة: ٧٧ / ٤.

(٢٦) الإصابة: ٣٢١ / ٦.

(٢٧) الإصابة: ٣٢٢ / ٦.

(٢٨) الإصابة: ٣٢٢ / ٦.

(٢٩) الإصابة: ٢٨ / ٢.

(٣٠) الإصابة: ٢٩ / ٢.

(٣١) الإصابة: ٢٨ / ٢.

(٣٢) الإصابة: ٢٩ / ٢.

٤٤٥
والنبي لم يأمر بقتله. لأن الحكم وأمثاله ثمرة طريق وباب للفتن والرسالة أغلقت في وجوه هؤلاء الأبواب. فمن فتح الباب عليه استقبل الرياح.

(ومنهم): مروان بن الحكم. وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته (٣٣) كان قد خرج مع أبيه إلى الطائف حين نفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعندما أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة رجع مع أبيه (٣٤) روي أن عائشة قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله. لعن أباك وأنت في صلبه (٣٥). وكان مروان من أسباب قتل عثمان (٣٦) وشهد الجمل مع عائشة ثم صفين مع معاوية ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية وخرج منها في أوائل إمرة يزيد بن معاوية. وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية. فبايع بعض أهل الشام مروان. وعندما تمت له المبايعة من هؤلاء. أراد أن يستحوذ على الشام بأسرها. فكانت الواقعة بينه وبين الضحاك بن قيس. وانتصر مروان واستوثق له ملك الشام. ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها. وكان الطريد هذا وابن الطريد يلقب حينئذ بأمير المؤمنين في بلاده. إلى أن مات فعهد إلى ولده (أمير المؤمنين) عبد الملك بن مروان. لتبدأ سلسلة أمراء المؤمنين الذين طرد رسول الله أكبر رأس فيهم إن الفريق الذي كان يذهب إلى المساجد بوجهه ويطلب الإمارة بقلبه. حفر في نفوس الشعوب الحفائر العديدة. وهذه الحفائر أنتجت ثقافة. وعلى هذه الثقافة جاء غلمان قريش وسفهائها كل منهم يطلب الكرسي لنفسه. ولقد مهدت حفائر كل حلقة للأخرى حتى إستقرت عند الطريد الذي مهد إلى الضياع. ولقد كان بين كل حلقة وأخرى فتوحات. ولكن الفتوحات جاءت بالأموال حتى كثر التنافس الذي جر الفتن. والإسلام لم يكن في أصوله البحث عن الأموال والنعيم. وإنما في أصوله البحث عن الفطرة التي تئن تحت أحمال الجاهلية في أصول الإسلام أن وضع الفطرة في المكان الصحيح يترتب عليه

(٣٣) الإصابة: ١٥٦ / ٦.

(٣٤) الإصابة: ١٥٧ / ٦.

(٣٥) قال في الإصابة أصل القصة عند البخاري بدون هذه الزيادة ٢٩ / ٢.

(٣٦) الإصابة: ١٥٧ / ٦.

٤٤٦
دوران صاحبها في اتجاه حركة الكون. ومع هذا الدوران الصحيح سيأتي حتما الاطعام والأمن. وليس معنى ذلك أن الفتوحات كانت سياسة خاطئة وأن حركة جميع الولاة كانت في اتجاه الكرسي والمال. فالتاريخ يشهد بأن العديد من الفتوحات صان بيضة الإسلام من أعدائه المحيطين به. وأن من الولاة من عمل إبتغاء مرضاة الله. ولكن حركة الفريق الذي قدمناه وأمثالهم طغت على أعمال غيرهم. ووضعت مقدمات أثمرت نتائج هي بكل المقاييس لا علاقة لها بالإسلام إلا بالاسم. وهذا إن دل على شئ إنما يدل على أن الحركة لم تكن في الاتجاه الصحيح. فنحن لا نصدق على سبيل المثال لا الحصر أن ضرب الكعبة ورميها بالمنجنيق أو دخول الخيل إلى مسجد الرسول في واقعة الحرة أو قتل الحسين.

لا نصدق أن كل هذا كان نتيجة صحيحة لمقدمة صحيحة. ولأننا لا نصدق فإننا نقول إن حركة هؤلاء الولاة منذ البداية كانت تعمل لخدمة هوى تلبس بالإسلام.

٣ - حفائر أهل الكتاب والأهواء:

إن الكفار من أهل الكتاب يقاتلون معاركهم من وراء جدر. فيدخلون المعارك وراء جدار الجواسيس ويقفون بأسلحتهم وراء الجدر المنيعة. وعلى هذا إذا رأيناهم داخل منطقة ما من البيت الإسلامي اجتماعية أو تربوية أو اقتصادية يجب أن نعلم إما أن لهم جدر تحمي حركتهم وإما فتكت أسلحتهم بهذه المنطقة فدخلوها وهم يعلمون أن أحدا لن يجابههم. وأهل الكتاب لم يستطيعوا أن يقاتلوا أمام المسلمين بسلاح. ولقد هزموا في جميع معاركهم. وبعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدأوا يعدون لمعارك من نوع آخر يساعدهم فيها المنافقين داخل البيت الإسلامي. ومن هذه المعارك وضع الأحاديث ورواية القصص التي تحمل بين طياتها دماء أهل الكتاب. ولقد ساعد أهل الكتاب على ذلك أن الساحة أعطتهم هذه الفرصة الثمنية وهي لا تدري.

في عصر الرسول كانت رواية الحديث معروفة عملا يقول الله تعالى.

(إ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ". ولم تنقطع رواية الحديث حتى يوم خطبة الوداع حيث قال فيها النبي: (" ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) ". وربما يكون الرسول قد أمر في صدر الدعوة بعدم رواية الحديث حتى يتمكن القرآن من النفوس. ولكن الحديث اتصلت روايته بعد ذلك. لأن الحديث مكمل

٤٤٧
للتشريع. ومبين لمجملات القرآن ومخصص لعموماته ومطلقاته. كما تكفل لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية. والذي حدث بعد وفاة الرسول أن رواية الحديث كانت في نطاق ضيق. وفي عصر عمر بن الخطاب ضاقت الدائرة أكثر وكان قد قال: (" قلوا الرواية عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم) (٣٧) ثم ضاقت أكثر عندما توعد الخليفة الناس بالعقاب عليها ونحن نختلف مع الذين قالوا: أن النهي عن الرواية والتدوين في عهد عمر كان ضرورة حتى لا يلتبس القرآن بالحديث. وحتى لا ينصرف المسلمين عن كتاب الله. وذلك لأن للقرآن أسلوب لا يبلغه الإنس والجن مجتمعين. فكيف يلتبس القرآن بالحديث؟ وكيف ينصرف الناس عن كتاب الله وهم يقرأونه في صلاتهم كل يوم. ويسهرون معه ليلا طويلا. وهل معنى إننا نخاف على القرآن أن نضيع سنة الرسول؟ لقد كان من الأفضل أن تجتمع هيئة من الأمناء وتدون الحديث الصحيح كله بعد تدوين القرآن. وبهذا يقطع الطريق على الكذابين والوضاعين إما أن تمنع رواية الحديث تحت عنوان المحافظة على القرآن. فهذا لا يقبله عقل سليم ويفتح الطريق للقول بأن عدم الرواية والتدوين الهدف منه التعتيم على من طالب الرسول بالالتفاف حولهم أو الذين حذر منهم وعلى أي حال فكما ذكرنا من قبل أن معلومات كثيرة فقدت عن هذه الفترة. ولا ندري السبب الحقيقي لأمر عمر بن الخطاب بعدم الرواية. ولكن من المؤكد أن حركة الوضع ترعرعت في هذا السكون وحمل شجرتها كعب الأحبار. وكعب كان من أكبر أحبار اليهود. أسلم في عهد عمر وسكن المدينة في خلافته. ثم تحول إلى الشام في عهد عثمان. فاستصغاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه!! ويقول الشيخ رشيد رضا: أن كعب كان من زنادقة اليهود. الذين أظهروا الإسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين. وقد راجت دسائسه. وانخدع به بعض الصحابة ورووا عنه وتناقلوا أقواله (٣٨) وقال ابن كثير في تفسيره: لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه. فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين وذكر أن كعبا كان متخصص في بث

(٣٧) الطبري ٩٠ / ٥.

(٣٨) المنار: (٥٤١ - ٧٨٣ / ٢٧.

٤٤٨
الخرافات في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم والفتن والساعة والآخرة.

وهذه الأمور قادرة على خلق أرضية ثقافية واسعة تخدم مخطط كعب الأحبار. وإذا كنا لا نعرف على وجه اليقين ماذا كان يريد كعبا من بث هذه الثقافة. إلا أننا يمكننا بملاحظة الساحة أن نتبين ذلك. فروايات كعب كانت في مجملها قريبة من القصص. فهو يقص ولا يحدث. وفي الوقت الذي كان فيه عصر عمر شبه خاليا من رواية الحديث كان هناك قصاص يقصون في المساجد (٣٩) وآخرون يقصون في مقدمة الجيوش الفاتحة (٤٠) ومن المعروف أن القصص نشأ في عهد عمر.

فكعب جاء بسلعة. الساحة في حاجة إليها. وظل كعب يمد الساحة بإنتاجه حتى غمرها. وبعد عهد عمر توسع كعب في عهد عثمان ومن عنده تحول إلى الشام ليكون مستشارا لمعاوية. الذي اتسع القص في أيامه. فكانت هناك طائفة تعرف بالقصاص تفسر القرآن الكريم. وتخرج تفسيرها بقصص كثيرة تستمدها من موروثات أهل الكتب السماوية. وكانوا يستغلون ميل الناس إلى الأخبار العجيبة فيزيدون في قصصهم (٤١) وكان للأمويين في كل بلد قاص يقص على الناس في المسجد الجامع ويدعو إلى طاعتهم (٤٢) وقد أمر معاوية أن يكون القصر مرتين في اليوم مرة بعد صلاة الصبح ومرة بعد صلاة المغرب وعين للقصاص مرتبات خاصة (٤٣).

وكما فتح عدم رواية الحديث باب القص في المساجد. وترتب على ذلك جريان دماء أهل الكتاب في هذه القصص. كذلك ترتب على عدم رواية الحديث وعلى عدم أخذ علوم القرآن من أهله اتساع دائرة الرأي. يقول الشيخ محمد عبده: (" كان الصحابة إذا رأوا المصلحة في شئ يحكمون به وإن خالف السنة المتبعة لا (٤٤) ويقول الدكتور عبد الحميد متولي: وكان عمر بن الخطاب من أبرز

(٣٩) طبقات ابن سعد: ٥ / ٣٤١.

(٤٠) أسد الغابة: ٥ / ٣٤١.

(٤١) الفن ومذاهبه في النثر العربي د. شوقي ضيف: ص ٦٦.

(٤٢) خطط المقريزي: ٢ / ٢٥٣ عن المصدر السابق.

(٤٣) الولاة والقضاة / للكندي: ٣٠٤.

(٤٤) علم أصول الفقه / الشيخ خلاف: ٣٠١، المنار / رشيد رضا ٢١٠ / ٤.

٤٤٩
شخصيات الصحابة في هذا الباب. فهو لم يقتصر فحسب على الاجتهاد. حيث لا نص من كتاب أو سنة. وإنما ذهب إلى مدى أبعد من ذلك. إذ كان يعمد إلى الاجتهاد. أو بعبارة أخرى: (" استعمال الرأي) ليبحث عن وجه العدالة أو المصلحة حتى رغم وجود نص من الكتاب أو السنة. فكان لذلك لا يفسر النص طبقا لحرفيته. وإنما يفسره طبقا لحكمته. أي طبقا لباطنه ولو أدى هذا التفسير إلى عدم تطبيق النص (٤٥) وقد اتسع مفهوم الرأي وذهب في كل واد بعد عصر عمر. وعندما ظهرت المذاهب والأحزاب. كان كل فريق ينظر إلى النصوص بعين مذهبهم (أي أنهم كانوا لا يرجعون إلى نص القرآن أو الحديث. إلا ليلتمسوا فيه ما يؤيد مذهب إمامهم. ولو أدى ذلك إلى سلوك التعسف في التفسير. ومما يذكر عن أحد علماء الحنفية وهو عبد الله الكرخي المتوفى ٣٤٠ ه‍ أنه قال: (" كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا - يقصد أتباع المذهب - فهو مؤول أو منسوخ) " (٤٦) واتسعت الدائرة بعد ذلك فيقول الدكتور عبد الحميد متولي: إنه مما لا ريب فيه أن الرسول الذي خاطبه الله في كتابه الكريم بقوله:

(وإنك لعلى خلق عظيم) هو خير قدوة للبشرية. ولكن هذا لا يعني أن المسلمين في كل زمان ومكان ملزمون شرعا أو قانونا بالسير على نهجه واتباعه في جميع ما صدر منه من أقوال وأفعال. حقا لقد قال الله: (! لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولكن الأسوة أو القدوة كما يقول الإمام ابن حزم مستحبة وليست واجبة. ولو كانت الأسوة أو القدوة واجبة لكان النص: (" لقد كان عليكم) " (٤٧)! وهكذا نشأ الرأي في عصر ما قبل التدوين واستمر بعد التدوين واستقر في أغلب الدول الإسلامية تحت لافتة تقول: (" الإسلام دين الدولة لا مع العلم أن هذا الشعار لا يترتب عليه إلزام الدولة بتطبيق الشريعة. وكما قال البعض. ما هو إلا بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدينية التي تدين بها الأغلبية أو بمثابة كفارة تقدمها الدولة لعدم التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية في تشريعاتها.

(٤٥) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د عبد الحميد متولي: ص ١٤٨.

(٤٦) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د. عبد الحميد متولي: ص ٣٦.

(٤٧) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د. عبد الحميد متولي: ص ٥٦.

٤٥٠
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٤٥١ - ص ٤٧٠)
٤٥١
هكذا بدأت الموجة على أيدي الأمويين الأوائل. أمير يصلي سكران.

وكان هذا الفعل من المقدمات التي مهدت للثورة على عثمان. ومعنى أن الأمير يتكاتف مع صديقه النصراني في حزمة واحدة. أن ثقافة اللهو قد بلغت مبلغها.

وإذا كان الناس قد شهدوا في أيام عثمان أميرهم يشرب خمرا ويستمع إلى المغنيات. فإنهم في نهايات العصر الأموي شهدوا خليفة لهم يشرب الخمر ويتغنى بها ويستمع إلى المغنيات. ويبعث في طلبهن من أقصى الأقاليم الإسلامية. بل يزيد على ذلك إستهانة بالدين واستهتارا به. وتحللا من القيم الأخلاقية وإفراطا في المجون والتهتك والخلاعة. وهو الوليد بن يزيد. الني يصفه صاحب مروج الذهب. بأنه (صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء وهو أول من حمل المغنين من البلدان إليه. وجالس الملهين وأظهر الشرب والملاهي والعزف. وغلبت عليه شهوة الغناء في أيامه على الخاص والعام) (٥٣) ويقول الدكتور يوسف خليفة: ومعنى هذا أننا أمام ظاهرة اجتماعية شديدة الخطر. لم يسبق للمجتمع الإسلامي أن شهد مثلها. فلأول مرة في تاريخ هذا المجتمع. نجد أنفسنا أمام خليفة ماجن متهتك خليع. نسي أنه (أمير المؤمنين)! وأنه (إمام المسلمين!) فاندفع في حياة لاهية مستهترة حتى أطلق عليه لقب (مروان الخليع) والناس على دين ملوكهم. وفعلا اندفع كثير من الناس يقلدون خليفتهم. دون أن يجدوا في ذلك حرجا عليهم أو يخشوا تنفيذ الحدود فيهم. وإذا كان الوليد بن عقبة قد نفذ فيه الحد أيام عثمان عندما ثار الناس. فإن الخليفة الوليد بن يزيد. لم يجد أحدا ينفذه فيه. لأنه هو نفسه صاحب الحق الشرعي في تنفيذ الحدود. ولم يكن من المعقول. أن ينفذ الحد في نفسه. ولم يكن من المعقول أيضا أن ينفذه في غيره (٥٤) ولكنه على أي حال فقه الرأي.، وهكذا بدأت الحلقة بأمير وانتهت بخليفة. وإذا كان الشعراء قد بدأوا عالم اللهو على استحياء في عالم القص والوضع والرأي. فإن حركتهم بعد ذلك ١ / ٣٣٣ - ٣٣٦، الطبري: ١ / ٥ / ٢٨٤٣، العقد الفريد: ٣٤٨١٦.

(٥٣) مروج الذهب ٢ / ١٤٦، ١٤٩، الطبري: ٢ / ٣ / ١٧٤٠ وما بعدها، (١٨١، ١٨١٢، الأغاني: ٧ / ١ - ٨٣.

(٥٤) حياة الشعر في الكوفة ٢٠٥.

٤٥٢
كانت من أجل وضع ثقافة على مثلها يأتي خليفة قبل الوليد بن يزيد. ولقد روي أن العديد من الشعراء والقصاصين كانوا على علاقة وطيدة بأديرة النصارى.

وعلى أكتاف هؤلاء ظهر شعر المجون الذي زرع ثقافة ظلت تعبر من جيل إلى جيل وتعمل من أجل تكاتف دائرة الرجس مع دائرة النجس.

يقول الدكتور يوسف خليفة. كان ظهور الوليد بن عقبة وصاحبه النصراني في هذا الوقت المبكر. بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. إرهاصا لموجة اللهو التي كانت في طريقها إلى ديار المسلمين لتغمرها شيئا فشيئا. ولعل أهم شاعر أخذت تغمره هذه الموجة المبكرة هو (الأقيشر الأسدي) وهو أحد المعمرين يرجح صاحب الأغاني أنه ولد في الجاهلية. وقد طال به العمر حتى أدرك خلافة عبد الملك بن مروان ومات فيها (٥٥).

وإذا كان الحديث عن الخمر قد ظهر على استحياء في شعر الوليد بن عقبة حيث قال وهو في طريقه إلى عثمان:

لا تحسبنا فد نسينا الايجاف ** والنشوات من عتيق أوصاف
وعزف قينات علينا عزاف

وهو بذلك يحصر المتعة في ألوان ثلاث هي. الرحلة والشراب والسماع. فإذا كان ذكر الخمر قد ظهر هنا على استحياء فإن (الأقيشر) لم يتورع عن التصريح بشربها في خلاعة واستهتار غير مألوفين في هذا الوقت المبكر من حياة المجتمع الإسلامي. والظاهرة التي تلفت النظر في خمريات (الأقيشر) هي استهتاره بالإسلام واستخفافه، بشعائره (٥٦) أما لماذا اختار هذا الشاعر الإسلام هدفا ليرشق فيه نباله. فإن هذا يرجع إلى الدائرة التي كان يعيش فيها. فالأقيشر كان يتخير ندماءه من أبناء البطارقة النصارى (٥٧) وفي شعره قال:

لا أشربن أبدا راحا مسارقة ** إلا مع الغر أبناء البطاريق

(٥٥) الأغاني ١١ / ٢٥١، ٢٥٧، ٢٥٨.

(٥٦) حياة الشعر ٥٩٦.

(٥٧) الأغاني: ١١ / ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٧، ٢٥٩، ٥٦٠، ٢٦٣.

٤٥٣
والأقيشر هو الذي وضع مبادئ الزندقة في شعره. وأعلن أنه يشرب الخمر على المنبر. ويقف على الناس خطيبا. لا ليبصرهم بشؤون دينهم. ولا ليحثهم على مكارم الأخلاق. وإنما ليقلب لهم الأوضاع الدينية والأخلاقية والاجتماعية (٥٨). وإذا كان الأقيشر قد اكتفى بإلقاء الشعر وتربية أجيال عليه.

فإن (حنين الحيري) وكان معاصرا للأقيشر. قد قام بتوسيع، هذه الدائرة.

وخاصة إنه كان يجمع بين الشعر والغناء. وحنين الحيري كان يتخير لشعره الأوزان الخفيفة القصيرة والسريعة الانتشار. وكان يتجنب الأوزان الطويلة الضخمة ليكون شعره صالحا للتحين والغناء. وهذا الاتجاه الموسيقي ازداد اتجاه الشعراء خلفه. وبخاصة شعراء اللهو. حتى أصبح بدعا فنيا بينهم. وسمة من السمات المميزة لفنهم (٥٩) وحنين في عالم بني أمية صاغ منهجه بوضوح يقول الدكتور يوسف خليفة: عندما بدأ في نشر رسالته اللاهية التي زينها للناس. بدأ وكأنه يقول لهم: هذه هي حياتي فهل تحبون أمثالها. إنه نداء غير مباشر إلى حياة تقوم على المتعة المتحررة. وما من شك في أن هذا النداء وأمثاله كان يؤثر في نفوس الكثير من الشباب. ويخلب ألبابهم ويلفت أنظارهم إلى أن الحياة تشيع فيها البهجة والمتعة. وتسيل الخمر بين أيدي الندامى في ظلال الطبيعة. وفعلا استجاب كثير من الشباب إلى هذا النداء الساحر. الذي يوقعه مغنيهم على قيثارته. ومضوا يغرقون همومهم في هذه الحياة الصاخبة المعربدة. لعل رنين كؤوسها وصخب سكارها ينسيهم أنين الجرحى وعويل الثكالى - في العهد الأموي - ومضى التيار في ترفعه ورياح المجتمع الجديد تدفعه. والناس من حوله يغرقون أنفسهم وفنهم فيه (٦٠).

لم يكن هذا يحدث في بقعة واحدة من خيمة بني أمية. إنما كان يحدث في بقاع شتى. يقول صاحب حياة الشعر: فالأديرة كانت مقصدا لطلاب الخمر من المسلمين. ويتاح لهم فيها حظ كبير من الحرية والشراب واللهو مع من

(٥٨) حياة الشعر: ٥٩٧ الشعر في الأغاني: ١١ / ٢٦٨، ٢٦٩.

(٥٩) حياة الشعر: ٥٩٩.

(٦٠) حياة الشعر: ٥٩٨. ()

٤٥٤
يقومون على حاناتها من فتيان الرهبان ونساء القساوسة وبناتهم. وخاصة في أيام الآحاد والأعياد حيث تتوافد مواكب النصارى في أبهى زينة وأجمل زي. وقد وصف الشعراء هذه الأديرة وما يحيط بها من مظاهر الطبيعة. ووصفوا مجالس الشراب في حاناتها. ودور الضيافة بها. وتغزلوا في راهباتها الجميلات وفي أولئك الفتيان والفتيات. الذين كانوا يقدمون عليها ويقدمون الخمر لروادها.

ووصفوا مواكب النصارى في طريقهم إليها. وما كان يجري فيها من ألوان العبث (٦١). ولما كانت الأديرة تشرف على الثقافة الجديدة التي تجعل من الإسلام إسما ومن القرآن رسما بل لينتهي الأمر معها في عصر من العصور أن يخجل المسلم من الانتساب إلى الإسلام. كان لا بد لتجار المتع أن يطفحوا بألسنتهم كل ما عندهم في هذا الوقت المبكر. ولهذا فتحت الأديرة أبوابها للقصاصين والشعراء. يقول صاحب حياة الشعر. كان من بين هؤلاء الشعراء جماعة يلازمون هذه الأديرة وكثر شعرهم فيها. ولعل أشهرهم شاعران: الثرواني وبكر بن خارجة. ويذكر الرواة أن الثرواني كان له صديقا من رهبان دير الحريق بالحيرة. يوفر له جميع ألوان العبث ليفرغ الثرواني ما في جوفه من الشعر الذي يشيع فيه الجو النصراني. وقد بالغ الثرواني ووصل التطرف في شعره إلى درجة الرغبة في مشاركة النصارى أعيادهم وصلواتهم وعقائدهم بل إلى الدعوة إليها.

ولا يبالي أن يفتضح أمره بين المسلمين. بل إنه يدعو إلى تعظيم أحبار النصارى ورهبانهم وصلبانهم التي يبدي إعجابه بها. وينادي بأن يكون مستقره في داخل البيع مع الرهبان والقساوسة. ثم يعلنها جريئة متطرفة: أنه لا يقول هذا عبثا.

وإنما هوجاء فيه. أنه ليس كأولئك الخلفاء المنافقين الذين يصطنعون الخلاعة اصطناعا لينالوا من ورائها الشهرة. وهو يريد أن يكون أصحاب الخلاعة على حظ من الشجاعة المعنوية. فإما أن يؤمنوا في نفوسهم بما يفعلونه. وإما أن يتركوا سبيل العبث والخلاعة. ويلزموا سبيل التقوى والصلاح. فيحافظوا على الصلوات وشهود الجمعة وملازمة المساجد. أما هذا النفاق الديني فشئ لا يحبه ولا يرضاه لا لنفسه ولا لهم. ومن شعره في هذا:

عظم الأحبار والرهـ ** ـبان والصلب الملاحا

(٦١) حياة الشعر: ٦٣٣.
٤٥٥
واجعل البيعة والقصد ** سر جميعا مستراحا
لا كمن يمزح بالشهـ ** ـرة والخلع مزاحا
أو دع الشهرة والزم ** كل من يهوى الصلاحا
والزم الجمعة والبكـ ** ـرة فيها والرواحا (٦٢)

وانطلق هذا الشاعر وأمثاله في الكوفة والبصرة والحيرة والشام وغير ذلك من البلاد يدعون في أشعارهم إلى شرب الخمر في جو نصراني خالص. عندما تقرع النواقيس في الأديرة. وعندما يأخذ القساوسة والشمامسة في تراتيلهم الدينية على أنغام (الأرغن) الناعمة الحالمة (٦٣) وكثرت جماعات المجون وعصابات السوء. ودوت معزوفات ضخمة. اشترك فيها مجموعات هائلة من العزاف.

وعلى الجسر الذي يصل الشاطئين الأموي والعباسي. أخذت جماعات من المجان والخلعاء تمر فوقه. مخلفة وراءها الفضيلة التي صرعت على مذابح اللهو والمجون والخلاعة. لتستقبل على الشاطئ الآخر الرذيلة وقد تجردت من ثيابها جميعا. وبسطت ذراعيها إلى أقصاهما. لتضم إلى أحضانها هؤلاء الوافدين من طلابها. وتبلغ الغواية مداها. ويتساقط الشباب تساقط الفراش المتهافت على النار. وكلما اشتدت ظلمة الهاوية زاد عدد المتخبطين فيها. وفي أعماقها السحيقة مضت جماعات من الشعراء تضرب على غير هدى. وقد ألف اللهو بينهم. وربط المجون بين أسبابهم. كلهم فاسق. وكلهم خليع. وكلهم سكير.. وهذه المدرسة اللاهية. هي التي أرست قواعد غزل النساء وغزل الغلمان. وكلا اللونين لم يكونا تعبيرا عن عاطفة روحية. وإنما كان تعبيرا عن لذة حسية. فالغزل في هذه المدرسة. لم يكن حديث العاطفة وإنما كان حديث الغريزة. ولم يكن نجوى الروح وإنما كان نداء الجسد. وعلى بناء هذه المدرسة كثرت طائفة الجواري والمغنيات في المجتمع الإسلامي. وعلى أكتاف هذه المدرسة انتشرت الزندقة ودقت أوتادها. وراج شعر الأديرة (٦٤).

(٦٢) حياة الشعر: ٦٣٣ - ٦٣٤.

(٦٣) حياة الشعر: ٦٣٣.

(٦٤) حياة الشعر: ٥ ٠ ٦ - ٦ ٠ ٦.

٤٥٦
والخلاصة: مهدت كل دائرة للأخرى في عالم القص والشعر. فالدائرة التي فيها أمير مهدت للدائرة التي فيها أمير للمؤمنين (!) ومن دائرة أمير المؤمنين كانت أعلام الضياع. وهكذا أمير عينه على الشام وآخر عينه على مصر وأمير عينه على كأس. وينتهي الأمر بكارثة. هيمن فيها على الساحة خلف يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. القرآن في واد وهم في واد آخر. وتسير الجموع في طريق اللاهدف. دليلها أمير يريد كرسي وبيده شعارا إسلاميا ضاع منه الشعور. وإذا كانت هناك إضافة لهذا الضياع الذي بدأ هادئا وانتهى - بكارثة. فإننا نضيف شيئا مهما آخر قد ضاع بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في عهد بني أمية. وهذا الشئ هو الصلاة.

فلقد روى البخاري عن الزهري أنه قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة. وهذه الصلاة قد ضيعت (٦٥) إن أنس لا يعرف حوله أي مظهر من المظاهر التي كانت على حياة رسول الله. إلا الصلاة. وهذه الصلاة قد ضيعت. وما ضاعت الصلاة في نهاية الطريق إلا عندما ضاع الحكم في أول الطريق وهذا هو الدليل. أخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله (ص) قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة. فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة)(٦٦).

ثانيا: العواصف:

١ - قتل عثمان:

في عهد عثمان بحث ولاة البيت الأموي عن الذهب والمتعة في كل مكان.

وفي نهاية عهد عثمان تعرضت الدولة لانتفاضتين سببهما واحد. ظلم الولاة.

الانتفاضة الأولى: مرت بهدوء ولكنها ألقت بظلالها على الثانية.

(٦٥) البخاري: ١٣ / ١.

(٦٦) الخصائص الكبرى / السيوطي: ٢٦٥ / ٢.

٤٥٧
والإنتفاضة الثانية: كانت عاصفة في عالم من السكون فعثمان كان محاصرا. على الرغم من وجود أكثر الصحابة في المدينة. وليس معنى هذا أن سكان المدينة كانوا من الضعف بحيث لا يستطيعون التصدي لحفنة قطعت طريقا طويلا من مصر إلى المدينة. وضمت إيها حفنة أخرى من هنا أو هناك. ولكن السكون كان له ما يبرره.

أولا. لم يكن في السياسة ما يشجع للدفاع عنها. وهذه السياسة قام بتعريتها أبو ذر الغفاري حين فضح معاوية في الشام وعندما رده معاوية إلى عثمان قام الأخير بنفيه إلى الربذة. وهذا الحدث ثابت في كتب التواريخ والسير وغيرها.

ثانيا: إن السيدة عائشة أدلت بدلوها في الأحداث وأصدرت فتوى مبكرة في قتل عثمان وقالت: (اقتلوا نعثلا فقد كفر).

ثالثا. كان هناك من الولاة من يهمه انقلاب الأوضاع طمعا في التهام قطعة من أرض الأمة. فعمرو بن العاص على سبيل المثال يذكر. ابن سعد بأسانيده. أن عثمان لما عزله عن مصر قدم إلى المدينة فجعل يطعن على عثمان فبلغ عثمان.

فزجره فخرج إلى أرض فلسطين فأقام بها (٦٧): فهذه العوامل. أي السياسة الخطأ وشحن ابن العاص لأهل المدينة. وفتوى السيدة عائشة كل هذه عوامل تبرر هذا السكون الذي يرفع راية السلبية وأكبر رأس في الدولة محاصر، ويضاف إلى هذا معاوية. لقد روي أنه كان بالمدينة في أوائل الأحداث وعلم أن هناك خطورة على عثمان ومع ذلك لم نرى على امتداد الأحداث أن معاوية جاء بجيش جرار للدفاع عن رأس الأمويين. حتى أمراء الأجناد في المدينة وما حولها لم تر لجيادهم غبار. فإن دل هذا على شئ فإنما يدل على اتفاق يقضي بالتضحية بثمرة لامتلاك بستان فيه كثير من الثمر. فالأمراء من بني أمية والذهب في أيديهم وسحق القوى المعارضة مضمون. وعن مثل هذه الأنماط البشرية يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. " كان في بني إسرائيل جدي في غنم كثيرة ترضعه أمه. فانفلت فرضع الغنم كلها. ثم لم يشبع. فبلغ ذلك نبيهم. فقال: إن هذا

(٦٧) الإصابة: ٦١ / ٦.
٤٥٨
مثل قوم يأتون بعدكم. يعطى الرجل منهم ما يكفي القبيلة أو الأمة ثم لا يشبع " (٦٨). ومعاوية قال فيه رسول الله (لا أشبع الله له بطنا) وهذا ثابت في كتب الحديث.

إن عدم حركة بني أمية أثناء الحصار وعدم محاكمة قتلة عثمان بعد أن تولى معاوية خلافة المسلمين التي تاجر على أول أعتابها بقميص عثمان. هي من معالم الفئة الباغية التي لا ينكرها أحد. لقد كان السكون يدب في أرجاء المدينة. ولم يكن في بيت عثمان للدفاع عنه سوى قلة من الرجال من بينهم الحسن والحسين. جاؤوا لعلمهم بما سيحدث وفقا لأخبار الرسول بما سيجري بعده. ففي الحديث عن يزيد ابن مريم عن أبيه قال. (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم حدثنا ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة " (٦٩) وعن حذيفة قال:

" قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فلم يدع شيئا إلا ذكره إلى أن تقوم الساعة. عقله من عقله ونسيه من نسيه) فالحسنين كانت دائرة الذهن عندهم تراقب الأحداث. فجاؤوا ليقيموا الحجة بأنهم ليسوا طرفا في طبخ الفتنة. ولأن الفتنة واقعة لا محالة لأنها ثمرة لطريق طويل. وقف الحسن والحسين في مربع المقتول وليس القاتل. والوقوف في مربع المقتول ليس شهادة للمقتول. وإنما لأن مربع القاتل في دائرته أصابع خفية ستحكم وعندما تحكم ستذيق أمة محمد الذل ألوانا. وعن علي بن أبي طالب أنه قال عن صناع الفتن: (ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة " (٧٠) فحركت الأحداث عند أمير المؤمنين وأولاده معروفة لأن الرسول أخبر بأسماء رؤوس الهدم على امتداد التاريخ فعن حذيفة أنه قال: " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا.

والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا. إلا وقد سماه لنا. باسمه وسم أبيه واسم قبيلته " (٧١). فحركة الإمام علي والحسنين حركة على بصيرة بالأحداث. لذا وقفوا في مربع المقتول ليقيموا

(٦٨) رواه الطبراني (كنز العمال: ٣٦٨ / ٣).

(٦٩) رواه البغوي وابن عساكر (كنز العمال: ٤٢٦ / ١٢).

(٧٠) رواه الحاكم وأقره الذهبي (كنز ٤٧٢ / ٤).

(٧١) رواه أبو داوود: حديث رقم ٤٢٢٢.

٤٥٩
الحجة على كل من سيتاجر بدماء المقتول لأمر في نفسه. وقفوا ليقولوا أن أيديهم نظيفة ولا إجبار في دين الله.

وبقراءة سريعة لأحداث الانتفاضة الأولى التي مهدت للثانية. نجد سببها الوليد بن عقبة والي عثمان على الكوفة. ولقد ذكرنا من قبل قصته مع النصارى والشعر والخمر. والوليد عندما خرجت رائحته. ذهب وفد من الكوفة إلى عثمان ليشكون إليه الوليد. وتقدم منهم رجلان إلى عثمان وقالا كما ورد في الأغاني:

إنا جئناك في أمر ونحن مخرجوه إليك من أعناقنا. وقد قلنا أنك لا تقبله. قال:

وما هو؟ قالا: رأينا الوليد وهو سكران من خمر شربها. وهذا خاتمه أخذناه وهو لا يعقل وفي رواية المسعودي: وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه. فرزأهما ودفع في صدورهما وقال: تنحيا عني. وفي رواية البلاذري: وقد يقال: إن عثمان ضرب بعض الشهود أسواطا. فأتوا عليا فشكوا إليه. فأتى عثمان وقال. عطلت الحدود وضربت قوما شهود على أخيك فقلبت الحكم. وأخرج البلاذري: فأتى الشهود عائشة. فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان. وأن عثمان زبرهم. فنادت عائشة: إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.

وأخرج صاحب الأغاني. أن عثمان قال -: أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة. فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقالت: تركت سنة رسول الله صاحب هذا النعل. فتسامع الناس فجاؤوا حتى ملأوا المسجد فمن قائل. أحسنت. ومن قائل: ما للنساء ولهذا؟

حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال. وأخرج البلاذري. وكان ذلك أول قتال بين المسلمين بعد النبي. ومرت هذه الانتفاضة بسلام بعد أن أقيم الحد على الوليد بن عقبة. فأما الانتفاضة الثانية فكان سببها أخو عثمان أيضا ولكن من الرضاعة. عبد الله بن أبي السرح وكان النبي قد أهدر دمه يوم الفتح ولكنه اختبأ عند عثمان والقصة ذكرناها من قبل. ومن أسبابها أيضا مروان وهو ابن عم عثمان ومروان طرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباه ولعنه وذكرنا هذا من قبل.

والخلاصة يقول فيها صاحب الإصابة: كان سبب قتل عثمان. أن أمراء الأمصار. كانوا من أقاربه. كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص وبمصر عبد الله بن أبي السرح وبخراسان عبد الله بن عامر. وكان من حج من

٤٦٠