×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

الناس يشكو من أميره. وكان عثمان يستبدل بعض الأمراء ليرضي الناس. ثم يعيدهم بعد ذلك إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي السرح. فعزله.

وكتب لهم كتابا بتولية محمد بن أبي بكر. فرضوا بذلك. فلما كانوا في أثناء الطريق. رأوا راكبا على راحلة. فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي السرح. ومعاقبة جماعة من أعيانهم. فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به. فحلف أنه ما كتب. فقالوا سلمنا كاتبك. فخشي عليه من القتل. وكان كاتبه مروان بن الحكم وهو ابن عمه. فغضبوا. وحاصروه في داره (٧٢).

وروى ابن أعثم (٧٣). أن أم المؤمنين عائشة لما رأت اتفاق الناس على قتل عثمان قالت له: أي عثمان خصصت بيت مال المسلمين، لنفسك. وأطلقت أيدي بني أمية على أموال المسلمين. ووليتهم البلاد وتركت أمة محمد في ضيق وعسر. قطع الله عنك بركات السماء وحرمك خيرات الأرض. ولولا أنك تصلي الخمس لنحروك كما تنحر الإبل. فقرأ عليها عثمان:! ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " (٧٤) وبعد. أن فرغ عثمان كانت الفتوى. أخرج الطبري وابن أعثم وابن الأثير وغيرهم. أن أم المؤمنين قالت: (اقتلوا نعثلا فقد كفر) (٧٥) وانتشرت الكلمة على الأفواه. وخرجت السيدة عائشة قاصدة مكة. ولم ينام بنو أمية على أعتاب دار عثمان. ولم يبدو في الأفق غبار سرية من سرايا أمراء بني أمية الذين فتحوا البلدان ومصروا الأمصار.

تبشر بفك الحصار المضروب على أكبر رأس في الدولة.

والخلاصة: قتل عثمان!

٢ - أضواء على يوم الجمل:

بعد دفن عثمان. تهافت الصحابة الكبار على علي بن أبي طالب. يطلبون

(٧٢) الإصابة: ٤ / ٢٢٣ - ٢٢٤.

(٧٣) تاريخ ابن أعثم: ١٥٥.

(٧٤) سورة التحريم، الآية: ١٠.

(٧٥) الطبري: ٤٧٧ / ٤، ابن الأثير: ٨٧ / ٣، ابن أعثم: ١١٥.

٤٦١
يده للبيعة. كان قد مضى على وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ربع قرن تقريبا. وخلال هذه المدة لم ترو الأحاديث لتعريف المسلمين بفضائل أهل البيت. ونتيجة لهذا فإن مساحة عريضة من شباب المسلمين حينئذ لم يكن لديهم أدنى معرفة بعلي بن أبي طالب عليه السلام. ويبدو هذا بوضوح في تخاذل قواته فيما بعد في تنفيذ أوامره. فالشباب نشأ في عصر الفتوحات حيث المال والتنافس والجور. ولقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الثقافة في قوله.

" لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع. فكلما طلع من الجور شئ ذهب من العدل مثله حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل فكلما جاء من العدل شئ. ذهب من الجور مثله حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره " (٧٦) باختصار كان أمير المؤمنين يقف في دائرة مملوءة بالغرباء.

وكان من أقواله في هذه الدائرة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم. " طلب الحق غربة " (٧٧) لقد كان عليه أن يواجه الرؤوس ولكن القاعدة التي سيستند عليها في معظم الأحوال لم يسهر عليها ولم يربيها بنفسه. وأمام هذه الحقيقة عندما طالب الصحابة بمبايعته تردد في أول الأمر. ليس خوفا من الموقف. وإنما لعلمه أن تقدمه سيفتح بابا إلى الجنة وبابا إلى النار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سئل: من يحمل رايتك يوم القيامة يا رسول الله؟ قال. " من يحسن من يحملها إلا من حملها في الدنيا علي بن أبي طالب) (٧٨) لقد كان أمير المؤمنين يجد الطريق طويل وعليه يسقط الكثير وهذا ما كان يحزنه. لكنهم عندما أصروا على مبايعته قبلها ومما ذكره الطبري: فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام. ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك. لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله. فقال. لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا. فقالوا لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإن لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضى المسلمين. وروي بسند آخر: (فجاء فصعد المنبر. فاجتمع الناس إليه.

(٧٦) رواه أحمد (الزوائد: ١٩٦ / ٥).

(٧٧) رواه ابن عساكر عن علي (كنز العمال: ٢٣٩ / ١).

(٧٨) رواه الطبراني (كنز العمال: ١٣٦ / ١٢).

٤٦٢
فقال: إني قد كنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم. ألا وإنه ليس لي أمر دونكم. ألا إن مفاتيح مالكم معي. ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم.

رضيتم؟ قالوا: نعم. قال: اللهم إشهد عليهم ثم بايعهم على ذلك (٧٩).

وروي أن طلحة والزبير كانا ضمن الذين بايعوا الإمام - على مشهد من الناس - وحينما هم أمير المؤمنين لمباشرة أعماله التي بدأها بتغيير الولاة. جرت الأحداث لتعميق كل هذا. فلقد خرجت عليه السيدة عائشة وانضم إليها طلحة والزبير بعد أن نكثا ببيعتهما ومما رواه الطبري: أن عائشة سألت عن الأحداث وهي في طريقها إلى المدينة عبد الله بن أم كلاب. فقال: قتلوا عثمان فمكثوا ثمانية. قالت. ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالإجماع. إجتمعوا على علي بن أبي طالب. فقالت: ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل عثمان مظلوما. والله لأطلبن بدمه. فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟

فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت. ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر.

قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه. ولد لملت وقالوا. وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها:

فمنك البداء ومنك الغبر * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا أنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر

فانصرفت إلى مكة. فنزلت على باب المسجد. فقصدت الحجر فتسترت. واجتمع إليها الناس. فقالت: " يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوما.

والله لأنملة من عثمان خير من علي الدهر كله " (٨٠) وعلى أثر هذا بدأت الحركة.

وهذه الحركة كانت الحجة قد أقيمت عليها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل. فقد روي أن الناس ذهبوا إلى حذيفة وقالوا: إن عثمان قد قتل فما تأمرنا؟

قال: آمركم أن تلزموا عمارا. قالوا: إن عمارا لا يفارق علي. قال: إن الحسد هو أهلك الجسد. وإنما ينفركم من عمار قربه من علي. فوالله لعلي أفضل من

(٧٩) الطبري: ٥ / ١٥٢.

(٨٥) الطبري ١٧٢ / ٥، البلاذري:. ٩١ / ٥.

٤٦٣
عمار. أبعد ما بين التراب والسحاب. وإن عمار لمن الأحباب. وهو يعلم أنهم إن لزموا عمارا كانوا مع علي (٨١). وأخرج البزار بسند جيد عن يزيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة. فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها فإنها على الحق (٨٢). لقد كان هذا التوجيه حجة على حركة التاريخ في هذا الوقت. فالذي فتك به الحسد عليه بعمار ليسير مع علي. وفضل عمار تفيض به كتب الصحاح والمسانيد. ومن لا حسد عنده ولا يريد الخلافة لأحد من قبيلته. فعليه مباشرة بعلي. ليرى تحت رايته العديد من الصحاح عملا بتوصية النبي فقد قال. إنها ستكون فتنة؟ قالوا: فما نصنع يا رسول الله؟ قال:

ترجعون إلى أمركم الأول (٨٣) والأمر الأول يقف علي بن أبي طالب في قلب دائرته. ويواصل النبي إقامة الحجة على حركة الأحداث فعن معاذة الغفارية قالت. كنت أخرج مع رسول الله في الأسفار أقوم على المرضى وأداوي الجرحى. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت عائشة وعلي خارج من عندها. فسمعته يقول لعائشة: إن هذا أحب الرجال إلي وأكرمهم علي.

فاعرفي لي حقه واكرمي مثواه (٨٤) وعن رافع مولى عائشة قال. كنت غلاما أخدمها إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإنه قال: عادي الله من عادى عليا (٨٥) وعن ابن عباس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: ليت شعري. أيتكن صاحبة الجمل الأديب (أي الكثير الشعر) تخرج فتنبحها كلاب الحوأب. يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير (٨٦). وأحاديث نباح كلاب الحوأب أخرجها أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم والبيهقي وأبو نعيم. من هذا كله نعلم أن الحركة كلها تحت مظلة الحجة. فالدين دين الله وحركته حركة

(٨١) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقاة (الزوائد: ٢٤٣ / ٧).

(٨٢) فتح الباري: ٨٥ / ١٣ وقال الهيثمي رجاله ثقاة (الزوائد: ٢٣٦ / ٧).

(٨٣) رواه الطبراني (كنز العمال: ١٤٩ / ١١).

(٨٤) الإصابة: ١٨٣ / ٨.

(٨٥) الإصابة وقال ابن حجر رواه ابن منده وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: ٢ / ١٩١.

(٨٦) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد: ٢٣٤ / ٣).

٤٦٤
مضبوطة لا تسمح لأي إنسان أن يضيف إليها إضافة. لأن الإضافة هوى. والهوى إذا لبس رداء الدين أفسد الدين. وبدأت الأحداث التي أقيمت عليها الحجة من قبل. وبدأ الزحف قال ابن عباس: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخصف نعله. فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ قلت: لا قيمة لها. فقال. والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. ثم خرج فخطب في الناس فكان مما قال:... فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه. ما لي ولقريش. والله لقد قاتلتهم كافرين. ولأقاتلنهم مفتونين. وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم (٨٧) وتقدم علي عليه السلام للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء (٨٨) وتقدمت السيدة عائشة ومعها طلحة والزبير. وأخرج أحمد وأبو يعلى والبزار. لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر.

نبحت عليها الكلاب. فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب (٨٩). قالت. ما أظنني إلا راجعه فقال الزبير: لا. تقدمي فيراك الناس ويصلح الله ذات بينهم.

قالت: أظنني إلا راجعة. سمعت رسول الله يقول: كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب (٩٠) وذكر المسعودي أن الزبير قال لها: بالله ما هذا الحوأب! ولقد غلط فيه من أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها. فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب. وشهد معها خمسون رجلا ممن كان معهم. فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام (٩١).

وتقدمت عائشة تاركة وراءها نصيحة العديد ومنهم جارية بن قدامة السعدي قال: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة للسلاح. إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى منزلك. وإن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع (٩٢) وقال لها زيد بن

(٨٧) نهج البلاغة.

(٨٨) مروج الذهب: ٣٩٠ / ٢.

(٨٩) الحوأب منزل بين البصرة ومكة.

(٩٠) الخصائص الكبرى / السيوطي ٢٣٢ / ٢.

(٩١) مروج الذهب: ٣٦٧ / ٢، البداية والنهاية: ٢٣٢ / ٧.

(٩٢) البداية والنهاية: ٢٣٣ / ٧.

٤٦٥
صوحان عندما كتبت له تدعوه إلى نصرتها: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك.

وأبى أن يطيعها في ذلك وقال: رحم الله أم المؤمنين. أمرها الله أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل. فخرجت من منزلها وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي هي أحق بذلك منا (٩٣).

وعندما التقى الجمعان دنا عمار من موضع عائشة وقال: ماذا تدعين؟

قالت: الطلب بدم عثمان فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق. ثم قال. أيها الناس إنكم لتعلمون أينا الممالئ في قتل عثمان (٩٤) وما أن انتهى عمار. حتى جاء في اتجاه عائشة فوارس أربعة. فهتفت عائشة: فيهم رجل عرفته إن أبي طالب ورب الكعبة. سلوه ما يريد؟ فقال لها أمير المؤمنين:

أنشدك بالله الذي أنزل الكتاب مع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتك أتعلمين أن رسول الله جعلني وصيا على أهله وفي أهله. قالت: اللهم نعم.

قال: فما لك؟ قالت أطلب بدم أمير المؤمنين عثمان. قال: أريني قتلة عثمان. ثم انصرف (٩٥) وقال لطلحة والزبير: أني أراكما قد جمعتما خيلا ورجالا وعددا. فهل أعددتما عذرا يوم القيامة. فاتقيا الله. ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا (٩٦) ثم قال لطلحة: نشدتك لله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ قال: نعم قال. فلم تقاتلني؟ قال: لم أذكر وانصرف إلى المعسكر (٩٧) ثم قال للزبير: ألم تذكر قول النبي لك. إنك تقاتلني وأنت ظالم؟ فقال. اللهم نعم. ولو ذكرت ما سرت سيري هذا. والله لا أقاتلك (٩٨) وكان علي قبل ذلك قد أقام الحجة في المسجد وقال للناس: أنشد الله من سمع رسول الله يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه أن يقوم فقام ثلاثون رجلا. وقالوا نشهد أننا قد

(٩٣) البداية: ٢٣٤ / ٧.

(٩٤) مروج الذهب: ٣٧١ / ٢.

(٩٥) رواه الطبراني (كنز العمال: ٢٣٨ / ٧).

(٩٦) البداية: ٢٤١ / ٧.

(٩٧) رواه الحاكم (المستدرك: ٣٧١ / ٣).

(٩٨) البداية والنهاية ٢٤١ / ٧.

٤٦٦
سمعنا هذا. ورجع العديد منهم عن قتال أمير المؤمنين ولكن السواد الأعظم على الرغم من هذه الحجج الدامغة طافوا حول الجمل. وكما روى الطبري. وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل فيفتونه ويشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك (٩٩) وبدأت المعركة بقول علي عليه السلام: اللهم خذ أيديهم وأقدامهم (١٠٠) ودار القتال وسقط عن يمين الجمل وعن يساره قتلى كثير في رواية إنهم بلغوا خمسون ألف قتيل. وعندما رأى أمير المؤمنين أفي المعركة لن تنتهي إلا بقتل الجمل. حيث أن معسكر عائشة كانوا يدافعون عن الجمل. ويعملون على رفع رأسه. وكلما قتل منهم واحد سارع الآخر ليمسك بزمام الجمل. حتى قطعت يد سبعين رجلا وهي آخذة بخطام الجمل. أمر عليه السلام بقتل الجمل. لأن الحرب ستظل قائمة ما دام هذا الجمل واقفا (١٠١).

ولما سقط البعير على الأرض. انهزم أصحابه وحمل هودج عائشة لتعود إلى بيتها. وكان الهودج كالقنفذ من السهام. ونادى منادي على الناس. إنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح (١٠٢) ويقال أن أعين بن ضبعة اطلع في الهودج فقالت عائشة: إليك. لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت هتك الله سترك (١٠٣). وعن أبي ثابت مولى أبي ذر قال كنت مع علي يوم الجمل فلما رأيت عائشة دخلني بعض ما يدخل الناس. فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر. فقاتلت مع أمير المؤمنين. فلما فرغ ذهبت إلى المدينة. فأتيت أم سلمة. فقلت أني والله ما جئت أسأل طعاما ولا شرابا. ولكني مولى لأبي ذر.

فقالت: مرحبا. فقصصت عليها قصتي. فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس. قالت:

أحسنت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض (١٠٤).

(٩٩) الطبري: ٢١٣ / ٥.

(١٠٠) البداية والنهاية: ٧ / ٨.

(١٠١) البداية والنهاية: ٢٤٤، ٢٦٦ / ٧.

(١٠٢) البداية والنهاية: ٢٤٥ / ٧.

(١٠٣) البداية: ٢٤٥ / ٨.

(١٠٤) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك: ١٢٤ / ٣).

٤٦٧
وبعد الجمل قال واحد من الناس لأمير المؤمنين لما أظفره الله بأصحاب الجمل: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا. ليرى ما نصرك الله به على أعدائك.

فقال له عليه السلام: أهوى أخيك معنا؟ قال: نعم قال: فقد شهدنا. ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء. سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان (١٠٥).

لقد كان لموقعة الجمل أسبابا كثيرة في دوائر كثيرة قد تكون دوائر الحسد وقد تكون دوائر الطمع في الكرسي وقد تكون الطمع في المال. وقد تكون لا هذا ولا ذاك. وتكون الموقعة ضمن المخطط العام لبني أمية للسيطرة على جميع خزائن المال في الدولة. وإشارة ذلك أن مروان ابن طريد رسول الله الحكم.

كان في معسكر عائشة ضد علي. لكن قلبه لم يكن مع عائشة. وكان يعمل أعمال الطابور الخامس داخل صفوف الجمل. روى البغوي بسند صحيح عن أبي سبرة. قال. لما كان يوم الجمل. نظر مروان إلى طلحة فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم. فنزع له بسهم فقتله وروي بسند صحيح عنه أنه قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم. فوقع في عين ركبته. فما زال الدم يسبح إلى أن مات (١٠٦) وقتل مروان لطلحة مشهور وصرحت به جميع المصادر التي تعتني بهذه الأمور. فمروان كان عضوا أصيلا في حركة هدامة تصنع الحدث وتراقبه. وتستأصل في الأحداث كل من يمثل لهم عقبة من العقبات.

والدليل على أن حركة الهدم تراقب الأحداث. ما ذكره ابن كثير قال. قام عمر بن العامر في الناس فقال. إن صناديد الكوفة والبصرة قد تقاتلوا يوم الجمل. ولم يبق مع علي إلا شرذمة قليلة من الناس. وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان.

فالله الله في حقكم أن تضيعوه (١٠٧). قال ذلك عندما هرول إلى معاوية وعقد معه صفقة. أن يساند معاوية في حربه ضد علي نظير أن يعطيه معاوية مصر طيلة حياته. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن الزهري. لما بلغ معاوية غلبة

(١٠٥) النهج الخطبة ١٢.

(١٠٦) الإصابة: ٢٩٢ / ٣.

(١٠٧) البداية: ٢٥٥ / ٧.

٤٦٨
علي على أهل الجمل. دعا إلى الطلب بدم عثمان. فأجابه أهل الشام (١٠٨) لقد كانت معركة الجمل ضرورة لحركة الهدم كي يقتل الصناديد ويبقى من يستطيع معاوية اجتياحه أو اللعب بعقوله.

والخلاصة: لقد اعتبر الخلف أن معارك السلف كانت بين حق وحق وهذه المقولة قامت بتمييع أمور كثيرة. والقضية لم تكن أبدا محاكمة الموتى. وإنما هي النظر في خطوات الماضي التي تنطلق إلى الحاضر. فقد يكون الماضي فتنة وهذه الفتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة وإنما تتعداهم وتصل إلى عقول التمييع والتلجيم والتكميم وتنطلق بهم إلى الدجال. وما من فتنة صغيرة أو كبيرة منذ صنعت الدنيا إلا من أجل فتنة الدجال (١٠٩) قال تعالى: (! واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) " (١١٠) لقد أمر الله المؤمنين بأن يتقوا فهل من الاتقاء أن يقال إن معارك الماضي كانت بين حق وحق؟ إن هذه الفتنة التي أمر الله باتقائها.

قال عنها ابن كثير: قال السدي نزلت في أهل بدر. فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا.. وقال مجاهد: هي أيضا لكم. وفي قول لابن عباس: أمر الله المؤمنين أن لا يقربوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم بعذاب (١١١).

٣ - أضواء على صفين وقتال الخوارج.

إذا جاز لنا أن نضع عنوانا لهذه الموقعة. فإننا نختار قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (" علي يعسوب المؤمنين. والمال يعسوب المنافقين) " (١١٢) وعن علي أنه قال: (" أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الفجار) (١١٣) وقال مرة. والمال يعسوب الظلمة (١١٤). كان مع علي في قتاله معاوية ثمانون بدريا

(١٠٨) فتح الباري: ٨٥ / ١٣.

(١٠٩) حديث مخرج سابقا.

(١١٠) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.

(١١١) ابن كثير في التفسير: ٢٩٩ / ٢.

(١١٢) يعسوب أي ملك المؤمنين. واليعسوب ملك النحل. رواه ابن عدي (كنز العمال: ١٤ / ١١).

(١١٣) رواه أبو نعيم (١١٩ / ١٣ كنز العمال).

(١١٤) أبو نعيم (كنز: ١١٩ / ١٣).

٤٦٩
ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة (١١٥) أما معاوية فلقد أرسل إلى علي:

(أبلغ عليا أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل. وقد بلغ في طاعتهم لمعاوية أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الأربعاء. ولقد أعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه عليها (١١٦) والعمود الفقري لهذه المعركة كان عمار بن ياسر. فهو ميزان الحركة. من في صفه فهو على الحق ومن خالفه فهو من البغاة. وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (" من عادى عمار عاداه الله. ومن أبغض عمارا أبغضه الله، (١١٧) وكان عمار مع علي. وقال النبي:

(إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، (١١٨) وقال: (" دوروا مع كتاب الله حيث دار) فقال الناس: يا رسول الله فإذا اختلف الناس. فمع من نكون؟

فقال. أنظروا الفئة التي فيها ابن سمية. فالزموها. فإنه يدور مع كتاب الله) " (١١٩) وعلي يدور مع كتاب الله ويقاتل معاركة على تأويله. قال رسول الله:

(" أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله) " (١٢٠).

وأهم العلامات التي وضعها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (" ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) " (١٢١) فإذا كانوا يدعونه إلى النار فكيف يكون قتال السلف حق ضد حق؟؟ وروي في بداية المعركة أن عمار خطب الناس فقال فيما ذكره الطبري: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان. ويزعمون أنه قتل مظلوما. والله ما قصدهم الأخذ بدمه. ولا الأخذ بثاره. ولكن القوم ذاقوا الدنيا. واستحلوها واستمرأوا

(١١٥) البداية: ٢٥٥ / ٧.

(١١٦) مروج الذهب: ٤١ / ٣.

(١١٧) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني: ٣٢٩ / ٢٢).

(١١٨) رواه الطبراني (كنز: ٧٢١ / ١١).

(١١٩) رواه الحاكم (كنز العمال: ١٦٨ / ١١)، البداية ٢٧١ / ٧.

(١٢٠) الإصابة: ٢٢ / ١ وحديث قتال علي على التأويل أخرجها أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم.

(١٢١) رواه أحمد والبخاري وابن عساكر وابن أبي شيبة (الفتح الرباني: ٣٢١ / ٢٢، كنز العمال ٧٢٤ / ١١، البداية والنهاية: ٢٦٩ / ٧.

٤٧٠
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٤٧١ - ص ٤٨٤)
٤٧١
الخلافة من بعدي (١٢٦).

إن عين كل منهما على الكرسي. كي يتسمى بأمير المؤمنين. وينتج ثقافة لا تنتج إلا غثاء لو قاتلتهم الثعالب يوما لغلبتهم. ودارت المعارك وقال في الفتح:

قتل من الفريقين فيما ذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه. نحو سبعين ألفا. وقيل كانوا أكثر من ذلك. ويقال كان بينهم أكئر من سبعين زحفا (١٢٧) وعلى امتداد المعارك قتل عمار. وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بأن آخر زاد له من الدنيا ضياح من لبن. يقول حبة بن جوين: شهدت عمار يوم قتل وهو يقول: إئتوني بآخر رزق لي في الدنيا. فأتي بضياح من لبن في قدح له حلقة حمراء. وقال: اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه. ثم قاتل حتى قتل (١٢٨) وبعد قتل عمار التهبت المعارك وشارك فيها نفر من الذين اعتزلوا القتال. بعد أن تبينوا أن معسكر معاوية على الضلالة. فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك. قال لمعاوية. هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا. ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم قال نرفع المصاحف ثم نقول هذا حكم بيننا وبينكم. فإن بعضهم سيقول ينبغي أن نقبل فتكون فرقة بينهم. وإن قبلوا رفعنا القتال عنا إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله بيننا وبينكم. فلما رآها الناس قالوا نجيب إلى كتاب الله (١٢٩).

لقد تاجروا بما تأولوه ووضعوه في غير موضعه. تاجروا بالمصحف الذي أخفوه تحت أغطية الرأي. ودخلت الحيلة على الأجيال التي شبت في عالم الرأي. وطالبوا الأمير بأن يقبل التحكيم. فقال: " عباد الله! إمضوا إلى حقكم وصدقكم. وقتال عدوكم. فإن معاوية وعمرو بن العاص ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن. وأنا أعرف بهم منكم. صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فهم شر أطفال

(١٢٦) البداية: ٢٦٤ / ٧، ابن الأثير: ١٥٨ / ٣.

(١٢٧) فخ الباري: ٨٦ / ١٣.

(١٢٨) ابن الأثير: ١٥٧، ١٦١ / ٣.

(١٢٩) الطبري: ٤٨ / ٦.

٤٧٢
وشر رجال - وفي رواية - فهم أهل مكر وغدر (١٣٠).. ما رفعوها لكم إلا خدعة ودهاء ومكيدة) (١٣١) فقالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فتأبى أن تقبله فقال لهم: " ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله. وأول من أجاب إليه. وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن ندعى إلى كتاب الله فلا أقبله. إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن. فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده. ونبذوا كتابه.

ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وأنهم ليس العمل بالقرآن يريدون " (١٣٢).

فقال له بعض القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم. فقال: فاحفظوا عني نهي إياكم.

واحفظوا مقالتكم لي. فإن تطيعوني فقاتلوا. وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم (*). وكان النبي صلى عليه وآله وسلم. قد أخبر عن اختلاف الأمة بعد موته. وأن دائرة هذا الاختلاف ستتسع عند تحكيم حكمين. فقال: (إن بني إسرائيل اختلفوا. فلم يزل اختلافهم بينهم. حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا.

وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وضل من اتبعهما " (١٣٣) واتفق الطرفان على الحكمين وارتضى معسكر معاوية بابن العاص حكما وارتضى الذين في معسكر أمير المؤمنين أبو موسى الأشعري حكما. ولكن أمير المؤمنين اعترض وقال (إني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه " فقالوا: لكنا لا نرضى إلا به. فقال لهم. افعلوا ما شئتم (١٣٤) واحفظوا عني نهي إياكم. واحفظوا مقالتكم لي (١٣٥).

وبدأ التحكيم. وكما بدأت الحركة بخدعة المصاحف أنهت الموقف

(١٣٠) ابن أبي الحديد: ٤٢٦ / ١، البداية: ٢٧٤ / ٧، الطبري: ٤٨ / ٦، ابن الأثير: ١٦١ / ٣.

(١٣١) أبي الحديد: ٤٢٦ / ١.

(١٣٢) البداية: ٢٩٩ / ٧.

(*) ابن الأثير: ١٦١ / ٣.

(١٣٣) أخرجه البيهقي (الخصائص الكبرى: ٢٣٤ / ٢).

(١٣٤) الطبري ٠ ٣٨ / ٦.

(١٣٥) البداية: ٢٧٤ / ٧.

٤٧٣
بخدعة التحكيم. فبعد تداول الحكمين اتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه.

وأن يجعلا الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. وأمام الناس دعا عمرو أبا موسى أن يقدمه في الكلام. فتقدم وقال. أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة. فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشملها. من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه. وهو أن نخلع عليا ومعاوية. ويولي الناس أمرهم من أحبوا. وأني قد خلعت عليا ومعاوية. واستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا. ثم قام عمرو. فقال: إن هذا قد قال ما سمعتموه. وخلع صاحبه. وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية. فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه (١٣٦).

فقال أبو موسى لعمرو: ما لك. لا وفقك الله. غدرت وفجرت إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا فقال له عمرو: بل إياك يلعن الله. كذبت وغدرت.

إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. ثم وكز أبا موسى فألقاه لجنبه (١٣٧) وهكذا اكتملت المأساة وصار مصير الأمة يلهو به من مثله كمثل الحمار والكلب. وهكذا خضع كل شئ للتجارة بعد رحيل النبي بزمن يسير.

وعندما علم أمير المؤمنين بهذه الخدعة قال: قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر. ولكن أبيتم إلا ما أردتم ألا إن هذين الرجلين الذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما. وأحييا ما أمات القرآن. واتبع كل واحد منهما هواه. بغير هدى من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية. واختلفا في حكمهما. وكلاهما لم يرشد. فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام (١٣٨) وكان معسكر أمير المؤمنين قد انشق قبل التحكيم وظهرت الخوارج على مسرح الأحداث وكانوا قد أنكروا تحكيم الرجال. فبعث إليهم يخبرهم بالنتيجة التي أسفر عنها رفع المصاحف. وقال لهم: فإذا بلغكم كتابي هذا

(١٣٦) ابن الأثير ة ١٦٨ / ٣.

(١٣٧) المسعودي: ٤١ / ٢، ابن الأثير: ١٦٨ / ٣.

(١٣٨) ابن الأثير: ١٧١ / ٣.

٤٧٤
فاقبلوا إلينا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه.

فكتبوا إليه: إن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نبذناك على سواء! فلما قرأ كتابهم آيس منهم. ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يلقى أهل الشام. فيناجزهم. فقام في أهل الكوفة ثم قال: اتقوا الله. وقاتلوا من حاد الله ورسوله وحاول أن يطفئ نور الله. فقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء القرآن ولا فقهاء في دين الله ولا علماء في التأويل. ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام. والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل تيسروا للمسير إلى عدوكم (١٣٩) وفي الوقت الذي كان يشدهم شدا لقتال معسكر معاوية. كان الناس يقولون لو سار بنا لقتال الحرورية (الخوارج) فلما بلغه ذلك قال لهم. بلغني ما قلتم. فدعوا ذكر هؤلاء. وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه الناس أن سر بنا حيث أحببت (١٤٠).

وبينما أمير المؤمنين يستعد لقتال معاوية قتل الخوارج بعض من شيعته وكان فيهم أطفالا. وأتى الخبر عليا والناس معه فقالوا يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في عيالنا وأموالنا سر بنا إلى القوم. فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام. وسار أمير المؤمنين لقتال الخوارج. وقال قبل بدء قتالهم:

... ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة. ونبأتكم أنها مكيدة. وإن القوم ليسوا بأصحاب دين فعصيتموني. فلما فعلت شرط واستوثقت على الحكمين أن يحيا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن. فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة.

فنبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول فمن أين أنتم؟ قالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا. وكنا بذلك كافرين. وقد تبنا. فإن تبت فنحن معك ومنك. وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. فقال علي: أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر. أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله.

أشهد على نفسي بالكفر. لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. ثم انصرف

(١٣٩) ابن الأثير: ١٧١ / ٤.

(١٤٠) ابن الأثير: ١٧٤ / ٣.

٤٧٥
عنهم (١٤١).

هكذا تحدث غلمان ثقافة الرأي والتأويل. الغلمان الذين تغذوا على ثقافة الوليد بن عقبة ونديمه النصراني أبو زبيد الطائي. لقد قطع الغلمان شوطا مع أمير المؤمنين وفي منتصف الطريق عصوه وفي نهايته كفروه لعنهم الله. وكان تخاذل الغلمان سببا في أن أهل الشام سلموا على معاوية بالخلافة. وعندما اشتغل أمير المؤمنين بالخوارج اشتغل معاوية بالإغارة على أعمال أمير المؤمنين هنا وهناك. وكان يشعر بالفخر عندما تحمل إليه الأخبار أن بسر بن أرطاة يمزق أحشاء الأطفال والنساء الذين يوالون علي بن أبي طالب. لقد فتح غلمان الرمز والشعار الخالي من الشعور على أمير المؤمنين جبهة وفتح الذين صلى بهم معاوية الجمعة يوم الأربعاء جبهة أخرى. وأصبح الإسلام بين نابين ناب يقتل باسم الدين والدين منه برئ. وناب يبث سموم هواه المزخرفة بالذهب والفضة ويرفع راية الدين والدين من برئ. لقد تكاتفوا ليقيضوا الصراط المستقيم ويقع الكثرة في مهاوي الضلال. وبدأ أمير المؤمنين في قتال الخوارج. وبعد أن نصره الله عليهم قال: (إن خليلي أخبرني أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد. على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع. فالتمسوه) فلم يجدوه. فجعل يقول: إقلبوا ذا. إقلبوا ذا. فقالوا يا أمير المؤمنين لم نجده. فقال ما اسم هذاء المكان؟

قالوا: النهروان. قال: صدق رسول الله وكذبتم إنه لفيهم. فالتمسوه. فوجدوه وجاؤوا به وعليه العلامة التي قد قالها لهم. فكبر علي عليه السلام. وعندما سمع أحد أبنائه يقول. الحمد لثه الذي أراح أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه العصابة. قال أمير المؤمنين: لو لم يبق من أمة محمد إلا ثلاثة لكان أحدهم على رأي هؤلاء. أنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء (١٤٢).

لقد كشف أمير المؤمنين عن مناهج ثلاث داخل البيت الإسلامي:

أحدهما. على رأي الخوارج.

والثاني. على رأي أهل الشام.

(١٤١) ابن الأثير: ١٧٤ / ٣.

(١٤٢) رواه الطبراني في الأوسط (كنز: ٢٩١ / ١١).

٤٧٦
والثالث: على ما عليه أمير المؤمنين. وهذا كائن على امتداد التاريخ الإسلامي منذ ذلك الحين.

٤ - مقتل الإمام:

بعد الفراغ من الخوارج ظل أمير المؤمنين يدعو في معسكره لقتال معاوية.

ولكنه عندما رأى منهم التكاسل قال. (إني أرى أهل الشام على باطلهم أشد اجتماعا منكم على حقكم) " والله لتطأون هكذا هكذا - وضرب برجله على المنبر حتى سمع قدمه في آخر المسجد - ثم قال: ثم لتستعملن عليكم اليهود والنصارى حتى تنفوا ثم لا يرغم الله إلا بآنافكم) (١٤٣) لقد وعدوه بأنهم بعد الفراغ من الخوارج يسيرون معه إلى أهل الشام. ولكن هذا الوعد كان كرغوة جوفاء وهباء ضائع في خلاء. وفي كل يوم يدفع معاوية بأمواله لتزداد رقعة طابور النفاق الطويل الذي ورث انحرافات البشرية منذ أيام قابيل. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من أصاب دينارا أو درهما في فتنة طبع على قلبه بطابع النفاق) (١٤٤) وقال: لكل أمة عجل يعبدونه وعجل أمتي الدرهم والدينار (١٤٥)، كان أمير المؤمنين يحذرهم ويطالبهم بأن يأخذوا بالأسباب لوقف تقدم الانحراف. ولكن القوم لم يثبتوا معه على رأي. فضاق بهم ذرعا. ووضع المصحف على رأسه وقال: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه.

فاعطني ثواب ما فيه اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني. اللهم أمت قلوبهم ميت الملح في الماء (١٤٦).

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بأن عليا لن يموت إلا مقتولا فقال: ألا أحدثكما بأشقى الناس. رجلين: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة.

والذي يضربك يا علي. على هذه - يعني قرنه - حتى تبتل هذه من الدم - يعني

(١٤٣) الدولابي في الكنى والأسماء، ابن أبي شيبة (كنز: ٧٨٠ / ٥).

(١٤٤) رواه الديلمي (كنز العمال ١٨٧ / ١٧).

(١٤٥) الديلمي (كنز: ٢٢٣ / ٣).

(١٤٦) ابن عساكر: ١٩٥ / ٣ (كنز العمال، البداية: ١٤ / ٨، المسعودي ١٣٩ / ٣.

٤٧٧
لحيته (١٤٧) . وكان على يقول: أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط.

وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد. فعمهم الله بالعذاب فقال تعالى: (فعقروها فأصبحوا نادمين)! فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض الخوراء. أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء ومن خالف وقع في التيه (١٤٨) وكان أمير المؤمنين يقول لأهل العراق. وددت أنه قد انبعث أشقاكم يخضب هذه - يعني لحيته - من هذه - ووضع يده على مقدمة رأسه (١٤٩) وقال لابنه الحسن: رأيت في منامي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقلت: يا رسول ما لقيت من أمتك من الأود واللدد (١٥٠). فقال لي: أدع الله عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم. وأبدلهم بي شرا لهم مني (١٥١) وكان يقول. غدا ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري وتعرفونني بعد خلو مكاني. وقيام غيري مقامي (١٥٢).

ولما كانت الليلة التي أصيب فيها أمير المؤمنين أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذن بالصلاة وهو مضطجع فتثاقل. فعاد إليه الثانية وهو كذلك. ثم عاد الثالثة فقام عليه السلام يمشي وهو يقول:

أشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا

فلما بلغ الباب الصغير ضربه ابن ملجم لعنه الله على رأسه فابتلت لحيته (١٥٣).

(١٤٧) رواه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم (الخصائص الكبرى: ٢١١ / ٢) وأحمد والطبراني والبزار (الزوائد: ١٣٦ / ٩).

(١٤٨) النهج خطبة: ١٩٩.

(١٤٩) رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقاة (الزوائد: ١٣٦ / ٩).

(١٥٠) الأود / العوج، اللدد / الخصومة الشديدة.

(١٥١) الطبقات: ٣ / ٣٦، مقاتل الطالبين ١٦، العقد الفريد: ٢٩٨ / ٢، البداية والنهاية: ١٤ / ٨، تاريخ الخلفاء: ١٦٤ (١٥٢) النهج خطبة: ١٤٨.

(١٥٣) ابن عساكر (كنز: ١٩٦ / ١٣).

٤٧٨
وروى الدارقطني والحاكم والخطيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: إن الأمة ستغدر بك من بعدي. وأنت تعيش على ملتي. وتقتل على سنتي. من أحبك أحبني. ومن أبغضك أبغضني وإن هذا سيخضب من هذا - يعني لحيته من رأسه (١٥٤) وروي أن الحسن بن. علي خطب حين قتل أمير المؤمنين فقال. يا أهل العراق. لقد كان فيكم بين أظهركم رجل قتل الليلة. وأصيب اليوم. لم يسبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إذا بعثه في سرية كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره. فلا يرجع حتى يفتح الله عليه (١٥٥).

وبعد قتل الإمام اتسع الانحراف وحمل الحسن بن علي راية الاصلاح بعد أبيه. ولكن الناس هم الناس وثقافة الأديرة بدأت تنساب من المخادع. وبدأ المال يكتسب كل يوم أرض جديدة حول الحسن. وفشلت محاولات الحسن لإعداد جيش يقاتل به معاوية. فاللصوص والقتلة حوله في كل مكان. سرقوا بساطه وطعنوه وأرادوا خطفه وتسليمه إلى معاوية. وعندما عرض عليه معاوية الصلح. رفض أن يأخذ في هذا الصلح قرارا حتى يخبر الناس. لعلهم يطيعوه ويقاتلوا معه. فقال الحسن لأتباعه: إن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة. فإن أردتم الموت رددناه عليه. وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف.

وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا. فناداه الناس من كل جانب. البقية البقية وإمضاء الصلح. واشترط الحسن في وثيقة الصلح. بأن يحكم معاوية بما أنزل الله. وأن يكون للحسن الأمر من بعده. ولكن معاوية أطاح بكل هذا ولم يكن له عهدا. وروي أن الحسن عندما طالبه القوم بإبرام الصلح مع معاوية خطب في الناس وقال. أيها الناس. إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم. ونحن أهل بيت نبيكم الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وكرر ذلك. حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه (١٥٦) وبعد إمضاء الصلح خطب

(١٥٤) كنز العمال: ٦١٧ / ١١.

(١٥٥) رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو نعيم وابن عساكر وابن جرير (الفتح الرباني ١٦٤ / ٢٤)، (كنز العمال: ١٩٢ / ١٣).

(١٥٦) ابن الأثير: ٢٠٤ / ٣.

٤٧٩
معاوية. ثم قال: قم يا حسن فكلم الناس. فتشهد ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا. وإن لهذا الأمر مدة. والدنيا دول (" وأن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) ثم استغفر ونزل (١٥٧).

٥ - ظلال الشجرة الخبيثة:

لقد ظلمت الرعية قيادتها. ولو كانت القيادة تحب الغدر وتعمل به ما وقف في وجهها أحد. ولكن مهمة القيادة رفع أعلام الحق. وعلى الرعية أن تهرول إلى هذه الأعلام. لأن دين الله لا إجبار فيه. فإذا التفت الرعية أخذت القيادة القرار الذي يناسب هذا الالتفاف. وكل إنسان يقدم لنفسه وكل إنسان محاسب أمام الله عما قدم. لقد ذكرهم الإمام بأنه ولي رسول الله وأنه يقاتل معارك التأويل التي زرع شجرتها القص والرأي ولكن المساحة العريضة لم تفهم هذا المعنى لأنهم كانوا يزينون الأمور في أغلب الأحيان برأيهم. ألم تر أنهم قالوا لأمير المؤمنين عند رفع المصاحف! أجب إلى كتاب الله وإلا دفعنا برمتك إلى القوم. إن الجيل الذي يقول مثل هذه الكلمة لعلي بن أبي طالب جيل ميؤوس منه عجنت نفسيته بماء اغتسل منه جبابرة قوم نوح وعاد وثمود الذين عقروا الناقة.

وعندما جاء الحسن بن علي وجد في الجيل الذي عاصره مجموعة من اللصوص أخبرهم أنه من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ولكن لا حس لأن السواد الأعظم سار على أهداف دائرة الرجس التي حذر القرآن منها.

ومن أخذ مال من رجس لا ينظر إلى تطهير. وقضى الله أنه من يأخذ درهما أو دينارا في فتنة طبع الله على قلبه بطابع النفاق.

لقد كافح بني أمية منذ فتح مكة من أجل هذا اليوم. كافح طابورهم الذي يرتدي ملابس الإسلام ويمشي بين الناس بشهادته. وازداد هذا الكفاح استعارا عندما ألغى عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم. وهو من الأحكام الشرعية التي وردت في القرآن وذلك في قوله تعالى: (وإنما الصدقات للفقراء والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) " ولقد كان الرسول يمنح هؤلاء من

(١٥٧) فتح الباري: ١٣ / ٦٣.
٤٨٠