×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

أموال الحرب. والمؤلفة قلوبهم. منهم من لم يكن قد أسلم بعد ومنهم من كان ضعيف الإيمان. ولكنهم كانوا جميعا قوما أولي بأس ومكانة بين العرب، فكان الرسول ومن بعده أبو بكر يتألف قلوبهم أي يستميلهم إليه بالهبات والصدقات.

إتقاء لشرهم وإبقاء على ودهم ومنهم أبو سفيان بن حرب (١٥٨) رأس بني أمية.

ولكن عمر لم يجر على تلك السنة التي جرى عليها أبو بكر ومن قبله رسول الله تنفيذا لحكم شرعي جاء في القرآن. وساوى هذا الصنف مع غيره من المسلمين (١٥٩). ووفقا لهذه المساواة انطلق طابور النفاق ليغرس مخالبه في جسد الأمة ويحفر له مكانا فيه وعن حذيفة إنه قال: (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون) (١٦٠).

وطابور النفاق حاصره كتاب الله كما ذكرنا من قبل وحاصرته السنة الشريفة وذلك في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب: (لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق) " (١٦١) وقوله: (يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي) " (١٦٢) ومن هذا نعلم أن سياسة علي بن أي طالب هي الكشاف الذي يظهر المنافقين تحت ضوءه. ونظرا لأن سياسة علي في الأمة لم تنل حظها الوافر بعد رسول الله. فإن أبا بكر أعطى من كان يعطيه رسول الله من المؤلفة قلوبهم. أما الجديد منهم فإن السياسة لم تكتشفه. وعلى هذا اتسعت الدائرة لتصل في عهد عمر أقصى اتساع لها وذلك لإلغائه العلامة التي ضربها الله على هذا الصنف ليميزه بين الأمة. والغمس العديد من المفكرين لعمر في هذا الأعذار ومما قيل: ا أن عمر رأى أن الحكمة التي أدت إلى تقرير ذلك الحكم الشرعي قد زالت. بعبارة أخرى. إنه عمل بروح النص لا بظاهره أو حرفيته. أما عن تلك الحكمة فقد كانت حاجة المسلمين في ذلك الحين إلى

(١٥٨) الإصابة: ٢٣٨ / ٣.

(١٥٩) أزمة الفكر: ١٢٢.

(١٦٠) البخاري: ٢٣٠ / ٤.

(١٦١) رواه أحمد (الفتح الرباني: ١٢١ / ٢٣) ومسلم: ٦٤ / ١٨.

(١٦٢) رواه الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي فيه سلام بن سليمان وزيد الصمي وهما صديقان وقد وثقا وبقية رجاله ثقاة (الزوائد: ١٣٥ / ٩).

٤٨١
المعضدين والمؤيدين من تلك الطائفة التي تدعى (بالمؤلفة قلوبهم " (١٦٣) ومهما يكن من الأمر فلقد اشتد ساعد هؤلاء في عهد عثمان وتعالت صرخات الشعوب تحت إمارتهم وكان نتيجة ذلك قتل عثمان. وعندما جاء أمير المؤمنين علي.

وجد رقعة واسعة فيها من يريد الكرسي أو المال وفيها من يتأول القرآن وبضعه أين يشاء. وعلى الرغم من هذا الاتساع. اعتمد أمير المؤمنين على القاعدة المؤمنة وقام بمعاركه. وعندما أكلت الحرب أصحابه ولم يبق معه إلا غلمان ساحة الاتساع. كان ما كان وارتفع السفهاء على الحلماء كما في الحديث الشريف (ضاف ضيف رجلا من بني إسرائيل. وفي داره كلبة محج (١٦٤). فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي. فعوى جراؤها في بطنها. قيل ما هذا؟

فأوحى الله عز وجل إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفهاءها حلماءها " (١٦٥) وفي رواية: يستعلي سفهاؤها على علمائها (١٦٦).

وبني أمية كان عليهم من الله ورسوله تحذير ولكن هذا التحذير ضاع من الذاكرة كما ضاع غيره. قال المفسرون في قوله تعالى: (ألم تر الذين بدلوا نعمة الله كفرا " أنهم " بنو المغيرة وبنو أمية) وفي رواية " بنو أمية وبني مخزوم " (١٦٧) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لكل دين آفة وآفة هذا الدين بنو أمية " (١٦٨) وقال: (شر قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف " (١٦٩) وقال: (يهلك الناس هذا الحي من قريش " قالوا: فما تأمرنا؟

قال: لو أن الناس اعتزلوهم (١٧٠) وقال في فتح الباري: المراد أنهم بها كون

(١٦٣) أزمة الفكر السياسي في الإسلام: ١٢٢.

(١٦٤) محج / أي حامل.

(١٦٥) رواه أحمد والطبراني والرامهرمزي (كنز العمال: ٢٥٤، ٢٥٦ / ١٤) والبزار (كنز: ٢٨٠ / ٧).

(١٦٦) رواه الطبراني (كنز: ٢٥٦ / ١٤).

(١٦٧) أخرجه البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر (الدر المنثور: ٤ ٨ / ٤).

(١٦٨) أخرجه أبو نعيم (كنز: ٨٧ / ١٤).

(١٦٩) رواه البيهقي ورجاله ثقاة (البداية والنهاية: ٢٦٨ / ٦).

(١٧٠) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

٤٨٢
الناس. بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله. فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن. وقد وقع الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (١٧١) والنبي كان يعلم من ربه أن الكثرة من الناس لن يعتزلوا وأن بني أمية سيقيمون جسورا لهم على عقول هذه الكثرة. وعن رسول الله أنه قال: " رأيت في المنام بني الحكم أو بني العاص - وفي رواية بني أمية - ينزون على منبري كما تنزو القردة " وبعد هذا اليوم لم ير رسول الله مستجمعا ضاحكا حتى مات (١٧٢). ولقد فتح الباب على مصراعيه وجاء أغيلمة قريش وجاء السفهاء كما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (هلاك أمتي على يد غلمة من قريش " (١٧٣) وقال: (إن هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أمراء أغيلمة سفهاء من قريش " (١٧٤). قال يوسف بن أسباط كان سفيان الثوري يقول في هؤلاء الأغيلمة: (ما أشبه طعامهم بطعام الدجال " (١٧٥) وقيل لسفيان: معاملة الأمراء أحب إليك أم غيرهم؟ فقال:

معاملة اليهود والنصارى أحب إلي من معاملة هؤلاء الأمراء (١٧٦) وقال. لا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلا بإنكار قلوبكم عليهم لئلا تحبط أعمالكم (١٧٧). وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إمارة السفهاء:، أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي. فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم. فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي حوضي " (١٧٨).

وبداية ظهور هؤلاء الأمراء لم تكن بعد ثلاثة قرون من البعثة أو بعد ألف سنة منها. وإنما كان الظهور في وقت مبكر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

(١٧١) فتح الباري: ١٠ / ١٣.

(١٧٢) البداية والنهاية: ٢٧٥، ٢٧٦ / ٦.

(١٧٣) أخرجه أحمد (الفتح الرباني: ٣٣ / ٢٣) والبخاري والحاكم (كنز العمال: ١٢٨ / ١١).

(١٧٤) أحمد (الفتح: ٣٤ / ٢٣).

(١٧٥) أحمد في كتاب الورع. ص ٩٤.

(١٧٦) أحمد في كتاب الورع: ص ٩٦.

(١٧٧) أحمد في كتاب الورع: ص ٩٦.

(١٧٨) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح (الزوائد ٢٤٧ / ٥).

٤٨٣
قال عليه الصلاة والسلام. (تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان " (١٧٩) وقال: " تعوذوا بالله من رأس السبعين " (١٨٠) فمن هنا يبدأ الطوفان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يكون خلق من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكون خلفا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة. مؤمن ومنافق وفاجر " (١٨١) فالمنافق كافر به. والفاجر يأكل به. والمؤمن يؤمن به وعلى أكتاف هؤلاء تأتي أشد الفتن. وسئل حذيفة: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض عليك الخير والشر لا تدري أيهما تركب (١٨٢) فالجميع يقرأون القرآن والجميع يقول من أقرأ منا؟ من أفقه منا؟ من أعلم منا؟ إنها كارثة الكوارث. في عالم اختلفت فيه الأمة ضروبا من الاختلاف. في الأصول والفروع وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويل والعيان والخبر والعادة والاصطلاح. إنه عالم يحق فيه البكاء بلا احتجاز عملا بقول الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم:، لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله " (١٨٣) فغير أهله يحفرون العوائق أمام الفطرة الإنسانية. وغير أهله هم الذين قتلوا أهله. قتلوا الإمام. ودسوا السم للحسن. وقتلوا الحسين في أبشع مجزرة في تاريخ الإسلام. حتى أن إبراهيم النخعي قال: لو كنت فيمن قاتل الحسين ثم دخلت الجنة لاستحيت أن أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم (١٨٤) وفي الصحيح أن النبي قال عن الحسن والحسين: (هما ريحانتاي من الدنيا " (١٨٥) وقال: (من أحبني وأحب هذين وأباهما كان معي في

(١٧٩) أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والبيهقي والحاكم (كنز العمال ١١٩٠ / ١١) (الخصائص الكبرى: ٢٣٦ / ٢) (البداية والنهاية: ٠ ٢٦ / ٦).

(١٨٠) رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى (البداية: ٢٤٩ / ٨، ٢٦٦ / ٦).

(١٨١) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقاة (الزوائد: ٢٣١ / ٦) والحاكم وأقره الذهب (المستدرك: ٥٤٧ / ٤) وابن حبان والبيهقي (كنز العمال: ١٩٥ / ١١).

(١٨٢) أسد الغابة: ٤٦٨ / ١.

(١٨٣) الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك: ٥١٥ / ٤).

(١٨٤) الإصابة: ١٧ / ٢.

(١٨٥) الإصابة: ١٥ / ٢.

٤٨٤
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٤٨٥ - ص ٤٩٩)
٤٨٥
عبد الله بن حنظلة قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة (١٩٢) وكان (أمير المؤمنين) معاوية قد أوصى (أمير المؤمنين) يزيد قائلا: قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناص. ولست أخاف عليك إلا أهل الحجاز. فإن رابك منهم ريب. فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني قد جربته وعرفت نصيحته (١٩٣) فلما خرج أهل المدينة على يزيد. قال لمسلم بن عقبة:

ادع القوم ثلاثا فإن أجابوك وإلا فقاتلهم. فإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثا.

فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند. فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناص (١٩٤) وذهب الجيش. وقيل في المجزرة: والله كان ينجو منهم أحد. قتل خلق من الصحابة ونهبت المدينة وافتض منها ألف عذراء (١٩٥) وقتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن (١٩٦). وراثت الخيل وبالت بين القبر والمنبر. ولم تصل في مسجد النبي جماعة. وكان هذا اليوم من أكبر مصائب الإسلام وخرومه. ثم انتقل الجيش بعد ذلك إلى مكة فحوصرت ورمي البيت بالحجارة (١٩٧) لقد وضعت بني أمية بذور الأنياب التي تحافظ على الانحراف والشذوذ تحت مظلة قالوا بأنها مظلة الإسلام. وأثمرت هذه البذور شجرة كبيرة. مارس أصحابها فيما بعد الاعتداء والترويع والتنكيل وقتل وصلب المخالفين لهم في الرأي. ولم يكن هذا الارهاب أو الحكم بالرعب والتخويف سوى، تحصين لمصالح الحاكم دون الشعب. ولم يقف هذا الأمر عند بني أمية بل أصبح سنة رفع أعلامها الذين جاؤوا من بعدهم على الرغم من اختلاف الأسماء.

روي أن عصر أبو جعفر المنصور كان من أشد العصور قسوة على المعارضين له في الرأي وظلت الدائرة تتسع وتحمل ثقافة كاملة تبارك حكم الجبرية والطاغوت وتزينه بأعلام الفتوى.

(١٩٢) تاريخ الخلفاء ١٩٥.

(١٩٣) فتح الباري: ٧١ / ١٣.

(١٩٤) ابن الأثير: ٣١١ / ٣.

(١٩٥) تاريخ الخلفاء: ١٩٥.

(١٩٦) الخصائص الكبرى: ٢٤٠ / ٢.

(١٩٧) * رسائل ابن حزم ط المؤسسة العربية: ص. ١٤٠.

٤٨٦

تحت ظلال الشجرة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة. ووزراء فجرة. وأمنا خونة وقراء فسقة. سمتهم سمة الرهبان. وليس لهم رغبة. فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة يتهوكون (١٩٨) فيها تهوك اليهود في الظلم (١٩٩).

لقد بدأ بنو أمية الطريق وحصنوا أنفسهم على حساب غيرهم فتحت شعار الفتوحات وضعوا أعينهم على خزائن المال. كانت هذه خطوتهم الأولى.

أما الخطوة الثانية فلقد جاءت على حساب الصحابة. وذلك أنهم وضعوا الصحابة في مرتبة القداسة. وبما أنهم ممن ينطبق عليهم تعريف الصحابي. فقد دخلوا حظيرة هذه القداسة التي تقول بعدالة الصحابة وعدم اجتماعهم على ضلالة.

فالتشكيك فيهم يعني التشكيك في الصحابة. ونحن بدورنا لا ننكر فضل الصحابة. ولكن أي صحابة؟ إن القرآن الكريم وصف دوائر منهم بالنفاق والخروج على الرسول ورسالته كما جاء في سورة التوبة ووصف دوائر منهم بالفسق وفضح مؤامراتهم ودسائسهم التي كانوا يحيكونها في الظلام كما فضح تخاذلهم عن نصرة الرسول في بعض الغزوات وتجسسهم عليه إلى غير ذلك مما نص عليه القرآن. هذا بالإضافة إلى عشرات الأحاديث التي اختارها أصحاب الصحاح ووصفتهم بالارتداد عن الدين والتمرد على أصوله ومبادئه بنحو لا يدع مجالا للريب. والتاريخ أثبت في أن العديد منهم كان كغيرهم من سائر الناس.

فيهم الصالح والظالم والمنافق ومن قذفت به النزعات والأهواء إلى أسفل درك من الانحطاط والتدهور. ولقد أخبر رسول الله بأن هذا التدهور سيقود أصحابه إلى فتنة غبراء مظلمة يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم. إن الصحابة الذين لا ينكر فضلهم هم من حدث التاريخ أن أعمالهم وأقوالهم خرجت من تحت ظلال القرآن الكريم. ومن لم يأت ذكره في التاريخ وثبت أنه من الصحابة فله نصيب وافر من

(١٩٨) أي يقعون فيها بغير روية.

(١٩٩) رواه البزار (الزوائد ٢٣٣ / ٥) وأحمد (الورع: ٤ ٩).

٤٨٧
الاجلال. أما مظلة الصحابة التي شيدها بنو أمية. فهي مظلة تخضع للبحث العلمي. حتى لا يأتي اليوم الذي نصلي فيه الجمعة يوم الأربعاء. أو نجد أنفسنا نسير على قاعدة لا تحقق إلا المجد الشخصي لفرد ما أو لقبيلة ما أو لحزب ما وجميع هذه المناهج لها أصول قيل بأنها دينية في عالم بني أمية. لقد شيد بني أمية صرحهم على حساب الصحابة. فقام هذا العهد بوضع العديد من الأحاديث التي تنتقص من أهل البيت:

أولا. ثم التي تحور من مفهوم الخلافة وتنتهي به إلى مفهوم الوراثة وحكم الفرد.

ثانيا: ومن أجل الوصول إلى هذه الأهداف اشترى بنو أمية ضمائر المرتزقة والحاقدين لينسجوا لهم ولأتباعهم ثوبا من الفضائل ليستتروا به أمام رعاياهم.

وبالإضافة إلى هؤلاء. قاموا بتغذية الشعراء بالحياة القبلية. فألقوا بمآثرهم إليهم ليذيعون على الناس مفاخرهم كما يهجون أعداءهم هجاء تفوح منه رياح العصبية الجاهلية الموروثة (٢٠٠).

ولم يكتف بني أمية في وضع أصولهم في الحديث والشعر والقصص.

وإنما حفروا بأظافرهم في الكيان الإنساني فوضعوا الأحاديث التي تقول بفضل العرب على من سواهم. وذلك لتذويب الروح الإسلامية التي لم تفصل بين جنس وجنس ولا لون ولون إلا بالأعمال الصالحة التي تعود بالنفع على الأفراد والجماعات وفقا لتقوى الله تعالى. وكان شعار الأمويين (السواد بستان قريش) وتحت هذا الشعار تم احتقار الموالي ودفعهم إلى الأعمال التي كان الأمويون يأنفون منها. وأخذ العرب في العصر الأموي ينظرون للموالي نظرة السيد للعبد.

ومضوا يعاملونهم لا تلك المعاملة الإسلامية التي أمر بها رسول الله. وإنما معاملة أقل ما توصف به إنها بعيدة عن روح الإسلام ومجافية لمبادئه الإنسانية (٢٠١).

فبني أمية ورثوا ما جاء به الأولون من خيمة (أنا خير منه) " تلك الخيمة التي صنفت الناس إلى أشراف وأراذل من عهد نوح. وفي عالم وضع الأحاديث والقصص

(٢٠٠) حياة الشعر: ٧٤٢.

(٢٠١) * حياة الشعر ة ١٧١.

٤٨٨
وشعر الجاهلية وشعر الأديرة. وفي عالم أمراء بني أمية وفقهائهم. ألقت الشجرة بثمارها التي يسير من أكلها في فتنة يتهوك فيها تهوك اليهود في الظلم. لقد ظهرت المذاهب منها ما هو على الطريق الصحيح ومنها الذي أخطأ الطريق. وأهم مذهب شجعه بني أمية لأنه يتفق مع أهدافهم هو (الإرجاء) يقول الدكتور يوسف خليفة: ظهر هذا المذهب بعد أحداث الفتنة. كما تظهر حمامة السلام. مذهبا سياسيا مسالما يحمل غصن الزيتون. يلوح به للجميع ويعلن أن الجميع قاتل ومقتول وظالم ومظلوم على حق. لأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يعين أيهم المخطئ وأيهم المصيب لأن الأمور مشتبهة. ولهذا فإن الحكم. أن يترك أمر الجميع إلى الله. ولقد عمل الأمويون على استقرار مذهب المرجئة ذلك المذهب الذي يخدم البيت الأموي (٢٠٢) بعد أن ثار جدل طويل حول موقعة الجمل وصفين والنهروان. وبدأ البعض بحث عن الحقائق. ولقد جاء هذا المذهب نتيجة للكم الرهيب من الأحاديث والقصص التي وضعها مرتزقة بني أمية وخلطوا فيها بين الحق وبين الباطل حتى التبس الأمر على الكثير. ومذهب الإرجاء هذا تحيط به الشبهات. فكما أن اليهود اخترقوا الساحة قديما عندما كف الناس عن الرواية وتفرغوا للقص في المساجد وكما دخل النصارى إلى ساحة الشعر تحت مظلة الوليد بن عقبة في عهد عثمان. كذلك كان النصارى وراء مذهب الإرجاء الذي جاء على هذا الكم من القص والحديث. يقول الدكتور يوسف خليفة: ويميل (كريمر) إلى القول بأن هناك صلة بين مبادئ المرجئة وبين تعاليم الكنيسة الشرقية. ويرى أن هذا واضح بالذات في فكرة عدم التخليد في النار. كما أن إيمان المرجئة الهادئ الذي يغلب عليه الانشراح وتعزية النفس. يتفق كل الاتفاق مع تعاليم يوحنا الدمشقي الذي كان وقت ظهور هذه الطائفة. يشتغل بالأبحاث الدينية. ويتمتع بشهرة كبيرة في عاصمة الخلفاء الأمويين. ثم يؤكد في النهاية إن آراء المرجئة ترجع في أصلها ومسلكها إلى فلسفة الكنيسة الإغريقية ونحن لا نرفض القول بأن تعاليم المرجئة قد تكون متأثرة بتعاليم الكنيسة الشرقية (٢٠٣) وهكذا التقى البدء مع الختام وقام بني أمية بإزالة الفوارق بين دائرة

(٢٠٢) حياة الشعر: ٣٠٩.

(٢٠٣) حياة الشعر: ٣١٢.

٤٨٩
الرجس وبين دائرة النجس.

وكان القرآن قد حذر من أصحاب هذه الدوائر كما ذكرنا من قبل. وسقط من مذهب المرجئة قطرات جرت من الماضي إلى الحاضر وتنطلق إلى المستقبل. ولم تكن بصمات أهل الكتاب على هذا المذهب العقائدي فقط وإنما وضعوا بصماتهم على العديد من شؤون الحياة يقول الدكتور صابر دياب:

والدارسون للسياسة الأموية المالية كان من رأيهم إنها كانت إحياء للسياسة البيزنطية القديمة بمساوئها ومظالمها معا. فولاة الأمويين لم يكونوا رسل إصلاح إنما كانوا جباة للمال همهم أن تحصل الضرائب. وكان من يسلم لا يعفى من دفع الجزية وأباح الأمويون للقبائل العربية التي توافدت على مصر أن تحوز الأرض إلى جانب ما كانت تناله من عطاء وعادت ظاهرة الهرب الجماعية من الأرض الزراعية هربا من ضرائب الأمويين مثلما كان يحدث في العصر البيزنطي (٢٠٤).

ومن هنا بدأت الإنطلاقة التي أخبر عنها الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (" فمن؟) " (٢٠٥) وقال الصادق صلى الله عليه وآله وسلم: (ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم من أهل الكتاب حذو القدة بالقدة) " (٢٠٦) ولما كان الطريق هو طريق الطمس والقهقري فإن ببني إسرائيل على هذا الطريق فرق عديدة.

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة. وإن أمتي ستتفرق على اثنتين وسبعون فرقة. فتهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة. - وفي رواية: كلها في النار إلا فرقة - قالوا يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال (الجماعة.

(٢٠٤) تاريخ مصر الإسلامية وحضارتها / د. صابر دياب: ص ٦٦.

(٢٠٥) رواه البخاري: ٢٦٤ / ٤، مسلم: ٢١٩ / ١٦، أحمد (الفتح: ١٩٧ / ١).

(٢٠٦) رواه أحمد والبغوي وابن قانع والطبراني وسعيد بن منصور (كنز العمال: ١٧٠ / ١١).

٤٩٠
الجماعة) " (٢٠٧).

لقد كان بنو أمية ثمرة لطريق بدأ بعد وفاة الرسول الأعظم صلى. الله عليه وآله وسلم. وهذه الثمرة حملت شذوذ وانحراف بني إسرائيل الذين حملوا شذوذ وانحراف البشرية كلها. ويخطئ من يظن أن بني أمية إنتهوا بنهاية دولتهم على أيدي العباسيين. لأن ثمرتهم طرحت بذرتها بعد نهاية دولتهم بستانا من الشذوذ - الخارج عليه خارج عن القانون. وفي ظل هذا القانون اتسعت حضارة الثراء والترف والرقيق والجواري والغناء والمجون والشعوبية والزندقة. فبني أمية حفروا في جسد الأمة مجاري طويلة. ورفعوا فوق هذه المجاري أعلام القداسة.

وعندما جاء العباسيون ثاروا على بني أمية في الوقت الذي استعملوا فيه هذه المجاري يقول الدكتور شوقي ضيف: أقام العباسيون خلافتهم على أنهم أحق الناس بإرث رسول الله. ومضوا يحيطون أنفسهم بهالة كبيرة من التقديس. كان لها أسوء الأثر في خنوع الناس وخضوعهم للظلم والفساد وفي ظل هذا الحكم الاستبدادي لم يحسب أي حساب للرعية. فهي أدوات مسخرة للحاكم. وليس لها من الأمر أي شئ. فالحاكم في يده كل الأمر وكل السلطات (٢٠٨) وكثر الرقيق في العصر العباسي. وكان يشيع بينهم الخصيان. والإسلام يحرم خصاء الإنسان احتراما لآدميته. وكان رقيق النساء من الجواري أكثر عددا من رقيق الرجال.

وكانت هؤلاء الجواري والإماء من أجناس وثقافات وديانات وحضارات مختلفة.

فأثرن آثارا واسعة في أبنائهن ومحيطهن. وهي آثار امتدت إلى قصر الخلافة وعملت فيه عملا بعيد الغور. فقد كان أكثر الخلفاء من أبنائهن. فالمنصور أمه حبشية والهادي والرشيد أمهما الخيزران رومية. وكانت أم الواثق رومية. وقد أخذ هؤلاء الجواري يكثرن في القصر منذ المهدي وكان بينهن من يعلقن الصلبان. وكان قصر الأمين يزخر بالجواري الغلاميات اللاتي يلبسن لبس الغلمان وزخر قصر المعتصم والواثق بالجواري المسيحيات (٢٠٩).

(٢٠٧) رواه أحمد (الفتح الرباني: ٦ / ٢٤) وابن ماجة وابن جرير في التفسير ورجاله رجال الصحيح.

(٢٠٨) العصر العباسي الأول / د. شوقي ضيف ط دار المعارف. ص ٢١.

(٢٠٩) العصر العباسي الأول / د. شوقي ضيف ط دار المعارف: ص ٥٨.

٤٩١
إن الطريق الذي بدأه الوليد بن عقبة في عهد عثمان أثمر في نهايته مأساة.

وعلى امتداد هذا الطريق ذبحت الفضيلة بمقاصل القبائل التي استسلمت للإسلام كي تحفر المجاري التي تدفن فيها الفطرة. ونحن لا ننكر أنه خلال هذه العصور كان هناك تقدما مدنيا في مجالات عديدة مثل الطب والهندسة الفلك وغير ذلك.

ولكن ما قيمة هذا كله إذا كان يتجه بأصحابه نحو الطمس. إننا ننظر هنا إلى الدعوة الإسلامية التي بعث الله تعالى رسولها لينقذ الفطرة من عالم الزخرف والفتن. ونحن نقول إن هذه الدعوة واجهت عثرات على امتداد التقدم المدني.

وقتل على طريق هذا التقدم والطرب. الإمام علي بن أبي طالب. قتل الإمام الذي قاتل على تأويل القرآن. فإذا كان فقيه التأويل قد قتل في بداية الطريق.

فبماذا نسمي نهاية الطريق؟ لقد كان التقدم المدني تقدما عظيما في عالم الفتن.

وكان قتل الإمام ومن بعده أولاده تقدما أعظم في اتجاه المسيح الدجال.

إنها الفتن وعن حذيفة أنه قال: (إن للفتنة وقفات وبعثات فإن استطعت أن تموت في وقفاتها فافعل. وما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الفتن (٢١٠) ولقد جاء النبي بدين الحق. ولا إكراه في دين الله. والله غني عن العالمين! وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " (٢١١) قال المفسرون. أفإن مات أيها القوم لانقضاء مدة أجله. أو قتله عدوكم انقلبتم على أعقابكم. يعني ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدا بالدعاء إليه. ورجعتم عنه كفارا بالله بعد الإيمان به. وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد إليه. وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه ومن ينقلب على عقبيه. أي من يرتد منكم عن دينه ويرجع كافرا بعد إيمانه. فلن يضر الله شيئا. أي فلن يوهن ذلك عزة الله ولا سلطانه. ولا يدخل بذلك نقص في ملكه. بل نفسه يضر بردته.

(٢١٠) رواه ابن أبي شيبة (كنز العمال: ٢٢٩ / ١١).

(٢١١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.

٤٩٢

٧ - خاتمة المطاف:

في عالم الفتن تطير العقول. وفي عالم العقول الطائرة. لا تسأل عن إجابة لأي سؤال. لقد ذم الإسلام منذ عهد نوح عليه السلام وحتى الرسالة الخاتمة اتباع الأهواء. ولم يضع الله دينه على مائدة البشرية كي يقول فيه كل منهم برأيه. وإنما كانت العامود الفقري للدين. أتؤمن أو لا تؤمن؟ ونحن نقول هل شذت الرسالة الخاتمة عن هذا؟ بمعنى هل ترك الله دينه الخاتم لتنهش فيه القبائل كل منهم حسب ما يراه. أم قام سبحانه بتحصين هذا الدين من مختلف الأهواء حتى قيام الساعة؟ فإذا كانت الإجابة أن الدين لم يشذ عن القاعدة وأن الله تعالى حصن دينه من أطماع الطامعين. فما معنى أن يجلس يزيد بن معاوية على رقبة الأمة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأقل من خمسين عاما. وكان يزيد فاتحة للغلمان من كل جنس ولون بعد ذلك؟ إذا كانت هناك إجابة فهي أن مبادئ التحصين لم يلتفت إليها بعد الرسول إلا في حدود ضيقة. فإن قيل أن مبادئ التحصين وضعت أيام الرسول وسارت عليها الأمة من بعده مدة طويلة. نقول أن التاريخ لا يقول بذلك. ونحن أمام التاريخ إما أن نقول. أن الرسول وضع أساسا سار عليه الناس من بعده. وفي هذا ظلما للدعوة. وإما أن نقول أن الرسول وضع أساسا ولم يسير الناس عليه بعد موته إلا في حدود وهذا القول يستقيم مع حركة التاريخ وأيضا مع إخبار الرسول بالغيب عن ربه. فمعنى أن الأمة ستتبع سنن الذين من قبلها. أن حلقات التحصين ستذوب ليختلط هذا مع ذاك. ومعنى أن حلقات التحصين ستذوب أن ساحة النسيان بين الأمة وحلقات التحصين ستتبع.

والنسيان أرض خصبة للشيطان وعلى امتداد التاريخ انطلق الشيطان منها نحو البشرية. دخل إلى قوم نوح منها وإلى قوم عاد عندما أقاموا أبنيتهم على الأعمدة لتفادي الطوفان لما دثرت ثقافة النسيان حقيقة الطوفان. وعندما أهلكهم الله بالريح. دخل إلى ثمود من بعدهم عندما حفروا بيوتهم في الصخور كي يتفادوا الرياح لما دثرت ثقافة النسيان حقيقة الرياح. وهكذا لا نستبعد أن قول الرسول لعلي بن أبي طالب " من كنت مولاه فعلي مولاه " ضاع أثره في عالم النسيان في الأمة الخاتمة شأنها شأن الأمم السابقة. ولذا نجد أن أمير المؤمنين عندما ذكر العديد بهذا الحديث كانت إجابتهم واحدة " نسينا "!! وكل نسيان له مقدمات

٤٩٣
على امتداد التاريخ الإنساني.

وعلى هذا فالقول بأن الرسول وضع أساسا وسار عليه الناس. هذا القول يذهب كهباء ضائع في خلاء بمجرد النظر في أحداث مقتل الحسين والحرة ودخول الخيل مسجد النبي وحرق البيت العتيق بعد وفاة النبي بنصف قرن تقريبا.

ويبدو هذا القول عاجزا أمام طريقة اختيار الخليفة منذ البداية وحتى عالم الوراثة الذي سنه معاوية بن أبي سفيان وأخذ من بعده أشكالا متعددة على امتداد التاريخ تحفظ للفرد أو القبيلة أو الحزب حقه في رقاب الناس. إن دين الله لا يوضع على الموائد ليقول فيه كل صاحب هوى. وإلا لماذا أهلك الله الأمم السابقة ومنهم من قال: " ما أريكم إلا ما أرى)؟ وقد جعله الله عبرة للمسلمين بمقدار ما هو عبرة لبني إسرائيل. قال تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا " (٢١٢) لم يقل:

كما أرسلنا إلى مدين رسولا أو إلى المؤتفكة رسولا. وإنما اختار فرعون. ليتدبر الذين أمسكوا بذيول القياصرة والأكاسرة والفراعنة. في قصة الذي عصى الرسول فأخذه الله أخذا وبيلا. والآية الكريمة يجد المتدبر فيها شعاعا يلقي بضوئه على حركة تاريخ المسلمين.

ويبقى سؤال: إذا كانت حركة التاريخ تستقيم مع الأساس الذي وضعه النبي. فكيف يستقيم هذا مع الحديث الشريف: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية " (٢١٣) فهل يزيد بن معاوية وأمثاله ومروان بن الحكم والوليد بن يزيد وأمثالهما يدرجوا ضمن الأئمة الذين إذ لم يعرفوا كان مصير من لا يعرفهم أن يموت موتة جاهلية؟ إن يزيد قتل الحسين والعديد من علماء الإسلام أجازوا لعنه. وفي عهد يزيد اقتحمت الخيول المدينة وبايع أهلها يزيد على أنهم عبيد له. ومروان كان سببا مباشرا في قتل عثمان وهو قاتل طلحة وفوق كل هذا فهو ابن طريد رسول الله ولعن الرسول أباه وهو في صلبه. والوليد فتح نافذة الغناء والطرب والمجون ليدخل الشذوذ والانحراف من كل لون. إذا كانت الإجابة. إن هؤلاء

(٢١٢) سورة المزمل، الآيتان: ١٥ - ١٦.

(٢١٣) رواه الطبراني (الزوائد: ٢١٨ / ٥).

٤٩٤
أئمة ساروا على الأساس الذي وضعه الرسول، فإن هذه الإجابة ستكون ظلما للإمامة. وإلا يكون تعريف الإمامة نفسه قد التقط من على طريق القهقري والطمس. حيث الإمامة على هذا الطريق تدعو إلى النار كما في الحديث:

" يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " (٢١٤). فكيف وعلى أي أساس تعقد الإمامة لمن لا يقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن انعقاد الإمامة لهذه الأنماط البشرية. يعني أن الحركة تسير على غير الأساس الذي وضعه الرسول الأكرم. لأن الحركة تاجرت بالشعار وجندت ألفاظه لخدمة مآربها. ولأن الجماهير في عالم الفتن قد افتتنت بهذه الشعارات ترتب على ذلك الموتة الجاهلية كما ورد في الروايات المتعددة. أن الذين تاجروا بالشعار أعد الله لهم عذابا أليما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ليتمنين أقوام ولوا هذا الأمر.

أنهم خروا من الثريا وأنهم لم يلوا شيئا)(*).

وما ينطبق على استعمال لفظ الإمامة في الفتنة ينطبق أيضا على استعمال لفظ الجماعة. ففي الحديث الشريف. " من فارق الجماعة شبرا فقد فارق الإسلام (٢١٥) والحديث: (... فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه " (٢١٦) وغير ذلك من الأحاديث التي تنادي بالجماعة وفقا للأساس الذي وضعه النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا حدث ولم نر جماعة فمعنى ذلك أن الطريق من الأساس إلى نقطة الافتراق كان به عقبات.

ولقد روى أصحاب التواريخ والتراجم والسير والصحاح والمسانيد والتفسير. أن المذاهب الفكرية قطعت الأمة إلى رقع، حلال الحقبة الأولى من تاريخ المسلمين. فكان الخوارج في العراق وفارس والجزيرة والأباظية في عمان. ثم بدأت المذاهب تضع الأسوار حول أراضيها. فاستقلت الأدارسة والأغالبة والطاهرية والزيادية من العصر العباسي الأول. وفي عصر المماليك استقلت

(٢١٤) رواه مسلم: ٢٠ / ٥.

(*) رواه أحمد (كنز العمال: ٢٣ / ٦).

(٢١٥) رواه البزار (الزوائد: ٢٢٤ / ٥).

(٢١٦) رواه الإمام أحمد (الزوائد: ٢١٧ / ٥).

٤٩٥
الصفارية بفارس والسمانية بخراسان والزيدية بطبرستان والطولونيون والإخشيديون بمصر والشام والفاطميون في الشمال. ولم يبق مع عاصمة الخلافة سوى العراق والسواد. ويقول السيوطي: في دولة بني العباس إفترقت كلمة الإسلام وانقسمت ممالك الأرض. وحكم الناس بالعسف والظلم والجور. وقال الذهبي: بدولة العباس تفرقت الجماعة (٢١٧) إن الطريق إلى هذا التمزق لم يكن بحال ينتمي إلى الأساس الذي وضعه النبي الذي لا ينطق على الهوى صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذا الطريق الذي يدعي الجماعة. ضرب الرسول جماعته عندما تحدث عن أئمة الفتن كما ورد في الصحيح وقال: (لو أن الناس اعتزلوهم) إن هذا القول ينسف قول الذين جندوا لفظ الجماعة لخدمة مآربهم. فإذا قال قائل. إن الجماعة قائمة على مستوى الأمة وهي على نفس الأساس الذي وضعه رسول الله. فإننا نقول: إن هذا القول بالنسبة للمساحة العريضة. قول رده علماء التاريخ. حيث قالوا بدولة العباس تفرقت الجماعة. وفي عالم التتار والمماليك كانت الكارثة عظيمة. وهذه الكارثة مهدت فيما بعد لأيامنا هذه التي لا نعرف حتى أسمائها ولا نعرف لأحداثها ألوانا وهذا كله يصرخ في أسماع الوجود بأن النتيجة لا تنسجم إلا مع مقدمتها.

ولا يخفى على المتدبر أن الروايات التي تطالب بمعرفة الإمام حتى لا يكون هناك ميتة جاهلية. والروايات التي تطالب بالجماعة حتى لا يكون هناك مفارقة للإسلام. هذه الروايات تنسجم مع الروايات التي حددت أن الأئمة من قريش.

ولكن أي قريش؟ إن التاريخ يخبرنا بأن قريشا وضعت نظاما من تحت مظلته حرقت الكعبة ودام به الحكم بالوراثة وحكم الناس في ظله بالظلم والجور. فأي قريش يقود إلى النجاة؟ إننا لا نقبل أن يكون التحديد خاضعا للأهواء. فلنتدبر تحديد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الشأن وبه نعلم أي قريش يقود إلى النجاة؟ قريش المال والسلاح. أم قريش العفة والعلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (" قريش ولاة هذا الأمر. فبر الناس تبع لبرهم.

وفاجرهم تبع لفاجرهم) " (٢١٨) وقال: (" الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها.

(٢١٧) عقيدة المسيح الدجال / للمؤلف: ص ١٨٢.

(٢١٨) رواه الإمام أحمد وفي الصحيح طرف منه (الزوائد: ١٩١ / ٥).

٤٩٦
وفجارها أمراء فجارها) " (٢١٩) وقال: (إن خيار أئمة قريش خيار أئمة ا لناس ا (٢٢٠).

والخلاصة: إن حركة التاريخ تقر وتعترف بأن السواد الأعظم قد أخذ بذيول أهل الكتاب شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى أن رقعة كبيرة في هذا السواد أصبحت في النهاية تخجل من الانتساب للإسلام إرضاء لجبابرة أهل الكتاب الذين يتربعون على قمة النظام الدولي الذي أقرته الأهواء. ووراء ذيول أهل الكتاب تتردد ألفاظ لا معنى لها مثل. الإمامة والجماعة والأمة. ونظرا لأن هذه الألفاظ تستعمل في أكثر من ساحة وتستعمل في كل فتنة. فإن المطلوب إرجاعها إلى الإسلام للوقوف على معناها الدقيق.

لقد سردنا على امتداد هذا الكتاب. الانحرافات البشرية. وبينا أن الشيطان أفصح عن خطته منذ اليوم الأول عندما رفض السجود لآدم. وبينا أن تحقير الإنسان خرج من تحت إدعاء الشيطان بأنه خير من آدم. وأن تقييض الشيطان للصراط المستقيم تم على امتداد التاريخ البشري على أكتاف المنافقين الذين يسيرون على الصراط المستقيم بفقه الشعار الخالي من الشعور. فقه القول الذي لا يتطابق مع العمل. وإن. الشيطان اعتمد في خطته على التزيين والإغواء وطرح الأماني والآمال على عقول البشر. كي يندفعوا وراء الشذوذ والانحراف ولا يجدوا حرجا من تغيير خلق الله والعمل على اجتثاث أي أصول تدعو إلى الفضيلة. وبينا أن الله تعالى حاصر خطوات الشيطان. بإرشاد الإنسان إلى طرق الخير على لسان رسله وأنبيائه عليهم السلام. وأن الشيطان لا يستطيع أن يضر إنسان لأن الله تعالى ضرب على خطواته العجز بحيث لا تصيب إلا الذين خرجوا من دائرة الأمان باختيارهم واتجهوا نحو زينة الشيطان وزخرفه وذكرنا أن الرسالة الخاتمة قصت على البشرية الانحرافات الكبرى. وكيف ضربها الله تعالى بأسباب الكون وطالبت الرسالة البشرية. بالنظر إلى الخلف ليكون للإنسان في ماضيه عبرة. لينطلق إلى المستقبل هو لا يحمل من الماضي انحرافا أو شذوذا.

وأن يتقدم إلى الأمام بزاد الرسالة الخاتمة. التي حصنت الإنسان من كل موارد

(٢١٩) رواه الطبراني (الزوائد: ١٩٢ / ٥).

(٢٢٠) رواه الطبراني (الزوائد: ١٩٥ / ٥).

٤٩٧
الهلاك التي تكمن في المستقبل.

وإذا كان لنا في الختام كلمة. فإننا نقول: يخطئ من يظن أن تاريخ الإسلام هو نفسه تاريخ المسلمين. ويخطئ من يظن أن تاريخ الإسلام كله صراعات وبحث عن المال والكرسي. وهذه المقولة تاجر بها العديد على امتداد التاريخ وهي لا تقترب من الصواب بحال من الأحوال. إن تاريخ الإسلام في عصر الرسالة الخاتمة امتداد لتاريخ الإسلام منذ اصطفى الله تعالى آدم. وتاريخ الإسلام هو تاريخ الفطرة التي يقف في مربعها نوح وآل إبراهيم وآل عمران. فمن أراد أن يقف على تاريخ الإسلام. فعليه بحركة الأنبياء والرسل ودعوتهم في اتجاه عبادة الله الحق. وفي عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ تاريخ الإسلام في دعوته وحججه التي أقامها على معسكر الشذوذ والانحراف. ولأن تاريخ الإسلام هو تاريخ الفطرة النقية. فإنك لا تجد على امتداد هذا التاريخ ما تنفر منه الفطرة السوية. وتجد أن الله تعالى أيد هذا التاريخ على امتداده بالنصر والظفر على أعدائه وإن طال المدى. أما تاريخ المسلمين فهو شئ آخر. فما استقام منه مع حركة الرسل فهو من تاريخ الإسلام. أما الصراعات والأحقاد من أجل هوى من الأهواء. فهذا لا علاقة للإسلام به. لأنه من تاريخ الناس. ومن الناس من أغواهم الشيطان وزين لهم فانطلقوا مع أمانيه في اتجاه القهقري والطمس.

فكيف يستقيم تاريخ قهقري مع تاريخ يقيم رسل الله وأتباعهم وجوههم فيه في اتجاه العبادة الحق. إن بني إسرائيل قبل أن يعبروا البحر مع موسى عليه السلام كانوا يدونون تاريخ الإسلام. وعندما نصبوا العجل قبل أن تجف أرجلهم من مياه البحر. كانوا يدونون تاريخ بني إسرائيل. والذين آمنوا منهم برسول الله عيسى عليه السلام. كانوا يدونون تاريخ الإسلام حتى الليلة التي رفع الله فيها رسوله عيسى. وعندما أشرقت الشمس ووجدوا شبيه المسيح على الصليب. وكان المسيح قد ذكر لهم ذلك. تبخر قول المسيح لهم وراحوا يدونون تاريخهم الذي لا يعرف المسيح عنه شيئا. وفي عصر الرسالة الخاتمة أحكمت الشريعة القفل على جميع الانحرافات وحذر كتاب الله من المنافقين الذين يحملون الرجس على عقولهم وأبدانهم وحذر من المشركين الذين يحملون النجس على عقولهم وأبدانهم. وحذر من اتخاذ بطانة من هؤلاء أو هؤلاء. لأن اتخاذ البطانة من هؤلاء سيكون فاتحة لبكاء بلا احتجاز. ولكن العديد من المسلمين رأوا أن الاقتراب من

٤٩٨
هؤلاء لن يضر المسيرة في شئ. وكانت النهاية كما ذكرنا. واتسعت دائرتها في عصرنا الحاضر حتى تسلل اليهود من تحت الأظافر. وامتصت بنوكهم ثرواتنا.

وأصبح لهم ولغيرهم الصوت المسموع في المحافل الدولية التي صنعوها. ونحن لا نجيد إلا العزف على عود الوليد بن عقبة ونهتز طربا على أشعار شعراء المجون والانحراف.

ويخطئ من يظن أن تاريخ المسلمين قد ابتلع تاريخ الإسلام. فللإسلام طائفة تعمل على امتداد التاريخ وهذه الطائفة لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله. ولقد أفاضت الروايات في طائفة الحق منها (" لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين. لعدوهم قاهرين. لا يضرهم من جابههم..) (٢٢١) ويخطئ من يظن أن تاريخ المسلمين دون كله في دروب الانحراف. فالمسلمين هم وحدهم الذين يعرفون معنى الطهارة والشرف. وغيرهم لا يقيم لهذه الأمور وزنا.

ودائرة الاختلاف عند المسلمين منحصرة في القيادة لا غير. فكل طائفة ترى أن قيادتها أحق وكل طائفة تدعم أقوالها بما لديها من حجج. ونحن في هذا الكتاب ابتعدنا عن أي حجة لا تستند على كتاب الله وحديث رسوله وحركة التاريخ. كي يظهر الحق ويشع بعيدا عن أسواق الجدل. ورغم الجدل الدائر حول من الأحق بكرسي الخلافة أو بكرسي الوعظ والإرشاد. إلا أن المسلمين في العبادات يلتحفون بلحاف واحد. لا يظهر فيه الاختلافات التي من المفروض أن تكون بين المذاهب. وعالم المسلمين اليوم بعد انهيار النظم الوضعية. تعدى دائرة الخلاف التي تنحصر في من الأحق بالقيادة واتجه إلى فقه الشعار الذي يحتضن فقه الشعور ولا يسير إلا به. وذلك بعد أن تبين المسلمون حقيقة المخاطر التي تحيط بهم على مستوى النظام الدولي. باختصار بدأ المخلصون في العالم الإسلامي في العمل على رقعة واحدة. ونحن نأمل أن تكون هذه البداية مقدمة لوحدة اقتصادية وتربوية وعسكرية. تمهد الطريق ليوم الإنتصار. يوم يجتمع أصحاب طريق الطمس والقهقري تحت راية المسيح الدجال ذلك الشر المخبوء. الذي من عدل الله جعل أمامه خيرا مخبوءا يحمل رايته المهدي المنتظر. وهو من ولد فاطمة عليها السلام كما ذكرت الأحاديث والمهدي عندما

(٢٢١) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه البزار والطبراني ورجاله ثقاة (الزوائد: ٢٨٧ / ٧).
٤٩٩