×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٢ - تحقير أتباع الرسول:

وفقا لفقه (ما نراك وما نرى) الذي وضع قواعده كفار قوم نوح في بداية المسيرة البشرية، وبعد أن قالوا لنوح عليه السلام: (ما نراك إلا بشر مثلنا) انتقلوا إلى أتباعه الذين آمنوا برسالته وقالوا: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (٢٩): قال المفسرون: الرذل أي الخسيس الحقير من كل شئ (٣٠) لقد قالوا له ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك، لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك، ولهذا قالوا. (بادي الرأي) (٣١) لقد نظروا إلى أتباع نوح عليه السلام. بمنظار الطبقة المملوءة الجيوب المنتفخة الأفخاخ والبطون.

ثم قالوا بعد أن فرغوا من تحقير أتباع نوح: (وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) أي أن دعوتكم لنا ونحن عندنا ما نتمتع به من مزايا الحياة الدنيا كالمال والبنين والقوة. إنما تستقيم لو كان لكم شئ من الفضل تفضلون به علينا من زينة الحياة الدنيا أو علم من الغيب، حتى يوجب ذلك خضوعا منا لكم.

ونحن لا نرى شيئا من ذلك عندكم، ودعوتكم هذه مع حالكم هذا، تجعلنا نظن بأنكم كاذبون فيما تقولوه لنا، وأنكم في الحقيقة لا تريدون إلا نيل ما بأيدينا من أموال وثروات. والاستعلاء علينا بالحكم والرئاسة (٣٢).

وهكذا اتهموا نوحا عليه السلام بالتآمر عليهم عندما قالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) (٣٣) واتهموه هو وأتباعه بنفس التهمة عندما قالوا: (وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (٣٤) إن الشذوذ والإنحراف في قانونهم نظام، قاعدة وغيره استثناء، ومن يقترب من القاعدة بماء نظيف فهو خارج عن القانون، لقد اتهموا الدعوة بأنها دعوة الجياع الذين يريدون

(٢٩) سورة هود، الآية ٢٧.

(٣٠) الميزان: ٢٠٢ / ١٠.

(٣١) تفسير ابن كثير: ٤٤٢ / ٢.

(٣٢) الميزان: ٢٠٤ / ١٠.

(٣٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢٤.

(٣٤) سورة هود، الآية: ٢٧.

٤١
الاستيلاء على الطعام وزخرف الحياة. ولوحوا إلى نوح عليه السلام بأن يطرد هؤلاء من حوله. نظرا لخطورتهم على المدى البعيد كما يعتقدون يقول تعالى:

(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين) (٣٥). قال المفسرون: لقد ذكروا له أن متبعيه من العبيد والفقراء والسفلة وأرباب الحرف الدنيئة. فنفى عليه السلام علمه بأعمالهم قبل إيمانهم به (٣٦) وقال وأي شئ يلزمني من أتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شئ كانوا عليه، لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل (٣٧). وقوله: (وما أنا بطارد المؤمنين) كأنهم سألوا منه أن يبعدهم فقال: لا شأن لي إلا الإنذار والدعوة. فلست أطرد من أقبل علي وآمن بي (٣٨) فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني سواء كان شريفا أو وضيعا. جليلا أو حقيرا (٣٩) وفي مجمل رده عليه السلام كما جاء في سورة هود قال: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون) (٤٠) قال المفسرون: لقد أطلق المترفين على أتباعه لفظ الأراذل. فغير عليه السلام اللفظ إلى الذين آمنوا تعظيما لإيمانهم وارتباطهم بربهم. ورفض أن يطردهم من عنده. وعلل ذلك. بأن الذين آمنوا. لهم يوما يرجعون فيه إلى الله. فيحاسبهم على أعمالهم. فالملأ ينظر إلى أتباعه. على أنهم أراذل ولا يملكون مالا أو جاها، وهذه نظرة قاصرة، فالحياة الدنيا عرض زائل وسراب باطل. ولا تخلو من خصال خمس: لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر. وهذه الخصال يتعلق بها أو ببعضها هوى الإنسان، وهي أمور زائلة لا تبقى للإنسان. ولكن تكون النظرة ثاقبة. يجب النظر إلى عمل الإنسان. وهذا العمل سيظهر جليا يوم القيامة.

(٣٥) سورة الشعراء، الآيات: ١١١ - ١١٥.

(٣٦) الميزان: ٢٩٦ / ١٥.

(٣٧) ابن كثير: ٣٤٠ / ٢.

(٣٨) الميز ن: ٢٩٦ / ١٥.

(٣٩) ابن كثير: ٣٤ / ٣.

(٤٠) سورة هود، الآيتان: ٢٩ - ٣٠.

٤٢
والذين آمنوا سيعرضون على الله فيحاسبهم، ولا يملك أحد أن يحاسبهم سواه... ثم قال لهم: (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون) أي من يمنعه من عذاب الله إن طردهم من عنده، أفلا يتذكرون أن هذا العمل إذا تم يكون ظلما؟ والله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم وينتقم منه، والعقل جازم بأن الله سبحانه لا يساوي بين الظالم والمظلوم، ولا يدع الظالم يظلم دون أن يجازيه على ظلمه بما يسوءه ويشفي به غليل صدر المظلوم والله عزيز ذو انتقام (٤١).

لكن القوم لا يفقهون قولا، فدستور التحقير الذي وضع الشيطان أصوله جرى في عروقهم مجرى الدم، فهم قادة عالم اللعب واللهو والزينة وهم أساتذة في التفاخر، فإذا جاءهم منهج من غيرهم واتبعه عمالهم كان في ذلك شقاؤهم.

لهذا وقفوا منذ البداية في موقف الصد عن سبيل الله، وتبني الأشراف ثقافة تشربها العامة والغوغاء بسهولة، ثقافة تقول لهم: لا تضيعوا وقتكم أمام دعوة لا طائل من ورائها! ثقافة تحرك لسانها بكلمات عذبة تضمر خدعا معسولة خدع معسولة تلفها أحابيل ماكرة. أحابيل ماكرة ما إن تسمعها آذان الغوغاء حتى تحتضنهما قلوبهم وتدافع عنها سواعدهم، وكفى بالسواعد أن تدافع عن نظام الملأ! ذلك النظام الذي يهدده أراذل إخساء على رأسهم بشر يدعي أنه يوحى إليه. ويطالب القوم باتباعه وطاعته، وهو - أي الرسول - وهم - أي الأراذل - لا يملكون لعبا ولا لهوا ولا زينة. والخلاصة أن فقه التحقير والانتقاص الذي وضعه الشيطان ورعاه كفار قوم نوح في بداية الطريق. كان بجميع المقاييس كارثة على المسيرة البشرية فيما بعد لأنه كان عمود عتيق على طريق الانحراف والصد عن سبيل الله.

* ثالثا: دفع الصد والتحقير:

لقد تقدم نوح عليه السلام برسالته التي بعثه الله تعالى بها إلى قومه، وكانت الرسالة في مجملها إنذار: أن لا يعبدوا إلا الله لأنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم، وعندما تقدم عليه السلام برسالته إلى قومه صدوه بردود ثلاثة:

الأول: قولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا).

(٤١) الميزان: ٢٠٨ / ١٠.
٤٣
والثاني: قولهم: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي).

والثالث: قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل) وانتهى القوم إلى حكم قالوا فيه: (بل نظنكم كاذبين) وهو حكم يحتوي في مضمونه أن الدعوة ما سلكت هذا الطريق إلا لهدف واحد. هو السيطرة على المال والثروات والحكم! فماذا كان رد نوح عليه السلام على هذه الصدود الثلاث؟ وعلى هذا الحكم الذي ترتب على هذه الصدود؟ لقد كان رد نوح عليه السلام ردا شافيا كافيا، وجاء ذلك في قول الله تعالى:

(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ري وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين) (٤٢).

قال المفسرون: لما كانت حجتهم مبنية على الحس ونفي ما وراءه، وقد استنتجوا من حجتهم عدم الدليل على وجوب طاعته واتباعه. أجابهم عليه السلام: بإثبات ما حاولوا نفيه من رسالته وما يتبعه، ونفي ما حاولوا إثباته.

باتهامه واتهام أتباعه بالكذب، غير أنه عليه السلام استعطفهم بقوله: " يا قوم " مرة بعد مرة ليجلبهم إليه. فيقع نصحه موقع القبول منهم. وقد أبدعت الآيات الكريمة في تقرير حجته عليه السلام في جوابهم فقطعت حجتهم فصلا فصلا.

فقوله: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة...) جواب على قولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا) وقوله: (يا قوم لا أسألكم عليه مالا...) جواب عما اتهموه به من الكذب ولازمه أن تكون دعوته طريقا إلى جلب أموالهم لأنه يريد أن يتفضل عليهم. وقوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا...) جواب عن قولهم: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا...) وقوله: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) جواب عن قولهم: (ولا نرى لكم علينا من فضل).

(٤٢) سورة هود، الآيات: ٢٨ - ٣١.
٤٤

١ - إثبات الرسالة:

لقد رفضوا الرسول البشر وقالوا: (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) (٤٣) فكانت حجته عليه السلام: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (٤٤) قال المفسرون: كان سندهم في نفي الرسالة أنه بشر، لا أثر ظاهر معه يدل، على الرسالة والاتصال بالغيب. فكان عليه أن يظهر ما يفيد صدقه في دعوى الرسالة.

وهي الآية المعجزة الدالة على صدق الرسول. في دعوى الرسالة. لأن الرسالة نوع من الاتصال بالغيب خارق للعادة الجارية. لا طريق إلى العلم بتحققه، إلا بوقوع أمر غيبي آخر خارق للعادة، يوقن به كون الرسول صادقا في دعواه الرسالة، ولذلك أشار عليه السلام بقوله: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) إلى أن معه بينة من الله وآية معجزة تدل على صدقه في دعواه. وقوله:

(وآتاني رحمة من عنده) يشير به إلى ما آتاه الله تعالى من الكتاب والعلم، وقد تكرر في القرآن الكريم تسمية الكتاب وكذا تسمية العلم بالله وآياته رحمة (٤٥).

أما قوله: (فعميت عليكم) المراد منه: أن ما عندي من العلم والمعرفة أخفاها عليكم جهلكم وكراهتكم للحق. بعد ما ذكرتكم به وبثثته فيكم. وقوله:

(أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) المراد إلزامهم الرحمة وهم لها كارهون.

والمعنى - والله أعلم - أخبروني إن كانت عندي آية معجزة تصدق رسالتي مع كوني بشر مثلكم، وكانت عندي ما تحتاج إليه الرسالة. من كتاب وعلم يهديكم إلى الحق، لكن لم يلبث دون أن أخفاه عليكم عنادكم واستكباركم..

أيجب علينا عندئذ أن نجبركم عليها؟ أي عندي جميع ما يحتاج إليه رسول من الله في رسالته، وقد أوقفتكم عليه. لكنكم لا تؤمنون به. طغيانا واستكبارا. وليس علي أن أجبركم عليها. إذ لا إجبار في دين الله سبحانه...

(٤٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢٤.

(٤٤) سورة هود، الآية: ٢٨.

(٤٥) قال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) سورة هود، الآية: ١٧، وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة) سورة النحل، الآية: ٨٩، وقال تعالى: (فوجد عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا) سورة الكهف، الآية: ٦٥.

٤٥
ففي بيانه تعريض لهم أنه قد تمت عليهم الحجة. وبانت لهم الحقيقة.

فلم يؤمنوا. لكنهم مع ذلك يريدون أمرا يؤمنون لأجله، وليس إلا الإجبار والإلزام على كراهية، فهم في قولهم: لا نراك إلا بشرا مثلنا.. لا يريدون إلا الإجبار، ولا إجبار في دين الله، والآية من جملة الآيات النافية للإكراه في الدين، وتدل على أن ذلك من الأحكام الدينية المشرعة في أقدم الشرائع، وهي شريعة نوح عليه السلام، وهذا الحكم باق على اعتباره حتى اليوم من غير نسخ (٤٦). وقد ظهر مما تقدم أن الآية (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة...) جواب عن قولهم: (لا نراك إلا بشرا مثلنا...) ويظهر بذلك فساد قول البعض إنه جواب عن قولهم: (بل نظنكم كاذبين) أو قول آخرين إنه جواب: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) أو غير ذلك (٤٧).

لقد أقام نوح عليه السلام الحجة عليهم من أول يوم في بعثته. ولكن الذين كفروا لم يكن عندهم استعداد للوقوف في مجرى الرحمة الإلهية، والوقوف في مهب النفحات الربانية، لهذا لم ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله. وما يسمعون من مواعظ نوح. وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة. لقد نظروا بعيون العناد وفكروا بعقول الاستكبار، ثم طالبوا نوحا أن يثبت لهم أنه مبعوث إليهم. وكيف السبيل إلى ذلك وهم نزلوا بأسماعهم وبأبصارهم وبطونهم المنزلة التي في الأنعام. واستعملوها فيما تستعملها فيه الأنعام وهو التمتع من لذائذ البطن والفرج. ومنزلة الأنعام التي نزلوا إليها أرفع منهم وأقوم، لأن الأنعام مهتدية بحسب تركيبها وخلقها. غير ضالة لأنها تسير على الطريق الذي خلقت لأجله.

أما هؤلاء فقد قطعوا شوطا طويلا في عالم الضلال والغفلة وألقوا بإنسانيتهم في أسفل سافلين. وكل هذا من أجل حفنة من زخرف الحياة. لونها لهم الشيطان وغواهم بها.

٢ - الدفاع عن الإنسان:

لقد اتهموا نوحا عليه السلام بأنه يريد بدعوته أن يتفضل عليهم ويترأس فيهم وينال هو وأتباعه ما بأيديهم من أموال وثروات، فكان جوابه على هذا:

(٤٦) الميزان: ٢٠٧ / ١٠.

(٤٧) الميزان: ٢٠٧ / ١٠.

٤٦
(ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) (٤٨) قال المفسرون: أي أنه إذ لم يسألهم شيئا من أموالهم، لم يكن لهم أن يتهموه بذلك (٤٩) إنهم أبقوا بقضية الأموال وسط الساحة في حين أنه لا توجد له فيها ورقة، ثم اتهموه مع أتباعه أن دعوته لها أهداف أخرى وأشاروا بطرد أتباعه والكف عن دعوته، وعندما رفض هددوه بالرجم قال: (وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) (٥٠). وعندما ربط القوم بين الأموال والاتباع جاء رده عليه السلام أولا بنفي الأجر ثم بالدفاع عن الأتباع ثم إخبارهم بعد ذلك بأنه لا يملك الخزائن، فهو أولا لم يطمع فيما عندهم من مال، ولا يسألهم على نصحه لهم أجرا، وعلى هذا فالضعفاء الذين يؤمنون به لا يطمعون في مال عنده أخذه من القوم ولا يطمعون في كنوز يخفيها لأنه ليس عنده من هذه الكنوز شيئا... (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين) (٥١).

قال المفسرون: بعد دفاعه عن الذين آمنوا وإظهار أنهم ما آمنوا إلا ابتغاء وجه الله، وأن حسابهم على الله، قام بالرد على قولهم: (ولا نرى لكم علينا من فضل، فقال: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله...) الآية. قال المفسرون: يرد عليهم قولهم بأني لست أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعون مني أن أدعيه. وبما أني أدعي الرسالة فإنكم تزعمون أن على الرسول أن يمتلك خزائن الرحمة الإلهية. فيغني الفقير ويشفي العليل ويحيي الموتى. ويتصرف في السماء والأرض وسائر أجزاء الكون بما شاء وكيف شاء. وأن يملك علم الغيب فيحصل على كل خير محجوب عن العيون.. وأن يرتفع عن درجة البشرية

(٤٨) سورة هود، الآية: ٢٩.

(٤٩) الميزان: ٣٠٧ / ١٠.

(٥٠) سورة الشعراء، الآيات: ١١٤ - ١١٦.

(٥١) سورة هود، الآيات: ٢٩ - ٣١.

٤٧
إلى مقام الملائكة فيكون ملكا منزها من ألواث الطبيعة ومبرئ من حوائج البشرية ونقائصها فلا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا يقع في تعب اكتساب الرزق. فهذه هي جهات الفضل التي تزعمون أن الرسول يجب أن يؤتاها ويمتلكها، وقد أخطأتم، فلبس للرسول إلا الرسالة. وإني لست أدعي شيئا من ذلك، فلا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك، وبالجملة لست أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعونه حتى تكذبوني بفقده، وإنما أقول فقط: إني على بينة من ربي تصدق رسالتي، وآتاني رحمة من عنده (٥٢).

وبعد أن حطم عليه السلام الوثنية في أساطيرهم، بدأ في تحطيم ميزانهم الذي أقاموه. بدلا من سنة العدل الاجتماعي، وبه قاموا بتصنيف خلق الله فقال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم...) قال المفسرون: هذا الفصل إشارة إلى ما كان يعتقده الملأ الذين كفروا من قومه. وبنوا عليه سنة الأشرافية وطريقة السيادة. وهو أن أفراد الإنسان تنقسم إلى قسمين. الأقوياء والضعفاء، أما الأقوياء فهم أولو الطول المعتضدون بالمال والعدة. وأما الضعفاء فهم الباقون. الأقوياء هم السادة في المجتمع الإنساني، ولهم النعمة والكرامة، ولأجلهم انعقد المجتمع، وغيرهم من الضعفاء... مخلوقون لأجلهم، وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في المجتمع... إنسان منحط أو حيوان في صورة إنسان. وهو داخل المجتمع يشارك في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كده، والضعيف في المجتمع محروم من الكرامة، مطرود عن حظيرة الشرافة.. فهذا هو الذي كانوا يرونه، وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم وقد رد نوح عليه السلام ذلك. وبين خطأهم في معتقدهم بقوله: (الله أعلم بما في أنفسهم) أي أن أعينكم إنما تزدريهم وتستحقرهم، وتستهين أمرهم. لما تحس ظاهر ضعفهم وهوانهم، وليس هذا الأساس في إحراز الخير ونيل الكرامة، بل الأساس في ذلك أمر النفس وتحليها بحلي الفضيلة، ولا طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا القلوب، فلله وحده ذلك، وليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير

(٥٢) الميزان: ٢٠٩ / ١٠.
٤٨
والسعادة (٥٣).

لقد حطم عليه السلام بحججه أصنام التحقير والانتقاص. وبين لهم أنه لا يدعي شيئا مما يتوقعونه من رسالته، فليس للرسول إلا الرسالة وقد قدم لهم ما يثبت صدقه في أنه رسول من الله رب العالمين. لكنهم نظروا إلى البينة والرحمة بعيون الاستكبار فعميت عليهم. ثم أخبرهم أن الضعفاء الذين لهم هوان عندهم لم يؤمنوا طمعا في مال عنده. لأنه لا يملك هذا المال بدليل أنه لم يسألهم أموالهم ولم يدع أنه يملك خزائن الرحمة وعلم الغيب، وبين لهم أن الله تعالى هو العليم بما في الصدور. وأن ملاك الكرامة الدينية والرحمة الإلهية زكاء النفس وسلامة القلب، فمن الجائز أن يعلم الله من نفوس هؤلاء الضعفاء خيرا فيؤتيهم خيرا، ولا ينبغي أن يقال لن يؤت الله هؤلاء خيرا، لأن القول بهذا ظلم يدخل صاحبه في زمرة الظالمين. لقد قال نوح عليه السلام هذا وهو يدعوهم إلى التوحيد، كان يخاصمهم ويحاجهم بفنون الخصام والحجاج حتى قطع جميع معاذيرهم وأنار الحق لهم على امتداد مئات من السنين. ولكن كفار قومه أصروا على التكذيب وعبادة الأوثان وتحقير الإنسان.

* رابعا: الاضطهاد والتحدي:

أمام حجج نوح عليه السلام، رفع طابور الكفر لافتة تتهم نوحا بالجنون.

يقول تعالى: (فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر) (٥٤) قال المفسرون: في التعبير عن نوح عليه السلام بقوله تعالى: (عبدنا) تجليل لمقامه وتعظيم لأمره وإشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع إليه تعالى، لأنه عبد لا يملك شيئا، وما له فهو لله، ولم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه إلى الجنون، فقالوا: هو مجنون، وازدجره الجن، فلا يتكلم إلا عن زجر وليس كلامه من الوحي السماوي في شئ، وقيل المعنى: ازدجره القوم عن الدعوة والتبليغ بأنواع الايذاء والتخويف (٥٥). وأمام سياسة الإرهاب هذه واجه نوح عليه السلام قومه

(٥٣) الميزان: ٢١٤ / ١٠.

(٥٤) سورة القمر، الآية: ٩.

(٥٥) الميزان: ٦٨ / ١٩.

٤٩
بما يقصم ظهورهم وقرع باستكبارهم في التراب يقول تعالى: (... قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) (٥٦).

قال المفسرون: لقد واجه قومه وهو واحد... تحداهم بأن يفعلوا به ما بدا لهم إن قدروا على ذلك، وأتم الحجة على مكذبيه في ذلك: (إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي) ونهضتي لأمر الدعوة إلى التوحيد أو منزلتي من الرسالة (وتذكيري بآيات الله) وهو داعيكم لا محالة إلى قتلي، وإيقاع ما تقدرون عليه من الشر بي، لإراحة أنفسكم مني (فعلى الله توكلت) قبال ما يهددني من تحرج صدوركم وضيق نفوسكم علي بإرجاع أمري إليه، وجعله وكيلا يتصرف في شؤوني ومن غير أن أشتغل بالتدبير (فاجمعوا أمركم وشركاءكم) الذين تزعمون أنهم ينصرونكم في الشدائد، واعزموا علي بما بدا لكم، وهذا أمر تعجيزي (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) إن لم تكونوا اجتهدتم في التوسل إلى كل سبب في دفعي (ثم اقضوا إلي) بدفعي وقتلي (ولا تنظرون) ولا تمهلوني.

وفي الآية تحديه عليه السلام على قومه بأن يفعلوا به ما بدا لهم، وإظهار أن ربه قدير على دفعهم عنه. وإن أجمعوا عليه وانتصروا بشركائهم وآلهتهم.

وقوله (فإن توليتم فما سألتكم عليه من أجر) أي فإن توليتم وأعرضتم عن استجابة دعوتي، فلا ضير لي في ذلك فإني لا أتضرر في إعراضكم شيئا، لأني إنما كنت أتضرر بإعراضكم عني لو كنت سألتكم أجرا على ذلك يفوت بالإعراض، وما سألتكم عليه من أجر، إن أجري إلا على الله (٥٧) وبدأ القوم يتذوقون العجز.. لم يستطيعوا القضاء على فرد واحد يقول لهم هيا اقضوا علي ولن تستطيعوا. لأني توكلت على الله ربي وربكم الذي أدعوكم إليه، وعلى

(٥٦) سورة يونس، الآيتان: ٧١ - ٧٢.

(٥٧) الميزان: ١٠٢ / ١٠.

٥٠
الرغم من وجودهم في دائرة العجز، لم يؤمنوا وكذبوا نوحا عليه السلام.

١ - استعجال العذاب:

رغم عجز القوم وعدم تحقيقهم أي تقدم للقضاء على نوح عليه السلام، إلا أن استكبارهم أغراهم للقيام بمهمة أليمة تدفع بهم إلى يوم أليم. وهذه المهمة هي اتفاق الأشراف والكبراء على طلب العذاب من نوح: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فآتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) (٥٨) لقد جاءهم بالبينة ليثبت صدقه، ولكنهم أعرضوا عنها، وجاءهم بالتحدي ليثبت صدقه، فلم يقدروا عليه وكذبوه، وها هم يطالبوه بأن يأتيهم بالعذاب ليثبت صدقه، يقولون هذا وعندما سيأتيهم العذاب لن يستطيعوا حتى التنفس، يقول المفسرون: لقد قالوا هذا بعد أن عجزوا عن دحض حجته، وأخفوا هذا العجز في ثياب الجبابرة، ومعنى قولهم والله أعلم: يا نوح قد جادلتنا. فأكثرت جدالنا، حتى سئمنا ومللنا، وما نحن لك بمؤمنين، فآتنا بما تعدنا من العذاب، أي ما أنذرتنا به في أول دعوتك من عذاب يوم أليم.

فكان رد نوح عليه السلام على طلبهم للعذاب: (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين): أي أن الإتيان بالعذاب ليس إليه، فما هو إلا رسول، إنما الإتيان به إلى الله سبحانه، لأنه تعالى هو الذي يملك أمرهم، ولقد وعدهم بالعذاب بأمره تعالى، لأن إليه مرجعهم كله، ولا يرجع إلى نوح من أمر التدبير شيئا، فالله سبحانه إن يشأ يأتيهم بالعذاب، وإن لم يشأ فلا (٥٩).

٢ - الدعاء المستجاب:

إن المجتمع الذي يصادر الحقائق ويستعبد العباد ويطلب العذاب، لا يمكن أن يقود قافلة إلى الهدى. لقد أعرضوا عن العبادة الحق، وقد دعاهم نوح عليه السلام إليها ليلا ونهارا من غير فتور ولا توان، فقابلوه بجعل أصابعهم في آذانهم وغطوا رؤوسهم ووجوههم بثيابهم لئلا يروا نوحا، واستكبروا عن قبول الدعوة استكبارا عجيبا، كما دعاهم عليه السلام سرا وعلانية، وطالبهم

(٥٨) سورة هود، الآية: ٣٢.

(٥٩) الميزان: ٢١٥ / ١٠.

٥١
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ٥٢ - ص ٧٣)
٥٢
(رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) (٦٢) كان واقعا بعد وحي الله له (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وذلك لأنه لا سبيل إلى العلم بعدم إيمان الكفار في المستقبل إلا عن طريق الوحي، فهو عليه السلام. علم أولا من وحيه تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأن أحدا منهم لا يؤمن بعد ذلك ولا في نسلهم من سيؤمن بالله، ثم دعا عليهم بالعذاب، وذكر في دعائه ما أوحي إليه (٦٣).

دعا نوح عليه السلام ربه بعد أن أصبح القوم لا فائدة في بقائهم. لأنهم أولا يضلون المؤمنين ولأنهم ثانيا لا فائدة فيهم لمن يلدونه من الأولاد، فهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا، والفجور هو الفسق الشديد، والكفار هو الذي يبالغ في الكفر، واستجاب تعالى دعوته، وأمره سبحانه بصنع السفينة وأخبره أنهم مغرقون.

٣ - أوامر النجاة:

أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) (٦٤) قال المفسرون والمعنى. واصنع السفينة تحت مراقبتنا الكاملة وتعليمنا إياك، ولا تسألني صرف العذاب عن هؤلاء الذين ظلموا، فإنهم مقضي عليهم الغرق، قضاء حتم لا مرد له (٦٥). وأوحى الله تعالى إليه: (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) (٦٦) قال المفسرون: السياق يشهد على كون فوران التنور بالماء، أمارة نزول العذاب عليهم. وفوران الماء من التنور وهو محل النار من عجيب الأمر. ثم أمره تعالى بأن يدخل في الفلك زوجين اثنين: ذكر وأنثى من كل نوع من الحيوان. وأهله والظاهر أنهم أهل بيته والمؤمنون به، والمراد بمن سبق عليه القول فمنهم امرأته

(٦٢) سورة نوح، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.

(٦٣) الميزان: ٢٢٢ / ١٠.

(٦٤) سورة هود، الآية: ٣٧.

(٦٥) الميزان: ٢٢٤ / ١٠.

(٦٦) سورة المؤمنون، الآية: ٢٧.

٥٣
الكافرة على ما فهم نوح عليه السلام، وابنه الذي أبى ركوب السفينة وقوله تعالى: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) فكأنه قيل: أنهاك عن أصل تكليمي فيهم. فضلا عن أن تشفع لهم. فقد شملهم غضبي شمولا لا يدفعه دافع (٦٧).

وبعد أن أوحى الله إليه بصنع السفينة وعلامة العذاب وهي فوران التنور، وبعد أن نهاه عن الشفاعة في الذين ظلموا قال تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) (٦٨) قال المفسرون: علمه أن يحمد الله بعد الاستواء على الفلك. على تنجيته تعالى من القوم الظالمين. وهذا بيان بعد بيان لكونهم هالكين مغرقين حتما. وأن يسأله أن ينجيه من الطوفان وينزله على الأرض إنزالا مباركا. ذا خير كثير ثابت. فإنه خير المنزلين (٦٩).

٤ - يوم الغضب:

وبدأ نوح عليه السلام في صناعة السفينة يقول تعالى: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) (٧٠) قال المفسرون: لم يقل عليه السلام إن تسخروا مني فإني أسخر منكم، وفي هذا إشارة إلى أن أهله وأتباعه كانوا يشاركونه في صنع السفينة، وكانت السخرية تتناولهم جميعا، وإن كانوا لم يذكروا في هزئهم إلا نوحا فقط، والطبع والعادة يقضيان أن يكونوا يسخرون من أتباعه أيضا. كما كانوا يسخرون منه، فهم أهل مجتمع واحد. تربط المعاشرة بعضهم ببعض. وإن كانت سخريتهم سخرية منه في الحقيقة. لأنه هو الأصل الذي تقوم به الدعوة ولذا قيل: (سخروا منه) ولم يقل: " سخروا منه ومن المؤمنين " وعندما سخر القوم من نوح وأتباعه قال لهم عليه السلام: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم فنقول لكم: سوف تعلمون من

(٦٧) الميزان: ٣٠ / ١٥.

(٦٨) سورة المؤمنون، الآيتان: ٢٨ - ٢٩.

(٦٩) ا لميزان: ٣٠ / ١٥.

(٧٠) سورة هود، الآيتان: ٣٨ - ٣٩.

٥٤
يأتيه عذاب يخزيه؟ نحن أو أنتم؟ - والمراد به عذاب الاستئصال في الدنيا - ويحل عليه عذاب مقيم - أي ينزل عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق. وهو عذاب النار في الآخرة (٧١).

لقد قذفهم بعذابين الأول موصوف بالخزي والثاني موصوف بالإقامة (٧٢) قذفهم بالعذاب القادم لا محالة بعد أن تتابعوا عليه جماعة بعد جماعة، يسخرون منه لأنه يصنع الفلك على وجه الأرض من غير ماء. وكان عليه السلام يصنع الفلك على مرأى منهم وفي ممر عام. لقد كان الصنع بوحي من الله وكان في الصنع معجزة، ولكن القوم لم يجدوا في عالمهم وثقافتهم سوى السخرية والتحقير والانتقاص. وظلوا على هذا الحال. حتى جاء اليوم الأليم. وفار التنور. وبدأ نوح عليه السلام يحمل في السفينة من آمن به. وما آمن بالله مع نوح إلا قليل. وحمل عليه السلام معه من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين، وكان القوم يشاهدون حركة نوح والذين آمنوا معه في اتجاه السفينة. فلا تزيدهم الحركة إلا سخرية. فلم يكن الذين كفروا يعلمون ماذا يعني بالنسبة لهم فوران التنور. وما إن استقر الذين آمنوا مع نوح عليه السلام على ظهر السفينة.

حتى لاحت بوادر غضب الله على الذين كفروا. فالسماء بدأت تزمجر إعلانا ليوم الغضب. وانهمر الماء من كل مكان. يقول تعالى:

(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) (٧٣) قال المفسرون: صبت السماء الماء صبا بلا قطر، صبا متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود ثم فتح هذا الباب، فانصب أشد ما يكون أما الأرض فجعلها عيونا متفجرة عن الماء. تجري جريانا متوافقا متتابعا. فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض على أهداف محددة، تنفيذا لأمر قدره الله تعالى، من غير نقص ولا زيادة ولا عجل ولا مهل. وفي هذا الهول قال نوح عليه السلام:

(بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) (٧٤) قال المفسرون: قوله

(٧١) الميزان: ٢٢٥ / ١٠.

(٧٢) ابن كثير: ٤٤٥ / ٢.

(٧٣) سورة القمر، الآيتان: ١١ - ١٢.

(٧٤) سورة هود، ا لآية: ٤١.

٥٥
هذا تسمية منه عليه السلام. يجلب به الخير والبركة لجري السفينة وإرسائها، فإن في تعليق فعل من الأفعال، أو أمر من الأمور، على اسم الله تعالى وربطه به، صيانة له من الهلاك والفساد، واتقاء من الضلال والخسران، فالله تعالى رفيع الدرجات ومن تعلق به مصون لا محالة من تطرق عارض السوء. وروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله. فجرت. وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست.

وعندما كانت السفينة تجري بهم على وجه الماء الذي جرى في كل مكان، كان الكفار يهرولون إلى كل مرتفع من الأرض طمعا في أن لا يصل الماء إليهم.

صعدوا فوق سقوف بيوتهم وفوق جذوع النخل وعلى قمم الجبال، ولكن قممهم لم تغن عنهم من الله شيئا، فالأمواج طالت مرتفعاتهم، وصفعت وجوه الظالمين وألقت بهم في أحضان العذاب الأليم، كانوا يشاهدون السفينة التي صنعت من ألواح ودسر وهي تجري في موج كالجبال وعلى متنها الذين وصفهم الأشراف يوما بالأراذل، لقد شاهدوا ما كانوا يسخرون منه. فوجدوا نوحا وأتباعه في رحاب الأمن. بينما هم في أحضان العذاب الأليم يتجرعون عذاب الخزي وهم في طريقهم إلى العذاب المقيم. وبينما كانت السفينة تجري على وجه الماء طلت الأحداث الأليمة في اليوم الأليم يقول تعالى: (وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) (٧٥) قال المفسرون: قيل إن هذا الابن الرابع لنوح عليه السلام (٧٦) وكان هذا الابن قد عزل نفسه عن أبيه والمؤمنين في مكان لا يقرب منهم. ولذلك قال: (ونادى نوح ابنه) ولم يقل: وقال نوح لابنه. والمعنى: ونادى نوح ابنه. وكان ابنه في مكان منعزل بعيد منهم. وقال في ندائه. يا بني - بالتصغير والإضافة دلالة على الاشفاق والرحمة - اركب معنا ولا تكن مع الكافرين فتشاركهم في البلاء كما شاركتهم في الصحبة وعدم ركوب السفينة. ولم يقل عليه السلام: ولا تكن من الكافرين. لأنه لم يكن يعلم نفاقه

(٧٥) سورة هود، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.

(٧٦) ابن كثير: ٢٤٦ / ٤.

٥٦
وأنه غير مؤمن إلا باللفظ ولذلك دعاه إلى الركوب: (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء...) أي سأنضم إلى جبل يعصمني ويقيني من الماء فلا أغرق (قال لا عاصم اليوم من أمر الله) أي قال نوح: لا عاصم اليوم - وهو يوم اشتد غضب الله وقضى بالغرق لأهل الأرض، إلا من التجأ منهم إلى الله - من الله لا جبل ولا غيره. وبعد أن قال نوح ذلك لابنه. حال بينهما الموج فكان ابنه من المغرقين. ولو لم يحل الموج بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك. لعرف كفره وتبرأ منه (٧٧).

إن نوحا عليه السلام. لو كان يعلم إبطان ابنه للكفر ما كان يحزنه أمره لأنه القائل: (فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) (٧٨) وهو القائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (٧٩) لم يكن نوح عليه السلام يعلم حقيقة ابنه، وعندما حال بينهما الموج توجه عليه السلام بوجدانه وشعوره إلى ربه جل وعلا: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين) (٨٠) قال المفسرون: رفع صوته بالدعاء.

كما يدل عليه قوله تعالى: (ونادى نوح ربه) ولم يقل: سأل أو قال أو دعا.

ورفع الصوت بالاستغاثة من المضطر الذي اشتد به الضر وهاج به الوجد أمر طبيعي. وفي نداء نوح عليه السلام لم يجترئ أن يسأل نجاة ابنه بالتضرع. بل أورد القول كالمستفسر عن حقيقة الأمر. وابتدر بذكر ما وعده الله من نجاة أهله حين أمره أن يجمع الناجين معه في السفينة فقال له: (احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك) ولذلك قال عليه السلام: (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق)... فذكر وعد ربه وضم إليه أن ابنه من أهله.. فابنه كان مؤمنا به ظاهرا ولم يكن نوح يعلم ما يضمره ابنه في قلبه. فقوله: (إن ابني من أهلي) و (إن وعدك الحق) ينتجان بانضمام بعضهما إلى بعض الحكم بلزوم نجاة ابنه.

ومعنى الآية: (رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك حق كل الحق، وإن

(٧٧) الميزان: ٢٣٠ / ١٠.

(٧٨) سورة الشعراء، الآية: ١١٨.

(٧٩) سورة نوح، الآية: ٢٦.

(٨٠) سورة هود، الآية: ٤٥.

٥٧
ذلك يدل على أن لا تأخذه سبحانك بعذاب القوم بالغرق، ومع ذلك فالحكم الحق إليك فأنت سبحانك أحكم الحاكمين، كأنه عليه السلام يستوضح ما هو حقيقة الأمر، ولم يذكر نجاة ابنه. ولا زاد على هذا. وبعد استفسار نوح عليه السلام. قال تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (٨١) قال المفسرون: بين الله سبحانه لنوح عليه السلام وجه الصواب فيما ذكره. فنوح قال: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) فقال تعالى: (إنه ليس من أهلك) فارتفع بذلك أثر حجته. والمراد بكونه ليس من أهله - والله أعلم - أنه ليس من أهله الذين وعده الله بنجاتهم، لأن المراد بالأهل في قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول) الأهل الصالحون وهو ليس بصالح وإن كان ابنه ومن أهله ولذلك علل قوله: (إنه ليس من أهلك) بقوله: (إنه عمل غير صالح) أي أن ابنك هذا ذو عمل غير صالح فليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم.

ويؤيد هذا المعنى قراءة من قرأ: (إنه عمل غير مالح) بالفعل الماضي. أي عمل عملا غير صالح. وقوله تعالى: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) أي لكونه عملا غير صالح. وأنت لا سبيل لك إلى العلم بذلك. فإياك أن تبادر إلى سؤال نجاته لأنه سؤال ما ليس لك به علم، وقوله: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) أي أني أنصح لك في القول أن لا تكون بسؤالك هذا من الجاهلين، وبعد أن نادى نوح ربه في يوم الغضب يوم العذاب الأليم. وبعد أن أخبره ربه بالمخبوء من أمر ابنه قال نوح: (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وألا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) (٨٢) قال المفسرون. لما تبين لنوح عليه السلام. إنه لو ساقه طبع الخطاب الذي خاطب به ربه إلى السؤال، كان سائلا ما ليس له به علم وكان من الجاهلين، وإن عناية الله حالت بينه وبين الهلكة، شكر ربه فاستعاذ بمغفرته ورحمته.

كانت هذه المشاهد وهذا النداء وإجابته في وقت كان الموج يضرب فيه بكل عنف، وروي أن الماء قد أطبق جميع الأرض. وارتفع على رؤوس الجبال

(٨١) سورة هود، الآية ٤٦.

(٨٢) سورة هود، الآية: ٤٧.

٥٨
بخمسة عشر ذراعا (٨٣). وكانت السفينة جارية على وجه الماء، سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته، وروي أن السفينة سارت على وجه الماء بنوح وأتباعه مائة وخمسون يوما (٨٤) وبعد أن غاب وجه الظلم تحت الماء في أعماق الطين. جاء أمر الله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (٨٥). (قيل) إن النداء نداء العظمة. والقائل هو الله. والأمر تحمله كلمة (كن) والأمر يترتب عليه من غير فصل. أن تبتلع الأرض. ما على وجهها من الماء وأن تكف السماء عن أمطارها.

وفي قوله تعالى: (وغيض الماء) لم يذكر الأرض. وفي قوله:

(واستوت على الجودي) لم يذكر السفينة. وفي قوله: (بعدا للقوم الظالمين) لم يقل بأنهم الظالمين من قوم نوح. إنها العظمة. ومن أراد أسماء النتائج فعليه بالمقدمات. وفي المقدمة قوم ظالمون وعدهم الله بالغرق. وبما أن هناك غرق ونجاة فلا بد من سفينة وماء. وعلى هذا فلو غيض الماء. فإنما تغيضه الأرض ولو استقر شئ واستوى، فإنما هي السفينة، وإذا قيل بعدا للقوم الظالمين، فإن القائل هو الله. والقوم هم المقضي عليهم بالعذاب، ولو قيل:

قضي الأمر. فإنما القاضي هو الله. والأمر هو ما نهى عنه نوح في مخاطبته في الذين ظلموا. وروي أن السفينة استقرت بهم على الجودي شهر (٨٦) والماء من حولها يذهب شيئا فشيئا بعد أن طهر الأرض من الذين وضعوا بذرة استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ودونوا لهذا الاستعباد فقهاء عريضا ذو ثقافة واسعة هدفها تحقير الإنسان وانتقاصه لصالح الأهداف الشيطانية.

وبعد أن غيض الماء يقول تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) (٨٧) قال

(٨٣) ابن كثير: ٤٤٦ / ٢.

(٨٤) البداية والنهاية ١١٦ / ١.

(٨٥) سورة هود، الآية: ٤٤.

(٨٦) البداية والنهاية: ١١٦ / ١.

(٨٧) سورة هود، الآية: ٤٨.

٥٩
المفسرون: معناه والله أعلم. يا نوح انزل مع سلامة من العذاب - الطوفان - وبركات وخيرات نازلة منا عليك. أو انزل بتحية وبركات نازلة منا عليك. وعلى من معك من المؤمنين ومن سيظهر من نسلهم من الصالحين. وممن معك أمم أو هناك أمم سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة إذن كرامة وزلفى.. وهذا الخطاب الإلهي تلقاه نوح عليه السلام في وقت لا يوجد فيه متنفس على وجه الأرض من إنسان وحيوان. فقد أغرقوا جميعا. ولم يبق منهم إلا جماعة المؤمنين بالسفينة. وهؤلاء هم الذين قضى الله أن ينزلوا إلى الأرض فيعمرها ويعيشوا فيها إلى حين.

الخاتمة:

لقد كان الغرق شاملا وهناك أدلة تثبت أن الطوفان كان شاملا وعم الأرض كلها. ومنها أن الله تعالى أمر نوحا عليه السلام بأن يحمل من كل زوجين اثنين، فلو كان الطوفان في بقعة معينة. لم يكن في حاجة إلى أن يحمل في السفينة من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين، ودعوة نوح عليه السلام كانت دعوة عامة، ولقد قام عليه السلام بالتحرك في المجتمعات البشرية قلت أو كثرت على امتداد دعوته، وعموم الدعوة يقضي بعموم العذاب، لهذا قال في دعائه: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) فالطائفة التي نزلت عند الجودي وهو جبل قيل إنه بديار نكر من الموصل. وقيل إنه شرقي دجلة على جزيرة ابن عمر. هذه الطائفة هي البذرة الأولى للمسيرة البشرية بعد الطوفان. وإلى هذه النواة ينتهي نسل البشر اليوم.

لقد شاء الله أن يجعل اليوم الأليم فاتحة لاستقرار طائفة المؤمنين على الأرض، لترى البشرية على امتداد مسيرها أن أول لبنة في ماضيها من طين وماء، فأما الطين فباطنه عذاب خزي وعذاب أليم. وأما الماء فعلى صفحته جرت سفينة ذات ألواح ودسر وعلى ظهرها المتقين، لقد جعل الله العذاب الأليم بداية. كي تنظر الأمم في البدايات لتعتبر يقول تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) (٨٨) قال المفسرون: الضمير للواقعة أو النجاة.

(٨٨) سورة العنكبوت، الآية: ١٥.
٦٠