×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إبتلاءات الإمم / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

ثانيا - [ أضواء على المسيرة ]

أولا - [ أضواء على الساحة بعد وفاة النبي (ص) ]

كان الساحة بعد وفاة النبي (ص) بها جميع الأنماط البشرية، بها المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وبها الذين في قلوبهم مرض أو زيغ، وهؤلاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد المسيرة البشرية.

وكان الذين في قلوبهم مرض يختزنون في ذاكرتهم ببعض ما أخبر به النبي (ص) فيما يستقبل الناس، ومنه تفسيره لقوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) (١) وقوله: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) (٢) وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) (٣)، وقول النبي القرشي " يا معشر قريش، ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم على الدين " فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان ألقى نعله إلى علي بن أبي طالب يخصفها " (٤).

(١) سورة الحج آية ٧٨.

(٢) سورة الزخرف آية ٤١.

(٣) سورة إبراهيم آية ٢٨.

(٤) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ١٣٨ / ٢) وابن جرير والضياء بسند

٣٠١
وكان بالساحة أفرادا وقبائل ذمهم أو لعنهم الله تعالى على لسان رسوله (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه لما يعلم الله ما في قلوبهم، ومنه أمره (ص) بجهاد مخزوم وعبد شمس (١) وقوله " إن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم (٢) وفي رواية: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة (٣) ولعنه للحكم بن أبي العاص (٤) ولعنه أبو الأعور السلمي (٥) ولعنه لأحياء: لحيان ورعلا وذكوان وعصية (٦) وكان بالساحة مجموعة تخريبية من اثني عشر رجلا، حاولوا قتل النبي (ص) عند عودته من تبوك.

آخر غزواته، وأسر النبي (ص) بأسمائهم إلى حذيفة، وكان حذيفة وعمار بن ياسر معه (ص) عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "، وقال النبي (ص) لحذيفة " فإن هؤلاء فلانا وفلانا (حتى عدهم) منافقون لا تخبرن أحد " (٧)، وعدم إفشاء النبي (ص) بأسمائهم يستنتج منه. أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم وإنما من أشد الناس فتكا، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها

صحيح (كنز ١٧٣ / ١٣) والترمذي وصححه (الجامع ٦٣٤ / ٥).

(١) رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (كنز ٤٨٠ / ٢).

(٢) رواه نعيم بن حماد والحاكم (كنز ١٦٩ / ١١).

(٣) رواه نعيم بن حماد وقال ابن كثير رواه البيهقي ورجاله ثقات (كنز العمال ٢٧٤ / ١١) (البداية ٢٦٨ / ٦).

(٤) أنظر: مجمع الزوائد ١١٢ / ١، المستدرك ٤٨١ / ٤، البداية والنهاية ٥٠ / ١٠، الإصابة ٢٩ / ٢.

(٥) كنز العمال ٨٢ / ٨.

(٦) مسلم (الصحيح ١٣٥ / ٢).

(٧) محاولة الاغتيال رواها الإمام أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم (أنظر الزوائد ١١٠ / ١١).

٣٠٢
الناس بأن محمدا في آخر أيامه بدأ يقتل أصحابه، ويستنتج منه أيضا أن الله تعالى شاء أن تنطلق المسيرة تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بعد أن تبينت طريق الحق وطريق الباطل، وإخفاء أسماء المجموعة التخريبية هو في حقيقته دعوة للالتفاف حول الذين بينهم وأظهرهم رسول الله للناس. وروى الإمام مسلم عن حذيفة أنه قال " أشهد الله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " (١)، وروى عن عمار بن ياسر أنه قال " قال رسول الله (ص): إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط " (٢)، وكان عمار بن ياسر علامة مميزة في المسيرة لأنه كان يحمل قول النبي (ص) فيه " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " (٣).

فالساحة بعد وفاة النبي (ص) كان بها جميع التيارات، وكان بها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويبدو من قراءة الأحداث أن الساحة كان بها مجموعة من أصحابه أخذت في اعتبارها أن ولاية علي بن أبي طالب قد تؤدي إلى أحداث اعتقدوا أنها يمكن أن تعصف بالدعوة، فاختاروا حلا وسطا ويبتعد به علي بن أبي طالب عن مركز الصدارة، وتظل به الدعوة قائمة، ويشهد بذلك قول أبي بكر رضي الله عنه لرافع بن أبي رافع حين عاتبه على توليه الخلافة " إن رسول الله (ص) قبض والناس حديثو عهد بكفر فخفت أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره " (٤) وفي رواية قال " تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها

(١) رواه مسلم (الصحيح ١٢٥ / ٧).

(٢) رواه مسلم (الصحيح ١٢٤ / ٧) وأحمد (الفتح الرباني ١٤٠ / ٢٣).

(٣) رواه البخاري ك لصلاة ب التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد (الفتح الرباني ٣٣١ / ٢٢).

(٤) رواه ابن خزيمة في صحيحه والبغوي وابن راهويه (كنز العمال ٥٨٦ / ٥).

٣٠٣
ردة " (١) ويشهد به أيضا قول عمر بن الخطاب أثناء خلافته " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة " (٢)، قال في لسان العرب: يقال كان ذلك الأمر فلتة. أي فجأة إذا لم يكن عن تدبر ولا ترو، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي حديث عمر. أراد فجأة وكانت كذلك لأنها لم ينتظر بها العوام، وقال ابن الأثير في حديث عمر: والفلتة كل شئ فعل من غير روية، وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر (٣).

ويشهد به قول عمر لابن عباس: يا ابن عباس ما منع قومكم منكم؟ قال: لا أدري، قال: لكني أدري يكرهون ولايتكم لهم. يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة (٤)، وزاد في رواية: فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت (٥).

وروي أن عمر بن الخطاب عندما اختلف بعض الأنصار مع بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، على من الذي يتولى الخلافة ومن يتولى الوزارة، أمر عمر بقتل مرشح الأنصار سعد بن عبادة، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالأيدي، روى الطبري: قال ناس من أصحاب سعد: إتقوا سعد ألا تطؤه، فقال عمر: إقتلوه إقتلوه، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك (٦)، وروى البخاري: قال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله (٧)،

(١) رواه أحمد بسند صحيح (الفتح الرباني ٦١ / ٢٣).

(٢) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني ٦٠ / ١) والطبري (تاريخ الأمم والملوك ٢٠٠ / ٣).

(٣) لسان العرب مادة فلت ص ٣٤٥٥.

(٤) تاريخ الأمم والملوك ٣٠ / ٥.

(٥) المصدر السابق ٣١ / ٥.

(٦) المصدر السابق ٢١٠ / ٣.

(٧) البخاري (الصحيح ٢٩١ / ٢).

٣٠٤
وكتبت النجاة لسعد، وروي أنه قال بعد بيعة أبي بكر " لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي " (١)، ولم يبايع سعد حتى خرج في خلافة عمر بن الخطاب إلى الشام، وقتل في الطريق، وروي أن الجن هم الذين قتلوه!

ثانيا - [ أضواء على حركة الاجتهاد والرأي ]

على امتداد عهد البعثة كان النبي (ص) يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم. أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه، وكان بالساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فجنبوا عنه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شئ موضعه، وقد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهين، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه به، ولا ما عنى رسول الله (ص)، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله في من كان يسأله يستفهمه، حتى إن كانوا يحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه الصلاة

(١) تاريخ الأمم ٢١٠ / ٣.

٣٠٥
والسلام حتى يسمعوا، وقال الإمام علي: وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألته عنه وحفظته (١). ويضاف إلى هذه الأصناف، الذين احترفوا الكذب على رسول الله (ص)، ولقد كذب على رسول الله (ص) على عهده، حتى قام خطيبا فقال " من كذب علي معتمدا. فليتبوأ مقعده من النار ".

ونظر لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله تعالى يقول (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٢). وفيه تبيان كل شئ. وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا. وإنه لا اختلاف فيه.

(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (٣). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه. ولا تنقضي غرائبه. ولا تكشف الظلمات إلا به " (٤).

ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله (ص)، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم

(١) أنظر شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ص ٥٩١ / ٣.

(٢) سورة الأنعام آية ٣٨.

(٣) سورة النساء آية ٨٢.

(٤) شرح النهج / ابن أبي الحديد ٢٣٣ / ١.

٣٠٦
رسول الله (ص). يشبع بطنا، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون " (١)، وروى البخاري أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان، وذلك عندما استأذنه أبو موسى، وعندما لم يؤذن له رجع، فقال له عمر: ما منعك؟ قال: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال النبي (ص): إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس من الأنصار، وقال: أمنكم أحد سمعه من رسول الله (ص)؟ فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. وفي رواية: لا يشهد إلا أصاغرنا (٢). قال أبو سعيد الخدري. وكنت أصغر القوم. فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي (ص) قال ذلك (٣)، وفي رواية: قال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله (ص). ألهاني الصفق بالأسواق " (٤).

ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه " أن أبا بكر وعمر وناس، جلسوا بعد وفاة النبي (ص)، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك. ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله... " (٥).

ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع. فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف

(١) البخاري (الصحيح ٢١٤ / ١).

(٢) البخاري ك الإعتصام (الصحيح ٢٦٩ / ٤).

(٣) البخاري ك الإستئذان (الصحيح ٨٨ / ٤).

(٤) البخاري ك الإعتصام (٢٦٩ / ٤).

(٥) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم وصححه وقال صحيح على شرط مسلم (الترغيب والترهيب ١٨٤ / ٣).

٣٠٧
منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر فيه سنة النبي في في ذلك (١)، ولم يعلم عمر حكم الجنين إذا أسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيرة بقضاء رسول الله (ص) في ذلك (٢)، واختلفوا في ميراث الجدة (٣).

وبالجملة: اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال " إن أبا بكر حين استخلف، قعد في بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه. وقال: أنت كلفتني هذا الأمر. وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله (ص). قال " إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران. وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا واحدا،. فكأنه سهل على أبي بكر " (٤).

ثالثا - [ المقدمات العمرية والنتائج الأموية ]

أولا - (الأمر برواية الحديث)

أمرت الدعوة الإلهية الخاتمة بتدوين ما بين الناس حفظا للحقوق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، إلى قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) (٥)، قال الخطيب البغدادي: أدب الله تعالى عباده. بقيد ما بينهم من معاملات في بداية التعامل حفظا للدين وإشفاقا من دخول الريب فيه، فلما أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظا له، كان العلم الذي

(١) أخرجه الشافعي في الأم بسند حسن. والنسائي.

(٢) رواه البخاري ك الديات (الصحيح ١٩٣ / ٤).

(٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩٨ / ١٥) والترمذي (الجامع ٤١٩ / ٤).

(٤) رواه البيهقي وابن راهويه وخثيمة (كنز العمال ٦٣٠ / ٥).

(٥) سورة البقرة آية ٢٨٢.

٣٠٨
حفظه أصعب من حفظ الدين. أحرى أن تباح كتابته خوفا من دخول الريب والشك فيه (١)، والكتابة أوكد الحجج، ببطلان ما يدعيه أهل الريب والضلال، فالمشركين لما ادعوا بهتانا اتخاذ الله سبحانه بنات من الملائكة، أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) (٢).

والنبي (ص) أمر بكتابة العلم وقال " قيدوا العلم بالكتاب " (٣) وعن رافع قال " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: تحدثوا. وليتبوأ من كذب علي مقعده من النار، قلت: يا رسول الله إنا لنسمع منك أشياء فنكتبها؟

قال: إكتبوا ولا حرج " (٤)، وعن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي (ص) أكثر مني حديثا عن رسول الله إلا ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب " (٥).

وروي أن النبي (ص) قال " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٦)، وكان يقول " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه " (٧)، وقال " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم " (٨).

(١) تقييد العلم / الخطيب البغدادي ص ٣٤.

(٢) سورة الصافات آية ١٥٧.

(٣) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ١٥٢ / ١) وابن عبد البر (جامع العلم ٨٦ / ١١).

(٤) رواه الطبراني (الزوائد ١٥١ / ١) والخطيب وسمويه (كنز العمال ٢٣٢ / ١٠).

(٥) رواه الترمذي وصححه (الجامع ٤٠ / ٥).

(٦) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩١ / ١) والحاكم (المستدرك ١٠٩ / ١).

(٧) رواه أحمد (كنز العمال ٢٢٠ / ١٠) والترمذي وابن حبان في صحيحه (كنز ٢٢١ / ١٠).

(٨) رواه أحمد وأبو داوود والحاكم (كنز ٢٢٣ / ١٠).

٣٠٩
ولقد وقف البعض من قريش في طريق الرواية والكتابة، ومن المحفوظ أن الله تعالى لعن على لسان رسوله (ص) بعض الأفراد والقبائل، وأن الرسول ذكر أسماء رؤوس الفتن وهو يخبر بالغيب عن ربه، حتى أن حذيفة قال " والله ما ترك رسول (ص) من قائد فتنة. إلى أن تنقضي الدنيا بلغ معه ثلثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته " (١) ويشهد بصد قريش عن الرواية، ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله أقيد العلم؟ قال: نعم، قلت؟ وما تقييده؟ قال:

الكتابة (٢)، وروي عنه أنه قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (ص) أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله (ص)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله (ص)، فقال: أكتب والذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق - وأشار إلى فيه (٣)، وما حدث مع عبد الله، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قلت يا رسول الله - أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا (٤).

وبينما كان النبي (ص) يحث على الرواية والكتابة على امتداد عهد البعثة، كان يخبر بالغيب عن ربه بأنه يوشك أن يكذبه أحدهم، وأن الرواية سيتم تعطيلها إلى أن يشاء الله، فعن معد يكرب قال " قال رسول الله (ص)، يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته.

يحدث بحديث من حديثي فيقول. بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه

(١) رواه أبو داوود حديث رقم ٤٢٤٣.

(٢) رواه الطبراني (الزوائد ١٥٢ / ١).

(٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٧٣ / ١) والحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ١٠٦ / ١) وأبو داوود (حديث رقم ٣٦٤٦) والدرامي في سننه ١٢٥ / ١.

(٤) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ٨٥ / ١) والخطيب (تقييد العلم ص ٧٤).

٣١٠
من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله " (١). وقال (ص) لأصحابه " لألفين أحدهم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه " (٢)، وقوله يوشك إشارة إلى أن الأمر قريب، وقوله متكئ على أريكته، المتكئ. كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا.

(إجتهادات الصحابة في رواية الحديث وتدوينه):

إجتهد أبو بكر رضي الله عنه في رواية الحديث وتدوينه، روى الحافظ عماد الدين بن كثير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص)، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمتني، فقلت: تتقلب بشكوى أو بشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئت لها، فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك. فيكون فيها أحاديث عن رجل إئتمنه ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك " (٣)، وذكر الذهبي في تذكرته. عن أبي بكر أنه قال " إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا، بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " (٤).

(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩١ / ١) والحاكم وصححه (المستدرك ١٠٩ / ١) والترمذي وصححه (الجامع ٣٨ / ٥).

(٢) رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة والحاكم وصححه (كنز ١٧٤ / ١) والترمذي وصححه (الجامع ٣٧ / ٥).

(٣) رواه ابن كثير (كنز العمال ٢٨٥، ٢٨٦ / ١٠).

(٤) تذكرة الحفاظ ٢، ٣ / ١.

٣١١
وروي أن عمر بن الخطاب في خلافته قال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا " (١) وروي عن مالك أن عمر قال " لا كتاب مع كتاب الله " (٢)، وعن يحمى بن جعدة قال: أراد عمر أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ من ذلك فليمحه " (٣)، وعن القاسم بن محمد أن عمر قال: لا يبقى أحد عنده كتاب إلا آتاني به فأرى فيه رأيي، فظن الناس أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار (٤).

وعن سعد بن إبراهيم عن أبيه. أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء، ما هذا الحديث عن رسول الله (ص)، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب (٥)، وعن السائب بن يزيد قال:

سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله (ص). أو لألحقنك بأرض دوس (٦)، وعن الزهري عن أبي سلمة قال:

سمعت أبو هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول. قال رسول الله (ص).

حتى قبض عمر بن الخطاب (٧).

(١) رواه ابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠) وابن سعد (كنز ٢٩٣ / ١٠) والخطيب (تقييد العلم ص ٤٩).

(٢) رواه ابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠).

(٣) رواه خيثمة وابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠) والخطيب (تقييد العلم ٥٣).

(٤) رواه الخطيب (تقييد العلم ٥٢).

(٥) رواه ابن عبد البر (كنز العمال ٢٩٢ / ١٠) وابن سعد (كنز ٢٩٣ / ٠ ١) والخطيب (العلم ٤٩).

(٦) رواه ابن عساكر (٢٩١ / ١٠).

(٧) رواه ابن كثير (البداية والنهاية ١٠٧ / ٨).

٣١٢
وبعد عمر بن الخطاب بدأ بعض الصحابة يروون بعض ما عندهم، فأخذ عثمان بن عفان بسنة عمر في عدم الرواية، فعن محمود بن لبيب قال: سمعت عثمان بن عفان يقول، لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع في عهد أبي بكر ولا عهد عمر " (١)، ثم أخذ معاوية بن أبي سفيان بهذه السنة، فقال " أيها الناس، أقلوا الرواية عن رسول الله (ص)، وإن كنتم تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر " (٢).

وعندما جاء عهد الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن السواد الأعظم من الأمة يعرفون عنه إلا القليل، وذلك لأن عهده جاء بعد وفاة النبي في بربع قرن تقريبا، عتم فيها عدم الرواية على منزلته ومناقبه، وفي عهد علي بن أبي طالب بدأ الصحابة يروون الأحاديث عن رسول الله (ص)، وكان علي يقول " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس " (٣)، وعن الحسن بن علي قال " قال رسول الله (ص)، رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله يا رسول الله؟ قال:

الذين يحيون سنتي ويعلمونها للناس " (٤)، وعن سعيد بن المسيب قال " ما كان أحد من الناس يقول سلوني، غير علي بن أبي طالب "، وكان علي يحض الناس على السؤال ويقول " ألا رجل يسأل فينتفع. وينتفع

(١) رواه ابن سعد (الطبقات ٣٣٦ / ٢) وابن عساكر (كنز ٢٩٥ / ١٠).

(٢) رواه ابن عساكر (كنز ٢٩١ / ١٠).

(٣) رواه الطبراني والرامهرمزي والخطيب والديلمي وابن النجار والدينوري والقشيري ونصر (كنز العمال ٢٩٤ / ١٠).

(٤) رواه ابن عساكر وأبو نصر السجزي (كنز ٢٢٩ / ١٠).

(٥) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٣٧ / ١).

٣١٣
جلساءه " (١)، وكان يقول " تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس (أي تعهدوه لئلا تنسوه) (٢) وقال " تعلموا العلم. فإذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب " (٣).

وبالجملة: بينت الدعوة الإلهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم (ص)، لا غنى للمسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي (ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم (ص) أجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين، ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير: هذا معروف عن عمر (٤)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الأحاديث الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلا في عهد الإمام علي بن أبي طالب (٥).

(من آثار عدم الرواية والتدوين):

كانت أهم آثار عدم الرواية، ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الأحاديث الإسرائيلية، ورفع القص من شأنه أفراد وقبائل ذمهم الله على لسان رسوله، وفي نفس الوقت عتم القص على

(١) المصدر السابق ١٣٧ / ١.

(٢) رواه الخطيب (كنز العمال ٣٠٤ / ١٠).

(٣) رواه عبد الله بن أحمد والخطيب (كنز ٣٠٤ / ١٠).

(٤) البداية والنهاية ١٠٧ / ٨.

(٥) أنظر / معالم الفتن / سعيد أيوب ط دار الكرام بيروت.

٣١٤
أفراد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي عهد الإمام علي عندما أظهر الإمام أحاديث رسول الله، قابله أهل الشام وغيرهم بأحاديث يجري القص في عروقها، وترتب على ذلك اختلاط الأمور على السواد الأعظم من الأمة ولم يكونوا من الصحابة حتى يميزوا بين الصالح وبين الطالح، وجرت المعارك، ثم إختلفت الأمة وتفرقت. وكل فرقة كان في حوزتها أحاديث تتفق مع أهواء شيوخهم.

١ - أضواء على القص:

قال رسول الله (ص) " إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا " (١). وقال " سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم " (٢)، وأول من أمر بالقص، عمر بن الخطاب، روى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد قال: " إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله (ص) ولا أبي بكر. كان أول من قص تميم الداري. إستأذن عمر أن يقص على الناس قائما فأذن له " (٣).

واستلم بني أمية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: إنا جمعنا الناس على أمرين. رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر " (٤)، ولبس القص الزي الديني في عهد بني أمية، وذلك أن النبي (ص) كان يبدأ بالصلاة في العيدين ثم يخطب بعد ذلك، ففعل بني أمية العكس. وبدؤوا بالخطبة لينشروا بذلك مذهبهم السياسي بين الناس، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري.

(١) رواه الطبراني ورجاله موثقون وفيه الأجلح الكندي والأكثر على توثيقه (الزوائد ١٨٩ / ١).

(٢) رواه ابن فضالة في أماليه (كنز العمال ٢٨٢ / ١٠).

(٣) رواه أحمد والطبراني (الزوائد ١٩٠ / ١) والعسكري عن بشر بن عاصم (كنز ٢٨١ / ١٠) والمروزي عن أبي نضرة (كنز ٢٨١ / ١٠).

(٤) رواه أحمد والبزار وقال ابن حجر إسناده جيد (الفتح الرباني ١٩٤ / ١).

٣١٥
أن رسول الله (ص). كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر. فيبدأ بالصلاة.

فإذا صلى صلاته وسلم. قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم. فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس. أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها (١).

أما التغيير ففي ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري " أن مروان خطب قبل الصلاة. فقال له أبو سعيد: غيرتم والله. قال مروان: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، قال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة " وقد اختلف في أول من سن هذه السنة، قال في تحفة الأحوازي: اختلف في أول من غير ذلك، فرواية الإمام مسلم صريحة في أن مروان أول من بدأ الخطبة قبل الصلاة، وقيل. سبقه إلى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، وروى أن مروان فعل ذلك تبعا لمعاوية، ومعاوية عندما قدم المدينة قدم الخطبة (٢)..

وكان الإمام علي يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن أبي البحتري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس. ولكنه يقول أنا فلان بن فلان. اعرفوني، فأرسل إليه فقال:

أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال: أخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه (٣).

(١) رواه مسلم (الصحيح ٢٠ / ٣).

(٢) تحفة الأحوازي ٧٤ / ٣.

(٣) رواه العسكري والمرزوي (كنز العمال ٢٨١ / ١٠) وانظر: كنز العمال ٢٨٢ / ١٠.

٣١٦
وبالجملة: قال في الفتح الرباني: القص هو إخبار الناس بقص الماضين، وعمل ذلك مذموم شرعا، لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية، ولم يعهد ذلك في عصر النبي (ص). وقال ابن حبان. قال أبو حاتم: كان القصاصون يضعون الحديث في قصصهم، وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع أكثر جسارة على وضع الحديث (١)، كما وضعوا أحاديث تنافي عصمة الأنبياء. فجعلتهم يخطؤن، ونسبوا إلى النبي (ص) أنه كان يسب ويلعن ويجلد بغير سبب، ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة وأنه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين جلدوا الشعوب وضيعوا الصلاة، وأن يعطوا للذين لعنهم الله على لسان رسوله (ص). جواز المرور لتولي المراكز القيادية.

ووضع القصاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، والصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل ولا يجوز أن يفسر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث. أن الله يشغل حيزا من المكان، ويضحك وينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يتألف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.

وبالجملة: كان القص وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه إختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقيمية إلا بعد عناء شديد، وكان القص وراء إهمال الواجبات والتسامح في المحرمات والتهاون بالسنن والمستحبات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادئ والمنظمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادئ انقسمت الأمة إلى قوافل. وكل قافلة تتولى حزبا وتحبه. لأنها

(١) المجروحين / ابن حبان ص، ٨٨ / ١.
٣١٧
كتاب ابتلاءات الأمم لـ سعيد أيوب (ص ٣١٨ - ص ٣٤١)
٣١٨
رسول الله (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلثمائة فصاعدا، إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته " (١) ومعنى " أم تناسوا " أي أظهروا النسيان لمصلحة، ومعنى " باسمه واسم أبيه " يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما، مجملا فالاستقصاء متصل.

وروي عن حذيفة أنه قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي (ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون (٢)، وقال: إنما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان (٣)، وحذيفة مات بعد مقتل عثمان بأقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على الالتفاف حول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وأمر ولداه بالقتال مع علي، فقاتلا تحت أعلام الإمام علي، حتى قتلا (٤).

وبعد ظهور النفاق في ظل سياسة اللارواية، خاف الصحابة فلم يحدثوا بالأحاديث الكاشفة، ويشهد بذلك، ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله (ص) وعاءين. فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم، (٥)، وعنه أنه قال: قال رسول الله (ص) " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش " إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان (٦) وعنه أنه قال: إني لأحدث أحاديث. لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي (٧).

(١) رواه أبو داوود ٤٢٤٣.

(٢) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).

(٣) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).

(٤) أنظر: معالم الفتن / سعيد أيوب.

(٥) البخاري (الصحيح ٣٤ / ١).

(٦) البخاري (الصحيح ٢٨٠ / ٢).

(٧) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٤٨ / ١) وابن كثير (البداية والنهاية ١٠٧ / ٨).

٣١٩
ويشهد به أيضا، ما روي عن بجالة قال. قلت لعمران بن حصين:

حدثني عن أبغض الناس إلى رسول الله (ص)، فقال: تكتم علي حتى أموت؟ قلت: نعم، قال: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة (١). ومن الثابت والمعروف أن بني أمية شقوا طريقهم نحو السلطة بعد وفاة النبي (ص).

بتأمير أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان على الشام (٢). وبعد وفاة يزيد. قام عمر بتأمير معاوية (٣). وروي أن عمر كان يقول للناس:

أتذكرون كسرى وعندكم معاوية (٤)، وقال لهم عندما ذكروا معاوية: دعوا فتى قريش وابن سيدها. إنه لمن يضحك في الغضب. ولا ينال منه إلا على الرضا " (٥).

وأحاديث النبي (ص) التي يحذر فيها من بني أمية، أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي ذر أنه قال. قال رسول الله (ص) " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا " (٦). ومعنى (مال الله دولا) أي يكون لقوم دون قوم (وعباد الله خولا) أي خدما وعبيدا (ودين الله دغلا) أي يدخلوا في الدين أمور لم ترد بها السنة.

والحديث روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي ذر، ورواه الإمام أحمد والحاكم وأبو يعلى والطبراني والبيهقي، وروي بلفظ " إذا بلغ بنو أبي العاص " وبلفظ " إذا بلغ بنو فلان "، وقال الحاكم بعد

(١) نعيم بن حماد (كنز العمال ٢٧٤ / ١١).

(٢) تاريخ الأمم والملوك ٢٨ / ٤.

(٣) ابن سعد (كنز العمال ٦٠٦ / ١٣) البداية والنهاية ١١٨ / ٨، تاريخ الأمم ٦٩ / ٥، الإستيعاب ٥٩٦ / ٣.

(٤) تاريخ الأمم ١٨٤ / ٦، الإستيعاب ٥٩٦ / ٣.

(٥) الديلمي (كنز ٥٨٧ / ١٣) البداية والنهاية ١٢٥ / ٨، الإستيعاب ٥٩٧ / ٣.

(٦) الحاكم وصححه (المستدرك ٤٧٩ / ٣).

٣٢٠